الحراك السياسي الكوردي : في بقعة ضوء 2-3

جان كورد، ‏28‏ تشرين الثاني‏، 2011

2-3

في البداية يحزنني أن أقرأ لبعض الزاعمين بأنهم مدافعون عن حق “الرأي الآخر” اتهام كل من يخالفهم في ولائهم لهذا الزعيم أو ذاك، لهذا الحزب أو غيره، بالخيانة الوطنية والعمالة لأعداء الكورد وكوردستان، وبأنهم يقبضون الأموال ويحترفون الارتزاق، وبأنهم أغبياء لايجيدون الخطاب السياسي ولايحبون وحدة الكورد، وأقول بأن مثل هذه الاتهامات الشنيعة تزيد هؤلاء عزلة بين عقلاء الشعب الكوردي، ولاينفعهم الضرب باستمرار على وتر القوة الحزبية أو التراث الثوري أو الزعامة المعصومة التي لاتقع في أخطاء… وأرجو الله تعالى أن يصوننا من شر هؤلاء وأذى ألسنتهم وأيديهم، ويرد كيدهم إلى نحورهم… وغير الله غير معصوم

على أثر الهزيمة الماحقة التي ألحقتها قوات التحالف الدولي في عام 1991 بالجيش العراقي المحتل للكويت، وتقدم هذه القوات بسرعة ملحوظة عبر الجنوب العراقي صوب العاصمة العراقية بغداد، تخوفت الإدارة الأمريكية في ظل الرئيس الأسبق جورج بوش (الأب) من أن يفقد الرئيس العراقي المذعور صدام حسين سيطرته على البلاد، فتستغل ايران الفرصة وتنهش العراق، وهذا ما لم تستسغه أمريكا ولاتستسيغه حتى اليوم، فسمحت القوات الأمريكية للمروحيات الصدامية المتواجدة في مناطق الجنوب بالتحليق أمام عيونها الراصدة صوب الشمال لقصف الشعب الكوردي الذي ثار على النظام في انتفاضة عارمة شملت سائر المدن الكوردية آنذاك، وشرعت هذه المروحيات تقصف الثوار والمدنيين على حدٍ سواء، واعتقد بعض المنتفضين بأن قوات صدام حسين ستستخدم الغازات الكيميائية مرة أخرى مثلما قصفت بها مدينة حلبجة ومناطق أخرى في السنوات السابقة لتلك الانتفاضة، مما أثار الرعب والفزع بين المدنيين، ونجمت عن ذلك “هجرة مليونية” في شتاءٍ بارد عبر الجبال والوديان صوب تركيا، كان من نتائجها موت الآلاف من الأطفال والمسنين والمرضى في أجواء قاسية للغاية

أضطر رئيس تركيا آنذاك، تورغوت أوزال (الكوردي) إلى المطالبة بإحداث منطقة “تابونية” عازلة في الاقليم الكوردي من العراق من قبل المجتمع الدولي، لأسباب إنسانية وسياسية معاً تتعلق بالتواجد الكبير لملايين الأكراد في تركيا… فلاقي نداؤه ترحيباً من الحكومة البريطانية وبالتالي من قبل دولٍ أوروبية أخرى وكذلك من الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت نفسها في ورطة كبيرة نتيجة تساهلها مع صدام حسين ومحاولاتها ابقاءه في الحكم. وباقامة منطقة الحظر الجوي والحماية الدولية على جزء هام من كوردستان الجنوبي تغيرت موازين القوى لصالح الحركة السياسية الكوردية في اقليم جنوب كوردستان، التي كانت في وضع ميؤوس حقاً بسبب تلك الهجرة المليونية لشعبها، وأضطر صدام حسين لسحب يديه من كوردستان التي أصبحت في فترة قصيرة جداً محررة، وجرت فيها انتخابات ديموقراطية وتأسس برلمان كوردي سيطر عليه الحزبان الكبيران، الحزب الديموقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بنسبة 51% و 49% لعلو الحد الأدنى المحدد لدخول الكتل السياسية في البرلمان، ومنها الحركة الاسلامية في كوردستان العراق بقيادة الشيخ عثمان عبد العزيز آنذاك. ووقع الحزبان في خطأ “مناصفة السلطة” عوضاً عن تطبيق مبدأ “حكومة ومعارضة”، وهذا ما جلب لهما وللشعب الكوردي أضراراً عظيمة

تأثرت الحركة الكوردية السورية إيجابياً بما جرى في جنوب كوردستان من أحداث جسام وتطورات هامة آنذاك، لم تشهدها بلاد الكورد منذ قيام وانهيار الجمهورية الديموقراطية (1946-1947) في شرق كوردستان في ظل رئاسة العالم المجاهد الشهيد قاضي محمد، كما تأثرت سلبياً بتلك الصراعات الدموية غير المجدية والمؤذية للكورد

إضافة إلى ذلك، فإن تعاظم الثورة المسلحة بقيادة حزب العمال الكوردستاني على النظام الطوراني التركي في المرحلة ذاتها، قد زاد أمل الحرية قوة في صدر الشعب الكوردي في غرب كوردستان أيضاً، إلا أن النظم التي تقتسم كوردستان، رغم خلافاتها ونزاعاتها على (الحدود والمياه والتحالفات الدولية)، كانت للكورد، وهي دائماً، بالمرصاد. فإن بقاء زعيم حزب العمال الكوردستاني في لبنان وتنقله بين دمشق وبعلبك، بعيداً عن الأراضي التي يكافح فيها حزبه بالسلاح في شمال كوردستان، والصراع الدموي الكبير والمؤسف بين الحزبين الرئيسيين في جنوب كوردستان على السلطة، قد ساعد في استغلال نقطتي الضعف هاتين في الصف الكوردي، فشرع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد ملاحظته تعمق العلاقات بين قيادات الاقليم الكوردي والحكومتين الايرانية والتركية في إطلاق تصريحات غريبة منها أن “يداه طويلتان في شمال العراق!”، على الرغم من أن علاقات كل من الديموقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مع نظامه لم تتعكر في يومٍ من الأيام، وتحول السيد عبد ألله أوج آلان بوحي من الرئيس السوري أو بدافع الرغبة في السيطرة على كامل كوردستان في تلك الظروف بالذات من فكرة توسيع وترسيخ “جمهورية بوتان!” في شمال كوردستان إلى محاولة اقامة “جمهورية الزاب!” في جنوب كوردستان

وهنا بدأت انتكاسة جديدة في الحياة السياسية الكوردية في كوردستان كلها، وفي غرب كوردستان بشكل خاص، لأن نفوذ حزب العمال الكوردستاني كان في تزايد شعبي، لمشاركة الالاف من شباب الكورد السوريين في الثورة التي كان يقودها هذا الحزب. وبخاصة فإن الكورد السوريين ذوي مشاعر كوردستانية عالية وهم مستعدون لبذل الثمين والرخيص في سبيل إخوتهم وأخواتهم في أجزاء كوردستان الأخرى، ويضعون المصلحة الكوردستانية فوق مصلحتهم داخل سوريا. وحدث شرخ كبير في علاقة هذا الحزب بالحركة السياسية الكوردية “السورية” على أثر اقحامه نفسه في الصراع بين الحزبين الكبيرين في جنوب كوردستان ومحاولته إنتزاع السلطة من أيديهما بالقوتين العسكرية والإعلامية، بتصفية أحدهما أولاً ثم تصفية الآخر بعد ذلك

قال لي البارحة والد الشهيد “فرهاد” (من منطقة جبل الأكراد) أثناء زيارتي له على فراش مرضه العضال بأن الزعيم العمالي السيد عبد الله أوج آلان كان قد سأله عن رأيه، باعتباره كادر سياسي عريق في غرب كوردستان، بصدد عزمه على توجيه قواته ل”تحرير جنوب كوردستان من الطغمتين الرجعيتين والفاسدتين!” هناك، فأجابه بأن هذا أكبر خطأ يقترفه حزب العمال الكوردستاني من الناحية الاستراتيجية، وهذا ما أغضب السيد أوج آلان مما دفعه لاعادة طرح السؤال مجدداً عليه ليلقى ذات الإجابة بشيء من توضيح الأسباب، ثم إن الزعيم أطرق رأسه ملياً وصامتاً بعد أن زال غضبه لدقائق معدودة، وبعد ذلك بأيام سمع والد الشهيد “فرهاد” بأن ما حذر منه قد وقع وأن حزب العمال الكوردستاني في حالة حرب فعلية في جنوب كوردستان

ومن البدهي أن لايقبل بهذه الحرب الكورد السوريون المؤيدون منذ عقودٍ من الزمن لإخوتهم وأخواتهم في جنوب كوردستان، والعاقدين آمالهم على إنجاز الخطوات الأولى على طريق الحرية في ذلك الاقليم، رغم الصراعات الدموية بين أطراف ذلك الحراك (بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحركة الإسلامية في كوردستان العراق) و (بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديموقراطي الكوردستاني)، وكان كل من تناقشه – سوى أتباع حزب العمال – من الكورد السوريين يقول شيئاً كهذا “لماذا يحشر حزب العمال نفسه في مشاكل جنوب كوردستان؟” أو “حزب العمال دخل الاقليم الجنوبي بدفع من حافظ الأسد”، بل منهم من كان يتهم هذا الحزب بتنفيذه مخطط الضغط التركي العسكري على قيادات الاقليم لمنعها من تحقيق “الفيدرالية” وغير ذلك من الآراء التي كانت تثير غضب الموالين ل”حرب تحرير واستقلال كوردستان!” التي أعلنها حزب العمال، وتدفع بهم إلى انتهاج سلوكٍ غير ودي تجاه مختلف فصائل الحركة الكوردية السياسية في سوريا وتجاه الشخصيات الوطنية، في داخل البلاد وخارجها، فازدادت بذلك الحركة تأزماً وتفرقاً، كما هدرت طاقات وامكانات دون سببٍ معقول، كما دفع بالكثيرين من مقاتلي حزب العمال من الكورد السوريين إلى ترك صفوفه والفرار إلى مناطق سيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني أو الحزب الديموقراطي الكوردستاني، وتعريض أنفسهم لمخاطر التصفية الجسدية على أيدي قادة حزب العمال، وبخاصة (جميل بايق) الذي وصفه بعض المنشقين في ما كتبوه عن تجربتهم الثورية بعد ذلك ب”جلاد كورد سوريا”، وقد يأتي ذلك اليوم الذي يفتح فيه “ملف الكورد السوريين” لدى حزب العمال من قبل محاكم خاصة بذلك، كما يحلم بعض المنشقين عنه

استمرت هذه المرحلة المخضبة بالدماء والدموع إلى حين تدخل السيدة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، بدوافع المصلحة الوطنية العليا لبلادها في المنطقة، بين الزعيمين الكورديين الأخ مسعود البارزاني والمام جلال الطالباني، ومساعدتها لهما في التوصل إلى اتفاق وطني يضمن مشاركة الطرفين في السلطة ووقف النزاعات المسلحة وحل المشاكل سلمياً وعدم افساح المجال لأي منهما للاستعانة بحزب العمال الكوردستاني ضد الآخر

وقد قالت هذه السيدة في مقابلة لها مع مجلة “فانيتي فير” الشهيرة (النسخة الألمانية) بعد سنواتٍ عديدة من تلك المرحلة بأنها سعت فعلياً لضم حزب العمال الكوردستاني أيضاً إلى مساعيها لرأب الصدع الكوردي، ولكنها اكتشفت بأن حزب العمال في واد وحلمها التوحيدي للكورد في وادٍ آخر

ومع فشل حزب العمال في فرض سيطرته على اقليم جنوب كوردستان و لجوء قواته المقاتلة إلى جبل “قنديل”، ومن ثم خروج السيد أوج آلان من القبضة السورية، واختطافه بعد ذلك من قبل مخابرات دولية لتسليمه إلى تركيا، وما نجم عن ذلك من تغيرات صارخة في سياسة الحزب كدعوة الزعيم العمالي إلى تسليم كوادر هامة أنفسهم للحكومة التركية، وهذا ما نفذه بعضهم فعلاً، واعتباره قتلى الجنود الترك المحاربين ضد حزبه شهداء للوطن المشترك، وتأكيده على ولائه للدولة التركية ورفضه لفكرة “الدولة القومية للشعب الكوردي” ومطالبته حزبه بتغيير اسمه ومنهجه ليتلاءم مع مرحلة ما بعد اعتقاله، ودعوته لحل القضية الكوردية على أساس “الإدارة الديموقراطية”، بدأت الأوضاع في غرب كوردستان تسير نحو أجواء جديدة من التفاعلات والتجاذبات السياسية

وبموت الرئيس السوري حافظ الأسد، وتنصيب نجله بشار الأسد وريثاً للجمهور- ملكية السورية بتعديل دستوري مشين، من قبل الحرس القديم للنظام الشمولي، رغم التحولات الكبرى في عالم العولمة ونشوء ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وتغير موازين القوى الاقليمية نتيجة الضعف الذي أصاب نظام صدام حسين آنذاك، دخلت الحركة الكوردية السورية، ومن ضمنها الحركة الأوجلانية في سوريا، مرحلة مختلفة عما كانت عليها من قبل، تميزت بمزيدٍ من تفاؤل الكورد بأن عهد نزاعاتهم وانشقاقاتهم وخلافاتهم المستديمة قد ولى، وأنهم يشعرون بالضرورة الملحة لتوحيد صفوفهم وخطابهم وهدفهم وآليات عملهم في سبيل تحقيق أهدافهم القومية العادلة في كوردستان سوريا

فهل كان هذا التفاؤل سراباً بقيعة؟

نتابع في الحلقة الثالثة إن شاء الله…   

 (يتبع….3-3)

Advertisements

الحراك السياسي الكوردي في بقعة ضوء

جان كورد، ‏28‏ تشرين الثاني‏، 2011

1-4

تخفيفاً للصعوبة التي يعاني منها المراقب السوري أو العربي بصدد الإحاطة بما يجري في الأوساط الكوردية “السورية” بشكل عام، نكتب هذا المقال ونقول في بدايته بأن الحراك السياسي الكوردي مختلف بحكم ظروفه الذاتية والموضوعية عن سواه من الفصائل السياسية السورية من حيث أولوياته، ومتفق معها في العديد من اهتماماته الوطنية وأساليبه ودوافعه واتجاهاته الفكرية

وعليه يمكن القول باختصار: الحراك السياسي الكوردي، المنظم، تأسس أصلاً في بداياته التي تعود إلى صيف عام 1958 بالتحديد، كرد فعل طبيعي على السياسات الشوفينية للشرائح الحاكمة في البلاد السورية تجاه الشعب الكوردي، الذي يعتبر مكوناً قومياً أساسياً من مكونات الشعب السوري. واتخذ هذا الحراك مساراً سياسياً وطنياً متميزاً، من حيث دعوته لانصاف الشعب الكوردي وعدم تعريضه للاضطهاد القومي الذي لم تكن تشعر به المكونات السورية الأخرى، كمنع اللغة الأم على الطفل الكوردي، وانتزاع الجنسية السورية من مئات الألوف من المواطنين السوريين لمجرد أنهم من الكورد، ومنعهم من تسنم الوظائف المهمة في أجهزة الدولة المختلفة، وطرد العسكريين منهم من قيادات الجيش الوطني، وعدم الاعتراف بوجودهم القومي، وما إلى هنالك من معاملات سيئة لايقبلها الإنسان الحر، في أي مكان آخر من هذا العالم. في حين أن القوى أو الشخصيات السياسية غير الكوردية في البلاد لعدم تعرضها إلى ذات التفرقة القومية لم تكن مهتمة فعلياً بما يجري في المناطق الشمالية من البلاد، وكان اهتمامها السياسي منصباً على المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب وسواهما، وازدادت “القضية الكوردية” إهمالاً من جانب الوطنيين السوريين في ظل تعاظم النضالات من اجل الوحدة العربية وتحرير فلسطين

وبحكم استمرار النهج الشوفيني الذي سلكته النظم السياسية الحاكمة في البلاد ضد الوجود القومي الكوردي، وتخويفه المواطنين العرب من قيام كيان “اسرائيل ثانية!”، وبخاصة نظام حزب البعث العربي الاستراكي الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لصهر الكورد في بوتقة القومية العربية ومارس شتى أشكال المنع والاقصاء ضدهم، فإن أولويات الحراك السياسي – الثقافي الكوردي لم تكن منذ البداية في خمسنيات القرن الماضي وحتى قبل اندلاع الانتفاضة المجيدة في عام 2004 سوى انتزاع الاعتراف الدستوري بحق الشعب الكوردي في العيش إلى جانب المكونات السورية الأخرى متمتعاً بحقوقه الديموقراطية الثقافية من لغة وثقافة وما تتضمنه لائحة حقوق الإنسان من بنود حول التعددية والديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية

ومن الطبيعي أن تتأثر أي حركةٍ سياسية كانت في منطقة استراتيجية مثل سوريا تقع في وسط العالم وتطل على البحر الأبيض المتوسط، بالآيديولوجيات والافكار العالمية المختلفة، ومنها الشيوعية التي نجحت في ثوراتها ووصولها إلى حكم بلدان هامة وكبيرة منذ ثورة أوكتوبر عام 1917، وهكذا فقد تأثرت الحركة السياسية الكوردية في سوريا بالأفكار الشيوعية والاشتراكية واليسارية مثل سواها من الحركات السياسية في المنطقة، وذلك لجملة من الأسباب، منها ادعاء الشيوعيين بأنهم جاؤوا لرفع الضيم عن كاهل مختلف الشعوب والقوميات والعمل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية وانقاذ المستضعفين من براثن الرأسماليين والبورجوازيين والعنصريين والقوميين الشوفينيين. وهذا ما أدى إلى تفتق هذه الأفكار في مناهج وبرامج الأحزاب السياسية الكوردية دون أن تصبح شيوعية أو تنضم إلى الحزب الشيوعي السوري، بل على العكس فإن عدداً من الكوادر المؤسسة للحركة القومية الكوردية في البداية كانوا قد تركوا صفوف الحزب الشيوعي وشاركوا في بناء التنظيم السياسي الكوردي الأول، الحزب الديموقراطي الكوردستاني – سوريا، كما منهم من التحق به أو فيما بعد بالتنظيمات التي ظهرت على الساحة الكوردية، وبخاصة بعد انهيار النظام الشيوعي فيما سمي بدول المنظومة الاشتراكية 

وعلى الرغم من أن الإسلام أعرق تاريخاً في المنطقة بقرون عديدة من الشيوعية، وأقرب إلى الكوردي من الناحية العقيدية حيث أنه دين الغالبية العظمى من الأمة الكوردية، إلا أن الحركة السياسية الكوردية “السورية” لم تتأثر في شيء ببرامج التيار الديني الإسلامي في البلاد، لأنه لم يتلمس لدى هذا التيار أية مواقف إيجابية صريحة ومعلنة له بصدد الحق القومي الكوردي في الحياة كشعب متميز، وكان هذا التيار الديني الذي ضم سابقاً كلاً من حركة “الإخوان المسلمين” و”حزب التحرير الإسلامي” وجماعات الصوفية الكلاسيكية، مهملاً تماماً لطموحات الشعب الكوردي، بل كان لايرى أي اشكال في تعريب الكورد وصهرهم في بوتقة القومية العربية التي مزجوا بينها وبين الإسلام، بحيث صارت “العروبة” و”الإسلام” صنوان لاينفصمان، فالذي يجعل العربية وحدها لغة أهل الجنة، دون لغات البشر قاطبة، لايجد أمامه قوميات ولغات، بل “مؤمنين” و”غير مؤمنين” فقط، على الرغم من صراحة القرآن الكريم في موضوع التعددية القومية واللغوية والعرقية واللونية ورفضه المطلق للتمييز العنصري. ولايخفى أن بعض الإسلاميين من حزب التحرير كان يرى في تعريب الكورد حلاً إسلامياً لمشكلة التمييز القومي التي يعانون منها “صيروا عرباً فتنتهي مشكلتكم

اتخذ التيار الإسلامي السوري من “الأخوة الإيمانية” أساساً له، إلا أن الحقيقة على أرض الواقع كانت تتمثل في الانكار الشديد للمطالب القومية للشعب الكوردي، مقابل التأييد التام لذات المطالب القومية لأي شعب إسلامي آخر في البلدان غير العربية، وكان هذا الانكار يأتي في صيغة “دعوها فإنها نتنة” أي دعوا مطالبكم القومية أيها الكورد فهذه “عصبية قومية” مردودة شرعاً. ولكن نرى اليوم اتجاهاً آخر في تفكير هذا التيار، فها هو يدعم بنفسه نشوء تيار إسلامي كوردي في سوريا كما في دعمه في العراق سابقاً، فهل يعني أنه يسير في مسارٍ خاطىء ومنحرف عقيدياً أم أنه كان مخطئاً تاريخياً بتركه الساحة الكوردية “القومية” للشيوعيين و”جمعية المرتضى” وسائر التكتلات اليسارية الأخرى المعادية للإسلام؟

من ناحية أخرى، طالبت الحركة الكوردية باستمرار بالانفتاح على عالم الحريات والديموقراطية، وامتلأت برامج ومناهج الأحزاب الكوردية بعبارات عن “حق تقرير المصير” للشعوب المضطهدة وعن ضرورة الالتزام باللائحة العالمية لحقوق الإنسان، وبرز الدعم المطلق في الخطاب السياسي الكوردي لحق الشعب الفلسطيني في الحرية واقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني وكذلك لحق الشعوب الأخرى كانعكاس للرغبة الكامنة في النفس الكوردية حيال الحق الذاتي في تقرير المصير وكتعبير عما يختلج في صدور الكورد أيضاً من نزعة للحرية وصون الذات القومية من الصهر والاضمحلال. إلا أن المطالبة بالحرية والديموقراطية كانت على الدوام مشوشة، فمنهم من طالب ب”الديموقراطية الشعبية” المبهمة التي كان يروجها الشيوعيون واليساريون، ومنهم من كان مثل النظام المستبد بهم يعتبر الديموقراطية مجرد سلاحٍ في أيدي البورجوازية الكومبرادورية لقمع الشعوب ونهب ثرواتها ولاستعباد الطبقات الكادحة، ومنهم من كان يرى في المطالبة بالحرية والديموقراطية خصومة صارخة للنظام السياسي القائم على القمع وإذلال الناس، وهذا سيؤدي بهم إلى المهالك، لذا لم يخلو الحديث بصدد هذه المطالبة عن مدح الأفكار الثورية والتقدمية والاشتراكية للنظام المعادي للحرية والديموقراطية، وضرورة إيجاد جسرٍ بين الاندفاع الواضح في البلاد صوب “التحول الاشتراكي” وبين الدعوة لإصلاحات سياسية في مجال الحريات السياسية والاعلامية والدينية والفكرية

وفي الحقيقة فإن هذا النهج كان يشوش على الشباب الكوردي أكثر مما ينعش فيه أسباب النضال من أجل حياة في الحرية والديموقراطية. بل إن البعض كان يرى التوسع والتعمق في المطالبة بهذا “الترف السياسي” مغامرة مهلكة للحركة السياسية الكوردية، ولذا كان يسكت عن القمع المنظم للشعب السوري بذريعة أن النظام يلاقي تحديات رجعية خطيرة، مثلما حدث أثناء انتفاضة الشعب في مدينة حماه في عام 1980، حيث ارتكب النظام العربي الاستراكي للبعث الحاكم في ظل القيادة الأسدية جريمة كبرى ضد الإنسانية فالتزمت الحركة الكوردية الصمت خوفاً من أن تتعرض هي أيضاً إلى ذات المصير المأساوي الذي تعرضت له المدينة، فكاد الحديث عن الحرية والديموقراطية يتضاءل بشكل ملموس في بيانات الحركة الوطنية الكوردية آنذاك

قبل وصول بشار الأسد إلى حكم البلاد عن طريق وراثي، الذي ساهمت في نقل السلطة إليه دون وجه حق مصالح حزبية وطائفية وشراكات في النهب المالي،  كان النظام الأسدي – البعثي يزج بالمناضلين الكورد في السجون ويعرضهم للتعذيب ويتهمهم ب”إثارة النعرات الطائفية” و”العمل من أجل اقتطاع جزء من الأراضي السورية لدولة أجنبية” دون ذكر إسم أي جهة لعدم وجودها حقيقةً، ولكنه لم يكن يعتقلهم لمطالبتهم بالحرية والديموقراطية، لأنه كان على علم بأن مطالبتهم تلك لاتشكل أي خطر على وجوده كنظام سياسي، وأن الأهم لدى الكورد ليس الحكم في دمشق وانما انتزاع حقوقهم القومية. وفي الحقيقة فإن أي حزبٍ لم يكن مطالباً بتغيير النظام القائم، وهذا بحد ذاته يبين مدى اختلاف أولويات الحركة السياسية الكوردية تاريخياً، في حين أن هدف الحركات الوطنية والديموقراطية السورية كان الوصول إلى السلطة واحداث التغيير المنشود

كانت الحركة السياسية الكوردية منذ تأسيسها إلى ما بعد رحيل الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، أي لمدة أربعة عقودٍ من الزمن، مؤلفة من أحزاب متقاربة من حيث البنى التنظيمية، لاتختلف في كثير من حيث أسلوب النضال السياسي، ومن حيث النزعات الفكرية، وكذلك المطالب، بل وعديد من هذه الأحزاب كان يحمل ذات الإسم بسبب الانشقاقات العديدة ضمنها والصراع على الشرعية التنظيمية فيما بينها، والقاسم المشترك بينها كانت المطالبة برفع الظلم والسياسات الاضطهادية عن كاهل الشعب الكوردي وضرورة تمتع الشعب الكوردي بحقه القومي، والعمل مع القوى الوطنية “التقدمية” و”الاشتراكية” و”الديموقراطية” في سبيل سوريا مزدهرة وديموقراطية وقوية، فكان منها “التقدمي الديموقراطي” و”الديموقراطي السوري” و”اليساري الديموقراطي” و”الاشتراكي” والمطالب ب”المساواة” و”الوطني” وغير ذلك من التسميات التي كانت تشهدها الساحة السياسية السورية، ولكن لم يكن هناك أي تأثير فعلي لما يمكن تسميته ب”الشيوعي الكوردي” أو “الإسلامي الكوردي”… في حين أن حزب العمال الكوردستاني دخل الساحة الكوردية السورية منذ أن التجأ إلى سوريا زعيمه السيد عبد ألله أوج آلان على أثر انقلاب العسكر بقيادة الجنرال كنعان ايفرين في تركيا في عام 1980 وقيامهم بممارسات وحشية فظيعة في سائر أنحاء كوردستان الخاضعة للحكم التركي

تمكن حزب العمال هذا من استغلال الفرص المتاحة له من قبل النظام السوري للعمل بين الجماهير الكوردية، ولجملة من الأسباب المتعلقة بتطور الوعي القومي لدى الشباب الكوردي وتوسع دائرة انتشار القيم اليسارية في المنطقة والضعف والتشتت اللذين كانت عليهما الحركة السياسية الكوردية السورية آنذاك. وفي الحقيقة لم تجذب الأفكار الأممية الماركسية للحزب الجديد (تأسس في سبعينيات القرن الماضي) شبابنا الكوردي إلى صفوفه، فهذه الأفكار كانت منتشرة في البلاد السورية أكثر من تركيا، والظروف في سوريا كانت مساعدة لاعتناقها وتشربها، وإنما كانت تضحيات الثوار الكبار من أمثال مظلوم دوغان وكمال بير والأغاني الثورية للمطرب شفان برور التي أثرت بعمق في نفوس الشباب لما كان فيها من نفسٍ ثوري وطموحٍ قوي في الاستقلال والحرية، لأن هذا المغني الشهير جعل أشعار الشاعر الكوردي الكبير جيكر خوين مادة ثورية لأغانيه وأناشيده، إضافةً إلى أن الحزب قد قدم نفسه كبديلٍ للأحزاب الكوردستانية الكلاسيكية المتحاربة على الدوام وكمطالب ب”استقلال كوردستان الكبرى” على الرغم من أن مطلب “استقلال كوردستان” في برنامجه السياسي – حسب علمنا- كان مقتصراً على شمال كوردستان التابع للدولة التركية فقط، وكان زعيم الحزب حريصاًً للغاية على الولاء المطلق للرئيس السوري حافظ الأسد ولم تكن في نيته المساس بذلك الولاء خوفاً من الاضرار بتواجده وبعض كوادر حزبه على الأرض السورية.   (يتبع…. –

Image

أحد أعمدة البيت السوري المعارض وحدة النضال الكوردي

 جان كورد، ‏22‏ تشرين الثاني‏، 2011

لقد لاحظ الكورد المشاركون في اللقاءات السورية مع السيد الأمين العام للجامعة العربية ورموز المعارضة السورية المختلفة في القاهرة بأن ظهورهم معاً، ويداً بيد قد زاد في رصيدهم ضمن البيت السوري المعارض وأمام مسؤولي الجامعة بالتأكيد، ومن قبل أكدت قيادة اقليم جنوب كوردستان أيضاً على تقييمها الإيجابي لوحدة الصف الكوردي، مما يشجعنا على طرح السؤال التالي

– أليس من الأفضل للكورد أن يتحدوا جميعاً، أحزاباً وشخصيات وطنية ومنظمات ثقافية عامة، وتنسيقات شبابية بشكل خاص لأنها تعتمد أسلوب الكفاح العملي، اليومي، والأشد فعالية في مواجهة القمع المنظم والدموي للنظام الأسدي، ليعطوا المشهد السوري المعارض لوناً كوردياً أسطع وأشد إضاءة؟

بالتأكيد، سيجد المعارضون السوريون في “المجلس الوطني الكوردي” عنواناً أساسياً وهاماً للحركة السياسية الكوردية، ولكننا نعلم جيداً بأن البيت الكوردي لايزال بحاجة ماسة إلى ترميم أوسع وإلى لملمة القوى والفصائل الكوردية كلها، بغض النظر عن بعض الاختلافات الجذرية في السياسات والرؤى العامة. إلا أن القاسم المشترك الأعظم في التلاحم الكوردي الوطني السوري يجب أن يكون

– وحدة المطلب القومي الكوردي في سوريا على أساس “الإدارة اللامركزية السياسية” أي “الفيدرالية” ضمن حدود الوطن السوري المشترك، وتثبيت هذا المطلب “المتفق عليه!” ضمن الحركة الكوردية في سائر اللوائح الصادرة عن تكتلات المعارضة السورية بمختلف اتجاهاتها وأشكالها

– العمل ضمن صفوف المعارضة السورية وليس إلى جانبها أو خلفها،، على الرغم مما نشعر به من قصور لها حيال قبول الحقيقة الكوردية على أساس أن الكورد شعب متميز، له “الحق في تقرير مصيره” بنفسه، وعلى الرغم من انهيار تحالفات سابقة لرفض بعض رموزها الاعتراف بهذا الحق الدولي الذي لايستثني شعباُ من الشعوب، ومن ضمنها شعبنا الكوردي في سوريا

– الوضوح في الرؤيا الوطنية السورية التي تؤكد على أن لاحوار مع نظام أوغل في التقتيل والإرهاب السياسي والاجرام بحق شعبه، ورفض كل النداءات المخلصة لوقف نزيف الدم السوري وحاول إثارة فتن طائفية في المجتمع السوري، وهذا الوضوح يعني القول الصريح بضرورة “اسقاط النظام” و”محاكمة سائر المجرمين” الذين سفكوا الدماء في سوريا، والانخراط في العمل المشترك للمرحلة الانتقالية في البلاد، والتنسيق من أجل ذلك على الصعيدين العربي والدولي، على الرغم من حساسيتنا الكوردية تجاه بعض الحكومات الاقليمية لأسباب كوردستانية، تاريخية ومعاصرة

– تأييد المساعي والجهود العظيمة للجامعة العربية وأمانتها العامة لايجاد حل واقعي وحاسم للأزمة السياسية السورية، وفي مقدمتها وقف سفك الدماء عن طريق فرض مراقبة عربية صارمة على التحرك العسكري السوري، وإيجاد وضع شفاف يتمكن فيه الإعلام العربي والعالمي من مراقبة الأحداث السورية على ارض الواقع مباشرة، والتمهيد للتغيير الحقيقي في البلاد

ومن البدهي أن يبقى البعض خارج الصف الكوردي المتحد، رغم كل التقاربات والتشابهات، وخاصة أولئك الذين لهم أجندات لاتتفق في جوهرها مع ما عليه المجلس الوطني الكوردي أو مع ما يريده حسب ما اتفق عليه أعضاؤه وتنظيماته في آخر مؤتمر وطني كوردي. وهذا طبيعي ووارد باستمرار في مسار مختلف حركات التحرر الوطني، في شتى أنحاء العالم

إن تقوية العمود الكوردي الحامل لسقف البيت الكوردي مسؤولية قومية ووطنية مشتركة، يجب القيام بها معاً، كما يجب التسامي والترفع عن أساليب التهكم والاستهجان والسخرية، وكذلك الزعم بأن مفتاح البيت الكوردي في جيوب فلان أو فلان، وما على الآخرين جميعاً سوى اللحاق والاستغفار والتبعية في خزي وخنوع لحامل أو حاملي المفتاح السحري.  وأي محاولة انتقاص لأهمية ولضرورة كسب من لايتفق مع المتفقين أو يخالفهم، ينبع عن ضعف في التركيب العقلي للذين يمارسون الاساليب المختلفة لاقصاء هذا وذاك، والضعفاء في التركيب الذهني لايمكن أن يحرروا الشعوب مطلقاً

الكورد دائماً بحاجة إلى بعضهم بعضاً، وهم أكبر حاجة اليوم للوحدة والتضامن والتلاقي 

هل آن الأوان للتفكير في تكوين الجيش الكوردي الحر؟

جان كورد، ‏الجمعة‏، 18‏ تشرين الثاني‏، 2011

 على الرغم من أنني لست متشائماً من مسار الحراك الجماهيري الثوري، السلمي، العامل من أجل بناء سوريا حديثة، ديموقراطية، وتتسع لجميع مكوناته القومية والدينية، إلا أن الأوضاع تزداد سوءاً، والطريق وعرة وطويلة، والتحديات كبيرة، ولاندري تماماً هل يجر النظام بسياساته الإجرامية هذه البلاد إلى حرب أهلية، كما يتوقع مراقبون دوليون ذوي خبرات كبيرة في مجال مراقبة أحوال بلدان مرت في ظروف مشابهة لما عليه سوريا الآن، وكذلك حسب توقعات صرح بها دبلوماسيون معروفون بحذرهم في إطلاق التصريحات، سواءً في روسيا أو تركيا أو الدول الغربية

لقد تم اغتيال قادة وعلماء وكوادر سياسية للشعب الكوردي، وها هو يتعرض الأمين العام للجامعة العربية لتهديدات في عقر داره، كما سقط العديد من المعارضين البارزين من الشباب السوري الثوري على أيدي الشبيحة وأجهزة الأمن وقناصة الجيس السوري

إن النظام السوري بسبب ظروفه الذاتية والموضوعية يضرب على أوتار كوردية معينة بهدف إغضاب الحكومة التركية، لا بسبب إيمانها بحق الشعب الكوردي، فتنشر إشاعات لاندري مدى صحتها عن “منح الكورد حكماً ذاتياً!…” وأي كورد؟ أولئك الذين في صراع مكشوف الآن وسابقاً مع تركيا وليس الذين يولون جل اهتمامهم لقضيتهم الكوردية السورية.  وليس مصادفة أن يطلق عم الرئيس السوري في هذا الوقت الأن مشروع منح الكورد حقهم في تقرير المصير

هذا يذكرنا بدعم اسرائيل لحكومة لبنانية تحت أمرة سعد حداد في جنوب لبنان، أثناء احتدام الصراع الداخلي والحرب الأهلية اللبنانية. كما يذكرنا بتشكيلات “المقاومة الشعبية” التي شهدتها المناطق الكوردية قبيل الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958

إذا ما دخلت القوات التركية البلاد السورية، فإن هذا سيكون عبر الحدود الشمالية وعن طريق البحر، أي أنها ستقتحم قبل كل شيء مناطق الكورد الرئيسية، والقوات التركية لن تسمح لأي كوردي مطالب بحق شعبه الكوردي أن يسرح ويمرح أمام أنظارها، لأن الجيس التركي طوراني عنصري حاقد على الكورد وكوردستان، وإن كان الحكام -اليوم- في أنقره يحاولون تبرئة أنفسهم من سياسات جيشهم، إلا أن ما قاموا به من هجوم سياسي رافق الهجوم الرهيب لجيشهم داخل اقليم جنوب كوردستان، يثبت أنهم لايختلفون في مواقفهم كثيراً تجاه شعبنا عمن سبقهم من الحكام الكلاسيكيين المحبوبين من جنرالات الجيش 

القضية أكبر من قضية الكورد في سوريا هذه المرة أيضاً، فالنظام يتودد لتيارٍ معين من الحركة السياسية الكوردية ويحاول تقويته وإفساح المجال له، على الرغم من وجود حركة وطنية كوردية واسعة لم تعادي النظام بشكل سافر حتى قبل شهورٍ قلائل، كما تعارضه بعض الفصائل العربية المعارضة، وغايته هي تأسيس ما يمكن تشبيهه ب”حزب الله” الأيديولوجي على الحدود السورية – التركية، وتسليحه وتزويده بمختلف الامكانات في محاولةٍ لابعاد الخطر التركي عن النظام قدر الامكان. وهذا يعني تحويل المناطق الكوردية في شمال سوريا إلى ساحة صدامات مسلحة مستقبلية، لا ندري إلى أي درجة فيها مصلحة لشعبنا الكوردي خاصة أو السوري عامة

من أجل هذا، ولأسباب تتعلق بضرورات حماية شعبنا الكوردي أثناء الأزمات الحادة، ومنها هذه الأزمة التي قد دخلنا عتبتها منذ فترة وقد تزداد خطورة في المستقبل القريب، لابد من التفكير في إيجاد الوسائل التي تمكن الحركة الوطنية الكوردية من القيام بواجبها الدفاعي عن شعبها، مثلما يقوم “الجيش السوري الحر” وهذا يتضمن أيضاً الاستعانة بتأسيس وحدات منظمة ومدربة بشكل صارم ومدروس لتقوم بواجبات “الحماية الذاتية” وهذا ليس بحقٍ مشروعٍ فحسب، وانما “واجب وطني مقدس” طالما يتعلق الأمر بحياة المواطنين، لأن “من قتل نفساً دون نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً

ولذا، وإلى حين قيام الجيش الوطني السوري بحماية الشعب وليس بارهابه وتقتيله، أتساءل هل آن الأوان لأن  تفكر الحركة الوطنية الكوردية بتأسيس “الجيش الكوردي الحر”؟

من أجل إعادة برمجة التنظيم السياسي الكوردي

 جان كورد،  ‏الأربعاء‏، 16‏ تشرين الثاني‏، 2011

منذ أن ظهرت حركة “سوليدانوش” البولونية التي نشأت عن كفاح نقابي في عام 1980 وساهمت بقوة في عام 1989 في إحداث التغيير الديموقراطي السلمي في بولونيا التي كانت تحت قبضة الشيوعية السوفيتية، بدأت نزعة جديدة للتنظيم الجماهيري في أوروبا الشرقية، سرعان ما أثرت في الشارع المناهض للشيوعية في سائر تلك البلدان التي أدى تحررها على أيدي حركاتها الشعبية إلى انفراط المعسكر الشيوعي وحلف وارسو، وانهارت مع تلك النجاحات الكبيرة فكرة الحفاظ على التنظيمات الضيقة السائدة بين المعارضين للشيوعية من قبل، ولم تتمكن من إحراز أي انتصار في معاركها الصغيرة، هنا وهناك

وبعد مضي أكثر من عشرين عاماً على ذلك الانتصار التاريخي للحركات الشعبية، رأينا عن كثب، كيف تتساقط النظم المستعينة بكل أشكال الإرهاب السياسي في شمال أفريقيا، ليس على أيدي الأحزاب التي لايمكن إنكار دورها التمهيدي لثورات الشعوب، وإنما على أيدي انتفاضات الشباب الذي أبدى استعداده للبذل والتضحية بالحياة من أجل انتزاع الحرية للشعب، وسلسة حلقات ما يسمى ب”الربيع العربي” التي بدأت بانتحار الشاب التونسي “البوعزيزي” استنكاراً للقمع واللاعدالة في بلاده، لم تنته حتى الآن، ولربما تسقط أنظمة أخرى في العالم العربي، كما في اليمن وسوريا، ولربما تنتقل إلى بلدان أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية، وستزيد الشعوب المتقدمة أيضاً في أوروبا والولايات المتحدة عزماً على تغيير موازين القوى والثروة في بلدانها

وهاهي حركة “احتلوا وول ستريت” في أمريكا تتعاظم في الشارع الأمريكي، بشكل لم يقدر عليه أي حزب من الأحزاب الحاملة ذات المطالب السياسية، رغم أن لها تاريخ عريق، في حين أن هذه الحركة بدأت من الصفر تقريباً، وانطلقت بقوة، مع فوارق عديدة عن حركات أو تنسيقيات الشباب في البلدان العربية، في التطلعات والأولويات، كما أن التحديات في مواجهتها مختلفة

قامت الأحزاب الكوردية “السورية” بجهودٍ متواضعة في تاريخها الطويل نسبياً، ولكنها لم تحرز أي شيء ملموس على أرض الواقع، مما هو مدون في برامجها السياسية، والنجاح النسبي الأخير في عقد مؤتمرٍ وطني كوردي، رغم أنه لم يضم كل التنظيمات كما كنا نحلم أو نرغب، ليس نجاحاً من الناحية التنظيمية، إذ لم يتطرق المؤتمر، حسب علمنا، إلى هذه المسألة الهامة والضرورية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا القومي والوطني، وإنما هو من الناحية السياسية والمعنوية، إذ لأول مرة يتم الاتفاق على صيغة موحدة بين القوى المساهمة منها في المؤتمر، ومقبولة من الشعب الكوردي عموماً، بصدد مطلبه القومي في سوريا، ألا وهو “الإدارة السياسية اللامركزية” بمعنى “الفيدرالية” والتأكيد على ربط هذا المطلب بالتغيير الديموقراطي الجذري في البلاد السورية. ونأمل أن يترسخ هذا الاتفاق في مناهج أو برامج كل أحزابنا الكوردية السورية المنضمة تحت لواء المؤتمر والتي لاتزال مترددة حول الانضمام إلى هذه الخيمة الوارفة

فلو قامت هذه الأحزاب، غير البعيدة عن بعضها بعضاً من الناحية الفكرية والسياسية، وكذلك من ناحية تراكيبها التنظيمية، بل وأساليب نشاطاتها اليومية، بحل نفسها والإعلان عن حركة تنظيمية واحدة، لكانت قد حققت للشعب الكوردي انتصاراً أكبر مما تفرح به اليوم بعد مؤتمرها هذا، ومجرد تطعيم المؤتمر بعناصر لانشك في وطنية أيٍ منهم، لايكفي لاعتبار مهمة الأحزاب قد تمت بنجاح هائل

وحيث أن تنسيقيات الشباب، وطموح الشعب الكوردي في النزول إلى الشارع المعارض للنظام الذي حرمه عقوداً من الزمن من كل حقوقه القومية المشروعة، في تصاعد وتطور ملموس صوب نشاط عقلاني أشد التصاقاً بالواقع الذي عليه مجمل الشارع السوري الثائر، فإن إعادة التفكير في برمجة التنظيم الكوردي السياسي – الحزبي ضرورة، وهذا سيدفع بآلاف من الشباب للمساهمة بفعالية في نشاطات وفعاليات التنظيم الكوردي، ومن خلال ذلك سيظهرالقائد الحقيقي، الذي لايكتفي بإدارة لجنة حزبه المركزية أو بالحفاظ على منصبه الحزبي عقوداً من الزمن، وإنما من خلال الكفاح اليومي من أجل حرية شعبه ولدفع كيد النظام الإرهابي عن هذا الشعب

لقد سطر الرجال الكبارالذين سقطوا حتى الآن بدمائهم أول سطر في بناء سيمفونية القيادة الحقيقية للشعب الكوردي في غرب كوردستان، وفي مقدمتهم شيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي ومشعل التمو، وإخوة آخرون من كوادر حركية سيفتخر بهم شعبنا إلى الأبد، ولكن على الأحزاب التي تعرض نفسها كممثلة لهذا الشعب، أن تطلق المبادرة الكبرى التي توحد كل هذه التنظيمات والتنسيقيات والفعاليات السياسية والكفاحية في إطار واحد، يتعالى ويتسامى على الحزبية الضيقة، وهذا لن يتحقق – حسب رأيي –  دون سعيها الحثيث لتسليم الأمانة من أجيالٍ مسنة إلى أجيالٍ أقدرعلى الانخراط في كفاح الشارع السوري وتمثيل الشعب الكوردي فيه تمثيلاً قوياً، ولايمكن القول بأن الأحزاب التي منها ما يعود إلى زمن “الحرب الباردة” أن تقوم بتحدث نفسها، ما لم تؤمن حقيقةً بأنه آن الأوان لاعادة برمجتها تنظيمياً

Kurd li Sûriye bêlay nabin

 Cankurd, 14.11.2011

Di va dema dawî de, hinek qelemên ku girêdayî hinde part û rêkxirawên siyasetçewtin, bizava xwe dikin ku gelê Kurd li rojavayê Kurdistanê, wekî komekê bikin, ku dûr e ji van bûyerên xwînî yên li Sûriye hene, dibînin ku tew têkiliya gelê me bi derdorên wî re nîne, û baștire – li gor nivîsên wan– bo me Kurdan, em çav û dev û guhên xwe bigirin, wekî em ne niștevanên vî welatî ne, ku niha pevçûn têde, roj bi roj, germtir û xûnîtir dibe.

Bi ser ve jî, evana hezdikin ku ji gelê me re bi giștî û ji roșenbîrên wî re bi taybetî, dibistaneke fêrkirina ramiyarî vekin, têde hinde mamosteyên siyaseta wan a „hișmend“ bo hînkirina me hebin.

Li ba van baweriyek heye, ku gelê Kurd berî derketina wan ser rûyê zevînê, tew tune bû, an gêj û bê hiș bû. Eve jî nexweșiya her kesekî ye, ku xwe di ser gel re dibîne û xwe zanatir ji gelê xwe dibîne.

Li rojavayê Kurdistanê, wekî li jêriya Kurdistanê jî, em Kurd baș dizanin ku çareserkirina kêșeya me ya neteweyî bi pêșveçûna livîna demokratiyê ve girêdayî ye, lê wekî dixuye, evana naxwazin ev sîstema xûnrêj a malbata Esed têkbiçe, û bizava xwe dikin ku em her û her ciwanên xwe bidine wan, da ewana bo cenga xwe li hember dewleta Turkan bibin, tevî ku pêdiviya gelê me li rojavayê Kurdistanê jî bi wan ciwanan heye, lê belê ji van re ev ne giring e. Ya giring ji wan re ewe ku ciwanên me tev li wan rêveçûnan nebin, ewên ku bo guhartina sîstema niho çêdibin.

Ji bo vê yekê qelemdarên xwe dixin berdestiya ramana xwe. Ramana wan a serekîn „Berdana serokê wan e“ û ya dî jî „Bêterefkirina gelê Kurd e“ di nêv va pevçûna mezin de, ku li Sûriye ji bo bidestxistina azadiyê, ji meha Avdarê ve, dest pêkiriye. Qelemdarên wan jî –wekî dixuye– bo her histobariyekê amadene.

Mixabin, ewana jî ji rojavayê Kurdistanê ne, û baș dizanin ku serketina Sûriyan bê harîkariya Kurdan wê bibe egera ziyaneke mezin ji gelê me re, lê dîsa jî bi ya serokên xwe dikin, ku ji wan re tew negiring e, gelê me pêrgî çi hovîtiyan tê, ji wan re azadkirina serokê wan û bidestxistina hinek bercewendiyên partiya wan giring in. Esed jî ev jarbûna dilên wan naskiriye û wekî bavê xwe dizane çewa bi wan bilîze. Ji wan dixwaze ku ewana gelê Kurd bêlay bikin. Bi zimanê nermik nebû, bila bi darê zorê be.

Serokê PYD –wekî bo me dihate gotin– ji ber deselata Sûrî reviya bû çiyayê Qendîlê, lê paș ku serhildanê li Sûriyê dest pêkir, ji nișka ve bi wê ortê ket, û her rojekê li derekê di nêv gel de peyivî, û bêtir li ser „Vekirina dibistanên kurdî“, ne li ser roxandina sîstema Esed. Berî niha bi çend rojan jî, me dît ku ew bi hinek hembervanên Sûrî yên „hindirî“ re, çûbû bajêrê Qahîre li Misirê, ku bi serekê „Hevcivana Erebî“ re bicive. Li wir gelek hembervanên Sûrî yên dij sîstema Esed, bi hêgan avêtin wî û hevalêd wî yên Ereb.

Gava rojnamevanekî ji wî pirs kiriye, ew çewa paș revîna xwe hate Sûriyê, bersiv da, ku ew bi komikeke xwe ya leșkerî derbas bûye welêt. Gelo, gava ew bi dizî hatiye Sûriyê, çewa ew bi așkereyî li nêv gel digere, û çewa ew dikane biçe Misirê, ma qey li ba vî serokî kumê xeybê heye?

Gava rojnamevan jê dipirse, bo çî ew naye girtin, ew dibêje ku deselat ji wî û ji partiya wî ditirse.!!!

Heywax!

Qelemdarên kesekî wilo, ku hinek ji wan bi nav û deng in, bizava xwe dikin ku van gotinên zarokan di nêv gelê me de wekî rastiyan belav bikin. Axaza wî bo „Bêterefkirina gelê Kurd“ wek ferman dizanin.

Li gundekî devera Çiyayê Kurdan, ku dikeve rojavayê Helebê, hatîne ku dibistaneke kurdî vekin, gundiyên ku dizanin ev dem ya serhildanê ye û bi wê hîviyê bûn, ku partiyekî kurdî ji wan derketina bo rêveçûnê bixwaze, napejirînin ku „DIBISTAN“ li gundê wan vebe. Ewana çendîn li gundiyan zor dikin, kesek guh nade wan. Radibin çekdarên xwe tînin û gund bi wan dame dikin. Gundî diçin giliya wan çekdaran dikin, berpirsên navçeyî yên dewletê bo wan dibêjin:“ Qey hûn Azadiyê naxwazin? Van biraderan hatîne we azadbikin û bi ser de jî dibistanên kurdî ji wer e vekin. Ma hûn çi divên? Qey hûn jî roxandina sîstemê divên?“ Gundî destvala û bê harîkariya dewletê vedigerin malên xwe.

Ev siyaset niha li navçeyên kurdî, li rojavayê Kurdistanê, heye, lê bila hemî cîhan bizane ku gelê Kurd li rojavayê Kurdistanê bi bizavên „Bêterefkirinê“ naye xapandin, û dizane ku qada têkoșîna wî ya serekîn niha zevînê rojavayê Kurdistanê ye, ne dereke dî ye, û hîn baștir dizane ku serketina wî di xebata wî de bo standina mafê wî yê neteweyî, bi têkoșîna hemî gelê Sûrî ve bo Azadiyê, Demokratiyê û paristina mafên mirovan ve girêdayî ye.

Gelo, qey li nêv gundên me mirișk nema hêgan dikin?

محاولة تحييد الكورد سورياً

 جان كورد، ‏14‏ تشرين الثاني‏، 2011

 تجري محاولات غير منتجة وفاشلة لاظهار الشعب الكوردي وكأنه خارج الدائرة السورية الملتهبة، أو أنه بعيد كل البعد عما يجري حوله من صراعات وطنية واقليمية ودولية، في سوريا وفي المنطقة، كما جرت هذه المحاولات في عهودٍ سابقة، وبخاصة أثناء الصراع بين الإسلاميين السوريين ونظام حافظ الأسد منذ النصف الثاني لسبعينيات القرن الماضي، حيث انتهت بمذائح مروعة وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبها النظام الأسدي ضد شرائح واسعة من الشعب السوري في أجواء من الصمت الداخلي والخارجي… وأنا أخجل لصمتنا نحن الكورد أيضاً آنذاك. وهناك مع الاسف أقلام كوردية تحاول باستمرار لوي عنق الحراك السياسي الكوردي السوري، وتحويل الأنظار عن الجريمة الكبرى ضد الإنسانية، التي تحدث من جديد على الأرض السورية، فتقول للشعب الكوردي بأن الخطر عليه يأتي من أنقره وليس من دمشق، وما “على القيادات الكوردستانية إلا تثقيف الكورد السوريين على أيدي فلاسفة يؤمنون بأن مصير الكورد السوريين على كتف عفريت، إن هم لم ينخرطوا في الكفاح الثوري ضد حزب العدالة والتنمية التركي، العامل على نسف أي محاولة لتعميق التآخي الكوردي مع النظام الأسدي

 هذه الأقلام لا ولن تهاجم النظام الأسدي لأسباب عديدة معروفة للقاصي والداني، ومع ذلك تعمل على إظهار من تتبعه تنظيمياً أو سياسياًً كالظل وكأنه غيفارا الطليعي الذي سيحرر الكورد السوريين، بل سيحرر الكورد وكوردستان، وسيقيم الدولة الشرق أوسطية الكونفدرالية العالمية… وكأن هؤلاء على قناعة بأن الشعب الكوردي “ساذج” إلى هذه الدرجة، وأن مثقفيه “أغبياء” يحتاجون إلى دروس في الثورة والوطنية من قبل من هم بحاجة إلى فهم التغيرات الكبرى في تاريخ البشرية، ومن هم لايزالون أسرى آيديولوجية عصر “الحرب الباردة

 هذه الأقلام التي من الممكن عدها وإحصاؤها على رؤوس الاصابع، وإن اختفت وراء “حيادية” زائفة كحديثهم عن الصراع بين الصوفية الأردوغانية وشيعية حزب الله، في معظم ما يكتبونه من مقالات، معروفون بأنهم أشد طائفية وتقوقعاً وتحزباً من سواهم، وهم الذين يحتاجون إلى عملية تنوير ووعي وإدراك لما يجري سورياً واقليمياً وعالمياً

 كلنا يعلم بأن النظام السوري، الغارق في الإجرام السياسي من ناحية، والمهيمن أمنياً من ناحية أخرى، لايسمح ب”معارضة” داخلية دون إخضاعها لرقابة مستديمة، وأنه لايتوانى عن قتل من يقف في وجهه من السياسيين، ودعاة الحق، وتجربتنا نحن الكورد معه أليمة، حيث فقدنا عمالقة مثل المناضل الثائر كمال شاهين وشيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي والمعلم الكبير مشعل التمو، الذين قضي عليهم مباشرة أو عن طريق عملاء مأجورين للنظام، فكيف يظهر أحد زعماء حزب من الأحزاب “الكوردية!” ليقول بكل صراحة:”السبب في عدم اعتقالي هو أن النظام يخاف من حزبي الذي سيحرق سوريا!” (أو كلاماً كهذا)، ثم ينتقل من دمشق التي لاتزال تحت رقابة المخابرات السورية إلى القاهرة ليظهر هناك كمعارض “داخلي” للنظام، وهو المعروف بزعمه أنه دخل سورياً سراً من ناحية الشرق أو الشمال مع مجموعة من مقاتليه، دون أن يقبض عليه من قبل بيشمركة جنوب كوردستان أو العسكر الترك، ويتجول ليل نهار في المدن السورية الشمالية وأريافها عاملاً على نشر مبادىء حزبه ونشاطه من أجل “فتح مدارس كوردية رغماً عن أنف النظام!” … فعلى من تضحكون يا مثقفي التحييد الكوردي في هذا الصراع السوري الدموي؟

 ماذا لو نجح السوريون بدون مشاركة كوردية في تصفية النظام السوري الذي أنتم ساكتون عن إيغاله في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، وتحاولون تحييد الكورد في الصراع من أجل اسقاطه؟  وماذا لو دخلت البلاد السورية في حرب أهلية – لاسمح الله -؟

هل ستتمكنون من الحفاظ على “تحييد الكورد” أو إدارة غرب كوردستان بأنفسكم ولوحدكم؟ أم أنكم ستطلبون من كل الأحزاب الكوردية انضمامها تحت لوائكم المطالب ب”إدارة ذاتية ديموقراطية غير قومية” تطفىء ظمأها الفكري بالمدائح الكبيرة عن “ديموقراطية آتاتورك!”؟

 شاء الكورد أم أبوا، فإنهم وسط بحر متلاطم الأمواج، تهب عليهم الزوابع والعواصف العاتية من كل حدب وصوب، فمن الجنوب قد تهاجمهم أنصار القاعدة وسواهم من المتطرفين، إن صدقنا النظام الأسدي عن وجودهم الكثيف في البلاد، ومن الشمال طورانيو آتاتورك، وعملاء آتاتورك وجنرالاته من بني الكورد، ومن الشرق قد تهب عليهم الرغبة في الانضمام إلى إخوتهم في جنوب كوردستان، ليحتموا ويستقووا بهم، ومن الغرب قد تقتحم البلاد قوى عسكرية أجنبية قادمة عن طريق البحر، فماذا ستفعلون حينذاك لوحدكم؟ وماذا إن لم يقبل الأحرار الكورد بالدخول تحت عباءتكم الآيديولوجية المهترئة عالمياً؟ هل سنشهد مرحلة بول بوتية في غرب كوردستان؟ أم ستعلوننها “منطقة كوردية محررة ذات سيادة ونظام ديموقراطي” يسمح بنقدكم والبحث عن بديل سياسي لكم!!!؟

هذه ليست سيناريوهات رعب، وانما كل شيء متوقع، فالذين ضحكوا لما سمعوه من القذافي أثناء جلسة شهيرة للقمة العربية في دمشق عن أن الدور آتٍ على جميع رؤساء العرب، قبل سنوات يعلمون الآن بأن كل شيء متوقع، والذين سمعوا الزعيم العمالي السيد عبد الله أوجلان وهو يؤكد بأن سوريا لن تتخلى عنه يدركون اليوم أنهم كانوا مخطئين فكل شيء متوقع… فلا يغرنكم غمض الطرف عن جولاتكم القهرمانية في سوريا التي يحتاج النظام فيها إليكم، فقد يتخلى عن موقفه هذا في أقرب فرصة سانحة أو في مساومة غير متوقعة مع تركيا “السنية” كما تحبون وصفها بازدراء

أنا لا أطالبكم بالكف عن محاولاتكم هذه لتحييد الكورد ووضعهم على طبق من ذهب للنظام الأسدي الذي تخافون كما يبدو من اختفائه من مسرح السياسة السورية، ولكني أقول لكم بأن هذه المحاولات من قبلكم فاشلة، فالشعب الكوردي يجد نفسه وسط المعركة الحامية الوطيس، لا خارجها، بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الحرية والاستبداد، بين الديموقراطية والأتاتوركية والأسدية والحزب – اللهية، بين المساهمة الفعالة في الحياة السياسية السورية والانزوائية

 أهو قدرنا نحن الكورد أن نجد أنفسنا وسط كل زوابع التاريخ في المنطقة؟ أم أنه الواقع السياسي – الاقتصادي – الثقافي للمنطقة التي نحن جزء أصيل منها؟

 حاولوا اقناعنا بما يمكن قبوله عقلياً يا فطاحل “الثورة التحييدية” بعد عقودٍ من النضالات “الثورة الأممية” لكم، تلك التي فشلتم في تسويقها وستفشلون في هذه أيضاً لأن شعبنا واعٍ ويعلم أين يضع قدمه في هذا العالم المتلاطم الأمواج