تكريد صراعٍ إقليمي أم منافسة حزبية رديئة

جان كورد – 2013‏

لا يختلف اثنان على أن الصراع في سوريا يسير في اتجاه الصراع الإقليمي الأخطر والأوسع والأطول، وستنعكس نتائجه السلبية على سائر دول المنطقة، وعلى شعبنا الكردي أيضاً، لأنه يعيش في المنطقة ولا يستطيع أن يعيش بمنأى عما يجري حوله من أحداثٍ لها خلفيات سياسية واقتصادية وعقيدية. وأشك في فهم واتزان أولئك الذين يزعمون بأن وضع شعبنا مختلف وبأن قياداته الحزبية قادرة على النأي به في هذه الأوضاع الخطيرة، وبخاصة فإن الاتجاه صوب اقتتالٍ طائفي وديني وسياسي بات سمة المرحلة الجديدة التي تواجه السوريين بعد الآن.

في هذا الصراع الدموي الكبير ثمة محاور إقليمية تقف وراءها أو تحركها قوى دولية تملك إمكانات تعبئة ودعاية عظيمة، ولها تداخلات وتشابكات عبر منظمات دولية تمتلك فيها من الحقوق ما لا تمتلكها الدول الأضعف، كحق الفيتو في مجلس الأمن مثلاً. وهذه المحاور المدعومة من قبل قوى دولية مؤثرة، ويمكن تحديدها بالمحور الإيراني والمحور التركي والمحور الإسرائيلي والمحور العربي، تلقي بظلالها على الساحة السورية وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في مسار الأحداث، وفي حين يدعم المحور الإيراني والإسرائيلي بقاء النظام السوري واستمراره في الدفاع عن قلاعه العسكرية في العاصمة دمشق وبعض أرجاء سوريا إلى حدٍ ما، بل إن إيران متورطة عسكرياً بذاتها وعن طريق مرتزقتها العراقيين واللبنانيين في الحرب المعلنة من قبل النظام على الشعب السوري، فإن المحوران التركي والعربي يدعمان المعارضة السورية باختلاف كياناتها الديموقراطية والوطنية والإسلامية (المعتدلة والمتطرفة) بهدف اسقاط النظام الأسد أو فرض شروطها عليه في حال عدم تمكن المعارضة السورية المسلحة من التخلص من الأسد وبطانته الإرهابية الموغلة في الجريمة ضد الإنسانية.

الأحزاب الكردية / الكردستانية لم تنخرط بعد في صفوف “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” وهو آخر ما تحقق من تحالفٍ وطني سوري على مستوى الفعاليات السياسية، كما لا نجد لهذه الأحزاب وجوداً واضحاً ضمن تشكيلات “الجيش السوري الحر” وضمن التنظيمات الإسلامية المسلحة، وهذا الجيش الحر هو أهم القوى العسكرية للمعارضة السياسية السورية، إلى جانب التنظيمات الجهادية، وهذا يعني أن الأحزاب الكردية قد حاولت النأي بالنفس عن المساهمة في القتال وفي النضال السياسي ضمن التشكيلات التحالفية السورية، لأسباب:

– الأول هو الاعتقاد السائد في قيادات هذه الأحزاب بأن في مقدورها الاستمرار في النأي بالنفس عن الدخول في نزاعات مسلحة ظلت بعيدة عنها على الساحة السورية منذ تأسيس أول تنظيم سياسي كردي سوري، الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا في عام 1957

– رفض كل التشكيلات السورية المعارضة منح الشعب الكردي حقه القومي العادل في إدارة ذاته ذاتياً ووقوفها عند حد “حق المواطنة” المتساوية مع سائر مواطني البلاد دون الاعتراف بحق هذا الشعب في تقرير المصير، حسب القوانين والمواثيق الدولية، ودون أي اعتبار لكون هذا الشعب يشكل التركيبة الاثنية الثانية في البلاد.

– ضعف هذه القيادات وفشلها في إظهار القوة السكانية والسياسية والقتالية والدبلوماسية للشعب الكردي كطرفٍ لا يمكن إهماله وتجاوز وجوده وحقوقه على الساحة السورية، على الرغم من كثرة المحاولات الكردية لإقامة التحالفات الداخلية والهيئات المشتركة بين أحزاب الكرد الوطنية الديموقراطية.

– الارتباط العضوي المتزمت بعناصر أقوى على الساحة الكردستانية خارج سوريا، وهذه العناصر القوية داخلة في محاور إقليمية أو واقعة تحت ضغوطها وتأثيراتها، وهي فيما بينها إما متنازعة وإما متقاربة، حسب الظروف الإقليمية في المنطقة والمتغيرات على الساحة الكردستانية. وهنا لابد لنا التوضيح بأن المثلث الكردستاني الشهير (الحزب الديموقراطي الكردستاني -الاتحاد الوطني الكردستاني -حزب العمال الكردستاني) أشد فعالية وتأثيراً في المواقف الكردية السورية حيال مختلف المسائل من تأثير أي حزبٍ سوري عليها، وهذه حقيقة يجب عدم إهمالها من قبل المعارضة السورية، وكما هو تأثير إيران في حزب اللات اللبناني أو تأثير عامة الإخوان المسلمين العرب في جماعة الإخوان المسلمين السورية، فإن لحزب العمال الكردستاني ذات التأثير الفعال في “حزب الاتحاد الديموقراطي” السوري الذي يعتبر  أحد أهم التشكيلات السياسية المنظمة على الساحة في غرب كوردستان.

وحيث ان المثلث الكردستاني في أربيل والسليمانية وقنديل هو الذي يستطيع املاء شروط أضلاعه على الحركة السياسية في غرب كوردستان، وهذا ما أدركته قيادة “المجلس الوطني السوري” في ظل رئيسها الدكتور برهان غليون، فقد حاول المجلس كسب الأحزاب الكردية “السورية” عن طريق اقناع الكردستانيين بضرورة ممارسة ضغوطهم على هذه الأحزاب. والمحاولات في هذا المجال لا تزال مستمرة.

ولكن يجب عدم تجاهل دور المحورين الإقليميين المحيطين بإقليم جنوب كوردستان من طرفي الشرق (إيران) ومن طرف الشمال (تركيا)، إضافة إلى أن حكومة السيد نوري المالكي في بغداد متحالفة تماماً مع إيران، في حين أن المعارضة متحالفة حالياً مع تركيا، وأن هذا الوضع وإن كان يسمح بقليلٍ من الاستفادة لتضارب مصالح المحورين استراتيجياً في المنطقة، فإنه يؤثر سلباً على حركة وحرية المثلث الكردستاني المتقارب ضمناً في اتخاذ قراراته وتحديد مواقفه، ليس على صعيد الإقليم الكردي في العراق فحسب وإنما على الصعيد الكردستاني أيضاً، وبالتالي لن يكون هذا الوضع مفيداً لأحزاب غرب كوردستان، بل إن أحزابنا تكتشف مع الأيام أن محوري إيران وتركيا يؤثران سلباً وبقوة في مواقف الإخوة الكردستانيين، ومثالنا على ذلك هو أن موقف حزب الاتحاد الديموقراطي من حكومة أردوغان والعلاقة معها، بل ومن الأردوغانية كفكر سياسي أيضاً، قد تغير فجأة بمجرد الاتفاق الذي جرى بين زعيمه السيد عبد الله اوجالان ورئيس المخابرات التركية هاكان فيدان بصدد “السلام المأمول” في شمال كوردستان وتركيا. وبالتأكيد فإن أي صراعٍ علني بين أحزاب المثلث الكردستاني سيؤدي إلى انشطارات كردية سورية عميقة، كما حدث في الماضي باستمرار.

ما يقال عن تنافس سياسي طبيعي بين أحزابنا في غرب كردستان ليس إلا هراءً، فالتنافس لن يكون طبيعياً إلا بتواجد ظروفه الديموقراطية التي تسمح بالانتخابات واستطلاعات الرأي العام والدعاية العلنية بشتى الوسائل الإعلامية بهدف كسب أصوات وقلوب المواطنين، فالتنافس لا يتحقق من خلال الترويع والترهيب الذي تمارسه بعض القوى ضد بعضها الآخر، وبالاستيلاء على الطحين المرسل كمعونات إلى فقراء الكرد وبفرض الاتاوة كزمن العثمانيين حتى على الأشجار والخراف… ولربما الدجاج أيضاً.

أنا لا أرى سوى شيءٍ بسيط من التنافس الحزبي الرديء وغير المنتج، وذلك لأن أحزابنا في غرب كوردستان ليست مستقلة في قرارها السياسي، بل هي تابعة لأحزاب كردستانية داخلة في عباءة محوري إيران وتركيا، ليس اليوم فقط وإنما تاريخياً أيضاً، وبقدر ما تزداد الصراعات الإقليمية حدةً على الساحة السورية التي نحن جزء منها الآن، شئنا أم أبينا، فإن تأثير المحاور الإقليمية، وبخاصة محوري إيران وتركيا، في مجمل الحراك السياسي الكردي، سيظهر بوضوحٍ أشد. وبالتالي فإن انخراط الكرد في هذه الصراعات العنيفة سيقود أحزابنا إلى “تكريد الصراع الإقليمي” الذي شرعنا نلاحظ مقدماته، حيث المحور الإيراني المدجج بالسلاح والمال والتقنيات الإعلامية، يحقق تقدماً ملحوظاً على الساحة الكردية، من خلال انتهاج بعض أحزابنا سياساتٍ تتقارب مع سياسة واستراتيجية هذا المحور، بصدد سوريا وبصدد المشاكل المختلفة في المنطقة.

فماذا سيحدث إن بدأ المحور التركي أيضاً في تقديم المال والسلاح والدعم الإعلامي – السياسي لأحزابٍ كردية “سورية” بشكل مباشر أو عن طريق أحد أضلاع المثلث الكردستاني؟ ألن نجد أنفسنا في معمعان “تكريد الصراع الإقليمي”؟ أم سنسمي هكذا مصادمات على الساحة الكردية مجرد “منافسة حزبية!”؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s