المأزق الكوردي السوري

 جان كورد           kurdistanicom@yahoo.de    https://cankurd.wordpress.com

29.10.2012   

يحكى أن الفاتح الإسلامي طارق بن زياد، بعد أن عبر بسفنه المضيق بين المغرب واسبانيا, ووضع جنوده أقدامهم على اليابسة الأوروبية، أحرق سفنه لكي لايهرب بها أحد من جيشه أو لكي لايسرقها الأعداء، ثم خطب خطبة نارية في معسكره فقال:”البحر من ورائكم والعدو من أمامكم… فأين المفر!” وذلك ليصدم عسكره بحقيقة حراجة موقفهم الذي لامخرج له إلا بالقتال المرير من أجل تحرير اسبانيا من ربقة الكنيسة وفي سبيل تحويل شعوبها إلى دين الإسلام… ويحكى أنه وعد رجاله بالمزيد من الغنائم والسبايا في حال النصر وبحواري الجنة في حال الشهادة… فتم له النصر وبقيت اسبانيا لقرونٍ عديدة في ظل الحكم العربي الاسلامي, إلى أن تم طرد المسلمين منها شر طردة بعد ارتكاب المذابح فيهم وتعريضهم لحملات تعذيب من قبل الاسبان لايزال يذكرها التاريخ في خوف مريع.

الشريط الحدودي الذي يعيش عليه الشعب الكوردي في سوريا يكاد يكون في بعض أنحائه أضيق من مضيق البحر بين المغرب واسبانيا, وذلك لأن المستعمرين الانجليز والفرنسيين شاؤوا ذلك في مرحلة تاريخية سابقة, فرسمتا الحدود بين سوريا وتركيا على هذا الشكل الحالي, بحيث تم الفصل بين الكورد شمال خط السكة الحديدية (سه ر خه تى) وإخوتهم الكورد جنوبها (بن خه تى), وفي هذا الشريط الحدودي الممتد لأقل من 1000 كم تعيش غالبية شعبنا الذي لايعترف بوجوده القومي إلا حفنة قليلة من “الديموقراطيين السوريين” في حين يعتبره الباقون من “العروبيين العنصريين” مجرد “ضيوف على الأمة العربية” التي يعتقد بعضهم أن حدودها الشمالية تبدأ من منابع الفرات ودجلة، ولذا فإنهم يرفضون كل ما يتعلق بالوجود القومي الكوردي كشعب ذي أرض تاريخية، على الرغم من أن الكورد يعيشون في مناطقهم هذه منذ فجر التاريخ البشري. كما أن الترك القادمين من أواسط آسيا يسعون بكل ما أوتوا من قوة لدعم العروبيين العنصريين في دعواهم الخاطئة هذه ويضيفون إلى ذلك بأن كل البلاد التي احتلوها وغزوها عنوة هي بلادهم وأن ليس للكورد من أرض خاصةٍ بهم في المنطقة. وحول هذه الفكرة يلتقي القوميون بالإسلاميين والديموقراطيون بالشيوعيين أيضاً.

لذا، يمكن تغيير عبارة طارق بن زياد بصدد الكورد في هذا الشريط الحدودي لتصبح على الشكل التالي:”العدو من ورائكم ومن أمامكم أيها الكورد، فمن أين المفر؟” والفارق هنا هو أن الكورد ليسوا فرسان فتحٍ أو جنود احتلال وإنما هم مستضعفو الأرض وأصحابها الشرعيون وهم الضعفاء بين الأقوياء، ولا معين لهم سوى ربهم الذين هجره وللأسف معظم الكورد السوريين بعد أن رأوا الدعاة لدينه والخطباء باسم الإسلام يقفون لعقودٍ طويلة من الزمن مع المحتلين الغزاة وأعداء الحق والسلام وليس مع المظلومين.

Image

ربما يفكر البعض بأن الحركة السياسية الكوردية هي التي ستنقذ الكورد من المأزق السياسي الذي هم فيه الآن، وتحقيق شيء من أشكال الإدارة لأنفسهم في هذا الشريط الحدودي الطويل، الذي يحق لنا تسميته منطقياً دون تردد ب”غرب كوردستان”، فكلمة “كوردستان” ليست إلا أرض الكورد، ولا أحد يستطيع اثبات أن الكورد يعيشون على أرضٍ سوى أرض آبائهم وأجدادهم الميديين والكردوخ والهوريين والميتانيين.. ولكن أزمة الحركة ذاتها أشد ضيقاً مما يعاني منه الشعب الكوردي. إذ حتى في أوروبا الحرة الديموقراطية يقف بعض المتكلمين باسم أحزابٍ من هذه الحركة موقفاً لا يتسم بالود تجاه الثورة السورية والجيش السوري الحر ويحاولون تحويل أنظار شبابنا الكوردي عن عداوة النظام الأسدي الذي يفتك بالسوريين فتك الوحوش الضارية بالغزلان إلى مزيدٍ من العداوة لتركيا، فيجعلونها العدو الأكبر لحركتنا الكوردية السورية، بل يتفادون الحديث المباشر عن همجية النظام السوري الذي يقصف شعبه بالطائرات وبراميل المتفجرات وبالصواريخ، في حين يهددون الأتراك بأنهم سيلقون حتف جيشهم إذا ما حاولوا غزو سوريا، ولا أحد من السامعين يرفع يده ليسأل هؤلاء الأبطال فيما إذا كانوا قادرين على حماية عوائلهم ومقرات أحزابهم من هجمات للجيش النظامي السوري أو الجيش السوري الحر أو لقوات الحماية الشعبية العائدة لحزب الاتحاد الديموقراطي، في حال حدوث عدوان عليهم. إن كوادر حركةً في مثل هذا الوضع المؤسف لا ولن يستطيعوا انقاذ شعبهم لأنهم غير قادرون على فهم حركة التاريخ التي تقول ببساطة: لم يعد هناك مكان للنظم الشمولية بين شعوبنا, وهي ساقطة فتخلوا عنها وساهموا في اسقاطها، بدل الحديث التافه عن “الخط الثالث”، هذا الخط الذي لا يعني سوى الوقوف في وجه الثورة, ثورة الشعوب على الدكتاتورية المتخلفة.

الكورد في غرب كوردستان في مأزق سياسي وحركتهم لاتزال غير قادرة على حمل مسؤوليتها التارخية الكبرى, فهي متحالفة من جهة ومتحاربة في الوقت ذاته. هناك خلافات عميقة حول كل شيء، حول العلم الذي يرفعونه وحول الالتزام بقرارات هيئتهم الكوردية العليا وحول تنظيم المناطق التي انحسرت عنها سلطة النظام الأسدي وشكل الإدارة التي يجب أن تسود في هذه المناطق (إدارة ذاتية، حكم ذاتي، فيدرالية)، وكذلك حول العلاقة مع كل من النظام المترنح ومع المعارضة الوطنية السورية والجيش السوري الحر وكذلك مع تركيا التي لها موطىء قدم واضح وكبير في هذه المرحلة العسيرة من تاريخ سوريا. فكيف بحركةٍ كهذه أن تسير أمام الشعب وتقوده في الأزمات؟

أصبح فتح المقرات الحزبية ومدارس تعليم اللغة الكوردية والاحتفال بذكرى رحيل الزعيم الفلاني أو الفلاني من أهم إنجازات أحزابنا, كما صار التوجه بالنقد من قبل مثقفين إلى حزبٍ أو رئيسٍ أو كادرٍ عالي الهمة عمالة لأردوغان التركي أو خروجاً على الوحدة الوطنية أو استهتاراً بما تقدمه هذه الأحزاب من المأكولات التي تفتح الشهية كتجميل قبورالقادة الحزبيين وتوسيعها لتفوق مراتٍ ومرات تلك المدافن البسيطة والمتواضعة للقاضي محمد والشيخ سعيد بيران والبارزاني مصطفى، فهل تفوح من ردود الأبواق التي تخدم الأحزاب بمسباتها وشتائمها روائح الديموقراطية وحرية الرأي، أم أنها تطيل من عمر الفكر الشمولي الذي أقتبسناه من النظام البعثي – الأسدي مدى الأربعين سنة الماضية؟

كيف يمكن انقاذ هذا الشعب من المأزق الذي فيه، وحزب من أحزابه لا يطالب للكورد بحكمٍ ذاتي أو بفيدرالية إلا أنه يملك جيشاً يحاول فرض سيطرته على كل مناحي الحياة العامة في غرب كوردستان، فيؤسس لنظامٍ قضائي وتعليمي وتجنيدي ويفرض الخوة والضرائب على المواطنين ويضع الحواجز على الطرقات ويمنع الأحزاب المنافسة له من رفع رايات الثورة السورية والاستقلال الوطني ويتصرف وكأن غرب كوردستان في وضع مستقل، في حين أن عدداً كبيراً من الأحزاب التي لها مطالب أعلى من هذا الحزب لاتستطيع حتى حماية رؤسائها أثناء جولاتهم في المنطقة؟ وكيف يمكن الزعم بأن هذا الحزب أو تلك الأحزاب تؤمن بالديموقراطية وتعمل لها وهي غير قادرة حتى على قبول كلمة حق من عضو غير راضٍ عن سياسة لجنتها المركزية فتشل عمله بالفصل أو الطرد أو بتوجيه شتى التهم السيئة له، كما لا تملك الجرأة على نشر مقالٍ لأحد الشباب المعارضين لسياسة لجنتها المركزية على صفحات مواقعها الالكترونية؟

المأزق الكوردي السوري هو نتيجة حتمية لمأزق سياسي دخلت فيه الحركة منذ زمنٍ طويل لأسباب تاريخية عديدة، ولكنه زاد ضيقاً منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة في سوريا، فالحركة تضم بين فصائلها وكوادرها من لايزال يؤمن بالحوار مع هذا النظام الذي لايترك الأخضر واليابس فيدمره كله، ومن لايزال يؤمن بأن بامكان الكورد إيجاد “خطٍ ثالث” لهم بين النظام الشرس والمعارضة المقاومة، ومن انخرط في المساومات المباشرة وغير المباشرة مع أجهزة النظام السرية ظناً منه أن النظام سينجو من هذه الأزمة الخانقة وستعود المياه إلى مجاريها، كما أن في هذه الحركة من يلعب دور جحوش النظام، كما كان لدى صدام حسين جحوشه من بني الكورد أيضاً… وفي هذه الحركة من يسعى للمقاومة جنباً إلى جنب مع مقاتلي الثورة السورية ليقينه بأن مصير الشعب الكوردي، طوعاً أو كرهاً، مرتبط بما ستؤول إليه هذه الثورة المباركة… وبسبب هذه التناقضات والخلافات في الآراء والمواقف، حتى في النقاط الأساسية للبرنامج السياسي الكوردي، لا تستطيع الحركة كسب الثقة التامة لشعبها وستبقى هكذا مشتتة وشاردة الذهن وضعيفة ومترددة حتى تغلب فكرة العمل الجماعي الحقيقي والفاعل على فكرة الأطروحات والبيانات اليومية والاستنكارات وملاحم المدائح الرئاسية…

ومن أجل إخراج شعبنا من المأزق الذي فيه، وهو مأزق أحد شواطئه تركيا والآخر سوريا، يجب القيام بمبادرة عملية وحاسمة لتقليل حجم القيادات الحزبية وتنشيط العمل بين الجماهير وتوحيد الفصائل المنظمة وبناء الجيش الكوردي الحر، الذي لايأخذ أوامره إلا من القيادة المشتركة للأحزاب الكوردية المؤمنة بالتغيير والخلاص من الدكتاتورية وبالحرية والديموقراطية قولاً وعملاً.  وإن تركيا التي تقف كماردٍ مدجج بالسلاح خلف ظهرنا ستحاول الاستفادة من مشاحنات وانشقاقات وخلافات حركتنا لتضربنا بعضنا ببعض، كما أن العروبيين العنصريين في سوريا لن يكفوا عن اقصائنا ما دمنا هكذا متفرقين متخاصمين وغير أقوياء. والقوة لن تتحقق بمجرد اشتداد قوة حزبٍ من دون الأحزاب الأخرى أو بقدر ما يقوم به من هجمات على سواه وإنما بقدر ما يتحد الكورد اليوم في عين العاصفة التي تهب عليهم جميعاً وستقتلعهم من جذورهم إن ظلوا على هذه الحال التي هم عليها الآن.

Advertisements

حول الرسالة الأمريكية لنظام الأسد

   24.10.2012    جان كورد

اختلف الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما مع منافسه الجمهوري ميت رومني, خلال ثلاث مناظرات تلفزيونية مثيرة أمام أنظار العالم, على عديد من المسائل والمشاكل التي تهم الشعب الأمريكي, منها الطاقة والتشغيل والضمانات الصحية وخفض أو رفع الضرائب, ولكنهما اتفقا أيضاً على مواقف محددة, منها الموقف المتشدد من نزوع ايران لامتلاك السلاح النووي, ومن اسرائيل في حال مهاجمتها ايران, وكذلك الموقف من نظام الأسد السوري المتهالك. بل كانت رسالتهما للرئيس السوري, الذي أطلق عليه البعض اسم “محافظ دمشق” رسالةً مشتركة وواضحة بفارقٍ بسيط في الألفاظ والعبارات, فالمتنافسان على رئاسة الولايات المتحدة التي تعتبر من نواحٍ متعددة أهم القوى العظمى في العالم إلى جانب الصين والاتحاد الأوربي وروسيا, ركزا ولو بقدرٍ قليل من الاهتمام بالأوضاع في سوريا على ضرورة تنحي الأسد وانتقال سوريا من بعد حكمه الشمولي إلى بلدٍ حر وديموقراطي وصديق لأمريكا, يتم فيه تبادل السلطة بين أبنائها وبناتها عن طريق صناديق الانتخاب وليس عن طريق الغلبة بالقوة, وعدم الاهتمام الكبير بسوريا وما يجري فيها من مآسٍ وجرائم ضد الإنسانية ليس من أولويات الولايات المتحدة, وإنما لديها من المشاكل الداخلية ما يجعل مختلف القضايا الخارجية في المرتبة الثانية من حيث ترتيب الاهتمامات العامة, ولكن طالب المرشح الجمهوري بأن تقوم إدارة بلاده بجهودٍ سياسية ودبلوماسية أقوى لاجبار الأسد على ترك السلطة وافساح المجال للشعب السوري ليقرر مصيره بنفسه ويبني مستقبله من جديد. وهذا يعني أن كل الأحلام الوردية لنظام الأسد ومحاولات إعلامه لتصوير الصراع الدموي الرهيب في سوريا, منذ أن شرع جنوده وشبيحته باطلاق النار على الأطفال والنساء في درعا وإلى الآن, على أنه    صراع بين نظامه “المتمدن والعصري” ضد “العصابات الإرهابية المتطرفة دينياً” قد تناثرت ولم يتمكن  رغم سفكه لكل هذه الدماء السورية وللتدمير الممنهج للبنى التحتية في سوريا اقناع الولايات المتحدة بأنه “حليف” لها ضد “الارهاب” في الحاضر أو مستقبلاً

الرسالة الأمريكية لنظام الأسد واضحة ولامجال لتفسيرها تفسيرات غير واقعية, فكلا الحزبين الديموقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة يعلمان جيداً أن لامجال لانقاذ عنق نظامٍ كان في خانة “الدول المارقة” فساعداه على أمل إخراجه من تلك الحلقة السيئة في مرحلة سابقة, ولكنه لم يفهم ذلك بصورة جيدة ومناسبة, وانما اعتقد بأن الولايات المتحدة بحاجة ماسة ودائمة له, وبامكانه التصرف بشعبه كما يشاء فهي لن تقف مع الشعب السوري المسلم في غالبيته ضده, وهو النظام العلماني المستعد للمساهمة في أي مغامرة أمريكية أخرى كمغامرتها في العراق, كما أنه معلوم بشراسته في التصدي للحركات الإسلامية المتطرفة, وقدرته على التلاعب بها وتسخيرها للسياسات التي يريدها, كما فعل في كلٍ من لبنان والعراق. ولكن نظام الأسد لم يدرك بأن دولة عظمى كالولايات المتحدة تتخلى بسرعة عن حلفائها الصغار حيثما تتطلب مصالحها الاستراتيجية ذلك. وهذا هو ذات الخطأ الذي وقع فيه نظام صدام حسين العراقي من قبل وانتهى بزواله ودماره, مثلما تخلت عن نظمٍ استبدادية أخرى أثناء فترة الحرب الباردة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية

قد قلت قبل يومين أو ثلاثة في مقابلة مع راديو صوت أمريكا – القسم الكوردي بأن الرسالة الأمريكية لنظام الأسد رغم أهميتها ليست على مستوى الحدث السوري, وأكرر ذلك هنا أيضاً, ففي سوريا ترتكب جرائم ضد الإنسانية يومياً, وتتسم سياسة النظام الأسدي حيال المدنيين السوريين بأنها فظيعة وشائنة,  ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة لاتسعى الآن للقيام بأي خطواتٍ عملية حاسمة لوقف النزيف اليومي الذي يعاني منه شعب سوريا, وإنما تعمل عبر القنوات السياسية والدبلوماسية المتاحة ببطء إلى إحداث تغيير سياسي في سوريا, ولو اقتضى ذلك أمداً طويلاً, وهذا في نظري اخلال باللوائح والمواثيق الدولية التي تنص على ضرورة حماية المدنيين أثناء الحروب, وتخلٍ سافر عن المسؤولية الدولية الواقعة على عاتق الدول العظمى ومنها الولايات المتحدة, وفي الوقت الذي يقدم الروس مختلف أشكال الدعم العسكري والمعنوي والاستخباراتي والدبلوماسي لنظام الأسد المجرم, فإن الطرف المقابل لايزال يتساءل: من سيحكم سوريا بعد الأسد؟ أهو صديق لنا أم عدو؟ وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية تضع مصالحها الوطنية فوق الاعتبارات الإنسانية, وهذل سيؤثر في مكانتها كدولة عظمى بين السوريين وسواهم سلباً,  وإنها بهذه السياسة غير العملية تساهم في دفع الشباب السوري إلى أحضان الجماعات المتطرفة بنفسها

ولايخفى أن المنافس الأكبر للرئيس الأمريكي لم يكن في المناظرة الأخيرة بينه وبين أوباما مختلفاً في الموقف تجاه سوريا, فهو أيضاً يستبعد الخيار العسكري ويراهن على سياسة ما, ولكن بشدة وقسوة, بهدف وقف نزيف الدماء واجبار الأسد على التنحي, حتى أن المتنافسين لم يتحدثا عن موضوع اقامة مناطق عازلة أو ممرات إنسانية أو اي حلول جادة لمشكلة تدفق اللاجئين السوريين, بل اعتبرا الموضوع السوري برمته قضية سورية يقع حلها على عاتق السوريين أنفسهم, وذلك على الرغم من الفارق العسكري بين النظام الأسدي وبين المعارضة المسلحة كبير والشعب السوري هو الذي يتعرض للمذابح والتدمير, ولا يدري أحد هل سيتوقف النظام عن الاستمرار في حربه الإجرامية هذه قبل سقوطه

بل إن الإدارة الأمريكية قد سجلت عبر تصريحات رئيسها أوباما في المناظرة التلفزيونية الأخيرة موقفاً لايليق بدولةٍ عظمى ويسيىء إليها بالتأكيد, والشعب السوري لن ينسى هكذا موقف للديموقراطيين الأمريكان الذين يعتبرون أنفسهم حماة الديموقراطية والحرية والإنسانية في العالم وبالتأكيد فإن السوريين لن ينسوا موقف الجمهوريين أيضاً, إن استمروا على ذات النهج الأباماوي التراجعي, في حال وصولهم إلى السلطة وعدم قيامهم بما يقع على عاتقهم من مسؤولية تاريخية حيال نظام إرهابي يقتل شعبه بقصف الطائرات الحربية والمدافع الثقيلة

كورد وعرب… مرة أخرى …. تساؤلات وآراء

جان كورد  ‏15‏ تشرين الأول‏، 2012

 قد يسألني سائل: لماذا تثير هكذا موضوع ونحن في حالة ثورة على نظام شمولي يرتكب المجازر كل يوم؟ فأجيب: ببساطة أنا غير مقتنع بتغير وضع الشعب الكوردي نحو الأفضل في ظل من لايقل عن البعثيين والأسديين عداء له, وأرى بأن نمط التفكير العنصري في سوريا والعراق أقدم من حكم البعث البائد وحكم العائلة الأسدية اللاحق بالبعث قريباً وهو مستمر في البقاء والحياة أمداً طويلاً من الزمن, وانقاذ البلاد من قبضة عائلةٍ حاكمة لايعني تحقيق الديموقراطية والانتهاء من الأفكار العنصرية مباشرة. ولذا لابد من العودة مرة بعد مرة إلى الموضوع الأهم لدى كل كوردي سوري صادق مع نفسه ومع شعبه, ألا وهو القضية الكوردية ومستقبلها.

مادفعني لكتابة هذه المقالة هو تراكم التساؤلات المتدافعة إلى ذهني حول علاقات هذه المكونات القومية ببعضها البعض، ومحاولتي بناء آراء شخصية بصددها. ومن هذه التساؤلات

– لماذا يصر العرب على أن هذه البلاد السورية والعراقية كلها جزء من الأمة العربية, وهم يعلمون أن آباءهم وأجدادهم قد جاؤوا من بلاد العرب في الحجاز ونجد واليمن إلى مناطقها الشمالية بحثاً عن الكلأ والماء ومن ثم لنشر الدين الإسلامي فيما بعد, في حين أن هذه المناطق شهدت ممالك لاتمت إلى الجنس السامي بصلة، كمملكة ميتاني التي امتدت من شمال سوريا إلى أطراف كركوك, ومملكة الميديين التي امتدت شرقاً إلى أفغانستان ومملكة الحيثيين التي انتصر جيشها على جيش الفراعنة المصريين في معركة قاديش السورية الشهيرة في التاريخ؟

– كيف يدعي الترك أن هذه البلاد التي يعيشون فيها الآن وأطلقوا عليها ظلماً وعدواناً اسم “تركيا” ملك أبدي لهم, وخاص بهم وحدهم, والعالم يعلم بأنهم جاؤوا من بلادهم الأصلية في تركستان الآسيوية بعد انتشار الإسلام في سوريا والعراق بفترة طويلة, في حين أن الكورد والأرمن واليونان والليديين الذين استولى الترك على ديارهم عن طريق نشر الذعر والقتل والحرق كانوا يعيشون في هذه المنطقة منذ فجر التاريخ البشري؟

– كيف يستطيع الفرس الزعم بأنهم أمة وانكار هذا الحق أو هذا الشعور بأنهم أمة على الكورد الذين عاشوا إلى جوارهم في المنطقة التي يسمونها بغرب ايران، منذ قرون عديدة قبل الميلاد وإلى الآن؟ ولم ينتقل حكم هذه البلاد من الكورد الميديين إليهم إلا عن طريق مصاهرة فارسية – ميدية رافقها الكثير من المكر والخداع؟

وإذا كانت كل هذه الشعوب معاً أمة واحدة, فلماذا يناصر أهل المعرفة والمدافعون عن فكرة الأمة المشتركة هذه التيارات العنصرية عوضاً عن الوقوف مع الكورد؟

وبحثاً عن جواب لهذه التساؤلات المضنية وجدت في “نشوء الأمم” لدى السيد أنطوان سعادة, الزعيم القومي السوري الذي أعدم بعد 24 ساعة من محاكمته أن لا جماعة بشرية تعيش بدون أرض, فالأرض هي المكان الذي تنتشر فيها الحياة البشرية والحيوانية والنباتية, فالماء والهواء والتراب ودرجات معينة من الحرارة عناصر أساسية لنمو الحياة فلا مجال لحياة بشرية عادية على سطح القمر مثلاً, والبيئة هي التي تؤثر بوضوح في شكل وتكوين وتطور حياة الجماعة الإنسانية, حيث نرى تفاوتاً كبيراً بين نمط حياة البشر وتطورهم الحضاري في الغابات الاستوائية والصحارى الآسيوية والجبال الشاهقة مثل الأنديز في أمريكا اللاتينية أو هيمالايا في آسيا وتكاد تنعدم الحياة الإنسانية في القطبين الشمالي والجنوبي من الأرض

لذا أجد بأن سبب رفض حكومات هذه الأقوام المستبدة بالكورد (الترك والعرب والفرس) للاعتراف بحقيقة أن الكورد أمة مثل العرب والترك والفرس هو رفضهم لوجود أرض كوردية تعيش عليها هذه الأمة أصلاً. وعليه فإن الاعتراف بوجود أمة كوردية يعني الاعتراف بانها تعيش على رقعة ما من الأرض وفي بيئة معينة, ونقصد بذلك “كوردستان” التي اطلقها السلجوقيون كتسمية لبلاد الكورد, وذكرها بعض سلاطين العثمانيين أيضاً في فرماناتهم التي تعدد أسماء الأوطان والبلدان التي يحكمونها, إلا أن أحفادهم أنكروا ذلك على الكورد وحاربوهم بقسوة ووحشية لارتباطهم بحقهم في سيادة أنفسهم على تلك الأرض. وأعداء الكورد “أبناء الجن!” يرون هذه البلاد ملكاً منحه الله لهم وليس الكورد بملايينهم الأربعين سوى لاجئين ومهاجرين ومتسللين من البرابرة الهمج, ربما أتوا من كوكب آخر إلى هذه المنطقة, في حين أنهم يصرون على ربط القضية الفلسطينية بالأرض على الدوام

يقول غلاة القومية العربية, المؤمنين بالنظم الشمولية والذين دافعوا عنها باستمرار, ومنهم من له الآن منصب هام في المعارضة السورية “الديموقراطية!”، بأن الكورد في سوريا أقلية تعيش ضمن الأمة العربية مثل سواها من الأقليات القومية كالشركس والآشوريين والدينية كالأقباط في مصر وكالسريان والاسماعيليين في سوريا, وبذلك يحاولون صرف الانتباه عن حقيقة أن الكورد يعيشون على قطعة أرض على اتصال مباشر مع قطعة الأرض التي يعيش عليها الكورد في العراق وفي ما يسمى ب”تركيا” وهي في الحقيقة أرض شمال كوردستان, ولايفصل كورد سوريا عن كورد تركيا والعراق سوى الحدود التي تتغير بتغير الأزمنة والسياسات الاقليمية والدولية. وكذلك فإن غلاة القومية التركية ينكرون تماماً أن تكون للكورد أي علاقة بالأرض التي يعيشون عليها فهي بزعمهم أرض تركية, والله يعلم كما يعلم كثيرون من البشر في هذا العالم الفسيح أنهم لايقولون الحقيقة, فالكورد كانوا على هذه الأرض منذ قرون سحيقة قبل مجيئهم إلى أناتوليا المحرفة إلى الأناضول. كما أن الفرس يضربون على ذات الوتر النشاز لأن الناس المهتمين بشؤون الأقوام في شتى أنحاء المعمورة يعلمون أن ايران ليست بلاد الفرس وحدهم, وانما يعيش فيها كل من شعوب الكورد والآذريين والبلوج والعرب إلى جانب الفرس المسيطرين على مقاليد السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية والقوى العسكرية, ولكنهم رغم هذه الحقيقة يقولون ما يشاؤون ويسعون إلى تفريس كل الشعوب الأخرى وتشييعها دينياً

وإذا ما سألت أحداً من هؤلاء العنصريين المستوليين على مقاعد “ديموقراطية!” الآن عن سبب وجود هذا العمق السكاني الكوردي خارج الحدود السورية, فإنه سيفتح فاهه فاغراً وينأى عن النطق بالحقيقة. وهذا ديدن كل العنصريين الذين يبنون نظرياتهم القومية الضيقة على سرابٍ من أوهام “الأمة العظيمة

الجريمة الكبرى هنا هي أن غالبية من يزعمون أنهم مؤمنون بالإسلام الذي دعا إلى عدم الباس الحق بالباطل وأن لانبخل الناس أشياءهم وطالب باقامة العدل في الأرض داعمون أساسيون لهؤلاء القوميين من العرب والترك والفرس في انكار الحق الكوردي في سيادة نفسه على أرض وطنه كوردستان, ويصرون على إخوتهم الكورد الإسلاميين بأن يرددوا مثلهم المزاعم الباطلة لغلاة القوميين الذين يريدونها “عربية مائة بالمائة” في الوقت الذي يؤكدون على أنهم لايعترفون بالحدود بين القوميات والشعوب, وإن السيد رجب طيب أردوغان أقرب إليهم من السيد ميشيل كيلو مثلاً. وعلى ارض الواقع يقفون موقفاً سلبياً للغاية من الطلب الكوردي بالغاء آثار معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية لعام 1916, التي تعاني بسببها بلاد الكورد من التجزئة حتى اليوم, في حين أنهم خارج إطار القضية الكوردية العادلة يقفون معك ضد تلك المعاهدة بصورة واضحة. ومواقف بعض الإسلاميين الكبار في صفوف المعارضة السورية بصدد الشأن الكوردي موثقة ويمكن للقارىء العودة إليها من خلال تصفح المواقع الالكترونية. فهم من جهة ضد الحدود ولكنهم مع هذه الحدود إذا ما تعلق الأمر بالكورد وحدهم, ومنهم من ينكر على الكورد حتى حق “الحكم الذاتي”, ولانرى حتى اليوم بنداً صريحاً وواضح المعالم في برنامج أي حركة سياسية أو دينية عربية أو تركية أو فارسية بصدد حق الكورد في سيادة أنفسهم على أرض آبائهم وأجدادهم, وانما عبارات طنانة ورنانة عن رفع الحيف عن “المواطنين” الكورد ومساواتهم بسواهم وتعويضهم عما لحق بهم من غبن تاريخي وما إلى ذلك مما أعتبره تهرباً فاضحاً عن قول الحق في هذا الموضوع الهام, ونعلم تماماً ما الآثار السلبية لتجاهل هذا الحق وكم هي عميقة معاناة الأمة الكوردية بسبب تلك السياسات الشوفينية العنصرية

يقول بعض المعارضين الكورد بصدد الحديث عن العرب واسرائيل بأن اسرائيل ليست عدوة للشعب الكوردي, وأن ليس الاسرائيليون هم الذين يقتلون الكورد ويحتلون ديارهم ويرفضون حقهم, وانما الذين يفعلون ذلك هم القومجيون العرب المدعومين دينياً من حلفائهم الإسلاميين. وقد يتساءل البعض: لماذا يربط هؤلاء ربطاً وثيقاً بين القومجيين العرب والإسلاميين العرب؟ بالتأكيد لأن في الأمر شيء من الحقيقة

لذا برأيي أن يتخلص الإخوان المسلمون من عقدتهم النفسية المستبدة بهم, وكذلك كل من على طريقتهم في التنكر لحقيقة أن الكورد أمة مثل سائر الأمم الأخرى, وعندما يعترفون بذلك فإنهم يساهمون في تفكيك أوصال معضلة تاريخية كبيرة لم تجلب لشعوب المنطقة سوى الحروب والتدمير والتقتيل. فلماذا تنشرح صدورهم لعبارة “وحدة الأمة العربية” و”تحرير فلسطين” وتتلبد الغيوم أمام عيونهم لذكر “وحدة الأمة الكوردية” وينفرون من “تحرير كوردستان” المغتصبة الممزقة والمضطهد شعبها على الدوام؟ أم أنهم قومجيون مثل العفالقة من دون أن يدروا؟

وكلمة أخيرة أقولها للكورد الأحياء بقلوبهم والأوعياء بعقولهم:”لن يعترف أحد بحقنا الكامل في سيادة أنفسنا على أي جزء من أرض وطننا كوردستان, ما لم نتصرف نحن كأبناء وبنات أمة وليس كأقليات لاحول ولا قوة لها في بلدان عديدة متناحرة ومختلفة على كل شيء سوى على غصب حقنا في الوجود مثلهم