من دفتر السجن – 1

من دفتر السجن (1)

جان كورد‏28‏ تشرين الأول‏، 2013

kurdaxi@live.com    https://cankurd.wordpress.com

 متى يبدأ الربيع؟

فيما مضى

كانت ذاكرتي عجيبة

أما الآن

فما عدت أتذكر

أين التقينا أول مرة

أنا والحبيبة…

ما عدت أتذكر يوم ميلادي

صور زملائي

وأسماء أولادي…

ما عدت أتذكر أسماء الجبال

وأنهار بلادي…

من أين تبدأ وأين تنتهي…

بالأمس

كانت مغروسة في فؤادي

كالأوتادِ…

وينابيع قريتي

كانت تنبض بالحياةِ في دمي

تصدح بالأورادِ…

ما عدت أتذكر دروس الجغرافيا

ولا فصول التاريخ…

لكني أتذكر -أبداً –

قدوم الربيع كل سنةٍ

كعودة السنونو…

ففي الربيع تندلع ألسنة نيران “كاوا”

على قمم جبالنا العالية

المكللة بالكبرياء… والعنادِ

أسمع في نيروزنا ملاحم عن ميديا

وأغنياتٍ تبدأ ب “لى…لى ولو…لو”

وأكتب قصائد جديدة

عن الحرية…

وا أسفي!

ها أنا ذا بعيد عن الينابيع الثرية

أشكو ضعف ذاكرتي

خلف هذه القضبان الصلبة

والجدران الرطبة

والسقوف التي تعشعش فيها الكراهية

اليوم

كتبت قصيدة جديدة

لا أدري أين هي

هل لف بورقها سجين آخر سيجارته العربية؟

أم أن حارساً أخذها لزوجته الغبية؟

أو أنها تقبع في ملفٍ أسودٍ

في ظلمةٍ أزلية؟

بالأمس كانت ذاكرتي عجيبة

أما الآن…

فما عدت أتذكر

سوى المدن المنهارة وسط أعمدة الدخان

ورائحة البارود

ونفايات القصور الفرعونية…

1975

وماذا بعد الزيارة إلى تركيا؟

30حزيران‏، 2013

لم تكن لزيارة أي سياسي كردي سوري لتركيا أصداء إعلامية بمستوى صدى زيارة السيد صالح مسلم التي تمت “تلبية لدعوة من السيد وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو”، فلقد تناقلت وكالات الإعلام الكردستانية والإقليمية والعالمية الخبر بنهمٍ ملحوظ ونشرته بإثارة مصحوبة بالتكهنات والتوقعات والتحليلات، منها الواقعية ومنها الخيالية، وذلك لأسباب عديدة، منها أن زيارة السيد صالح مسلم قد تلت مباشرة اشتداد المعارك بين “قوات حماية الشعب”  التابعة لحزبه، حزب الاتحاد الديموقراطي، وقوات المجموعات الإسلامية المتشددة، وفي مقدمتها “جبهة النصرة” التي تم إدراجها في قائمة “المنظمات الإرهابية” في العالم الحر الديموقراطي، والتي اتهمها السيد مسلم ورفاقه وجوقة الإعلاميين التابعة لحزبه بأنها مدعومة من تركيا المحكومة من قبل “إسلاميين!” معادين للحرية والديموقراطية ويعملون على نسف كل إنجاز قومي كردي أينما كان، ويسخرون لسياساتهم العدوانية عصاباتٍ سرقت اسم المعارضة الوطنية السورية، وحفنة من “خونة الشعب الكردي!”، كما جاءت هذه الزيارة المثيرة للعديد من التساؤلات بعد اجراء الانتخابات القيادية في حزب العمال الكردستاني، الذي يحتضن حزب السيد مسلم منذ تأسيسه، بل ما كان السيد مسلم ليصبح عضواً في مجلس الرئاسة لحزبه ونائباً لرئيس هيئة التنسيق الوطني السورية من دون موافقة من قيادة العمال الكردستاني، كما نعلم عن تركيبة وفكر وممارسة هذا التنظيم من خلال مراقبة طويلة الأمد له.

ومعلوم أن الحكومة التركية كانت في فترةٍ سابقة أحد الأطراف التي تتهم حزب الاتحاد الديموقراطي بولائه لنظام الأسد وبتبعيته لحزب العمال الكردستاني، وكانت ترفض علانيةً قيام الكرد في غرب كوردستان بأي خطوة عملية لتحقيق شكلٍ من أشكال الإدارة الذاتية في منطقتهم المحاذية للحدود التركية – السورية العراقية لما يقارب الألف كيلو متر امتداداً.

فماذا حدث؟ ولمَ كانت هذه الزيارة؟

ولكن قبل ذلك، يجدر القول بأن اغتيال الكادر القيادي المتقدم لحزب الاتحاد الديموقراطي، السيد عيسى حسو، قد يكون ثمناً باهظاً لتلك الزيارة، حيث اغتيل بوضع مواد متفجرة في عربته، التي تفجرت في الصباح الباكر، وكأن الذين لم تعجبهم تلك الزيارة بعثوا بذلك رسالة واضحة للأتراك ولحزب السيد مسلم معاً، وهنا يتساءل المرء عن دور مخابرات نظام الأسد، التي أدركت بأن رأس الحبل في المنطقة الكردية قد تم انتزاعه من أياديها، وأنه لم يعد لها حليف قوي فيها، في حين أن دور “ميت” التركي هو الأقوى بعد الآن.

قد يقول قائل:” لماذا تظنون الظنون بهذه الزيارة العلنية التي تمت في وضح النهار لرئيس مشارك لحزب “يلقي الرعب” في قلوب العثمانيين والأسديين والإسلاميين معاً؟” فنقول:” مثلما كنتم تظنون بالسياسيين الكرد الذين زاروا تركيا للمشاركة في مؤتمراتٍ للمعارضة السورية، هكذا نظن أيضاً بساستكم، لأنهم من ذات الطينة القومية التي جبل منها سياسيو حزبكم، والتي تجدونها قادرة على بيع كرامتها الإنسانية مقابل حفناتٍ من المال التركي” وكما تكيلون يكال لسياساتكم المتشقلبة هذه…”

وكما أن أيادي الغدر نالت من ثلاثة ناشطات كورد في قلب العاصمة الفرنسية باريس على أثر الإعلان عن مبادرة السيدين أوجلان وأردوغان بصدد المضي قدماً على طريق التصالح والحوار والسلام لما فيه منفعة الشعبين الكردي والتركي، فإن ما سبق اغتيال الكادر النشيط السيد عيسى حسو أيضاً قد يكون اتفاقاً آخر بين الحكومة التركية وبين حزب الاتحاد الديموقراطي، وهذا ما يقلق أطرافاً معينة في المنطقة، وفي سوريا خاصةً، فأي تقارب كردي – تركي صميمي وثابت يعني احداث تغييرات جذرية على رقعة الشطرنج الشرق – أوسطي، وأول الرافضين لذلك هو إيران وسوريا والعراق الواقع تحت السيطرة الإيرانية عملياً.

بعض الناشطين الكرد يتوجسون من اندلاع خلافات داخلية في حزب العمال الكوردستاني، وهكذا فإن مسلسلاً  للاغتيالات سيحدث في هذه الحال مثلما تم تصفية الكوادر التي انشقت عن حزب العمال وساهمت في تأسيس تيار المستقبل الكردي للشهيد مشعل التمو، ومن ثم بدأوا بتأسيس “الوفاق الكردي” وعلى رأسهم كمال شاهين والجنرال حفتارو،  ولكن بالمقابل يرى بعض المراقبين أن السيد صالح مسلم لم يكن ليتجرأ على الدخول في مباحثات مع جهاز (ميت) التركي، من دون موافقة مسبقة على ذلك من قبل قيادة حزب العمال الكوردستاني، الذي تسلم أرفع منصبٍ فيه بعد منصب الزعيم أوجلان، السيد جميل بايق، الكادر العريق المحسوب على المحور الإيراني في الحزب. والمحور الإيراني معروف بعدائه للحكومة التركية الداعمة للمعارضة السورية في وجه الحليف السوري لهذا المحور. فهل زيارة السيد صالح مسلم تدشن نهاية المرحلة التي كان فيها أمام الحزب الأوجلاني فرصة الاختيار بين الحلف التركي والإيراني – السوري والخطوة الثانية في تكريس السلام بينه وبين الحكومة التركية؟

هناك أيضاً الدور الهام لرئاسة إقليم جنوب كوردستان ورئاسة حكومته في دعم التقارب التركي – الكردي، وتمهيد الأرضية اللازمة باستقبال ممثلي الطرفين، الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني، مراراً وتكراراً في عاصمة الإقليم، بهدف التقريب بين وجهات النظر وتحقيق ما يلزم لمتابعة الملف الكردي في شمال كوردستان، والاستعانة في ذلك بالمساهمة الإيجابية في التواصل والتلاقي من قبل حزب السلام والديموقراطية، الذي له نواب في البرلمان التركي، ويتمتع بشعبية واسعة بين الشعب الكردي ويحتاج حزب العدالة والتنمية للسيد رجب طيب أردوغان، رئيس الحكومة التركية، إلى أصوات نوابه البرلمانيين.

ويبقى احتمال نشوب صراعٍ داخلي في صفوف حزب العمال من أسوأ الاحتمالات، على الرغم من ضعفه وعدم ملاءمته للواقع الذي تشهده الأوضاع في غرب كوردستان خاصةً وفي كوردستان عامةً.

إلا أن ما يزيد الطين بلة في هذه المنطقة من شمال سوريا هو اندلاع القتال مجدداً بين “جبهة النصرة” و”جبهة الأكراد” التي هي تسمية أخرى لمقاتلي حزب الاتحاد الديموقراطي كما يبدو، بعد حدوث خروقات لاتفاق بينهما. وما يبعث على القلق هو ارتكاب المجازر وتهجير المواطنين الكرد ونسف المقرات وقطع رؤوس الشباب والتهديد بإنهاء الوجود القومي الكردي من قبل مقاتلي “دولة العراق وبلاد الشام الإسلامية” التي تعتبر منظمة “إرهابية” مثل جبهة النصرة، ومحاولتهم تحقيق أحلامهم في إقامة دولة دينية متطرفة، دون أي اعتبار للواقع على الأرض ودون أي احترام لحقوق الأقوام والشعوب. وهذه الهجمة الشرسة على الكرد في ديارهم لم تجمع كلمة شبابهم فحسب، بل فرضت على أحزابهم التوحد لمجابهة الخطر المحدق بوجودها كلها وبشعبها الذي تعتبر نفسها ممثلة له، وقد تكون زيارة السيد مسلم لتركيا تحت ضغط هذه الهجمات الشاملة، مما يفسح مجالاً للأتراك لأن يستغلوا الموقف ويملوا على الطرفين، الكردي والإسلامي الذي كان حليفاً لتركيا، ما يشاؤون من املاءات. وبالنسبة للكرد فإن لتركيا الأردوغانية سياسة مختلفة عن سياسات الحكومات العلمانية التي حكمت تركيا عقوداً من الزمن، تتمثل في “استغلال الكرد وطاقاتهم وثرواتهم وأسواقهم وإغرائهم ببعض الحقوق الإدارية والثقافية عوضاً عن تبديد الأموال التركية في الحرب عليهم“، وهذا يعني أن على تركيا تدجين حزب الاتحاد الديموقراطي (الكردي) مثلما فعلت مع حزب العمال الكوردستاني من قبل، وإظهار القبول بمساعيه لبناء “إدارة ذاتية مؤقتة” غير قومية في المنطقة الكردية، إلى حين عودة الحياة للحكومة المركزية في دمشق، ولربما استعمال تلك الإدارة كورقة ضغط مستقبلية على السوريين بعد زوال حكم آل الأسد.

المرعب حقاً هنا، هو عدم إدراك المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية لأبعاد وافرازات زيارة السيد صالح مسلم لتركيا، على الرغم من الاهتمام المثير لوكالات الأنباء المختلفة بها، والمعارض الوحيد الذي فهم تحرك البيدق الكردي على رقعة الشطرنج التركي – الإيراني  ” إن صح الخبر” هو رئيس الوزراء السوري المنشق السيد رياض حجاب، الذي كما قرأنا قد بعث برسالة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي مؤكداً فيها قبوله تمتع الكرد بإدارة مستقلة مؤقتة لهم في شمال سوريا، لإدراكه الجيد بأن هذا وارد لأن الحكومة السورية الحالية أضعف من أن تفرض سيطرتها عملياً على أرجاء واسعة من البلاد، ومنها مناطق محيطة بالعاصمة دمشق، ولذلك فإن الاتفاق مع الكرد على أمر “إدارة ذاتية مؤقتة” واقعي جداً وأفضل بالتأكيد من ضم المنطقة الكردية إلى تركيا، في حال قبول المتحالفين الجدد (الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني) بهذا الحل، وإن هذا وارد، في حال استمرار الإسلاميين العرب ومن التحق بهم من أجانب في حشر الكرد في زاوية ضيقة. وتركيا تستطيع القيام بضم المنطقة الكردية بذرائع تاريخية تعود إلى زمن الدولة العثمانية، وتجربتها مع لواء الاسكندرون ليست بعيدة عنا، والظروف من مختلف النواحي سانحة لها، كما أن المعارضة السورية التي ترقد وتأكل في فنادقها الغالية الأسعار وتتكلم وتتحرك من أراضيها لا تستطيع القيام بأي شيء ضد خطوة كهذه. والمعارضة الوحيدة التي ستأتي فعلياً لهذا الأمر ستكون بالطبع من ناحية القوى السياسية الكردية التي لن ترضى بذلك لأسباب عديدة لن نتطرق إليها هنا حتى لا يطول الموضوع.

ما حدث بعد زيارة السيد صالح مسلم لتركيا هو نسف مقرات حزبه واغتيال كادر كبير من بين رفاقه، وستبدأ موجة جديدة من العواصف التي ستهب على الكورد والعرب في شمال سوريا، قد تتمخض عن عواقب سيئة للشعبين، إن ظلت زعامات المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية بصدد الحقيقة الكردية كالقرد الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم في وقتٍ عصيب.

أهل مكة أدرى بشعابها

Cankurd –  03.07.2013

http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

جان كورد

أثبتت هذه الحكمة العربية عبر القرون والعصور صحتها، وأخذ بها الغربيون في السياسة والاجتماع في حين أهملها أهل مكة أنفسهم ومن حولهم العرب والعجم، وعلى أساس هذه الحكمة قلل الغربيون من فرص استبداد بعضهم في الإدارة والحكم برقاب بعض، إذ لا يعقل أن يرسلوا من يحكم في مكة في حين هناك مكيون يعلمون عن مدينتهم وشعابها أفضل بكثير ممن يعيش بعيداً عنها أو في مدينةٍ مجاورة،

أما العرب والعجم بل الشرقيون عامة فيلفظون هذه الحكمة بأفواههم وما أشبه بها في اللغات والثقافات المجاورة، ولكنهم لا يطبقونها في المجال العملي على أنفسهم، ولذلك يرفضون الفيدرالية والحكم الذاتي والإدارة اللامركزية، وهي أفكار واقعية أثبتت جدارتها وقدرتها على التطبيق العملي المنتج في بلدانٍ عديدة مختلفة عن بعضها بعضاً من حيث الموقع الجيوبوليتكي والمساحات والثقافات والتكوينات السكانية، ومن حيث الأعراق والقوميات والأديان. ولذلك يطالب بها أبناء وبنات الشعوب المحرومة من حقوقها المنصوص عليها في القوانين الدولية، ومنهم الشعب الكردي في سوريا، حيث تواجدهم التاريخي على أرض وطنهم “كوردستان” منذ فجر التاريخ مؤكد ومعلوم، بل ومقبول من العديد من رجالات الفكر والدين والسياسة في سوريا وما حولها، ومطلب الكرد أن تكون إدارتهم لنفسهم ذاتياً على شكل “فيدرالية” قومية أو “إقليمية” لأنهم أدرى بشؤونهم المعيشية والسياسية والثقافية، وكذلك لا يمكن للكردي الساكن في شمال البلاد أن يفهم أوضاع أبناء الجنوب السوري، حيث الأقلية الدرزية، أو أبناء جبال العلويين في غرب البلاد، أو أبناء السنة في وسطها، بشكل أفضل منهم، فإن “أهل مكة أدرى بشعابها” كما تقول العرب.

وطبقاً لهذه الحكمة الإنسانية المتأصلة في نفوس العرب، أوزع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) محمد العربي إلى القبائل التي قدمت إليه بأن يتولى بين يديه أمر كل واحدةٍ منها رجل عارف بشؤونها وأمورها، وفعلوا ذلك دون تردد لأن ذلك طبيعي ولأن رسول الله (ص) يأمرهم بذلك، ولكن يبدو أن قبائل العرب اليوم قد نسيت طبائعها الأصيلة ونسيت أن النبي الأكرم (ص)، الذي نقلهم وهم أميون وجهلة إلى قيادة العالم القديم كله، قد طبق هذه الحكمة التي لا يمكن تعارضها مع الدين الحنيف، لأنه بالتأكيد كان سيرفض الأخذ بها في حال تعارضها مع العقيدة التي قال عنها لقومه: “والله، لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته.. ” إلى آخر الحديث النبوي الشهير.

ما الذي يقوله أعداء الفيدرالية؟

إنهم خائفون من أن يؤدي تقسيم السلطة على الأقاليم إلى تفتيتها و”انفصالها”، ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون أن “الفيدرالية” تعني “الاتحاد” وليس “التفتيت”، وأن الانفصال على عدالة أفضل من الاتحاد على ظلم وعدوان، فإن بنغلاديش ما كانت لتنفصل عن باكستان لولا تراكمات الظلم والعدوان، وكذلك سوريا عن وحدتها مع مصر، لو كان نظام الحكم فيهما فيدرالياً. إذ نرى بأعيننا اليوم كما هي واسعة ولينة فيدرالية إقليم البايرن (بافاريا) في جمهورية ألمانيا الاتحادية التي يطبق فيها نظام الإدارة اللامركزية حتى على مستوى بعض المدن، مثل برلين وهامبورغ في شمال البلاد، ولكن مع ذلك لا يفكر أحد في الولايات الألمانية بالانفصال. أو كيف هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي يسمح دستورها بانفصال الولايات عنها، ومع ذلك يزداد تلاحمها من مختلف النواحي، حيث تنامي الاقتصاد وتشابك المصالح هو الذي يلعب الدور الأساسي في التماسك وفي التنازع، وليس الثقافة أو اللغة أو الدين كما يظن البعض، فالاتحاد الأوربي يضم شعوباً عديدة ولغاتٍ كثيرة ومذاهب دينية مختلفة، ولكن نظامه الاتحادي هو الذي يحدد العلاقات فيما بينها ويدفعها للتضحية المالية العظيمة من أجل انقاذ بعضها البعض مالياً من أزمةٍ قاتلة. كما هي الحال في اليونان وقبرص اليوم.

في المقابل فإن العرب أمة واحدة ولغة واحدة ودين واحد إلا أنهم لازالوا متفرقين وغير قادرين على إقامة نظام سياسي مسترك لهم، على الرغم من تأسيس الجامعة العربية منذ عقودٍ من الزمن بهدف إنجاز وحدتهم. والسبب في ذلك هو أنهم لم يأخذوا بالنظام الفيدرالي ولاتزال سياساتهم تؤمن بالمركزية المفرطة التي يتربع على عرشها من بيديه مفاتيح السلطان كله، ملكاً كان أو رئيس جمهورية.

وفي أجزاء كوردستان المقسمة المجزأة عانى الشعب الكردي من مختلف سياسات القمع والاقصاء والاضطهاد والغصب، بل تعرض للمذابح المتتالية على أيادي الحكومات العسكرية والمدنية، الملكية كما في عهد الشاه الإيراني، وشبه الديموقراطية كما في تركيا الطورانية، والثورية “التقدمية” كما في ظل حكومات البعث العربي الاشتراكي في كلٍ من سوريا والعراق. ولكن رغم هذه المعاناة توقف مقاتلو الكرد عن القتال في سائر الأجزاء، وظل هذا الشعب بمختلف تياراته العلمانية والدينية، اليسارية والديموقراطية، يطالب بأن يمارس حقه في إدارة نفسه حسب الحكمة العربية الأصيلة “أهل مكة أدرى بشعابها”… وليس هناك حزب كردي أو كردستاني واحد (من التي تمتلك القوة الجماهيرية) يطالب بالانفصال اليوم، ولذلك ترى الكرد في جنوب كوردستان مثلاً أكثر التزاماً من حكومة المالكي العراقية ذاتها بالدستور العراقي، الذي إن تم تطبيقه كاملاً، وبخاصة المادة 140 منه، فإنه سيغلق باب الانفصال على الكرد ردحاً طويلاً من الزمن، ولربما نهائياً.

فلماذا إصرار بعض قادة المعارضة السورية على رفضهم مطلب الكرد، طالما هم مقتنعون فعلاً بأن الكرد تعرضوا خلال العهود الماضية إلى الاضطهاد والتمييز، وأن الفيدرالية ستردم الهوة بينهم وبين إخوتهم في “الوطن المشترك” أو ما يسميه بعض الشباب ب”الوطن النهائي!”، وطالما أن حق تقرير المصير حق لكل الشعوب، وأن الثورة السورية عاملة على بناء سوريا جديدة حرة وديموقراطية، تؤمن بحق المرء في ابداء رأيه بحرية في شكل الدولة وفي أسلوب إدارتها أيضاً. فلماذا يغلق بعضهم الباب ضمن تكتلات وتشكيلات المعارضة في وجه “إخوتهم” الكرد، إن كانوا يؤمنون بالتآخي بين الشعوب حقاً…؟ والتآخي لا يعني الدمج بالقوة أو الانصهار ذاتياً في الآخرين، وإنما الاتحاد عن قناعة ومصلحة مشتركة وعلى أسس التكافؤ والعدالة والمساواة.

وعجيب فعلاً أن ليس هناك دولة عربية أرغمت دولة عربية أخرى على الوحدة معها، ولكن حتى ضعفاء العرب يهددون الشعب الكردي على الدوام باستخدام القوة، على الرغم من أن فرض الوحدة العربية على العرب أهم لهم مما يمارسونه ضد الكرد من تعسف لا يقبله الشرع الإلهي ولا القانون الدولي.

الشخصية الكوردية في الأدب والسياسة والأمثال الشعبية

جان كورد

الحوار المتمدن-العدد: 2744 – 2009 / 8 / 20 – 09:43

المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات

(1)

هذا الموضوع من الموضوعات الصعبة على الباحثين النفسانيين وعلماء الاجتماع أنفسهم، ولذا فإن التعمّق في هذا المجال يتطلّب مبادرة مشتركة من عدة خبراء وعلماء ليغوصوا في أعماق التاريخ الكوردي وليقلّبوا صفحات الأدب الكلاسيكي ويقفوا عند الكثير من الملاحم الشعرية الشعبية التي تشكّل خزانات عظيمة لمختلف جوانب الحياة الثقافية والسياسية والتاريخية والاقتصادية والجنسية واللغوية للشعب الكوردي… كما يجب دراسة شخصيات سياسية وفنية وأدبية ودينية كوردية للتوصّل من خلال تحليلها وفهمها إلى وضع أنموذج للشخصية الكوردية العامة، وبالتالي تكوين “بروفايل” قريب من الواقعية والحقيقة لها

تطرّق أحد الدارسين العرب إلى موضوع “الشخصية اليهودية” من خلال القرآن الكريم، ورسم لليهود صورة قرآنية خاصة، إلا أن هذا النوع من الدراسة التي تعتمد على الجانب الديني فقط لا تكون شاملة دون الاقتراب من المجتمع اليهودي وثقافته الأدبية ومعاناته التاريخية وحياته الحالية التي انبثقت من مأساة الهولوكوست الرهيبة والتشتت الكبير في شتى أنحاء العالم ردحا طويلا من الزمن، فالتاريخ يشكّل كابوسا يضغط باستمرار على عنق “الشخصية اليهودية” ويدفعها لإنتاج انعكاسات تلقي بظلالها على جوانب حياتها، وهذا ما نراه واضح التأثير بخاصة في السياسة والفن (الفيلم والموسيقى بشكل خاص) والأدب اليهودي، وقبل كل شيء في الحياة الاقتصادية للعائلة اليهودية والمتحد الاجتماعي لها أينما كانت

أما الكورد فإنهم لايملكون اليوم مثل ذلك الانتاج الثقافي ،الفني والأدبي، الكبير، الذي يملكه اليهود، وذلك لأسباب تتعلّق بوضع الجغرافيا الكوردية الممزقة سياسيا، وسياسة الكبت والمنع والحرمان التي عانى منها الكورد تاريخيا، ولمشاركاتهم الواسعة في العهود الاسلامية في الانتاج الثقافي الفوق – قومي، وانخراطهم الكبير في الدفاع عن الدول والامارات الاسلامية غير الكوردية، وبالتالي اهمال آدبهم القومي ولغتهم القومية، وكذلك ارتماءهم في أحضان “الأمة الاسلامية” التي جعلها بعضهم مطية له للوصول الى قيادة العالم الاسلامي، وصار الدين بالنسبة لبعضهم مغنما في حين صار للكورد مغرما، كما يقول العلامة الاسلامي البروفيسور كابوري… لذلك يصعب أكثر نحت صورة صادقة عن الشخصية الكوردية، دون مراعاة ودراسة تلك المراحل التاريخية الهامة والطويلة الأمد في تاريخ الشعب الكوردي

ومهما يكن الأمر صعبا والعمل شاقا، فإن علينا العودة إلى بطون التاريخ والنظر إلى بعض الشخصيات السحيقة القدم التي يعتبرها المؤرخون أجداد وآباء الكورد القدامى…وهل هناك أوضح صورة لنا من الشخصية الأسطورية الكوردية “كاوا” الحداد الذي قضى على الشخصية الدموية الكبرى “أزدهاك” التي تصوّره الأسطورة كأعظم مثال عن الحاكم الطاغية، إلى درجة تغيير شكله الانساني الى ما يشبه الوحش المفترس الذي نبت على كتفيه ثعبانان يعيشان على لحم البشر… فبطل الأسطورة “كاوا” رجل قوي الجسم، إذ يعمل حدادا، والحداد عمله شاق، يتطلب قوة وعضلات مفتولة، وهو انسان مضحّي وصبور ولكنه يأبى الذل ويرفض الظلم، ويثيرها ثورة عارمة على الطاغية أزدهاك، ممثل الشر في الذاكرة الثقافية الكوردية عبر العصور، فيقضي عليه بضربة من مطرقته، ويعلن يوم التخلّص من الطاغية يوما جديدا “نوروز” ليصبح مع مرور الزمن عيدا قوميا للشعب الكوردي ولشعوب هندو- أوروبية أخرى عديدة، حتى ظهر من الترك الطورانيين في أواخر القرن العشرين من يزعم أن هذا “اليوم الجديد” عيد تركي قديم، ولكنهم لم يحتفلوا به منذ أن استولوا على ما يطلقون عليه الآن اسم “تركيا” قبل مئات الأعوام، زاحفين من شرق آسيا ومدمرين للحضارات والثقافات والعمران على طريق زحفهم الذي يعتبر من أشد أنواع الهمجية في التاريخ البشري

وليس غريبا أن نحصي اليوم ملايين المرات اسم “كاوا” بين أبناء الشعب الكوردي، أينما كانوا، بل هناك نواد ومراكز ثقافية ومنظمات ومجلات ومواقع الكترونية، وكذلك محلات تجارية وشركات باسم “كاوا” الذي يطمح كل أب كوردي أن يكون ولده مثله، ناقما على الظلم، شجاعا، قويا، وقائدا لشعبه…وعلى الرغم من أن بعض الباحثين والمؤرخين الجادين لايرون أي علاقة تاريخية حقيقية بين “كاوا” وغريمه “أزدهاك”، ويعتبرون “أزدهاك” أحد أهم وأفضل ملوك الميديين (أجداد الكورد حسب تأكيدات العديد من المستشرقين الأوربيين والروس والأمريكان)، فإن شخصية “كاوا” المؤّثرة ايجابيا في العقل الكوردي والخيال الكوردي، رغم ضحالة المعلومات المتوفرة عن حياته لايمكن انتزاعها أبدا لأنها أخذت حيزا كبيرا من الحياة الثقافية والسياسية للمجتمع الكوردي وفي الحراك السياسي الكوردي أيضا…في حين أن كل المحاولات الشاقة والنادرة لاظهار الجوانب الايجابية والقومية لشخصية “أزدهاك” لن تزيل عنه الارهاب والوحشية والطغيان في العقل والخيال الكوردي

وهكذا نجد واضحا تأثير الأسطورة الخيالية في الشخصية الكوردية التي تتشرّب أفكارها ومبادئها ومثالياتها من ثقافة مجتمعها عبر التاريخ

الشخصية الكوردية متأثرّة تاريخيا أيضا بالدين تأثيرا قويا، فالكوردي يرى في “زرادشت” الذي يعتبره بعض الباحثين نبيا ويرى الآخرون أنه كان على الأقل صاحب رسالة دينية أو مؤسسا لدين اتسعت مساحة معتنقيه فترة زمنية طويلة لتشمل كوردستان وإيران وأفغانستان ومناطق أخرى من البلدان المجاورة

والشخصية الدينية الأخرى التي سلبت ألباب الكورد هي شخصية النبي الكبير ابراهيم عليه السلام الذي يسميه الكورد كاليهود ب “إبرام” ، ومنهم من يسميه ب”به رهيم” التي تعني بالكوردية “حارس الصنم”، كما أن اسم أبيه “آزر” بالكوردية يعني “الناصح”…وثمة مزار عظيم في مدينة أورفا ذات الأغلبية الكوردية الساحقة في شمال كوردستان باسم مزار النبي”ابراهيم عليه السلام” لايحق لأحد اصطياد السمك من مائه لاعتقاد الكورد بأنه الماء الذي تبقّى أثناء محاولة قومه “الكوردي!” حرقه، فصار نبعا يتم الاهتمام به بشكل مستمر حتى يومنا هذا، على الرغم من أن بعض المؤرخين يؤكّدون على أن “ابراهيم” عليه السلام ولد في مدينة “أور” في جنوب العراق الحالي وليس في “اورفا” الكوردية

اعتنق الكورد الاسلام، عن طريق ما يحبّذ الدارسون العرب تسميته ب”الفتوح” بدل “الاحتلال والغزو” أو من تلقاء أنفسهم، وهذا ما لا يمكن لأحد اثباته، إذ نعلم من “فتوح الشام” للواقدي – مثلا- بأن كل شمال كوردستان الذي كان معظم ملوكه وأمراء قلاعه من أتباع الديانة النصرانية، قد أجبروا عن طريق الحرب والغزو على الاستسلام والاسلام أو أنهم قتلوا ونهبت أموالهم وسبيت نساؤهم أو هربوا باتجاه روما آنذاك…ولكن على الرغم من قوّة الشخصية النبوية المحمدية في الاسلام وبين المسلمين الكورد عموما، وتأثيرها العميق في مجمل الحياة الدينية للانسان الكوردي المسلم، على مر العصور والأجيال، ورغم كل المآسي التي تعرّض لها الكورد تاريخيا على أيدي من يزعمون أنهم أخلص الناس للرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلّم، فإن شخصية “زرادشت” أيضا لاتزال تستولي على قلوب الكثيرين من الكورد، وبخاصة معتنقي الدين اليزيدي الذين يحاولون باستمرار ايجاد رابط بين دينهم وبين دين الزرادشتية، ولايزال اسم “زرادشت” منتشرا بين الكورد، سواء في كوردستان أو في المهاجر، كما تنتشر بينهم صور “زرادشت” واسم “آفستا” الكتاب الزردشتي الشهير…والسبب في تعلّق الكورد إلى يومنا هذا بهكذا شخصية تاريخية دينية يعود إلى كون “زرادشت” كان يؤمن بفكرة انتصار الخير في النهاية على الشر مهما طال عهد انتصاره ودوام جبروته وطغيانه…وإن تعاليم “زرادشت” الدينية قد أخذت بألباب الكورد وتشربتها الذاكرة الكوردية قبل وصول تعاليم المسيحية أو الاسلام اليهم بزمن طويل…ونلاحظ بأن لفظي (نميژ – الصلاة) (روژي – الصوم) معروفتان بين الكورد، من قبل مجيء الاسلام اليهم…والكورد الذين عانوا ردحا طويلا من مختلف صنوف الاضطهاد ظلّوا بحاجة ماسة إلى “شخصية رائدة” كشخصية “زرادشت” تبعث فيهم أمل انتصار “أهورامزدا” على “أهريمان”…وهذا يلقي لنا بعض الضوء على الشخصية الكوردية، الشخصية المسحوقة التي تتطلّع إلى ظهور “كاوا” يقودها في الصراع الدموي الكبير على طريق الحرية، ويداوي جراحها المندملة رجل حكيم “زرادشت” الذي يراه الكورد طاهرا للغاية، فقد كان يدعو إلى (الفكر الصالح والعمل الصالح والقول الصالح) وهذه هي زبدة مختلف الأديان التي جاءت بعد تأسيسه لدينه

لو نظرنا إلى وضع الكورد في العهود الاسلامية المختلفة فإننا نجدهم متأثرين إلى حد كبير بالشخصية العربية الرائعة الامام الشهيد علي بن أبي طالب (رض) وكذلك بشخصية ولده الشهيد الحسين (رض)، وهذا ما نراه في ملاحم الكورد واضحا ومؤّثرا، فالقارىء لملحمة (محمد حنفي) المعروفة في منطقة كورداخ مثلا، يرى مدى انعكاس هاتين الشخصية على نفسية الانسان الكوردي المسلم، والمسلمون السنة يشكلون غالبية ساحقة في عموم كوردستان…وأتذكر كيف كان قراّء هذه الملحمة ينشدون تلك الأشعار الكوردية التي تنضح عاطفة جياشة فيبكي لسماعها الكبار والصغار في سهراتهم ، ولم يكن بينهم علوي أو شيعي واحد… هذه الملحمة الشعرية التي نشرها قبل فترة الناشط السياسي والمثقف البارز بير رستم بالكوردية في عدة مواقع انترنتية تظهر مدى تعلّق الانسان الكوردي المسلّم بالشخصيات الثلاث الرئيسية فيها: محمد (صلى الله عليه وسلم)، علي (كرّم الله وجهه) والحسين (رضي الله عنه)… على الرغم من أنها شخصيات عربية، لا تمت إلى كوردستان بأي صلة جغرافية أو تاريخية سوى الصلة الدينية…وهذا يبيّن مدى تأثّر الكورد بالدين حتى ظهور الفلسفات الحديثة وكذلك الفكر القومي الذي انتقل عدواه من العرب والترك والفرس إلى الكورد كما يبدو

ولايمكن تجاهل التأثير القوي للشخصية الاسلامية الكبيرة الشيخ عدي بن مسافر الهكاري الذي وصفه شيخ الاسلام ابن تيمية ب”شيخ العارفين” في حياة الكثيرين من أتباع الطرق الصوفية، وفي أتباع الدين اليزيدي “الازدي – الأزدهاي” بشكل خاص، فشخصيته القويّة التي من سماتها التواضع المطلق والزهد الذي لامثيل له وتحمّل المكاره والشدائد من أجل بناء النفس الانسانية ذات الخلق العالي قد تركت بصماتها في الشخصية الكوردية الصوفية حتى يومنا هذا، ولكن تأثيرها واضح بصورة أشد في معتنقي الديانة اليزيدية القديمة التي يسميها بعض المؤرخين ب”العدوية” أيضا، نسبة الى الشيخ عدي بن مسافر الهكاري. إن قراءة سريعة ل”مصحفى ره ش” الذي يسميه بعض الكورد ب”قه ره فرقان” ولكتاب “الجلوة”، وهما الكتابان المقدّسان لدى اليزيديين الكورد يتلّمس بسرعة كيف تحوّلت تلك الشخصية الاسلامية للشيخ عدي بن مسافر الذي كان من شيوخ شيخ الاسلام ابن تيمية (رحمهما الله) إلى شخصية محورية وأساسية في الديانة اليزيدية… وهذا ما كان ليتّم لولا المواصفات الرائعة التي كان الشيخ يمتلكها (أنظر مقالنا المسهب باللغة الكوردية حول الديانة اليزيدية في موقعنا الشخصي كورداخ)

إلاّ أن الشخصية العظيمة التي تأثّر بها الانسان الكوردي بشكل أساسي بعد الرسول العربي (ص) وأهل بيته وعترته الكريمة، رضي الله عنهم أجمعين، هي شخصية السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي (تغمدّه الله برحمته) رغم أن معظم الكورد في العصر الحالي ينتقدونه لأنه لم يحوّل دولته الأيوبية الى دولة “كوردية” كما فعل الترك بالسلطنة العثمانية أو الفرس بالدولة الصفوية…والسبب في ذلك أن شخصية صلاح الدين في طبائعها شخصية كوردية حقيقية، فقد كان صلاح الدين الأيوبي فارسا لايهاب، مخلصا للسلطان الذي كان في خدمته أثناء شبابه وكذلك للأقوام التي يعيش معها وبينها، مدركا لأهمية الجهاد في سبيل نصرة الحق واسترداد البلاد المغتصبة ومتواضعا في ملبسه ومأكله وعلاقاته مع الناس الذين يقودهم

كتب هانز هاوزر، أحد المهتمين الألمان بتاريخ الكورد، قائلا بأن هزيمة الصليبيين في حطين على أيدي صلاح الدين الأيوبي لاتقل أهمية تاريخية للبشرية عن هزيمة الجيش النازي في معركة ستالينغراد على أيدي القوات السوفيتية أثناء الحرب العالمية الثانية… وما أكثر الكورد الذين يسموّن أولادهم حتى اليوم ب”صلاح الدين

طبعا هناك مؤثرات دينية عظيمة للاسلام في حياة وشخصية الانسان الكوردي، وهذا ما جعل الكورد جنودا في كل خنادق القتال من أجل رفع راية الدين ووحدة الأمّة الاسلامية، فصلاح الدين نفسه رغم أنه كان يحكم الشرق الأوسط بقي وفيا للخليفة العباسي الذي لم يكن يحكم سوى بغداد وأطرافها عمليا، ولم يهتم بتوحيد قومه الكورد بقدر اهتمامه بتوحيد قوى الأمة الاسلامية في وجه الغزو الرهيب الكاسح للصليبيين…وليس غريبا أن تجد آثار قلعة في وسط هنغاريا (المجر) لاتزال تدعى “كوردو” لأن الكورد كانوا في طليعة الجيوش المجاهدة للسلطان العثماني، في أوروبا وأفريقيا وآسيا، ولاتزال توجد جاليات كوردية قديمة من تلك العوائل التي كان رجالها وأبناؤها يذهبون للجهاد في بلدان تبعد عن كوردستان آلاف الأميال، كما في مصر والسودان ومضيق باب المندب وفلسطين والأردن واليمن وخراسان وحتى الباكستان وغيرها، ومع ذلك ظل الكوردي مهانا في الدولة التي كان يضحي من أجلها بدمه، فها هو شاعر عباسي يقول عن أبي مسلم الخراساني الذي نقل عاصمة الخلافة الاسلامية من دمشق الى بغداد وأنهى الحكم الأموي بذلك، وسلّم مقاليد الحكم إلى “أهل البيت!” بدلا عن تسليمها لأهله الكورد:

 أفي دولة العباس أردت غدره ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكورد

ومعلوم تاريخيا أن أمير حرب (تركي) رفض التبعية لأمير حرب مسلم أعلى منه مقاما بعثهما الخليفة إلى اليمن لاخضاعها لحكمه لسبب واحد هو أن هذا القائد الأعلى كان “كورديا”، ثم دس السم للكوردي في الطريق وهما ذاهبان للجهاد في سبيل حماية الأمة والدين والدولة المشتركة!…وقصة النبع الذي لايزال موجودا في شمال كوردستان معروفة، ذلك النبع الذي كتب على لوح عالق فوقه دعاء للسلطان العثماني “المسلم” لربه، يتوسّل الله تعالى أن يشرب من ماء ذلك النبع وحوش البراري والمسافرون وكل العطشى سوى الكورد الذين إن شربوا منه عسى أن يتحول الماء في حلوقهم إلى سم زعاف…وقد نٌشرت صورة من تلك اللوحة التاريخية في احدى أعداد مجلة “جودي” الاسلامية في ثمانينات القرن الماضي.. أثر الدين الاسلامي في الشخصية الكوردية تأثيرا عميقا بحيث نسي الكوردي معه النضال من أجل قوميته، والمضطلّع على تاريخ الكورد (أنظر شرفنامة للأمير البدليسي أو تاريخ الكورد وكوردستان لمحمد أمين زكي) يكتشف كم ضحّى الكورد من أجل الدين الاسلامي والخلافة الاسلامية والأمة الاسلامية، ولكنهم غلبوا على أمرهم بعد كل معركة، وتحوّلت بلادهم الجميلة الى أرض مذابح مروّعة على أيدي اخوتهم في الدين من ترك وفرس وعرب… وهذا ما أثّر سلبيا – مع مرور الزمن – في الشخصية الكوردية التي اكتسبت من خلال تلك المصائب الكبيرة خبرات تراكمت تاريخيا وأدّت إلى أن يتم نحت شعار في صدر الانسان الكوردي :((لاصديق للكوردي سوى الجبال))…أي لم يعد يثق الكوردي سوى بجبال وطنه التي تحميه وبالكفاح فيها من أجل حريته

ويجدر بنا التذكير هنا أن خيانات الملوك والسلاطين والخلفاء العرب والترك والفرس الذين حكموا في التاريخ باسم الاسلام للقوم الكوردي والظلم الذي مارسوه في كوردستان “المسلمة” هي التي ساهمت بقوّة في نحت هذا الشعار الداخلي في الصدر الكوردي، قبل أن يصل الأوربيون إلى المنطقة مجددا في الربع الأول من القرن الماضي…

 

(2)

لو نظرنا إلى زعماء الكورد المعاصرين لوجدنا بأن أشدهم تمسكا بالماركسية اللينينية كالسيد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكوردستاني المعتقل، قد تأثّر بشكل يدري أو لايدري بالدين الذي ظلّ قاسما مشتركا أعظم لكل جوانب الحياة طوال قرون عديدة في منطقتنا، وهو بنفسه يقول حرفيا:”لقدكانت سيرة النبي محمّد (ص) تستثيرني بشكل كبير، وكانت شخصية النبي تولّد الأسئلة الكبيرة في رأسي…” (أنظر ص 42 من الكتاب الحواري لنبيل الملحم – سبعة أيام مع آبو، الطبعة الأولى، دار أخيل، أثينا، اليونان، عام1996)، طبعا يحاول هذا الزعيم الماركسي ايجاد تشابه بين سلوكياته وسلوكيات مختلف الأنبياء كما نعلم من مقابلته هذه ومن محاضراته الأخرى، رغم الفارق الكبير والصارخ بين تصرفاته أثناء صغره و شبابه وتصرّفات الأنبياء عليهم السلام أجمعين، فلا نعلم عن أحد منهم أنه كان يكره أمّه كرها شديدا أو أنه كان يتلذذ بسرقة العنب والفستق من الأغنياء ويحتل المرتبة الأولى في قتل الأفاعي ولايدع عشا إلاّ ويأخذ منه عصفورا، أو يجلس على جذع شجرة عالية ليرمي الناس بالحجارة، أو أنه كان يخجل من الانتماء لقومه، مثلما يذكر السيد أوجلان بنفسه في عدة مواضع من كتبه عن حياته، إلاّ ان اعترافه بالشخصية المحمدية المؤّثرة لدليل على التأّثر الكوردي العام بالدين كما ذكرنا من قبل…ولو أمعنا النظر في ملاحم (الحصان الأسود: هه سبى ره ش) و (وادي سيسبان: نهالى سيسه بانى) و (يوسف وزليخه) و(ليلى ومجنون) و(شيرين و فرهاد) الكوردية الكلاسيكية، لرأينا فيها جميعا قاعدة مشتركة دينية متينة ينطلق منها مختلف الشعراء الكورد ورواة الملاحم الشعبية الرائعة على حد سواء…إنه أدب اسلامي كوردي بلا شك…وهذا الأدب الكلاسيكي ترك بصماته على مر العصور على وجه الشخصية الكوردية بشكل عام، حتى تحوّلت من خلال انتشار الطرق الصوفية وتغلغلها العميق في تربة كوردستان إلى شخصية صوفية بكل مواصفاتها الفكرية والخلقية والانسانية، طوال العهد العثماني الطويل الأمد، ولم ير الاقطاعيون الكورد أي حرج في انتشار أو نشر هذا الأدب الصوفي الكوردي في قلاعهم وقراهم وبين أتباعهم، طالما أنه لا يتعرّض إلى مكانتهم الاجتماعية – السياسية في كوردستان، بل إنهم كانوا مهتمين جدا بهذا الأدب الصوفي الكوردي ويدعمون شيوخ الصوفية إلا ما ندر بالمال والمصاحبة في الولائم والمجالس وبالاغداق عليهم بالهدايا والثياب الزاهية، حتى أن الشعراء الكبار من أمثال أحمدى خانى قد راعى أن تكون شخصية الأمير (زين الدين) في ملحمته التي لاتقل عن (روميو وجولييت) روعة شخصية أمير مثالي بكل معنى الكلمة… يضع التراث الشعبي الكوردي بين أيدينا شخصيات كوردية عديدة، امتزجت فيها الأخلاق الدينية (الاسلامية والزردشتية واليزيدية) المنتشرة منذ أزمان سحيقة في المجتمع الكوردي بالطبائع التي تكوّنت لدى الكوردي من خلال نشأته ونموه وتطوّره الانساني في اطارات عشائرية قبلية ضيّقة، وفي ظل نظام اجتماعي اقطاعي تسيطر عليه الصوفية العثمانية لقرون عددية من الزمن…ولاينكر أن الاسلام، الدين الأكثر انتشارا في كوردستان، قد ألقى بظلاله الوارفة على الأدب الكوردي بشكل عام، والأدب بالنسبة للشعوب لايقل أهمية روحية عن الماء بالنسبة للحياة…ويكفي أن نذكر هنا الأدب الكلاسيكي الكوردي الذي يسبح كله في بحور الثقافة الاسلامية، بدءا من الشعراء الكبار (ملايى جزيري وفه قى ته يران وأحمدى خانى وسياﭘوش إلى الشيخ عبد الرحمن آقتبي (روض النعيم) وشيخ طاهرى شوشي (گولزار: رياض النور) وشيخ محمد جان (ليل ومجنون) والشيخ عسكري(عقدى درفام)، بل حتى أن الشاعر الكبير جيگر خوين الذي تحوّل الى الشيوعية كعقيدة فكرية له بقي في معظم شعره في البحار والبحور الاسلامية لم يبتعد عنها أبدا… ونلاحظ أن اختيار شعرائنا لأسماء دواوينهم وملاحمهم لايخرج عن الاطار الديني الاسلامي، بل إن بعض أبطالها عرب وليسوا أكرادا، كما في (سيف الملوك لسياﭘوش) حيث الشخصية الأهم في الملحمة ملك عربي يدعى عاصم، وفي ملحمة (محمد حنفي) نجل من أنجال الامام علي بن أبي طالب العربي كرم الله وجهه، وفي (مه مى آلان) التي هي السرد الشعري الشعبي ل(مه م وزين) باختلافات ظاهرة من حيث تسلسل الأحداث وطبائع الشخصيات نرى بأن الشخصية الأولى في الملحمة هو أمير لبلاد (المغربان) الخيالية، ولربما القصد منها (بلاد المغرب: مراكش)… هناك على الأقل ثلاث شخصيات أدبية هامة في الأدب الكرمانجي (اللهجة الأكثر تداولا واستعمالا في كوردستان)، كان لها وجود حقيقي تاريخيا وعاشت فعلا في كوردستان، فاستخدمها الشعراء والمنشدون ورواة الملاحم الشعبية الكبيرة كمادة أدبية لها جذور في أرض الواقع الاجتماعي الكوردي إلا أنها تحلّق عاليا وبعيدا في أجواء الخيال الأدبي لتصبح مع الأيام جزءا لايتجزأ من التكوين الثقافي والأخلاقي لهذا الشعب… الشخصية الأولى الملحمية هي شخصية “سيامند” أو من يسميه الكورد ب”ساد أحمدى زليفى” عاشق الفتاة الرائعة الجمال “خديجة”، والشخصية الثانية هي شخصية “مه م” التي صاغ الشيخ أحمدى خانى ملحمته الشعرية التي تعتبر أثرى عمل أدبي – فلسفي كوردي على الاطلاق حوله وحول عشيقته “زين” التي تعتبر أهم شخصية نسائية كوردية في الأدب الكوردي، ثم هناك شخصية “درويشى عفدي” الذي خلده الأدب الغنائي الشعبي في الملحمة الشهيرة “جه به لي” أو “جه نبه لي) … ولقد أثرّت هذه الشخصيات الرجالية الثلاث ولاتزال تؤثر بشكل عميق في الانسان الكوردي وتترك آثارها (مناقبها، ضعفها، فسلفتها، بطولتها…) عليه… طبعا، سعة كوردستان جغرافيا وتعدد لهجات اللغة الكوردية فيها، ووجود عوائق طبيعية كبيرة بين أنحاء كوردستان، قبل تقسيمها سياسيا واداريا بحدود مصطنعة، مثل وجود الأنهار العظيمة (دجلة والزاب والفرات مثلا) والجبال الشاهقة العملاقة (زاغروس وآغري وجودي مثلا)، قد تسببا في نشوء بؤر ثقافية متعددة كحدائق متجاورة ومنفصلة عن بعضها إلى حد ما، إلاّ أن كل تلك الحدائق والبؤر كانت تتغذّى من ذات التربة الكوردية الاقطاعية – العشائرية وتتشرّب الماء ذاته (الدين)، اضافة الى المعاناة المشتركة للشعب الكوردي من شرق بلاده إلى غربها، قد أنجبت أدبا كورديا اسلاميا (أو يزيديا في المناطق التي يتواجد فيها اليزيديون بأغلبية) لايختلف في مجمله، بين هذه الحديقة أو تلك، ولذا فإن هناك شخصيات مماثلة أو شبيهة ل”مه م” و “سيامند” و “درويشى عفدي” في الأدب الكوردي الكلاسيكي ذي اللهجة الصورانية مثلا…بل إن بعض دارسي الأدب الكوردي وباحثيه يجدون ملاحم “مه م و زين” و “سيامند وخه جى” و “شيرين وفرهاد” تراثا مشتركا بين الكرمانجي والصوراني، مثلما كانت شخصية البطل التاريخي العملاق “رستمى زال” فاعلة في كل التراث الثقافي الأسطوري للشعب الكوردي قبل الاسلام، ينهل منها المتحدثون بهذه اللهجة وأولئك الذين يتحدثون باللهجة الأخرى أيضا معارفهم التاريخية ويشبعون بها نهمهم الروحي على مرّ العصور… لو حاولنا عقد مقارنة بين شخصية “مه م” لدى أحمدى خاني وشخصية “سيامند” في الأدب الشعبي الكوردي لو جدنا بينهما اختلافا جوهريا من الناحية الفكرية. الأول ملتزم تماما بما يفرضه المجتمع الذي يعيش فيه من أفكار وواجبات وعادات، وارتباطه بأميره الكوردي بشكل وثيق يعكس جانبه الكوردي الذي يتسّم باحترام العادات والتقاليد العشائرية والقبلية، وبأهمية العائلة في الحياة الفردية، والانغماس التام في المحيط الديني العام لمنطقته وشعبه وعائلته ومدينته، إلاّ أن عشقه الذي لا يمكن كبح جماحه يدفعه الى ارتكاب خطيئة الالتقاء سرّا بحبيبته (زين) التي هي الشقيقة الصغرى للأمير (زين الدين) نفسه، ولكن هذا اللقاء بين العاشقين يبقى أيضا في اطار “المعقول” الاجتماعي، وبذلك يعرّض نفسه ومحبوبته الطاهرة البريئة أيضا إلى غضب الأمير (زين الدين)، بعد أن توافرت لذلك الأجواء التي خلقها مكر وخداع وزيره (به كويى عه وان) الذي يمثّل إلى جانب (أزدهاك) الذي ذكرناه من قبل ذروة الشرّ في الأدب الكوردي الكلاسيكي…إن (أزدهاك) هو “الشيطان” بذاته في ثياب بني آدم، على الرغم من أن صورته التاريخية الحقيقة مختلفة، حيث يراه المؤرخون أهم ملك ميدي ( والميديون هم أجداد الكورد تاريخيا)، و(به كويى عه وان) هو “الثعلب الماكر” في الذاكرة الكوردية…وشأن الكورد في أدبهم شأن الأقوام الأخرى التي رسمت للشيطان (ابليس) صورا أدبية شريرة، كما هي شخصية “ميفستو” في مسرحية “فاوست” للشاعر الألماني الكبير (غوتى)…ومؤرخو الأدب الألماني لاينكرون أبدا تأثّر شاعرهم الشهير هذا بالآداب الشرقية وبالدين الاسلامي أيضا، إلى درجة أنه كتب بعض الآيات القرآنية على شكل أبيات شعرية ألمانية

هذه الشخصية الكوردية الأدبية الهامة (مه مى آلان ) التي تقع فريسة لخطط الشيطان الانسي (به كو يى عوان) لاتقاتل في سبيل براءتها ولاتعارض الأمير على العقوبة التي يتخذها الأمير بحقها، إذ يرمي ب (مه م) في حجرة سجن واطئة بلا نوافذ لينهك المرض جسده الضعيف، ويكتفي السجين البريء بقضاء أيامه ولياليه بالصوم والصلاة والتفكّر، إلى أن يرسل له (به كويى عوان) ابنته لتقدّم له تفاحة مسمومة زاعمة بأن حبيبته (زين) أرسلتها له، امعانا في المكر والاجرام، وعندما تكتشف (زين) ذلك فإنها تركض إلى حبيبها وترمي بنفسها لديه، ولكن بعد فوات الأوان، حيث أنه يعاني من سكرات الموت، ويكتفي بأن يؤكّد لها حبه الخالص ووفاءه لها ولأخيها الأمير…والملحمة تذكر كيف أن (زين) لما توفيت ألما وكمدا على حبيبها الذي غادر الحياة دون أن يرى نور الشمس منذ اعتقاله، طلبت من أخيها الأمير الذي أنهكه الأسف لما حدث لأحد أوفى رجاله (مه م) أن يدفنها بجانبه، وقد فعل ذلك، ولايزال قبر العاشقين في حجرة السجن مزارا في وسط مدينة (جزره) في ولاية بوتان على مقربة من الحدود السورية – العراقية – التركية، في حين أن الوزير الماكر الخادع (به كويى عوان) قد دفن خارج الحجرة، حتى يبقى في ذاكرة الكورد كلّما مرّوا به صوب باب الحجرة

أما (سيامند) الراعي الذي تسميه الملحمة الشعبية ب(ساد أحمدى زليفي) فهو رافض لكل الظروف التي تحيط به من فقر وظلم، وبتعرّفه على (قه دى سالى) الشخصية المتمرّدة على المجتمع والتي تعيش على نهب الأغنياء، يزداد (سيامند) ايمانا بضرورة التغيير والعمل لنيل مايراه حقا له، أي أنه يعمل بالقوّة على تغيير قدره، وهذا يدفعه لاختطاف محبوبته (خجى: خديجه) التي لها سبعة اخوة أشداء، ومع ذلك لا يتوانى سيامند عن الاقدام على انتزاعها من أيديهم والهروب بها إلى الجبال، حيث يقتل في النهاية على أيدي وعل جبلي جريح يرفسه برجله فيهوى (سيامند) من جرف عال وينغرس جذع حاد لشجرة عملاقة في أحشائه، وفي لحظات حيرة شديدة ترمي حبيبته (خه جى) بنفسها عليه ليسجلا بذلك احدى أروع الملاحم الشعرية – الغنائية في التراث الثقافي الكوردي…والغريب أن بعض العنصريين الأرمن يحاولون سلب الكورد شخصية (سيامند) فيعتبرونه أرمنيا وقع في غرام كوردية…

إن موقف المرأة الكوردية في (مه م وزين: مه مى آلان) وفي (ساد أحمدى زليفي)، وكذلك في الاغنية الشهيرة الرائعة حقا (عه يشا إيبى) يثير لدينا التساؤل حول شخصية المرأة الكوردية في التراث الثقافي الكوردي، ففي الملاحم الثلاث تنتهي الرواية بموت العشيقة في أحضان العشيق…فهل أراد الكورد بذلك اظهار وفاء المرأة الكوردية لزوجها أو عشيقها، وعليها أن تنطفىء كشمعة بين يديه؟ هذا ما يجب التركيز عليه والعودة إليه في مقال خاص حول “شخصية المرأة الكوردية”… أما الآن، فاننا سنستمر في الحديث عن شخصية الرجل الكوردية في الأدب والسياسة والأمثال الشعبية…وفي الحقيقة إن شخصية الرجل الكوردي تاريخيا قد أثرّت في التكوين الثقافي للمرأة الكوردية أيضا بشكل عميق، حيث أنها تلقفت الملحمة الشعرية – الغنائية الكوردية وقصص الأبطال الأسطوريين مثل الرجل تماما في أجواء الاختلاط بين الرجل والمرأة في المجتمع الكوردي القروي والبدوي (الكوجري) اختلاطا شاملا، دون التخلّي عن الثوابت الدينية العميقة في الفصل بين الواجبات والحقوق لكل جنس من الجنسين، مدى العصور الماضية… وساهمت المرأة مثل الرجل في نقل الملحمة والغناء الكوردي الشعبي للأجيال الأخرى مساهمة كبيرة…

(3)

ننتقل سريعا إلى عالم السياسة الكوردية، بعد أن حلّقنا بعض الشيء في دنيا الأساطير والملاحم والدواوين الشعرية الكلاسيكية، وذلك حتى لايطول الموضوع الذي قسمناه إلى أربعة أقسام، ونشرنا منه القسمين (1 و 2) قبل الآن في عدة مواقع انترنتية، على الرغم من أن أهمية الموضوع تتطلّب بحثا أوسع وأعمق وموضوعية ودقة أشد…

تبدأ السياسة الكوردية القومية ليس عند ظهور مبادىء الثورة الفرنسية أو بانتشار الفكر القومي البورجوازي في بلاد الخلافة العثمانية على أيدي جمعيات تدعو إلى اقامة تركيا حديثة على أشلاء الخلافة التي كانت تعاني من الاحتضار لاشتداد المرض عليها…وانما السياسة الكوردية القومية قديمة وتعود إلى الزمن الذي انتعش فيه الأدب الكوردي الشعري الكلاسيكي، وبخاصة الشيخ أحمدى خاني الذي يعتبر واضع الأساس الفكري الأوّل للسياسة الكوردية، فهو الذي يركّز في ديوانه الشعري الذائع الصيت (مه م وزين) في أبيات عديدة متراصة ومعدّة اعدادا جيدا على ضرورة الوحدة والتماسك بين مختلف أبناء الشعب الكوردي، حتى ينتهي عصر التخلّف والاختلاف والظلم والدونية المفروضة بالقوة على الشعب الكوردي، ويتمنّى ظهور (ملك) قوي الارادة، عادل وحليم، يجتمع في ظلّه كل الكورد، وبذلك يستطيعون انتزاع حريتهم، بل وفرض سيطرتهم على مختلف الشعوب المجاورة (!) …ويكاد يعتبر معظم زعماء الكورد أنفسهم منذ ذلك الحين الملك الذي تمنّى ظهوره الشيخ الشاعر أحمدى خاني بين الكورد

يجدر بالذكر هنا أن الطبعة الثانية لترجمة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي العربية ل(مه م وزين) من الكوردية قد حذفت مقدمة الكتاب الهامة جدا لفهم الشخصية السياسية الكوردية تاريخيا، وأعطت تاريخا حديثا جدا لولادة الشيخ أحمدى خانى مع أنه ولد في عام 1650 ميلادية، أي قبل قرون عديدة، كما يجدر بالذكر أن الأستاذ الكريم (البوطي) قد غيّر اسمي (ساد أحمدى زليفى “سيامند” وخديجة “خه جى” إلى اسمين آخرين، وهذا لايليق بعالم اسلامي وأمانته العلمية والتاريخية…وقد سجّل على نفسه بتصريحات سياسية مبتذلة، رغم أنه عالم اسلامي كبير ومشهور عالميا، صفة (الخائن الكوردي لقومه) مع الأسف…

وإذا ما تصفحنا كتاب (شرف نامه) الذي كتبه بالفارسية الأمير شرف خان البدليسي في القرن الحادي عشر الهجري عن تاريخ الكورد وكوردستان، فإننا سنجد نفحة سياسية قومية تطفح على مجمل التحركات الكبيرة لأمراء الكورد من أجل التخلّص من السيطرة العثمانية والصفوية عبر التاريخ، وذلك رغم تطاحنهم ونزاعاتهم وحروبهم الداخلية الدموية…

وخير من يعبّر عن هذا الالتزام الذاتي ب(الكوردايه تي) هو الأمير (خان يه كده ست) صاحب قلعة (دمدم) في الملحمة الشعرية الشهيرة (خانو) التي ثبّتها المستشرقان الشهيران ألبرت سوسن وأويغن بريم لمعهد بيترسبورغ الاستشراقي في روسيا في عام1887 (قمنا في السنوات القليلة الماضية بجمع وكتابة نتاجهما الأدبي بالحروف الكوردية الحديثة في كتابين لم ننشرهما بعد)، حيث يتحدّى الشاه الفارسي بعد أن استصغره الشاه وخيّره بين الخنوع له وتدمير قلعته

” أنا لا أقبل بالخضوع لك

بعزّة الله ورسوله

لا أقبل بظلمك

ألعن أباك ثمانمائة لعنة

فأنا لن أدع الكورمانجية (الكوردايه تي) بلا اسم”

وفي مكان آخر من القصيدة الطويلة يعلن بصراحة أنه يريد استعادة “بلاد كوردستان” أو الاتيان بها من خلال بناء قلعته الشهيرة (دمدم)…ويعلن أتباع الشاه لسيدهم أن (أمير الكورد) الذي يسمونه ب(خان) قد تمرّد علىه، فتثور ثائرته ويأمر جيشه العرمرم بالهجوم على قلعة (دمدم)…

هذه الملحمة الواقعية تظهر مدى استعداد أميركوردي للتضحية بنفسه وعائلته وجيشه من أجل حرية شعبه وبلاده، وفي النهاية يخسر كل شيء ويموت موتا بطوليا وهو يتحسر لعدم قيام الأمراء الكورد الآخرين بمساعدته في كفاحه المشروع والوطني، ولخيانة بعض أتباعه له من أجل الثروة وحسدا من عند أنفسهم…وهذه حال الكورد في كل معاركهم التاريخية، وتنعكس هذه الصور المؤثّرة من (الانشقاق والخيانة) في النفسية الكوردية وتؤطّر الشخصية الكوردية باطار أليم عريق في التاريخ مع الأسف…

في ملحمة كوردية أخرى، 12 فارس من(مه ريوان) يجابهون جيش الشاه الايراني برمته، ولكن أنّى لعصبة من الرجال مهما كانوا شجعانا ومخلصين لقضيتهم وقومهم ووطنهم أن يصدّوا جيش الشاه الفارسي؟ …إنه الواقع الكوردي المرير في مختلف صفحات التاريخ الأليم، هذا الواقع الذي ترك بصماته على الأدب الملحمي الكوردي وعلى الشخصية الكوردية

ثورات كوردية متتالية، انتهت كلها بنكبات مروّعة، منذ عام 1880 حيث امتشق الشيخ عبيد الله نهري حسامه ليطرد الجيوش الفارسية من أرض كوردستان، وإلى عام1975 حيث نهاية الثورة الكوردية الكبرى تحت قيادة القائد الأسطورة البارزاني مصطفى الذي وقع بين حجري رحى (الجيش العراقي المدعوم بقوّة من الاتحاد السوفييتي البائد) و(خيانة الشاه الايراني المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك) والذي كان الترك من الشمال والسوريون من ناحية الغرب يسدون عليه كل منفذ…وهذا وحده كاف لأن تزداد الشخصية الكوردية انغلاقا وتتأثر سلبيا بما يجري حولها، حتى ترسخت لديها القناعة بأن “لاأصدقاء للكورد سوى الجبال”، وهذا بالتأكيد ليس بصحيح، بدليل أننا نرى حاليا الكثيرين من الأصدقاء، من الشعوب المجاورة ومن الدول البعيدة أيضا…ليس من بين المثقفين والسياسيين من أمثال العالم الاجتماعي التركي اسماعيل بشكجي الذي حوكم لأكثر من مائتي عام بسبب دفاعه المستميت عن الشعب الكوردي وبخاصة في كتابه (كوردستان مستعمرة دولية) والعلامة العراقي منذر الفضل الذي يدافع بالحجة والقانون الدولي عن القضية الكوردية العادلة بعمومها فحسب، بل ومن الأدباء والشعراء ومن عامة الشعب أيضا…ويجدر بالذكر هنا تلك الأبيات الخالدة التي سطّرها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، ومنها:

قلبي لكوردستان والفم ولقد يجود بأصغريه المعدم

شعب داعائمه الجماجم والدم تتحطم الدنيا ولايتحطّم

أو قصيدة (كوردستان) للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش التي جاء فيها عن الكورد

معكم قلوبنا عواطفنا جنودا في القتال

يا حارسين الشمس من أصفاد أشباه الرجال

إن خرّ منك مفارس شدّت على عنقي حبالي

ما فرّقتنا الريح، إن نضال أمتكم نضالي

أو ما نقرأه للشاعر الكبير أدونيس، وبخاصة بعد ويارته الأخيرة لجنوب كوردستان…

ويجدر هنا عدم نسيان الموقف الرائع للزعيم الشهير معمّر القذافي الذي دافع باستمرار منذ سنين طويلة عن حق الأمة الكوردية في الوحدة والحرية والاستقلال

هناك شخصيات كوردية تاريخية سياسية ومقاتلة أثرّت عميقا في التكوين النفسي للسياسي الكوردي بشكل عام، منها شخصيات دينية مقاتلة ومضحية مثل الشيخ عبيد الله نهري، الشيخ عبد السلام بارزاني، الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، سمكو آغا، الشيخ سعيد بيراني، الشيخ علي رضا، القاضي محمّد والملا مصطفى البارزاني…فمنهم من أعدم أو تعرّض لاغتيال غادر، ومنهم من قضى نحبه فقيرا لايملك شروى نقير ومنهم من أنهكه المرض العضال والغربة بعد الغربة…وذلك في أجواء التهجير الجماعي والتقتيل الذي قام به الأعداء الظالمون لهذا الشعب المظلوم مرات ومرات في أقل من قرن من الزمان…فكيف ستتكوّن شخصية كوردية حديثة وسط كل هذه المآسي أو على أثرها؟ هل يمكن وصفها بالشخصية الحزينة فحسب؟ أو المتألمة ؟ أو المنهكة؟ إن الشخصية الكوردية الخارجة من كل هذه المحن السياسية لاتقل اثارة عن الشخصية اليهودية بعد حدوث المجازر التاريخية وآخرها (الهولوكوست) بحقها، وقد اعترف أحد المؤرخين اليهود (ولفسون) في ألمانيا من جامعة ميونخ في مؤتمر للسلام حول كوردستان دعت اليه بلدية مدينة (بريمن) الألمانية في أواخر ثمانينات القرن الماضي بأنه يمكن عقد مقارنة بين ما جرى لليهود في (الهولوكوست) وما ألحق صدام حسين بالشعب الكوردي من أذى في حرب (الأنفال) وفي قصف مدينة (حلبجه) بالسلاح الكيميائي، ومعلوم أن لا أحد من اليهود يقبل بأن تتم مقارنة أي مجزرة بشرية ب(الهولوكوست) أبدا

طبعا هناك شخصيات سياسية ودينية وعلمية أخرى تختلف عن القادة الذين ذكرناهم آنفا من حيث اختلاطهم بالثقافات الأوربية وانتهاجهم نهجا أشد تأثرا بالسياسات الحديثة من السياسات الكوردية، ومن الشخصيات السياسية هذه نذكر الجنرال احسان نوري باشا الذي قاد حركة خويبون (1927-1930)، والمثقف الكبير الدكتور عبد الرحمن قاسملو (رئيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران) الذي اغتالته الاستخبارات الايرانية عام 1989 في فيينا، والأستاذ ابراهيم أحمد (أحد أشهر قادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني) وكذلك تلميذه المخلص الأستاذ جلال الطالباني (الرئيس الحالي للعراق)، والسيد عبد الله أوجلان (زعيم حزب العمال الكوردستاني المعتقل حاليا)…

لقد حاولت هذه الشخصيات توليف النفسية الكوردية توليفا عصريا يقبل المفاهيم الاشتراكية والديموقراطية والحلول السياسية بدل الثورة باستمرار، وعلى الرغم من غرابة بعض هذه الشخصيات وابتعاد بعضها أحيانا عن الواقع الكوردستاني فإن وهنا لايحق لنا نسيان الشخصيات الكبيرة في عالم السياسة والثقافة الكوردية العم عثمان صبري والدكتور نور الدين ظاظا، والشاعر الكبير جيكر خوين…ومن الشخصيات الدينية: الشيخ سعيد النورسي (أبو لاشيء) صاحب (رسائل النور) الذي دافع دفاعا مستميتا عن (المشروطية) في وجه الاستبداد وعاش معظم حياته بعداشتهاره قيد الاقامة الجبرية وأخفت الحكومة التركية حتى اليوم رفاته بعد وفاته، وله كتاب يدعى (رجتة الأكراد) ينصح فيها بني قومه نصائح شرعية وسياسية وعلمية رائعة حقا، والأستاذ أحمد مفتي زاده صاحب (مكتب القرآن) الذي سعى لارشاد قرآني يتوافق مع روح العصر ويرفض الاستبداد، والشيخ عزالدين الحسيني في شرق كوردستان الذي حاول التوفيق بين كثير من مبادىء الاشتراكية وبين الدين الاسلامي في سعيه لاقامة حراك كوردستاني ثوري وديني في آن واحد، والشيخ عثمان عبد العزيز في جنوب كوردستان الذي ابتعد في أفكاره عن حركة (الاخوان المسلمين) واقترب كثيرا من النهج الكوردستاني الاسلامي المنفتح على العصر للأستاذ كابوري، والاسلامي الشهير سعيد القزاز الذي قال لجلاديه من القضاة قبيل اعدامه:”إنكم ستكونون تحت قدمي عندما يلف حبلكم حول عنقي!

ومن الشخصيات العلمية العصرية يجدر بنا ذكر ذكر المؤرخ الكبير محمد أمين زكي، الأمير جلادت بدرخان والبروفيسور قاناتى كوردو، والأستاذ مسعود محمد، والكاتب الثائر موسى عنتر الذي اغتالته الاستخبارات التركية وسلسلة طويلة حقا من الشخصيات التي لانستطيع حصرها هنا والتي لها تأثير عميق في الأجيال الكوردية من مختلف النواحي الدينية – الفلسفية والسياسية – الثقافية ومن ناحية السلوك والمنهج في العمل السياسي والنضال الثوري، ومن البدهي أن نذكر هنا الأستاذ العلامة الكبير عبد الكريم المدرس وجمال نبز الذي له فكر كوردستاني أصيل وعريق…إلاّ أن أشد التأثير الشامل الذي تركته شخصية من الشخصيات الكوردية وراءها، هي شخصية الشابين الكورديين على المحيط الاجتماعي والثقافي إلى درجة تثويره وتفعليه بشكل لم يسبق له مثيل، ألا وهما (الشهيدة ليلى قاسم) التي كانت من طلائع الفتيات الكورديات في صفوف الثورة المسلّحة والنضال الوطني السياسي في الماضي، ابان الحكم الدموي للزمرة البعثية الصدامية فتم اعدامها من قبل البعثيين، و(الشهيد مظلوم دوغان) الذي عذّب على أيدي المجرمين الطورانيين في زنزانات آمد بعد أن استولى الجنرال كنعان ايفرين على الحكم بانقلاب عسكري في عام1980، ورفع مظلوم دوغان عاليا شعار ((في المقاومة حياة))، هذا الشعار الذي أصبح ولايزال سبب نهضة ثورية خلاّقة في نفوس الشباب الكورد أينما كانوا، وتأثر به الملايين من الكورد الذين ضحّوا بالغالي والنفيس ليبقوا أوفياء لمظلوم دوغان الذي أصبح بمثابة ماء الحياة للشخصية الكوردية المهزومة من قبل…لقد منح مظلوم دوغان بتضحيته العظيمة الانسان الكوردي هوية جديدة لم يحملها من قبل سوى أثناء المعارك البطولية لبيشمركة كوردستان (الذين يجابهون الموت) في جبال زوزك وحمرين وبارزان وقلعة دزه وغيرها من معارك الشرف الكبرى، ومن أولئك البيشمركه الرئيس الحالي المنتخب لجنوب كوردستان، مسعود البارزاني الذي يسعى بهدوئه وذكائه وجرأته وسعة صدره وعلاقاته الواسعة اقليميا ودوليا مدخلا لبناء شخصية كوردية قيادية من نوع حديث، تمتزج في مواد بنائها الروح الكفاحية الكلاسيكية للكورد مع المؤثرات العصرية لعالم العولمة والمدنية العالمية

(4)

في الجزء الرابع والأخير من مقالنا هذا، نحاول وضع اليد على الملامح الأساسية في الشخصية الكوردية التي تكوّنت عبر التاريخ ونمت وتطوّرت وسط الكثير من المحن والكوارث السياسية والانقلابات الفكرية الكبرى في التاريخ كالاسلام والشيوعية والعولمة، ولذا يجدر بالذكر هنا أن معظم المستشرقين الذين اهتموا بالمجتمع والجغرافيا والتاريخ والثقافة الكوردية، من آلمان وروس وفرنسيين وطليان وأمريكان وبريطانيين، والعديد من المؤرخين والدارسين العرب، (وهم كثر ومتفقون تقريبا على نظرتهم إلى الانسان الكوردي) قد ذكروا في كتبهم الجوانب المتألقة في الشخصية الكوردية مع وقوفهم على سلبياتها أيضا، وهذه الجوانب في عمومها ايجابية وتكاد تكون متميّزة في صورها، فالكوردي لدى المستشرقين رغم عيشه تاريخيا في وحدات مجتمعية تكاد تكون منعزلة عن بعضها بسبب العوائق الجغرافية الكبيرة في التاريخ كالأنهار العظيمة وسلاسل الجبال الشاهقة والتقسيمات الاجتماعية لعهود الاقطاع المتأصل والعشائرية والمذهبية والطائفية والتنوع في اللهجات اللغوية كان أشد انفتاحا على الغريب القادم من بعيد، يمكن الثقة به تماما، يحترم النساء، صادق الوعد، شجاع لايهاب الأعداء، إنه مستعد للتضحية من أجل الحق دائما، ولكن يمكن خداعه بسرعة وتأليب الكوردي على الكوردي من قبل الأعداء بسرعة أيضا، ( وهذا ماحدث في التاريخ فعلا، فلم تكن قلعة دمدم تسقط لولا تعاون بعض رجالها مع الشاه الفارسي ضد أميرها خانى يه ك ده ست) وزجّه في حروب لاناقة لها فيها ولاجمل كما تقول العرب، وكريم في داره وحقله وعشيرته، حتى أنك تستغرب لكرم الكورد الرحل (الكوجر) رغم الفقر المدقع الذي كانوا يعيشون فيه، والمرأة الكوردية متحررة من حيث لباسها واختلاطها بالرجال وادارتها للمنزل ومشاركتها في العمل، سواء في الدار أو في الحقل أو في المراعي، جنبا الى جنب مع الرجل الذي يحميها بدمه، وهي التي لها في معظم الأحيان اليد العليا في تربية الأطفال واختيار الصهر لابنتها وتتصرّف في بيتها كسيدة، وتستقبل الضيوف الغرباء في غياب زوجها دون حرج وتكرمهم وتودّعهم، دون أن يهينها زوجها على ذلك، بل كان هذا الاحترام للضيف من قبل المرأة أمرا طبيعيا في المجتمعات الكوردية القروية والعشائرية…بل إن هناك نساء كورديات اشتهرن في التاريخ كمحاربات وأميرات مثل (ضيفة خانم الأيوبي) التي كانت ملكة في حلب وقادت الدفاع عن مدينتها على جبهتين (المغول من المشرق) و(الصليبيين من المغرب) وقضت على الذين أرادوا استغلال فقدانها لزوجها حينما شعرت بخطرهم يقترب من امارتها القوية (أنظر مقالنا الطويل حولها المنشور منذ سنتين أو أكثر باللغة الكوردية

إن المقدّم الباكستاني شيخ عبد الوحيد الذي نشر في عام1955 كتابه (الأكراد وبلادهم) عن تاريخ الشعب الكوردي (منذ أقدم العصور إلى العصر الحاضر) وقدّم له الفيلد مارشال محمد أيوب خان (رئيس جمهورية باكستان الأسبق) يكاد يتفّق في رأيه حول الانسان الكوردي مع رأي المستشرقين الأوربيين والأمريكان حول الشخصية الكوردية، ويشبه الشعب الكوردي بالشعب الباثاني الجبلي في بلاده، وهذا يقودنا إلى أن الغرباء اتفقوا في نظرتهم إلى “الشخصية الكوردية”، كانت شخصية الرجل أو المرأة الكوردية، رغم اختلاف الشرق والغرب جغرافيا وديموغرافيا وثقافيا وتاريخيا، ورغم تنوّع بلدانهم وقاراتهم وما يكمن في ذلك التنوع من تباين سياسي وديني… (للحصول على هذا الكتاب المذكور هنا نذكر بأنه طبع بالانجليزية في لاهور بالباكستان لدى المكتبة العلمية،ثم ظهرت الطبعة الثانية في يناير 1958، وطبع للمرة الثالثة بالعربية في عام 1970

يقول الكاتب الباكستاني في مقدمة كتابه ما يمكن مقارنته بالحاضر الكوردي من وجوه عدة: ((يلقى السائح في المناطق الكوردية كرما وترحيبا كبيرا على عكس الدعايات المغرضة التي ينفثها أعداء العراق وأعداء ايران- وكفى أن يقوم السائح بزيارة قصيرة لمهاباد وتبريز في ايران أو الموصل وكركوك في العراق ليشاهد بنفسه حسن الادارة واستتباب الأمن والنظام مما يدحض تلك الادعاءات المغرضة…)) وعن احترام الكورد للمرأة يقول:((ولقد استفدت كثيرا من جولاتي في مناطق الأكراد بصحبة زوجتي التي يرجع اليها الفضل في ترحيب الأهالي بنا في والدساكة التي زرناها…)) ويقول عن الكورد بأن وجودهم في حال “حرب مستديمة مع كل سلطة حاكمة”…((الأمر الذي نتج عنه اصابتهم بمركب نقص ليس في صالح الوطن الذي ينتمون إليه…ويمتاز الكوردي بالشجاعة والكرم، فهو كريم مع كل شخص، ويستجيب الآغا الكوردي لأي طارق يطرق بابه في أي ساعة من الليل، ومهما كان الطارق فقيرا ومهما كان غريبا، ومهما كان عدوا للمضيف فانه يلقى كرم الأكراد وسعة صدرهم…)) ويلاحظ هذا الكاتب الذي لاعلاقة له بالكورد مطلقا ويأتي من المشرق وليس من المغرب، حيث يتهم الكورد لدى الشوفينيين من القوميات المسيطرة على كوردستان بالولاء للغرب “الامبريالي- الصهيوني” باستمرار (وهم معلّقون بهذا الغرب من لحاهم)، بأن الكرم من “عقيدة الكوردي” إذ يقول:(( ويعتقد الأكراد أن البيت الذي لاتدخله الضيوف محروم من بركة الله، ففي اعتقاد الكوردي أن زيارة الغريب والضيف تجلب البركة والرزق…)) (ص 15- الطبعة العربية)

ولدى قراءتنا لهذا الكتاب ومقارنة وضع المجتمع الكوردي آنذاك بوضعه اليوم نلمس تبدّلا وتغيّرا ملحوظا في جوانب عديدة من “الشخصية الكوردية”، إذ يذكر الكاتب أن الكوردي آنذاك رغم اختلاطه في جميع أنحاء بلادهم بالأرمن والايرانيين والعرب والأتراك ورغم وجود المشروبات الروحية مثل الفودكا والنبيذ والعرق في بلادهم “ماكانوا يقربون أبدا أيا من هذه المشروبات الروحية” في حين أن الكورد – الآن- يشربون البيرة على حد قول أحد الاسلاميين البارزين في جنوب كوردستان أكثر مما يشربه الألمان…ورغم أن هذا السياسي الاسلامي -كما يبدو- يجهل عن الألمان وشربهم المبالغ فيه للمشروبات الكحولية، فإن مجرّد المقارنة بين الحالة الكوردية والحالة الألمانية في هذا المجال دليل على تغيّر كبير في “الشخصية الكوردية” الكلاسيكية…وهذا يعني أن الانقلابات الاجتماعية الكبرى في العالم قد أثّرت في “الشخصية الكوردية الجبلية المحاربة المتدينة، الشخصية الشرقية التي يمكن اعتبار الكوردي أنموذجا لها بكل ضعفها وسلبياتها وبساطتها، والتي يمكن خداعها باستمرار، ومن هذه الانقلابات الروحية والفكرية، انتشار الاسلام السريع في كوردستان قديما، وبعدها انتشار أفكار التحرر القومي والاجتماعي، ومنه “تحرر المرأة”، في بداية القرن الماضي، أثناء الشلل الذي أصاب دولة “الخلافة” وانتشار الفكر الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط بعد انتصاره في شمال العالم الآسيوي وأجزاء واسعة في العمق الأوربي، ومن ثم انحسار هذا الفكر مع نهاية القرن الماضي وتنامي فكر “الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان” مع تحوّل العالم من “عالم القطبين والمعسكرين” إلى “نظام العالم الجديد” الذي تشرّب أفكار العولمة في دنيا “القرية الالكترونية العالمية

لوضع “الشخصية الكوردية” في اطارها الملائم لها بصورة أشد التصاقا بالواقع والحقيقة، يجدر بنا النظر بتعمّق في “الأمثال والحكم الشعبية” للمجتمع الكوردي، فالأمثال والحكم الشعبية لأي قوم من الأقوام أو أي وسط اجتماعي – ثقافي، هو الاناء الذي تجتمع فيه خبرات تلك الأقوام والأوساط الاجتماعية – الثقافية

لقد نظرت في ثلاث كتب في هذا الشأن، منها كتاب الشخصية الوطنية الشهيرة ملا محمودى ديرشه وي، وكتاب الأستاذ علي جعفر (الجزءالثاني) الذي يضم أكثر من ألف مثل شعبي بالتأكيد، وكتاب السيد بلال حسن (باڤى هوزان) الشخصية الكوردية العريقة في معرفة الحياة الاجتماعية والسياسية واللغوية لمنطقة جبل الكورد (كورداخ)، ويضم الكتاب (5246) مثلا شعبيا وحكمة، بترتيب جيد، وكذلك قائمة طويلة بالأمثال والحكم للصديق الكاريكاتوريست عنايت ديكو كان قد أرسلها لي منذ عدة سنوات، الأوّل من هؤلاء المهتمين بالأمثال والحكم الشعبية الكوردية من منطقة زاخو بجنوب كوردستان، والآخرون من جبل الكورد الذي مركزه الاداري مدينة عفرين التي تقع بالقرب من مدينة حلب بحوالي (60 كم) غربا…وعلى الرغم من أن هذا لا يكفي لجعله مرآة تعكس “الشخصية الكوردية” في كل أنحاء كوردستان، إلا أنها تعطينا صورة صادقة ومعبّرة إلى حد بعيد لهذه الشخصية

وللنزول من شواطىء هذا البحر الواسع الفسيح إلى مائه العميق يجدر بنا فتح صفحة جديدة من الدراسة عن “الشخصية الكوردية”…ولذا نكتفي هنا بهذا القدر من هذا المقال (4 أجزاء) الذي أردناه أن يكون موطئا أو مدخلا لبحوث جادة يقوم بها العلماء والدارسون في سبيل تجلية أقرب وأسطع لهذه الشخصية التي شغلت الكثيرين من المؤرخين والسياسيين والمثقفين من شتى أنحاء العالم

وأخيرا أذكّر بأن الدارس الأوربي الشهير الدكتور فرديناند هينى بيشله ر في دراسته المعمّقة عن لفظ “الكورد” يرى بأن هذا اللفظ هو صفة ملازمة لشخصية تلك الشعوب التي استوطنت جبال زاغروس وما حولها منذ فجر الحضارة البشرية، وبخاصة الميديين والكاردوخ واللولو والهوريين والآريين وغيرهم الذين يعتبرون أجداد الكورد الحاليين، أو أنهم غزوا تلك المناطق واختلطوا مع سكانها الأصليين القدامى في مراحل تاريخية متقدّمة جدا، أكثر مما يكون اللفظ اسم شعب دون آخر من الشعوب الزاغروسية، وتعني هذه الصفة حسب دراسته (ترجمنا منها الجزء الأول إلى الكوردية قبل حين)، في العديد من اللغات القديمة للشعوب المجاورة لزاغروس، مثل السومريين والآشوريين وغيرهم: (الشجاع)…

وهكذا نجد أن “الشخصية الكوردية” بحد ذاتها تفسّر نفسها بنفسها من خلال الصفة التي هي عليها، صفة (الشجاعة والجرأة) التي كانت مشتركة بين شعوب كوردستان العريقة في التاريخ

سوريا: في انتظار يوم الحسم

24 تموز 2013

كل الدلائل تشير إلى أن الأوضاع في سوريا تسير من سيءٍ إلى أسوأ، فالثورة التي انطلقت من أجل الحرية تحمل في مفاصلها الآن آلاماً لاتطاق وفي جسدها أوراماً خبيثة، والسوريون يدركون اليوم بأن ثورتهم ودماءهم وثرواتهم صارت مغنماً لمن لايحملون ذرةً من الإيمان باستقلالية هذا الشعب وهذه الجغرافيا، فعلى طرفي الصراع قوى مقاتلة مندرجة أسماؤها في لائحة الإرهاب الدولي، ووصل الأمر إلى غاية الاستهتار بحياة ومطالب ومستقبل السوريين جميعاً، حيث وزير خارجية روسيا لافروف الذي دعم نظام العائلة الأسدية الدموي بكل ما أوتي من قوة، على مختلف الصعد، يدعو بلا حياء للجوء المعارضة إلى أحضان هذا النظام المجرم، للتصدي معاً لإرهاب المجموعات المتطرفة التي لها مشروع إقليمي لايعترف بالدولة الوطنيةأو القوميةولاعلاقة له بالثورة السورية من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. ويتجاهل هذا ا لداعم الروسي الكبير أنه يتحالف مع إيران المعروفة كأحد أهم محاور الشرفي المنطقة وأن أول من تعتمد عليه إيران في قتالها لإنقاذ الأسد من نهاية مذلة هو حزب الشيطانالذي تم إدراج جناحه العسكري المتورط في الحرب على الشعب السوري في لائحة المنظمات الإرهابية أيضاً

الثورة تفترس أولادها. نعم هذا صحيح، فها هي كتائب الفاروق تتوجه إلى محافظة الحسكة لمحاربة الشعب الكوردي تحت شعار محاربة المستعمرين والمحتلين!” عوضاً عن التحرك صوب العاصمة دمشق، حيث مركز إرهاب النظام، أو عوضاً عن فك الحصار عن السوريين في مدينة حمص، التي عانى أهلها مما لم تعانيه بغداد أثناء غزو هولاكو لها أو أثناء قصف الأمريكان لقصور ومقرات الطاغية صدام حسين، وحيث تم تدمير مسجد خالد بن الوليد، فهل تحولت الثورة الإسلامية التي تؤمن بها كتائب الفاروق إلى حربٍ على الشعب الكورديالمسلم في غالبيته، في شهر رمضان المبارك هذا؟

وها هو أردوغان التركي المسلم يعلن عن عدم تحمله المزيد من الأذى على حدود بلاده، بسبب أن الموضوع الساخن هنا متعلق بالشعب الكوردي، ولكنه صبر على أذى الأسد للشعب السوري ولبلاده تركيا لسنوات، دون أن يتحرك فعلياً لوقف النزيف السوري، مكتفياً بالتهديد والوعيد ورسم الخطوط الحمراءحول حمص وحلب، ومن ثم حول المدن التركية التي حاول الأسد إيصال لهيب نيرانه إليها، كما حدث في استانبول أخيراً من حوادث دموية واضطرابات مدفوع ثمنها، وكما حدث من تفجيرات إرهابية على الحدود من قبل

أمام هذه اللوحة البائسة للمشهد السوري الذي يزداد قتامةً في الألوان ورعباً في الاشكال، يقف العالم الحر الديموقراطي مندهشاً، بعد أن رأى بعيونه، وهو في حالة استرخاء صوفي وقلة حيلة، كيف تتحول سوريا التي اندلعت فيها ثورة من أجل الحريات السياسية وحقوق الإنسان إلى ساحةٍ لتصادم الإرهاب العقيدي، وإلى مجزرةٍ كبيرة للإنسانية، وبؤرة تتسع باستمرار من بؤر النار التي تستهدف وجوده ومشاريعه في المنطقة. وإذا كان السياسيون الجهلة لم يشعروا بحقيقة الأخطار التي تهب على مصالح بلادهم في الشرق الأوسط، فإن شعوبه لن تسكت عن فشلهم الكبير هذا في القيام بعمل صحيح حيال ما يجري في سوريا، وسترغمهم على القيام بواجبهم، ليس بسبب ما تراه هذه الشعوب يومياً على شاشات التلفزة من مجازر رهيبة ترتكب ضد الشعب السوري، وإنما لأنها تدرك خطر البركان الذي يقذف الحمم في الشرق الأوسط، وقد يقضي على مصالحها النفطية وأسواقها التجارية وأصدقائها ونقاط الارتكاز لاستراتيجية لبلدانها، وشعوب العالم الحر الديموقراطي لاترحم الأغبياء والضعفاء من قادة وسياسيي أوطانها، بل ترميهم جانباً كقشور الموز في الانتخابات التالية بسرعة وبدون تردد، لأنها تعشق الحرية ولاتقبل أن يستهين بحريتها ومصالحها أحد، مهما كان عزيزاً عليها ومهما كان ذا تاريخ وأمجاد عظيمة في تاريخها.

وعليه فإن الحكومات الغربية على الرغم من وجود ذرائع لديها لعدم التدخل العسكري في سوريا، وفي مقدمتها ذريعة المصاريف الهائلةالتي لاتستطيع بلدانها تحملها بسبب الأزمة المالية الحالية، وهذه ذريعة مقنعة للشعوب في كل مكانٍ من العالم، إلا أن الأسباب الداعية للتحرك عملياً، بصورة أو بأخرى، كثيرة ومقنعة أيضاً، وفي مقدمتها تنامي نفوذ المجموعات المتطرفة على الساحة السورية، وهي المعروفة بعدائها التقليدي للعالم الحر الديموقراطي، وكذلك توجه سوريا نحو التفتت والتقسيم، واشتداد النزاعات الطائفية، والتدخل السافر في هذه الحرب القذرة إلى جانب النظام من قبل ايران وسواها، والضغط الشعبي يزداد على الحكومات الغربية التي نأت حتى الآن بنفسها عن اللجوء إلى القوة لايجاد حل للأزمة السورية،  وذلك بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة لاقناع الرئيس الأسد بالتنحي عن الحكم والخروج من البلاد، وبعد فشل طرفي الصراع في سوريا في احراز الانتصار النهائي على بعضهما بعضاً، وكذلك في تحقيق أي خطوة إيجابية على طريق الحوار السلمي بهدف وقف الاقتتال وإقامة حكومة وطنية مؤقتة واللجوء إلى المحادثات عوضاً عن التقتيل والتدمير، رغم كل الضغوط عليهما ومنها منع تدفق السلاح على المعارضة لارغامها على قبول مقترحاتٍ دولية معينة، ورغم السعي الحثيث من خلال مبادرات متتالية، عربية ودولية، كمبادرة السيد كوفي عنان ومبادرة الأخضر الإبراهيمي، لعقد اتفاقٍ بين النظام والمعارضة حتى في أبسط الصور والأشكال. وكذلك المبادرة الروسية – الأمريكية المشتركة لعقد مؤتمر جنيف 2 في هذا العام

بدأت الحكومات الغربية مؤخراً بمحاولات عملية، سياسية وتعبوية، ومنها منح المعارضة السورية كميات محدودة من السلاح بشروطٍ منها عدم وقوع هذا السلاح في أيادي المجموعات التكفيرية الإرهابية، ووضع الجناح العسكري لحزب الله المتورط في الحرب السورية في قائمة المنظمات الإرهابية، وإطلاق تصريحات أمريكية من المستويات العسكرية العليا توحي بأن هناك خطط جاهزة موضوعة على طاولة الرئيس أوباما بصدد القيام بما يتطلبه الوضع السوري من إجراءات عسكرية، سبقتها مناور ات أمريكية – أردنية هامة على الحدود السورية، وكذلك التهديدات المباشرة من قبل إسرائيل للنظام في حال تهديد أمنها من خلال وضع سلاحه الكيميائي تحت تصرف المجموعات الإسلامية المتطرفة أو حزب الله، إضافة إلى التصريحات التركية التي توحي بأن تركيا قد تتدخل في شمال البلاد، وهو تدخل لن يغير من المعادلة السورية وإنما لمنع الكورد من تحقيق أي مكاسب قومية لهم. وكل هذه التصريحات الساخنة هدفها الضغط على نظام الأسد سياسياً، ولكنها قد تتحول في المستقبل إلى فعل عسكريتقوم به دول إقليمية أو الولايات المتحدة بذاتها، رغم خطورة الاحتمالات التي ستنجم عن هكذا فعل، وفي مقدمتها تحويل سوريا إلى مدخل للحرب الإقليمية الواسعة

إن الظروف المحيطة بسوريا والتطور الحاصل في المسار السياسي وعلى ساحات القتال، حيث عدم وجود توازن عسكري بين قوى المعارضة والقوات النظامية، مقابل عزلة شبه تامة للنظام، إضافة إلى تأثرالأمن في كل من إسرائيل ولبنان سلبياً بما يجري في سوريا، والمشكلة الإنسانية الكبيرة نتيجة نزوح الملايين من السورية، كل هذه المسائل تؤدي الى اضطرار الدول الغربية إلى إيجاد مخرجٍ من هذه الأزمة المستعصية التي أصبحت مشكلة دولية خطيرة، وهذا يعني الاقدام على مرحلة الحسم السريععسكرياً، أو تناسي الموضوع كلياً وبالتالي تحويل سوريا إلى صوماليا في إحدى أهم مناطق العالم بالنسبة لهذه الدول المعنية. ولذا يمكن القول بأن سوريا في انتظار يوم الحسم

ما يجري في تل أبيض تحت المجهر

جان كورد : 23 تموز‏، 2013

(هل تتذكرون رفض حزب الاتحاد الديموقراطي لعودة آلاف البيشمرﮔة الكورد السوريين المدربين في جنوب كوردستان؟ وهل تتذكرون أنه رفض السماح لتشكيل أي تنظيم عسكري كوردي سوري إلا ضمن قوات الحماية العائدة له؟)

إن اشتباك قوات حزب الاتحاد الديموقراطي مع تنظيمات إسلامية عربية في تل أبيض (ﮔرى سبي) قد بدأ واستعرت ناره بعد الاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق المعقود بين هذا الحزب و”جبهة النصرة” المحسوبة على المنظمات الإرهابية في العالم الحر الديموقراطي، وإذا كانت هناك تنظيمات إسلامية أخرى منضمة للقتال إلى جانب جبهة النصرة فإن أي حزبٍ كوردي أو كوردستاني لم يعلن حتى الآن مساهمته في القتال إلى جانب حزب الاتحاد الديموقراطي، على الرغم من استمرار نشاط الهيئة الكوردية (العليا) التي تشارك فيها بعض الأحزاب الكوردية  مع هذا الحزب، ويتردد بأن “قوات الحماية الشعبية” العائدة له تابعة لهذه الهيئة وتأتمر بأمرها، كما ان أي حزبٍ كوردي آخر لم يوقع من قبل إتفاقاً مع جبهة النصرة وسواه من المنظمات المتطرفة التي لها ضلع كبير على ساحة القتال الدائر منذ زمنٍ طويل بين الشعب السوري ونظام العائلة الأسدية الباغي والدموي. وعليه فإن المسؤولية الكبرى في الجانب الكوردي عن النتائج السلبية لما يجري في هذه البقعة التي اشتهرت تاريخياً بصونها الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين مكوناتها الاثنية والدينية، وفي مقدمتها الكورد والعرب في تل أبيض وقراها، تقع على عاتق حزب الاتحاد الديموقراطي وليس على كل الأحزاب الكوردية السياسية، التي نعلم عنها بالتأكيد رفضها الانزلاق إلى أي صراعٍ جانبي اليوم، والمعركة السياسية لها هي ضد نظام الأسد ومرتزقته وحلفائه وشبيحته فقط. 

 

وبناءً على هذا فإن أي اتهام للشعب الكوردي من خلال ما جرى سابقاً من مآسٍ دموية بسبب صراعات مسلحة في مناطق الجزيرة ومن أهم فصولها ما حدث في رأس العين (سرى كانيى)، وكذلك بالقرب من مدينة عفرين في منطقة جبل الأكراد (كورداغ) سابقاً، عار من الصحة ومردود، لأن الشعب السوري عامةً والكوردي خاصةً يرفض انحيازه عن معركته الوطنية الأساسية التي هي معركة سائر مكونات المجتمع السوري إلى معارك جانبية تضر بالنسيج الاجتماعي – الديني لهذه المكونات وتعود على شعبنا الكوردي خاصةً بمزيد من الدموع والدماء والخسائر المادية وتساهم في تأخير وعرقلة نشاطه من أجل رفع الظلم والعدوان عن نفسه.

ويعلم كل العقلاء بأن خرق الاتفاق يقتضي وجود الاتفاق قبل ذلك، فإذا كانت جبهة النصرة ومن ورائها  إمارة (أو دويلة) العراق والشام الإسلامية كما تم تصنيفهما عالمياً من المنظمات الإرهابية  والمتطرفة فكيف يعقد حزب الاتحاد الديموقراطي معهما اتفاقاً؟ وعلى أي أساس تم صوغه والالتزام به؟  ثم يعود الحزب للقول بأنه يقاتل اليوم ضد الإرهاب السلفي، الأردوغاني، المتخلف، المعادي للكورد وكوردستان.

 

هذه الاشتباكات جرت وتجري بهدف الاستيلاء على مناطق حدودية مهمة للغاية، مع التأكيد على الأهمية الاستراتيجية، من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية، لسائر المنطقة الكوردية على طرفي الحدود بين تركيا وسوريا والعراق، وهذا ما يجعل من هذه الاشتباكات في منتهى الخطورة، كمن يشعل النار بالقرب من حقول قمح آن أوان حصادها، ولذا فإن مجرد التفكير في خوض معارك في هذه المناطق خطأ جسيم، سواءً المرتكب في الجانب العربي أو الكوردي، ونحن نعلم بأن الدولة الكبيرة تركيا، العضو في حلف الناتو، والتي لم تتحرك ضد نظام الأسد عسكرياً رغم اعتداءاته العسكرية المتكررة عليها ورغم كل تهديداتها وخطوطها الحمراء، فإنها لن تتوانى عن القيام بهجمات جوية وبرية على المناطق التي يشتد فيها ساعد الحركة التحررة الكوردية، سواءً في سوريا أو في العراق، وقد فعلت ذلك مراراً وتكراراً في جنوب كوردستان (كوردستان العراق!) منذ لجوء بعض قوات حزب العمال الكودستاني إلى جبل قنديل وسواه ضمن الأراضي العائدة لدولة العراق رسمياً.  والتصريحات اللامسؤولة التي يطلقها البعض من الكورد بصدد “قدرة الشعب الكوردي على التصدي لكل التنظيمات المتطرفة وتركيا من ورائها!!ّ!” ليست إلا بالونات دعائية إعلامية بهدف تقوية عزيمة المنخدعين ببعض أسباب القوة التي يمتلكها هذا الحزب الكوردي أو ذاك، فإن غرب كوردستان (كوردستان سوريا) ليس كما هو عليه شمال كوردستان (كوردستان تركيا) أو شرقه أو جنوبه، من حيث العمق الاستراتيجي والإمكانات والاستعداد التعبوي اللازم للتصدي لكل هذه القوى المتكالبة علينا مجتمعة.  كما أن المواجهة الكوردية “السورية” مع  الدولة التركية غير واردة كبرنامج سياسي عملي لأي حزبٍ كوردي سوري، ناهيك عن أن المرحلة التي فيها حركتنا التحررية الكوردستانية عموماً، ومن ضمنها حزب العمال الكوردستاني (الأم التي أنجبت حزب الاتحاد الديموقراطي) في سعي حميم من أجل السلام مع تركيا، وهي بحاجة إلى فترةٍ زمنية طويلة لبناء قواها الذاتية وحشد طاقاتها وكسب مزيدٍ من الأصدقاء، من العالم كله ومن الشعب التركي أيضاً، وليس الدخول في مغامرات تؤدي إلى تشريد ملايين الكورد السوريين وإفراغ  منطقتهم الكبيرة الممتدة من حدود العراق شرقاً إلى لواء الاسكندرون غرباً من القوم الكوردي.  ما حدث لشعبنا في شمال كوردستان من تهجير وتدمير اقتصادي، وكذلك من قبل في جنوب كوردستان يجب أن لايتكرر لدينا أيضاً.

 

لقد زعم مسؤولو حزب الاتحاد الديموقراطي على الدوام بأن مهمتهم الأولى هي حماية الشعب الكوردي والحرص على عدم تعريضه للخراب والدمار، وافتخروا بأن المنطقة الكوردية قد تحررت بصورة سلمية مدهشة، وحاولوا اقناع إخوتنا في أجزاء كوردستان الأخرى وكذلك العالم بأسره بما اعتبروه أكبر انتصار لشعبنا في غرب كوردستان، وليس من مهامهم الآن القتال ضد قوات النظام السوري، وبرروا بذلك امتناعهم عن الهجوم على مقرات وثكنات ودوائر أمن النظام في المنطقة الكوردية، حتى تماثيل الدكتاتور المقبور حافظ الأسد بقيت سليمة ومصانة في المدن الكوردية “المحررة!”… حسناً. أليس ما جرى في رأس العين سابقاً ويجري الآن في تل أبيض يعد انتكاساً فظيعاً ناجماً عن سوء تقدير المواقف والقوى والفصل بين الصديق والعدو وقلة خبرة في المجالين السياسي والعسكري؟ على الرغم من إدانتنا التامة لأي عدوانٍ على الكورد وقراهم ومدنهم من أي طرفٍ كان، وتحت أي لافتةٍ كانت، دينية أو علمانية، أفلا يتحمل الذين أعلنوا المنطقة الكوردية “محررة ومصانة” بقواهم القتالية مسؤولية فشلهم في كل ما حدث؟  ألم يدقوا منذ ظهورهم اسفيناً بينهم وبين مختلف فصائل الحركة الوطنية الكوردية بمواقفهم التسلطية والاستفراد بالقرار الكوردي؟ فكيف يطالبون الآن بأن تتحمل هذه القوى “الخائنة!” التي كانت تتهم في وطنيتها مسؤوليتها في الدفاع ويتم الاستنجاد بالشعب الذي تم إذلاله بصورة ممنهجة من قبل “أولياء الأمر” هؤلاء، كما حدث مراراً في عفرين وعامودة وكوباني؟  الشعب الكوردي لايقبل أن يستبد به أحد، سواءً أكان المستبد غريباً أو من أبنائه، كما لايقبل ذلك من أي جهة سياسية كانت، سواءً أكان زعماؤها وأنصارها ملتحون أو غليظو الشوارب أو بدون لحى وشوارب.، ولذلك فإن ماجرى هو عدم إسراع الحركة الوطنية الكوردية وتباطىء الشعب الكوردي لتلبية نداء الاستنجاد المنطلق من حناجر واسعة في حزب الاتحاد الديموقراطي لصد عدوان الإسلاميين المتطرفين على تل أبيض، على الرغم من أن صد أي عدوانٍ غاشم واجب قومي ووطني يقع على عاتقنا جميعاً، بغض النظر عن الخلافات السياسية والآيديولوجية. 

 

التهمة التي يخفي وراءها المعتدون المتطرفون وفي مقدمتهم أمراء جبهة النصرة الأسباب الحقيقية لهجومهم على حزب الاتحاد الديموقراطي من شقين: الأول هو أن الحزب خرق الاتفاق المعقود بينهما والذي يقتضي عدم إدخال المسلحين إلى المدينة، وهذا بالفعل  ليس ذريعة تؤدي إلى هجومٍ واسع النطاق ومدعومٍ بمختلف أنواع الأسلحة، حتى المدافع الثقيلة والدبابات، والثاني هو أن المهاجمين يعتبرون حزب الاتحاد الديموقراطي أداةً من أدوات النظام الأسدي، يحارب الجيش السوري الحر، ويدافع عن نقاط استراتيجية للنظام في المنطقة، وهذه الذريعة أيضاً غير مقنعة لأنه من الأولى استخدام هذا السلاح الكثيف للهجوم على قوات النظام ولمساعدة مدن محاصرة كما هو حال مدينة حمص مثلاً. ولكن من جهة أخرى، ليس الإسلاميون وحدهم يوجهون هذه التهمة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي، وإنما عدد لايستهان به من الناشطين الكورد أيضاً، فلماذا يتم اتهام هكذا حزب كبير يعتبر نفسه جزءاً من قوى الثورة السورية  بالذات؟ ولاحاجة لنا بالدخول في هذه الغرفة المعتمة التي تمتلىء بالشكوك والظنون حتى لانظلم أحداً.

 

زعم أكابر هذا الحزب بأن الحق كان إلى جانبهم في أحداث مدينة عاموده الدموية المخزية، ثم اعترف أحد هؤلاء علناً بأنهم يتحملون المسؤولية عن حدوثها لأن “المدينة كانت تحت حمايتهم!”، فهل يتحملون المسؤولية عما يجري في تل أبيض أيضاً وفي كوباني وفي عفرين وما حولها، وهي كلها في حمايتهم؟  وهل يتحملون المسؤولية عن عقدهم اتفاقاً مع منظمة يعتبرونها إرهابية؟

 

 أطلق  هؤلاء تصريحاتٍ مثيرة عن اقدامهم على بناء “إدارة ديموقراطية ذاتية” خلال شهور قلائل قادة، وطالبوا الكورد بإبداء الآراء في مشروع دستور هذه الإدارة، على الرغم من أن الإدارات الذاتية أو المحلية لاتحتاج إلى دستور، وإنما الفيدراليات هي التي تحتاج لدساتير، وهنا أيضاً لم يستشيروا الحركة السياسية الكوردية ولم يدعوها لعمل مشترك في هذا المجال، ثم صدر عن “هيئة التنسيق الوطني” السورية، التي حزب الاتحاد الديموقراطي عضو فيها، بيان  يذكر أن مسؤولي هذا الحزب قد تبرأوا من هذا المشروع وأكدوا على أنه ليس مشروعاً باسم الشعب الكوردي. فكيف يصدر هكذا بيان بعد كل ما قيل ونشر عن هذا المشروع؟ بالتأكيد إن قيام حزب الاتحاد الديموقراطي بما يحلو له باسم الشعب الكوردي وبالغياب عن إرادته، بل وبدون فصائل حركته الوطنية الأخرى يؤدي إلى أخطاء جسيمة مضرة بشعبنا وقضيته العادلة.

 

وأخيراً،..

لابد من التأكيد على أن حماية الشعب الكوردي عن طريق تشكيل قوات مسلحة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق مختلف الفصائل الوطنية لهذا الشعب، وأن إقامة إدارة ما، يحكم بها نفسه بنفسه، ضمن حدود الدولة المشتركة: سوريا، مسؤولية جماعية أيضاً، وكذلك فإن إقامة علاقات مع المعارضة السورية، الوطنية والديموقراطية والإسلامية المعتدلة، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار وجود هذا الكم الهائل من القوى السياسية الكوردية، كما أن الشروع في قتالٍ مع هذا أو ذاك يجب أن يدرس بعناية فائقة في أضيق الدوائر الكوردية الهامة، إذ أن شعبنا غير مستعد لزجه في معارك جانبية في هذا الوقت الحرج والخطير من تاريخ سوريا التي هو جزء أساسي من مكونات مجتمعه الفسيفسائي.

 

 

المثقفون الكرد … بعد خراب البصرة

جان كورد – ‏24‏ حزيران‏، 2013

(ن، والقلم وما يسطرون)

قد يسأل أحدنا عن دور المثقف الكردي في الثورة السورية أو فيما يجري اليوم على الساحة الكردية كجزءٍ لا يتجزأ من هذه الثورة، فيأتيه الجواب حالاً: ” ألا تراهم قد اجتمعوا في عاصمة إقليم جنوب كردستان (هه ولير) منذ أيام، وقرروا ما قرروا فيما بينهم، ووعدوا بأن تتوسع حلقات الاجتماعات واللقاءات حتى يصبح لهم شأن كما لتنسيقيات الشباب من وزنٍ في ميزان القوى الكردية.”

ولكن قد يرفع أحدنا يده ويطرح سؤالاً كهذا: “أنا مثقف من غرب كردستان وليس لي علم باجتماعٍ مثل هذا!!!” فينظر إليه سواه مستغرباً وهو يجاوبه بسؤالٍ أهم:” مثقف؟ منذ متى أنت مثقف؟ ألا تعلم أن للمثقف صفات وطبائع ومواقع ومواقف ونتاجات ومقاربات و… و… و…”

وهكذا نجد أنفسنا في مطحنة كبيرة مليئة بخليط من الأسئلة والأجوبة التي تعيق مشاهدتنا ومتابعتنا للمسلسل الحقيقي والمأساوي الذي تعرض حلقاته المليئة بالشجون والأحزان على ساحة المربعات والدوائر والمكعبات السياسية الكردية، منذ اندلاع الثورة السورية المجيدة وإلى الآن.

وعليه، يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة بجرأة حتى ننتقل إلى مستوى أعلى في نقاشاتنا حول ما علينا القيام به للمساهمة في تخفيف وطأة الظلال المرهقة على كاهل شعبنا المظلوم:

–         من هو المثقف؟

–         ما طبيعة المثقف؟

–         ما موقع المثقف في الثورة السورية (ولنقل في مرحلة “تحرير غرب كردستان!” هذه!)

–         ما إمكانات المثقف؟

–         ماذا يريد المثقف من التنظيم السياسي الكردي، ومن قادة الثورة السورية؟

–         ما نقاط الضعف في المربع الثقافي الكردي؟

–         ماذا يريد التنظيم السياسي الكردي، وزعماء الثورة السورية من المثقف الكردي؟

–         ماذا أراد اجتماع هه ولير تحقيقه؟  ولماذا جمع عدداً قليلاً من مثقفي غرب كردستان؟

أعتقد بأن الإجابة عن هذه الأسئلة تقع على عاتق مختلف المثقفين والسياسيين والناشطين، ما خلا السؤال الأخير الذي يجب توجيهه إلى الفئة الداعية لذلك الاجتماع ومن وراءها من ممولين صرفوا مشكورين من وقتهم ومن مالهم لأهدافٍ لا نعلمها تماماً.

لا أريد فرض آرائي وطرح إجاباتي عن هذه الأسئلة الآن، بل أفسح المجال في ذلك للإخوة والأخوات الكرد الذين يهمهم أمر الثقافة القومية والشأن السياسي الوطني، وهم منشغلون في معظم أوقاتهم بتتبع أخبار الساعة في كل ما يتعلق بالكرد وغرب كردستان وإلى حدٍ كبير بما يحدث على ساحة الثورة السورية من جرائم متتالية بحق الشعب السوري وضد الإنسانية عموماً.

برأيي، المثقف الكردي أضعف، كفردٍ من أفراد هذا الشعب، وكفئة من فئاته المستنيرة، من أن يلعب دور اً قيادياً بعد خراب البصرة في “تحرير غرب كردستان” أو في إدارة الثورة السورية، على مستوى المربع الكردي، حيث هناك الأحزاب التي تطحن بعضها بعضاً بأساليب سياسية رديئة، وتقصي بعضها من هنا وهناك، بل تقتل من بعضها بعضاً موالين وأعضاء، وحيث هناك المافيات المسلحة، والفرق الأمنية (آسايش) بعربات الدفع الرباعي من انتاج مصانع كرداغ المخفية تحت الأرض، والتي عليها رشاشات ديكتاروف ولافروف وترفرف عليها رايات أنجولا وليتوانيا، المعدة سلفاً لقنص وسحق كل تجار “الحشيش السوري” في شمال البلاد، وبخاصة حشيش “أبو الذقن” المشهور بتنقلاته بين ( روخاريا وعفريت ) وبين (باب المندب وتل غزالة وعامودا)…

المثقف الكردي لا يستطيع الانخراط في التظاهرات وفي الهجمات على المطارات لأنه لا يملك تنسيقيات مثل ما يمتلكه الشباب، والمثقف الكردي لا يملك الأموال المنقولة وغير المنقولة ليؤسس بها “مؤسسة الفكر الكردي” أو أي حاضنة من حاضنات الثقافة القومية، فهو قادم من البراري وزائل بلا أثر سياسي فعال، حيث أثمان بيع كل الكتب التي نشرها لا تتجاوز المبلغ الكافي لتغطية مصاريف طبعها، وبخاصة فإن الذين يقرؤون الكتب الكردية أقل عدداً ممن يقرؤون بأي لغة منقرضة في العالم.

عزف المثقف الكردي على أوتار قيثارته الحركية مقطع قصير الأمد من مقاطع سيمفونية الحراك السياسي – الإجتماعي الكردي العام، وهو عالة مالية على أسرته إن تفرغ للكتابة، ومجهول حتى بين زملائه المثقفين أنفسهم، حين ينثر بعض الأثرياء دريهمات لكسبهم إلى صفوف جنده الثوار الذين يتقاضى عليهم “دفاتر” دولاراتية.

ولكن رغم هذا المعروف عن هؤلاء المستضعفين في الأرض الكردية، فالمثقف له دور وإمكانات ومواقف ومداخلات ومشاعر وتساؤلات، وقد قال أحد مجانين الشهرة السياسية يوماً بأنه عندما يلتقي بمثقف فإنه يتلمس مسدسه، وقال امبراطور مشهور بأنه يخاف صرير الأقلام أكثر من دوي المدافع، وكانت المدافع في عصره أهم الأسلحة التي ابتكرها العقل البشري واشدها فتكاً على الإطلاق، بل إن الله تعالى قد أقسم بالقلم في القرآن المجيد “بعد التعويذ والبسملة”: ((ن، والقلم وما يسطرون))، فلماذا خوف السياسيون والأباطرة من قلم المثقفين، إن لم يكن لهم تأثير في الشارع المدني؟ ولماذا يقسم رب العالمين بالقلم إن لم يكن مهماً…

في شتى أنحاء العالم غير المتحضر، يعاقب المثقفون عقاباً شديداً لحشرهم أنوفهم في مطبخ السياسة أو الدين، وحتى في البلدان المتقدمة يلاحق الذين ينشرون “الغسيل الوسخ” لحكوماتهم و”أسايشاتهم” وشلة سارقي خبز شعوبهم وبائعي قضاياهم المقدسة في سوق النخاسة ومن أجل مصلحة زعاماتهم، مثلما حدث لصاحب ويكيليكس ويحدث الآن لمن نشر أسرار مراقبة الحكومة الأمريكية لاتصالات مواطني بلادها وضيوفها، ومن المثقفين من يتم منحه جائزة نوبل للسلام وللحريات والحقوق، وهو في ظلام السجن في زنزانة انفرادية، ويلقى بذلك احترام البشر في كل مكان على هذه الأرض، ولذلك فإن معالجة مشاكل المثقفين الكرد والمداخلة بصدد ما يناقشونه، فرادى وجماعات، يجب أن يلقى منا جميعاً قليلاً من الاحترام، إن لم نتمكن من دعمهم ومؤازرتهم فيما يفعلونه ثقافياً وسياسياً ويكتبونه ويقولونه من وجهات نظرهم المختلفة بالتأكيد عن وجهات نظر غيرهم من البشر… ويستثنى منهم بالطبع من يبيع نفسه وكرامته وثقافته مقابل نيل ثناءٍ من أهل الحل والعقد، أياً كانوا ومهما كان جبل الكتب التي كتبوها شاهقاً، إذ أن رسالة المثقف هي عدم المساومة مع السياسيين ومستغلي الأديان وأصحاب السلطان الذين يركبون ظهور البشر ويتابعون استبدادهم واستغلالهم لمن دونهم بأي ثمنٍ كان، ومن ذلك الثمن الاضطرار لشراء بعض المثقفين وتسخيرهم كخدامٍ إعلاميين لهم كما فعلت بعض أحزابنا الطليعية التي تعرف كل شيء أفضل من الشعب، وكل ما تقوم به من سياسات صحيحة بانحرافاتها وتقلباتها وتوريطها شعبنا وقواه السياسية ومثقفيه في ورطة بعد ورطة…