أهل مكة أدرى بشعابها

Cankurd –  03.07.2013

http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

جان كورد

أثبتت هذه الحكمة العربية عبر القرون والعصور صحتها، وأخذ بها الغربيون في السياسة والاجتماع في حين أهملها أهل مكة أنفسهم ومن حولهم العرب والعجم، وعلى أساس هذه الحكمة قلل الغربيون من فرص استبداد بعضهم في الإدارة والحكم برقاب بعض، إذ لا يعقل أن يرسلوا من يحكم في مكة في حين هناك مكيون يعلمون عن مدينتهم وشعابها أفضل بكثير ممن يعيش بعيداً عنها أو في مدينةٍ مجاورة،

أما العرب والعجم بل الشرقيون عامة فيلفظون هذه الحكمة بأفواههم وما أشبه بها في اللغات والثقافات المجاورة، ولكنهم لا يطبقونها في المجال العملي على أنفسهم، ولذلك يرفضون الفيدرالية والحكم الذاتي والإدارة اللامركزية، وهي أفكار واقعية أثبتت جدارتها وقدرتها على التطبيق العملي المنتج في بلدانٍ عديدة مختلفة عن بعضها بعضاً من حيث الموقع الجيوبوليتكي والمساحات والثقافات والتكوينات السكانية، ومن حيث الأعراق والقوميات والأديان. ولذلك يطالب بها أبناء وبنات الشعوب المحرومة من حقوقها المنصوص عليها في القوانين الدولية، ومنهم الشعب الكردي في سوريا، حيث تواجدهم التاريخي على أرض وطنهم “كوردستان” منذ فجر التاريخ مؤكد ومعلوم، بل ومقبول من العديد من رجالات الفكر والدين والسياسة في سوريا وما حولها، ومطلب الكرد أن تكون إدارتهم لنفسهم ذاتياً على شكل “فيدرالية” قومية أو “إقليمية” لأنهم أدرى بشؤونهم المعيشية والسياسية والثقافية، وكذلك لا يمكن للكردي الساكن في شمال البلاد أن يفهم أوضاع أبناء الجنوب السوري، حيث الأقلية الدرزية، أو أبناء جبال العلويين في غرب البلاد، أو أبناء السنة في وسطها، بشكل أفضل منهم، فإن “أهل مكة أدرى بشعابها” كما تقول العرب.

وطبقاً لهذه الحكمة الإنسانية المتأصلة في نفوس العرب، أوزع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) محمد العربي إلى القبائل التي قدمت إليه بأن يتولى بين يديه أمر كل واحدةٍ منها رجل عارف بشؤونها وأمورها، وفعلوا ذلك دون تردد لأن ذلك طبيعي ولأن رسول الله (ص) يأمرهم بذلك، ولكن يبدو أن قبائل العرب اليوم قد نسيت طبائعها الأصيلة ونسيت أن النبي الأكرم (ص)، الذي نقلهم وهم أميون وجهلة إلى قيادة العالم القديم كله، قد طبق هذه الحكمة التي لا يمكن تعارضها مع الدين الحنيف، لأنه بالتأكيد كان سيرفض الأخذ بها في حال تعارضها مع العقيدة التي قال عنها لقومه: “والله، لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته.. ” إلى آخر الحديث النبوي الشهير.

ما الذي يقوله أعداء الفيدرالية؟

إنهم خائفون من أن يؤدي تقسيم السلطة على الأقاليم إلى تفتيتها و”انفصالها”، ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون أن “الفيدرالية” تعني “الاتحاد” وليس “التفتيت”، وأن الانفصال على عدالة أفضل من الاتحاد على ظلم وعدوان، فإن بنغلاديش ما كانت لتنفصل عن باكستان لولا تراكمات الظلم والعدوان، وكذلك سوريا عن وحدتها مع مصر، لو كان نظام الحكم فيهما فيدرالياً. إذ نرى بأعيننا اليوم كما هي واسعة ولينة فيدرالية إقليم البايرن (بافاريا) في جمهورية ألمانيا الاتحادية التي يطبق فيها نظام الإدارة اللامركزية حتى على مستوى بعض المدن، مثل برلين وهامبورغ في شمال البلاد، ولكن مع ذلك لا يفكر أحد في الولايات الألمانية بالانفصال. أو كيف هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي يسمح دستورها بانفصال الولايات عنها، ومع ذلك يزداد تلاحمها من مختلف النواحي، حيث تنامي الاقتصاد وتشابك المصالح هو الذي يلعب الدور الأساسي في التماسك وفي التنازع، وليس الثقافة أو اللغة أو الدين كما يظن البعض، فالاتحاد الأوربي يضم شعوباً عديدة ولغاتٍ كثيرة ومذاهب دينية مختلفة، ولكن نظامه الاتحادي هو الذي يحدد العلاقات فيما بينها ويدفعها للتضحية المالية العظيمة من أجل انقاذ بعضها البعض مالياً من أزمةٍ قاتلة. كما هي الحال في اليونان وقبرص اليوم.

في المقابل فإن العرب أمة واحدة ولغة واحدة ودين واحد إلا أنهم لازالوا متفرقين وغير قادرين على إقامة نظام سياسي مسترك لهم، على الرغم من تأسيس الجامعة العربية منذ عقودٍ من الزمن بهدف إنجاز وحدتهم. والسبب في ذلك هو أنهم لم يأخذوا بالنظام الفيدرالي ولاتزال سياساتهم تؤمن بالمركزية المفرطة التي يتربع على عرشها من بيديه مفاتيح السلطان كله، ملكاً كان أو رئيس جمهورية.

وفي أجزاء كوردستان المقسمة المجزأة عانى الشعب الكردي من مختلف سياسات القمع والاقصاء والاضطهاد والغصب، بل تعرض للمذابح المتتالية على أيادي الحكومات العسكرية والمدنية، الملكية كما في عهد الشاه الإيراني، وشبه الديموقراطية كما في تركيا الطورانية، والثورية “التقدمية” كما في ظل حكومات البعث العربي الاشتراكي في كلٍ من سوريا والعراق. ولكن رغم هذه المعاناة توقف مقاتلو الكرد عن القتال في سائر الأجزاء، وظل هذا الشعب بمختلف تياراته العلمانية والدينية، اليسارية والديموقراطية، يطالب بأن يمارس حقه في إدارة نفسه حسب الحكمة العربية الأصيلة “أهل مكة أدرى بشعابها”… وليس هناك حزب كردي أو كردستاني واحد (من التي تمتلك القوة الجماهيرية) يطالب بالانفصال اليوم، ولذلك ترى الكرد في جنوب كوردستان مثلاً أكثر التزاماً من حكومة المالكي العراقية ذاتها بالدستور العراقي، الذي إن تم تطبيقه كاملاً، وبخاصة المادة 140 منه، فإنه سيغلق باب الانفصال على الكرد ردحاً طويلاً من الزمن، ولربما نهائياً.

فلماذا إصرار بعض قادة المعارضة السورية على رفضهم مطلب الكرد، طالما هم مقتنعون فعلاً بأن الكرد تعرضوا خلال العهود الماضية إلى الاضطهاد والتمييز، وأن الفيدرالية ستردم الهوة بينهم وبين إخوتهم في “الوطن المشترك” أو ما يسميه بعض الشباب ب”الوطن النهائي!”، وطالما أن حق تقرير المصير حق لكل الشعوب، وأن الثورة السورية عاملة على بناء سوريا جديدة حرة وديموقراطية، تؤمن بحق المرء في ابداء رأيه بحرية في شكل الدولة وفي أسلوب إدارتها أيضاً. فلماذا يغلق بعضهم الباب ضمن تكتلات وتشكيلات المعارضة في وجه “إخوتهم” الكرد، إن كانوا يؤمنون بالتآخي بين الشعوب حقاً…؟ والتآخي لا يعني الدمج بالقوة أو الانصهار ذاتياً في الآخرين، وإنما الاتحاد عن قناعة ومصلحة مشتركة وعلى أسس التكافؤ والعدالة والمساواة.

وعجيب فعلاً أن ليس هناك دولة عربية أرغمت دولة عربية أخرى على الوحدة معها، ولكن حتى ضعفاء العرب يهددون الشعب الكردي على الدوام باستخدام القوة، على الرغم من أن فرض الوحدة العربية على العرب أهم لهم مما يمارسونه ضد الكرد من تعسف لا يقبله الشرع الإلهي ولا القانون الدولي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s