وماذا بعد الزيارة إلى تركيا؟

30حزيران‏، 2013

لم تكن لزيارة أي سياسي كردي سوري لتركيا أصداء إعلامية بمستوى صدى زيارة السيد صالح مسلم التي تمت “تلبية لدعوة من السيد وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو”، فلقد تناقلت وكالات الإعلام الكردستانية والإقليمية والعالمية الخبر بنهمٍ ملحوظ ونشرته بإثارة مصحوبة بالتكهنات والتوقعات والتحليلات، منها الواقعية ومنها الخيالية، وذلك لأسباب عديدة، منها أن زيارة السيد صالح مسلم قد تلت مباشرة اشتداد المعارك بين “قوات حماية الشعب”  التابعة لحزبه، حزب الاتحاد الديموقراطي، وقوات المجموعات الإسلامية المتشددة، وفي مقدمتها “جبهة النصرة” التي تم إدراجها في قائمة “المنظمات الإرهابية” في العالم الحر الديموقراطي، والتي اتهمها السيد مسلم ورفاقه وجوقة الإعلاميين التابعة لحزبه بأنها مدعومة من تركيا المحكومة من قبل “إسلاميين!” معادين للحرية والديموقراطية ويعملون على نسف كل إنجاز قومي كردي أينما كان، ويسخرون لسياساتهم العدوانية عصاباتٍ سرقت اسم المعارضة الوطنية السورية، وحفنة من “خونة الشعب الكردي!”، كما جاءت هذه الزيارة المثيرة للعديد من التساؤلات بعد اجراء الانتخابات القيادية في حزب العمال الكردستاني، الذي يحتضن حزب السيد مسلم منذ تأسيسه، بل ما كان السيد مسلم ليصبح عضواً في مجلس الرئاسة لحزبه ونائباً لرئيس هيئة التنسيق الوطني السورية من دون موافقة من قيادة العمال الكردستاني، كما نعلم عن تركيبة وفكر وممارسة هذا التنظيم من خلال مراقبة طويلة الأمد له.

ومعلوم أن الحكومة التركية كانت في فترةٍ سابقة أحد الأطراف التي تتهم حزب الاتحاد الديموقراطي بولائه لنظام الأسد وبتبعيته لحزب العمال الكردستاني، وكانت ترفض علانيةً قيام الكرد في غرب كوردستان بأي خطوة عملية لتحقيق شكلٍ من أشكال الإدارة الذاتية في منطقتهم المحاذية للحدود التركية – السورية العراقية لما يقارب الألف كيلو متر امتداداً.

فماذا حدث؟ ولمَ كانت هذه الزيارة؟

ولكن قبل ذلك، يجدر القول بأن اغتيال الكادر القيادي المتقدم لحزب الاتحاد الديموقراطي، السيد عيسى حسو، قد يكون ثمناً باهظاً لتلك الزيارة، حيث اغتيل بوضع مواد متفجرة في عربته، التي تفجرت في الصباح الباكر، وكأن الذين لم تعجبهم تلك الزيارة بعثوا بذلك رسالة واضحة للأتراك ولحزب السيد مسلم معاً، وهنا يتساءل المرء عن دور مخابرات نظام الأسد، التي أدركت بأن رأس الحبل في المنطقة الكردية قد تم انتزاعه من أياديها، وأنه لم يعد لها حليف قوي فيها، في حين أن دور “ميت” التركي هو الأقوى بعد الآن.

قد يقول قائل:” لماذا تظنون الظنون بهذه الزيارة العلنية التي تمت في وضح النهار لرئيس مشارك لحزب “يلقي الرعب” في قلوب العثمانيين والأسديين والإسلاميين معاً؟” فنقول:” مثلما كنتم تظنون بالسياسيين الكرد الذين زاروا تركيا للمشاركة في مؤتمراتٍ للمعارضة السورية، هكذا نظن أيضاً بساستكم، لأنهم من ذات الطينة القومية التي جبل منها سياسيو حزبكم، والتي تجدونها قادرة على بيع كرامتها الإنسانية مقابل حفناتٍ من المال التركي” وكما تكيلون يكال لسياساتكم المتشقلبة هذه…”

وكما أن أيادي الغدر نالت من ثلاثة ناشطات كورد في قلب العاصمة الفرنسية باريس على أثر الإعلان عن مبادرة السيدين أوجلان وأردوغان بصدد المضي قدماً على طريق التصالح والحوار والسلام لما فيه منفعة الشعبين الكردي والتركي، فإن ما سبق اغتيال الكادر النشيط السيد عيسى حسو أيضاً قد يكون اتفاقاً آخر بين الحكومة التركية وبين حزب الاتحاد الديموقراطي، وهذا ما يقلق أطرافاً معينة في المنطقة، وفي سوريا خاصةً، فأي تقارب كردي – تركي صميمي وثابت يعني احداث تغييرات جذرية على رقعة الشطرنج الشرق – أوسطي، وأول الرافضين لذلك هو إيران وسوريا والعراق الواقع تحت السيطرة الإيرانية عملياً.

بعض الناشطين الكرد يتوجسون من اندلاع خلافات داخلية في حزب العمال الكوردستاني، وهكذا فإن مسلسلاً  للاغتيالات سيحدث في هذه الحال مثلما تم تصفية الكوادر التي انشقت عن حزب العمال وساهمت في تأسيس تيار المستقبل الكردي للشهيد مشعل التمو، ومن ثم بدأوا بتأسيس “الوفاق الكردي” وعلى رأسهم كمال شاهين والجنرال حفتارو،  ولكن بالمقابل يرى بعض المراقبين أن السيد صالح مسلم لم يكن ليتجرأ على الدخول في مباحثات مع جهاز (ميت) التركي، من دون موافقة مسبقة على ذلك من قبل قيادة حزب العمال الكوردستاني، الذي تسلم أرفع منصبٍ فيه بعد منصب الزعيم أوجلان، السيد جميل بايق، الكادر العريق المحسوب على المحور الإيراني في الحزب. والمحور الإيراني معروف بعدائه للحكومة التركية الداعمة للمعارضة السورية في وجه الحليف السوري لهذا المحور. فهل زيارة السيد صالح مسلم تدشن نهاية المرحلة التي كان فيها أمام الحزب الأوجلاني فرصة الاختيار بين الحلف التركي والإيراني – السوري والخطوة الثانية في تكريس السلام بينه وبين الحكومة التركية؟

هناك أيضاً الدور الهام لرئاسة إقليم جنوب كوردستان ورئاسة حكومته في دعم التقارب التركي – الكردي، وتمهيد الأرضية اللازمة باستقبال ممثلي الطرفين، الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني، مراراً وتكراراً في عاصمة الإقليم، بهدف التقريب بين وجهات النظر وتحقيق ما يلزم لمتابعة الملف الكردي في شمال كوردستان، والاستعانة في ذلك بالمساهمة الإيجابية في التواصل والتلاقي من قبل حزب السلام والديموقراطية، الذي له نواب في البرلمان التركي، ويتمتع بشعبية واسعة بين الشعب الكردي ويحتاج حزب العدالة والتنمية للسيد رجب طيب أردوغان، رئيس الحكومة التركية، إلى أصوات نوابه البرلمانيين.

ويبقى احتمال نشوب صراعٍ داخلي في صفوف حزب العمال من أسوأ الاحتمالات، على الرغم من ضعفه وعدم ملاءمته للواقع الذي تشهده الأوضاع في غرب كوردستان خاصةً وفي كوردستان عامةً.

إلا أن ما يزيد الطين بلة في هذه المنطقة من شمال سوريا هو اندلاع القتال مجدداً بين “جبهة النصرة” و”جبهة الأكراد” التي هي تسمية أخرى لمقاتلي حزب الاتحاد الديموقراطي كما يبدو، بعد حدوث خروقات لاتفاق بينهما. وما يبعث على القلق هو ارتكاب المجازر وتهجير المواطنين الكرد ونسف المقرات وقطع رؤوس الشباب والتهديد بإنهاء الوجود القومي الكردي من قبل مقاتلي “دولة العراق وبلاد الشام الإسلامية” التي تعتبر منظمة “إرهابية” مثل جبهة النصرة، ومحاولتهم تحقيق أحلامهم في إقامة دولة دينية متطرفة، دون أي اعتبار للواقع على الأرض ودون أي احترام لحقوق الأقوام والشعوب. وهذه الهجمة الشرسة على الكرد في ديارهم لم تجمع كلمة شبابهم فحسب، بل فرضت على أحزابهم التوحد لمجابهة الخطر المحدق بوجودها كلها وبشعبها الذي تعتبر نفسها ممثلة له، وقد تكون زيارة السيد مسلم لتركيا تحت ضغط هذه الهجمات الشاملة، مما يفسح مجالاً للأتراك لأن يستغلوا الموقف ويملوا على الطرفين، الكردي والإسلامي الذي كان حليفاً لتركيا، ما يشاؤون من املاءات. وبالنسبة للكرد فإن لتركيا الأردوغانية سياسة مختلفة عن سياسات الحكومات العلمانية التي حكمت تركيا عقوداً من الزمن، تتمثل في “استغلال الكرد وطاقاتهم وثرواتهم وأسواقهم وإغرائهم ببعض الحقوق الإدارية والثقافية عوضاً عن تبديد الأموال التركية في الحرب عليهم“، وهذا يعني أن على تركيا تدجين حزب الاتحاد الديموقراطي (الكردي) مثلما فعلت مع حزب العمال الكوردستاني من قبل، وإظهار القبول بمساعيه لبناء “إدارة ذاتية مؤقتة” غير قومية في المنطقة الكردية، إلى حين عودة الحياة للحكومة المركزية في دمشق، ولربما استعمال تلك الإدارة كورقة ضغط مستقبلية على السوريين بعد زوال حكم آل الأسد.

المرعب حقاً هنا، هو عدم إدراك المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية لأبعاد وافرازات زيارة السيد صالح مسلم لتركيا، على الرغم من الاهتمام المثير لوكالات الأنباء المختلفة بها، والمعارض الوحيد الذي فهم تحرك البيدق الكردي على رقعة الشطرنج التركي – الإيراني  ” إن صح الخبر” هو رئيس الوزراء السوري المنشق السيد رياض حجاب، الذي كما قرأنا قد بعث برسالة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي مؤكداً فيها قبوله تمتع الكرد بإدارة مستقلة مؤقتة لهم في شمال سوريا، لإدراكه الجيد بأن هذا وارد لأن الحكومة السورية الحالية أضعف من أن تفرض سيطرتها عملياً على أرجاء واسعة من البلاد، ومنها مناطق محيطة بالعاصمة دمشق، ولذلك فإن الاتفاق مع الكرد على أمر “إدارة ذاتية مؤقتة” واقعي جداً وأفضل بالتأكيد من ضم المنطقة الكردية إلى تركيا، في حال قبول المتحالفين الجدد (الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني) بهذا الحل، وإن هذا وارد، في حال استمرار الإسلاميين العرب ومن التحق بهم من أجانب في حشر الكرد في زاوية ضيقة. وتركيا تستطيع القيام بضم المنطقة الكردية بذرائع تاريخية تعود إلى زمن الدولة العثمانية، وتجربتها مع لواء الاسكندرون ليست بعيدة عنا، والظروف من مختلف النواحي سانحة لها، كما أن المعارضة السورية التي ترقد وتأكل في فنادقها الغالية الأسعار وتتكلم وتتحرك من أراضيها لا تستطيع القيام بأي شيء ضد خطوة كهذه. والمعارضة الوحيدة التي ستأتي فعلياً لهذا الأمر ستكون بالطبع من ناحية القوى السياسية الكردية التي لن ترضى بذلك لأسباب عديدة لن نتطرق إليها هنا حتى لا يطول الموضوع.

ما حدث بعد زيارة السيد صالح مسلم لتركيا هو نسف مقرات حزبه واغتيال كادر كبير من بين رفاقه، وستبدأ موجة جديدة من العواصف التي ستهب على الكورد والعرب في شمال سوريا، قد تتمخض عن عواقب سيئة للشعبين، إن ظلت زعامات المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية بصدد الحقيقة الكردية كالقرد الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم في وقتٍ عصيب.

Advertisements

أهل مكة أدرى بشعابها

Cankurd –  03.07.2013

http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

جان كورد

أثبتت هذه الحكمة العربية عبر القرون والعصور صحتها، وأخذ بها الغربيون في السياسة والاجتماع في حين أهملها أهل مكة أنفسهم ومن حولهم العرب والعجم، وعلى أساس هذه الحكمة قلل الغربيون من فرص استبداد بعضهم في الإدارة والحكم برقاب بعض، إذ لا يعقل أن يرسلوا من يحكم في مكة في حين هناك مكيون يعلمون عن مدينتهم وشعابها أفضل بكثير ممن يعيش بعيداً عنها أو في مدينةٍ مجاورة،

أما العرب والعجم بل الشرقيون عامة فيلفظون هذه الحكمة بأفواههم وما أشبه بها في اللغات والثقافات المجاورة، ولكنهم لا يطبقونها في المجال العملي على أنفسهم، ولذلك يرفضون الفيدرالية والحكم الذاتي والإدارة اللامركزية، وهي أفكار واقعية أثبتت جدارتها وقدرتها على التطبيق العملي المنتج في بلدانٍ عديدة مختلفة عن بعضها بعضاً من حيث الموقع الجيوبوليتكي والمساحات والثقافات والتكوينات السكانية، ومن حيث الأعراق والقوميات والأديان. ولذلك يطالب بها أبناء وبنات الشعوب المحرومة من حقوقها المنصوص عليها في القوانين الدولية، ومنهم الشعب الكردي في سوريا، حيث تواجدهم التاريخي على أرض وطنهم “كوردستان” منذ فجر التاريخ مؤكد ومعلوم، بل ومقبول من العديد من رجالات الفكر والدين والسياسة في سوريا وما حولها، ومطلب الكرد أن تكون إدارتهم لنفسهم ذاتياً على شكل “فيدرالية” قومية أو “إقليمية” لأنهم أدرى بشؤونهم المعيشية والسياسية والثقافية، وكذلك لا يمكن للكردي الساكن في شمال البلاد أن يفهم أوضاع أبناء الجنوب السوري، حيث الأقلية الدرزية، أو أبناء جبال العلويين في غرب البلاد، أو أبناء السنة في وسطها، بشكل أفضل منهم، فإن “أهل مكة أدرى بشعابها” كما تقول العرب.

وطبقاً لهذه الحكمة الإنسانية المتأصلة في نفوس العرب، أوزع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) محمد العربي إلى القبائل التي قدمت إليه بأن يتولى بين يديه أمر كل واحدةٍ منها رجل عارف بشؤونها وأمورها، وفعلوا ذلك دون تردد لأن ذلك طبيعي ولأن رسول الله (ص) يأمرهم بذلك، ولكن يبدو أن قبائل العرب اليوم قد نسيت طبائعها الأصيلة ونسيت أن النبي الأكرم (ص)، الذي نقلهم وهم أميون وجهلة إلى قيادة العالم القديم كله، قد طبق هذه الحكمة التي لا يمكن تعارضها مع الدين الحنيف، لأنه بالتأكيد كان سيرفض الأخذ بها في حال تعارضها مع العقيدة التي قال عنها لقومه: “والله، لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته.. ” إلى آخر الحديث النبوي الشهير.

ما الذي يقوله أعداء الفيدرالية؟

إنهم خائفون من أن يؤدي تقسيم السلطة على الأقاليم إلى تفتيتها و”انفصالها”، ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون أن “الفيدرالية” تعني “الاتحاد” وليس “التفتيت”، وأن الانفصال على عدالة أفضل من الاتحاد على ظلم وعدوان، فإن بنغلاديش ما كانت لتنفصل عن باكستان لولا تراكمات الظلم والعدوان، وكذلك سوريا عن وحدتها مع مصر، لو كان نظام الحكم فيهما فيدرالياً. إذ نرى بأعيننا اليوم كما هي واسعة ولينة فيدرالية إقليم البايرن (بافاريا) في جمهورية ألمانيا الاتحادية التي يطبق فيها نظام الإدارة اللامركزية حتى على مستوى بعض المدن، مثل برلين وهامبورغ في شمال البلاد، ولكن مع ذلك لا يفكر أحد في الولايات الألمانية بالانفصال. أو كيف هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي يسمح دستورها بانفصال الولايات عنها، ومع ذلك يزداد تلاحمها من مختلف النواحي، حيث تنامي الاقتصاد وتشابك المصالح هو الذي يلعب الدور الأساسي في التماسك وفي التنازع، وليس الثقافة أو اللغة أو الدين كما يظن البعض، فالاتحاد الأوربي يضم شعوباً عديدة ولغاتٍ كثيرة ومذاهب دينية مختلفة، ولكن نظامه الاتحادي هو الذي يحدد العلاقات فيما بينها ويدفعها للتضحية المالية العظيمة من أجل انقاذ بعضها البعض مالياً من أزمةٍ قاتلة. كما هي الحال في اليونان وقبرص اليوم.

في المقابل فإن العرب أمة واحدة ولغة واحدة ودين واحد إلا أنهم لازالوا متفرقين وغير قادرين على إقامة نظام سياسي مسترك لهم، على الرغم من تأسيس الجامعة العربية منذ عقودٍ من الزمن بهدف إنجاز وحدتهم. والسبب في ذلك هو أنهم لم يأخذوا بالنظام الفيدرالي ولاتزال سياساتهم تؤمن بالمركزية المفرطة التي يتربع على عرشها من بيديه مفاتيح السلطان كله، ملكاً كان أو رئيس جمهورية.

وفي أجزاء كوردستان المقسمة المجزأة عانى الشعب الكردي من مختلف سياسات القمع والاقصاء والاضطهاد والغصب، بل تعرض للمذابح المتتالية على أيادي الحكومات العسكرية والمدنية، الملكية كما في عهد الشاه الإيراني، وشبه الديموقراطية كما في تركيا الطورانية، والثورية “التقدمية” كما في ظل حكومات البعث العربي الاشتراكي في كلٍ من سوريا والعراق. ولكن رغم هذه المعاناة توقف مقاتلو الكرد عن القتال في سائر الأجزاء، وظل هذا الشعب بمختلف تياراته العلمانية والدينية، اليسارية والديموقراطية، يطالب بأن يمارس حقه في إدارة نفسه حسب الحكمة العربية الأصيلة “أهل مكة أدرى بشعابها”… وليس هناك حزب كردي أو كردستاني واحد (من التي تمتلك القوة الجماهيرية) يطالب بالانفصال اليوم، ولذلك ترى الكرد في جنوب كوردستان مثلاً أكثر التزاماً من حكومة المالكي العراقية ذاتها بالدستور العراقي، الذي إن تم تطبيقه كاملاً، وبخاصة المادة 140 منه، فإنه سيغلق باب الانفصال على الكرد ردحاً طويلاً من الزمن، ولربما نهائياً.

فلماذا إصرار بعض قادة المعارضة السورية على رفضهم مطلب الكرد، طالما هم مقتنعون فعلاً بأن الكرد تعرضوا خلال العهود الماضية إلى الاضطهاد والتمييز، وأن الفيدرالية ستردم الهوة بينهم وبين إخوتهم في “الوطن المشترك” أو ما يسميه بعض الشباب ب”الوطن النهائي!”، وطالما أن حق تقرير المصير حق لكل الشعوب، وأن الثورة السورية عاملة على بناء سوريا جديدة حرة وديموقراطية، تؤمن بحق المرء في ابداء رأيه بحرية في شكل الدولة وفي أسلوب إدارتها أيضاً. فلماذا يغلق بعضهم الباب ضمن تكتلات وتشكيلات المعارضة في وجه “إخوتهم” الكرد، إن كانوا يؤمنون بالتآخي بين الشعوب حقاً…؟ والتآخي لا يعني الدمج بالقوة أو الانصهار ذاتياً في الآخرين، وإنما الاتحاد عن قناعة ومصلحة مشتركة وعلى أسس التكافؤ والعدالة والمساواة.

وعجيب فعلاً أن ليس هناك دولة عربية أرغمت دولة عربية أخرى على الوحدة معها، ولكن حتى ضعفاء العرب يهددون الشعب الكردي على الدوام باستخدام القوة، على الرغم من أن فرض الوحدة العربية على العرب أهم لهم مما يمارسونه ضد الكرد من تعسف لا يقبله الشرع الإلهي ولا القانون الدولي.