المجلس الوطني السوري والملف الكوردي

جان كورد، ‏0 3‏ آذار‏، 2012

هناك لعبة أطفال لدى الكورد تدعى “السكين والجبنة”، يقترب فيها طفلان من جهتين مختلفتين خطوة خطوة، أحدهما يمثل السكين والآخر يمثل الجبنة، ومعلوم أن السكين هي القاطعة وهي الأقوى في اللعبة، وقبيل وصول الخصمين إلى نقطة التلاقي تزداد اللعبة هيجاناً، رغم أن النتيجة معروفة وهي أن الجبنة لن تنتصر على السكين. وفي غالب الأحيان يتدخل الحكم ويوقف اللعبة لأن الغاية منها هي تعليم الاطفال أن يرحم الأقوياء الضعفاء وأن لايقطعوا بعضهم بعضاً كما تفعل السكين بالجبنة 

شاء الكورد أم أبوا، فإنهم يمثلون جهة الجبنة في هذه اللعبة السورية، لأنهم أقلية في نظر الكثيرين ممن في المجلس الوطني السوري، الذي يبدو أنه الممثل الأهم حالياً في المعارضة السورية لطموحات الثورة الشعبية، والأقلية تتبع الأغلبية في الديموقراطية، هكذا تعلموا وهكذا سيتصرفون وفق ما تعلموه، في حين أن هناك أقليات سوى الكورد، لها مساند دولية أو اقليمية قوية، لاينطبق عليها هذا البند الديموقراطي، فهي تتمتع بالحقوق التي حرم الكورد منها طوال عقودٍ طويلة من الزمن، في ظل النظام الأسدي، وبعد زواله أيضاً 

أصبح لدى المجلس الوطني السوري “ملف كوردي” ظهر واضحاً باعلان المكون الكوردي، سوى فئة تؤمن بأن بقاءها في المجلس أهم لها من السير مع ممثلي قومها، الإنسحاب من مؤتمر استنبول الأخير، هذا المؤتمر الذي كان مفترضاً فيه أن يظهر السوريين صفاً واحداً أمام أعين العالم الخارجي. وهذا الملف الكوردي قد لايكون هاماً بحجم ملف “الجيش السوري الحر” أو ملف “شراء بعض الأتباع القريبين من الأسد” أو ملف “كسب الطائفتين الدرزية والعلوية إلى صف الثورة كلياً”، إلا أنه ملف لمكون أساسي من مكونات المجتمع السوري، سيكون لاهماله عواقب وخيمة مستقبلاً على مسار الحياة الديموقراطية في سوريا ما بعد حكم آل الأسد 

لو كان الأسد ذكياً لاستطاع الاستفادة الآن من “عنجهية” بعض رموز المعارضة السورية ورجالات المجلس الوطني الذين يتصرفون وكأنهم لايعلمون شيئاً عن القانون الدولي بصدد “حق تقرير المصير للشعوب” أو لم يسمعوا بالنجاح الكبير للنظام الفيدرالي على المستوى العالمي، حيث تتواجد أكثر من قومية في دولةٍ واحدة، وحتى في دولةٍ مثل ألمانيا ليس فيها سوى الشعب الألماني، ومع ذلك فإن النظام السياسي لهذا الشعب قائم على تفتيت السلطة المركزية وتوزيعها بشكل عادل على 16 ولاية متفاوتة في الحجم السكاني، حيث منها على مستوى مدينة واحدة فقط، في حين أن جارتها أكبر من دولتين عربيتين معاً، وأقوى من حيث الامكانات والثروات، ولكنها تملك ذات الحقوق التي تتمتع بها ولاية ضعيفة وصغيرة. نعم لو كان الأسد ذكياً لكسب قلوب الكثيرين من الكورد بمرسوم تشريعي واحد يضمن لهم التمتع بحقهم في إدارة أنفسهم ضمن سوريا واحدة موحدة، إلا أن العقيدة السياسية للنظام الذي تربى ونشأ في ظل الشعارات العنصرية لحزب “البعق” تدفعه باستمرار إلى التظاهر بمظهر المدافع عن “عروبة سوريا 

كان بامكان المجلس الوطني السوري أن يحافظ في ميثاقه الذي اختتم به مؤتمره الأخير في اسطنبول، على ذات الصياغة المتواضعة التي دونها في نهاية مؤتمره في تونس حيال ” الملف الكوردي”، إلا أن اسطنبول غير تونس، من جهة موقعه الجيوبوليتيكي، فهنا تركيا التي يعيش فيها أكثر من 25 مليون نسمة من “الكورد” الذين يطالبون كل يوم بحقهم القومي ويلجأ طرف من أطرافهم السياسية إلى استخدام العنف أيضاً في سبيل نيل تلك الحقوق. وفي تركيا المتاخمة لسوريا من ناحية الشمال – كما نعلم – مدرسة سياسية تقول حرفياً:”لن نسمح بأن تقوم للكورد قائمة حتى ولو على سطح المريخ.” ومعلوم أن الدعوة لمؤتمر المجلس الوطني السوري هذه المرة كانت عبر بوابة وزارتي الخارجية التركية والقطرية. ومصالح تركيا وقطر ومعهما دول وامارات عربية وكذلك بعض الدول الكبرى تقتضي أن لايحلق المجلس الوطني السوري خارج السرب 

طالب المكون الكوردي في المؤتمر أن يتم الاعتراف الدستوري بوجود وحق الشعب الكوردي وحل قضيته القومية على أساس هذا الاعتراف بشكل ديموقراطي عادل، فهل في هذا ما يخالف الشرع الرباني الذي يدعوننا إلى تطبيقه “الإخوان المسلمون” الذين يشكلون الكتلة الأشد تماسكاً في هذا المجلس؟ أم أن هذا مخالف للقانون الدولي الذي يتبجح بالنضال في سبيل احترامه العلمانيون، وهم في غالبيتهم قانونيون ومحامون شهيرون بماضيهم التليد في الدفاع عن الحقوق والمطالبة بالحريات؟

الإدعاء المنسوب للكوردي الوحيد في الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني السوري، الدكتور عبد الباسط سيدا، الذي لم يخرج مع ممثلي شعبه الكوردي من المؤتمر، بأنهم يطالبون بما هو “سقف عالٍ” و”سيأتي بالمشاكل” باطل وخاطىء ويدل على أن هذا الإنسان من أصحاب “النوايا الحسنة”، فيرى حل المشكلة الكبيرة بين ما يريده أبناء جلدته وبين ما يعرضه زملاؤه في المجلس الوطني السوري في المطالبة بالحد الأدنى من الحقوق الكوردية والانتظار حتى إشعارٍ آخر، أي الانتظار حتى ينمو الشعور العام بين الديموقراطيين السوريين بأن الشعب الكوردي يستحق أكثر من ذلك، فيطرحون مبادرات أشد جدية مستقبلاً… إلا أن المؤمن لايلدغ من جحرٍ مرتين، فالكورد شاركوا في الثورة ضد الفرنسيين من قبل، فجاء الدستور السوري بعد الاستقلال ليتناسى وجودهم القومي وحقوقهم التي يقرها القانون الدولي كقومية ثانية إلى جانب القومية العربية والعديد من الأقليات القومية والدينية… وآمل أن لايكون هذا الادعاء من السيد عبد الباسط سيدا نتيجة حسابات شخصية للبقاء في قمة الهرم السوري المعارض 

عدم تناول المجلس الوطني السوري للملف الكوردي بشكل لائق، وانسحاب ممثلي المكون الكوردي من المؤتمر بسبب ذلك، لايعني انسحاب الكورد من المعارضة أو التخلي عن الثورة، وهذا التأكيد جاء على لسان عدة سياسيين كورد، ممن كانوا في المؤتمر وممن لم تتم دعوتهم أصلاً لأسباب عديدة، منها أن اختيار المدعويين كان يتم عبر فلترات فئوية وعقيدية وحزبية وتحت تأثيرات شخصية وعشائرية ومناطقية، بل لايمكن تجاهل الفلترات غير السورية أيضاً. الكورد مستمرون في أداء دورهم في الثورة وفي المعارضة لأنهم على ثقة بأن قضيتهم القومية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتحقيق مجتمع الحرية والديموقراطية، وهي القضية الأساس التي ينطلقون منها، لأن عدم حلها حتى الآن هو سبب شقائهم الكبير. ولايمكن القبول باتهام الشعب الكوردي بالتقصير أو التراجع أو التردد أو الأنانية 

المجلس الوطني السوري لم يهمل شيئاً في وثيقة العهد الوطني التي قرأها علينا السيد جورج صبرة من اسطنبول، حتى أنها لم تهمل قضية الشعب الفلسطيني أيضاً، ولكن هناك من يزعم بأن المجلس في حالة “ثورة” ضد النظام، وطرح الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية الآن سابقٍ لأوانه، فماذا يعني هذا؟ أو ماذا يريدون قوله للكورد بالضبط؟ القضية الفلسطينية أهم من قضيتكم؟ أم أن قضيتكم دون المستوى؟ أم لا دستور ولا بطيخ… نحن هنا الأغلبية وأنتم الأقلية ونحن سنطبق ما نراه حقاً وعدلاً وما عليكم سوى قبوله… فإذا لم يكن هذا وذاك صحيحاً فليعطوناً تبريراً نقنع به الشعب الكوردي الذي لم يعد يقبل بأن يقاد إلى المقصلة دون مقاومة 

هناك من يقول: نحن العرب تخلينا عن “عروبة سوريا” من أجل خاطركم وخاطر الأقليات الأخرى، فلماذا تصرون على كورديتكم وحقكم القومي؟

قبل كل شيء، محاولة البعث لاظهار سوريا “عربية” عقوداً من الزمن فشلت لأن الحقائق على الأرض تثبت بأن سوريا بلد متعدد القوميات. وفي الحقيقة لم يتخلى أحد عن “عروبة سوريا” عندما يؤكد العهد الوطني السوري على دعم القضية الفلسطينية ويتملص من القضية الكوردية التي هي قضية سورية داخلية لأسباب “قومية صرفة”، بل إن الكورد لايجدون حرجاً في أن يقاتل العرب السوريون من اجل وحدتهم القومية فهذا حق لهم كما هو حق لسائر القوميات ومن ضمنها القومية الكوردية بالتأكيد. كما تقول الحقيقة: التخلي عن الشطحات العنصرية أمر جيد، والاعتراف بالحقائق على الأرض كذلك، وهذا لايمكن اعتباره منة على الكورد وسواهم، فسوريا كما هي على الأرض جزء من المنطقة العربية وعضو في الجامعة العربية “مجمد حالياً” ولها حدود مع ثلاث عربية وشعبها في غالبيته يتكلم بالعربية، وأعتقد أن ليس هناك كوردي عاقل ينكر هذا، ولكن أن يصر بعضهم على جعلها سورية عربية ذات جيش عربي، وجمهورية عربية، ومواطنين كلهم عرب، فهذا ما يرفضه ويقاومه الكوردي وغير الكوردي، ولذا لابد من أن يحصل الكورد وسواهم من غير العرب على “ضمانات دستورية” بحقوقهم، وهذه الضمانات مطلوبة من المجلس الوطني السوري، الذي نقدر ظروف عقد مؤتمراته هنا وهناك، ونعلم أن الحوار هو الطريق الأنسب للحصول على هذه الضمانات الضرورية، ولكن بالتأكيد سيكون لاهمال الملف الكوردي تأثير سلبي جداً على المجلس الوطني قبل ان يكون على المكون الكوردي، الذي كان ديدنه البحث عن الحوار منذ أن وجد 

Advertisements

في وحدة المعارضة السورية

  alt

منذ أن خرجت الجماهير السورية مطالبةً بالتغيير الجذري أولاً، ومن ثم باسقاط النظام مع تطور الأحداث وتعاظم الثورة

تعلو أصوات في العالم الخارجي، وبخاصة في بعض الدوائر العربية والدولية الهامة، تطالب باستمرار ب”توحيد صفوف المعارضة السورية” وكأن تواجد فصائل مختلفة فكرياً وسياسياً في رحم هذه الثورة وعدم توحدها في إطارٍ واحدٍ موحد من أكبرالعراقيل أمام دعم هذه الدوائر للمعارضة السورية والاعتراف بها. وفي الحقيقة فإن هذا يثير التساؤل عن السبب الحقيقي وراء هكذا مطلب غير معقول، فالمفترض في المعارضة الديموقراطية أن تكون مختلفة ومتنوعة من حيث الأفكار والسياسات والبرامج والخطط، ولايمكن أن تتطابق في ذلك، كما هو الحال في النظم الشمولية التي تسعى المعارضات الديموقراطية لازالتها واستلام مكانها في مجتمعاتها

لقد ساعدت الولايات المتحدة الشعب الألماني في التخلص من النازية الهتلرية، دون أن تكون هناك معارضة سياسية حقيقية لها على أرض الواقع، بل كان الاشتراكيون الديموقراطيون مشتتين وهاربين ومختفين عن الأنظار، وكانوا القوة الأهم تنظيماً في ألمانيا، كما قامت الولايات المتحدة الشعب العراقي ب”تحرير العراق” من ربقة النظام الصدامي والمعارضة العراقية لم تتوحد في يومٍ من الأيام، لا قبل التحرير ولا بعده، فكانت هناك مجموعات شيعية وسنية ومسيحية وقومية (عربية وكوردية وتركمانية وآشورية) ولا تزال، إلا أنها كانت متفقة فيما بينها كما ظهر في مؤتمري لندن وصلاح الدين على التخلص من النظام الشمولي البعثي ومن دكتاتورية صدام حسين الدموية، وهذا حال السوريين اليوم أيضاً

تتوزع المعارضة السورية بين اتجاهات ليبرالية ديموقراطية وإسلامية ويسارية، ولكنها متفقة على ضرورة إحداث التغيير الجذري الشامل في سوريا، ولا نعلم عن معارضة تسعى للعيش مع حكم العائلة الأسدية التي فاقت في ارتكابها الجرائم ضد الإنسانية كل النظم الاستبدادية في العالم

لقد دعم البريطانيون ومعهم الأمريكان فكرة مؤتمرٍ وطني عراقي كبير للتوصل إلى مشروع واسع للإطاحة بصدام حسين واقامة الدولة العراقية الديموقراطية، فلماذا هذا الحديث المستمر عن ضرورة “توحيد” المعارضة السورية، كضرورة سياسية قصوى، والمشروع السوري أوضح من الشمس بين أيدينا، وهو يتلخص في “اسقاط نظام الأسد” و”بناء سوريا الحرة الديموقراطية” و”تحقيق السلام العادل” في المنطقة؟ ولماذا ليست هناك جهود من قبل الإدارة الأمريكية لتعزيز وحدة المعارضة السورية، إن كانت وحدتها أهم عنصر من عناصرالنجاح في مشروع التغيير السوري؟

طبعاً تختلف الوسائل من معارضة إلى أخرى لتحقيق أهداف الشعب السوري، ويختلف مفهوم “الحرية والديموقراطية” وكذلك السبيل من أجل السلام العادل من فصيل إلى أخر، إلا أن فصائل المعارضة ليست متباعدة في منهاجها ووسائلها إلى درجة القطيعة أو عدم التمكن من تحقيق الاتفاق الأدنى فيما بينها، وطبعاً هناك على الدوام من يحاول التسلط على سواه في إدارة الأزمة وقيادة المعارضة، وهذا طبيعي ووارد، وبخاصة فإن السوريين قد عاشوا في ظل نظامٍ شمولي عقوداً من الزمن، ويحتاجون إلى بعض الوقت لتحرير أنفسهم من أساليب وتفكير النظام الشمولي، ولكن هناك سوريون عاشوا ولا يزالون في الحرية منذ عقود عديدة من الزمن، وصارت لهم خبرات جيدة في مجال التواصل الديموقراطي فيما بين المنظمات وفي التحالفات، وبقليل من الدعم السياسي والمعنوي لهم سيتمكنون من بناء معارضتهم بالشكل اللائق والحضاري، رغم العوائق الكثيرة وقلة امكاناتهم المادية

الحديث المستمر عن “تعقيدات الوضع السوري!” ليس إلا للتغطية على عدم الرغبة في إزالة النظام الأسدي لأسباب استراتيجية متعلقة بالأمن الاسرائيلي من وجوه عديدة، واثارة المخاوف من تفتيت سوريا إلى دويلات بسقوط الأسد، يعني عملياً المحافظة عليه أو على أسلوبه المركزي الشديد في الحكم التعسفي رغم كل جرائمه المستمرة، وقد وصل الأمر إلى حد التمديد العربي والدولي للأسد في إجازته بالقتل والترويع من خلال توالي المبادرات الفاشلة في مجال التعامل معه، والسوريون بدأوا يشكون في جدية وأهمية هكذا مبادرات طالما لاتؤتي ثمارها ولاتردع القاتل عن ارتكاب المزيد من الجرائم

فكيف يمكن للسوريين انتزاع الذريعة بأنهم غير متوحدين من أيادي الدوائر العربية والدولية التي تثير الأحاديث اليومية عن ضرورة توحيد المعارضة وعن تعقيدات الوضع السوري؟

أعتقد أن ما يرفعه الشعب السوري في الشارع المتظاهر هو الذي يفرض نفسه على المعارضة وليس العكس، ولذلك فإن أي معارضة لاتعكس واقع أن الشعب هو الأصل ليست معارضة جادة، ويجب إهمالها تماماً، فلا يعقل أن يطالب الشعب ب”تدخل عسكري” ومع ذلك يخرج من المعارضة على الملأ من يحاول التأكيد على أن طلباً كهذا غير وطني ويضر بالبلاد وبالشعب وبالمعارضة، وعليه يجب أن تكون مطالب الشعب هي أسس المنهج السياسي للمعارضة الحقيقية، وهذا ديموقراطي حقاً

من ناحية أخرى، يجب عقد مؤتمر واسع يضم كل الفرقاء المفترض فيهم أنهم يمثلون الشعب السوري، ويسعون لانهاء الدكتاتورية، ولكن لايعني ذلك جمع كل السوريين المعارضين للنظام في بوتقة واحدة، بل يجب جمع ممثلي الفئات والمكونات المختلفة القادرة على إحداث التغييرات العملية في الشارع السوري وممثلي الذين يقدمون حياتهم رخيصة في سبيل شعبهم كل يوم، وكذلك أقطاب من يساندونهم بقوة في المهاجر، والجمع بين هؤلاء يجب أن يستهدف التوصل إلى برنامج وطني للمعارضة والثورة ذي خطوط أساسية واضحة وملزمة للجميع. وحقيقة فإن بعض المؤتمرات السورية السابقة لم تكن بمستوى المؤتمر الوطني المنشود والضروري عقده في هذه المرحلة

وأخيراً، لابد من الاستعانة بخبرات الديموقراطيين في العالم الحر الديموقراطي لانجاز هكذا مشروع ضخم، ولكن لايستطيع السوريون القيام بهكذا عمل تاريخي دون مساعدة مادية ومعنوية من إخوتهم العرب، وجيرانهم الترك، الذين تهمهم أيضاً قضية تحرير سوريا من قبضة هذا النظام الذي فاق الفاشية والنازية إجراماً واستهتاراً بالحياة الإنسانية، والذي جعل من نفسه مخفراً أمامياً خطيراً للتوسعية الايرانية في المنطقة. ولابأس من القيام بمحاولات جادة لاقناع الايرانيين والروس أيضاً بأن من مصلحتهم المستقبلية الخلاص من هكذا نظام في المنطقة، وبأن بقاءه سيعود بالخسارة على الجميع
ولذلك أرى بأن عقد مؤتمر وطني سوري واسع هو الرد الفعال على من يتذرعون بعدم توحد المعارضة السورية ويترددون في القيام بأي عمل جاد ضد النظام الدموي في سوريا، وسائر المبادرات الفردية والثنائية والجماعية يجب أن تخدم فكرة هكذا مؤتمر

الأسد ونظرية المؤامرة

جان كورد ‏14‏ آذار‏، 2012  

رغم كل التطورات التي شهدتها الساحة السورية من احداث جسام، خلال سنة كاملة من عمر الثورة الكبرى، فإن الأسد وزمرته الحاكمة بقوة السلاح وعن طريق إرهاب الشعب وترويعه بارتكاب المجازر البشعة ونبيحته الإعلامية التي تعيش على فتات المائدة الأسدية يعتقدون بأن ثمة “مؤامرة كونية!” ضدهم، وهم مستمرون على خطى قائدهم الذي عانى من ذات “المؤامرة” في ثمانينات القرن الماضي ولكنه قضى عليها عن طريق العنف الوحشي، على مرأى ومسمع العالم، وبرعاية سوفيتية – صينية وفي ظل صمت عربي مخزي. وبخاصة فإن شخصيات دولية هامة قد دخلوا على الخط بصدد ما يجري في سوريا، منهم العاهل السعودي والأمين العام للأمم المتحدة الحالي والسابق، والسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية ومن وراءها وإلى جانبها من رجالات أوروبيين، مثلما دخل على الخط  ضد هتلر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والدكتاتور الشيوعي السوفييتي جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، على الرغم من أن الفارق الكبير في التعامل مع النظام بين الحالتين

نظرية المؤامرة هذه قديمة، تعود إلى ما بعد ظهور أول جمعية ألمانية للمثقفين المتنورين “إيلوميناتي”، المعروفين ب “البنائين” في عام 1776، أي قبل الثورة الفرنسية ب 13 عاماً، على أيدي آدام فايسهاوبت، المثقف الذي لايعرف عنه إلا القليل حتى نهاية القرن العشرين، حيث كان لهذه الجمعية السرية دور هام في التفاف المثقفين الفرنسيين حول الثورة التي تحولت إلى “مقصلة كبيرة” في أيدي رجالها فيما بينهم، يقطعون بها رؤوس كل من خالفهم الرأي 

لقد اتهم كثيرون من المؤمنين ب”نظرية المؤامرة” الثورة الفرنسية، ذات المبادىء العالمية الكبرى والقيم الإنسانية العليا، بأنها كانت من نسج القوى الخفية “الشيطانية” الدولية، في أيدي الحركة “اليهودية” للاستيلاء على العالم كله وتسخيره لاهدافها “التخريبية” والمعادية للإنسانية، ولذلك فإن تلك الثورة – حسب اعتقادهم – كانت أداةً للإطاحة بمختلف النظم الملكية والعائلات الحاكمة في أوروبا، وكانت سلاحاً لسفك دماء الملايين من البشر.  كما اتهم هؤلاء الثورة البلشفية، التي كان قائدها لينين عميلاً مدفوعاً له لدى مخابرات القيصرية الألمانية، بذات التهمة إلى حدٍ كبير، في حين أن الدكتاتور ستالين كان يرى أيادي خفية لمنتسبي جمعيات البنائين السرية في الفشل الاقتصادي الشنيع لسياساته الزراعية والصناعية وللانتكاسات المتتالية للشيوعية في بلاده

ولقد اعتبر أدولف هتلر ووزير إعلامه الرهيب غوبلز اليهود سبباً من أسباب الانحطاط الاقتصادي والفشل العسكري لألمانيا، واعتبرا تحالف الشيوعيين مع الولايات المتحدة وبريطانيا ضد النازية “دعوة مفتوحة لابادة اليهود في أوروبا”، على حد قول الكاتب الإخصائي في شأن الجمعيات السرية يوهانس روغالا فون  بيبرشتاين، صاحب كتاب “أسطورة المؤامرة

وهكذا كان كل من آية الله خميني وصدام حسين يعتبران الجمعيات السرية اليهودية العالمية وراء المعارضة ضد حكمهما في كل من ايران والعراق، وكان كل واحد يرى في الاخر أداة لهيمنة “الشيطان الأكبر” على بلادهما، على الرغم من أنهما كانا في حالة حرب مدمرة ضد بعضهما بعضاً، بقرار كل منهما، ومثلهما رأى كل الدكتاتوريين الرافضين لنداءات شعوبهم اليهود وراء الحركات والمعارضات الساعية لاسقاطهم، ومنهم الأسد الأب الذي كاد يبكي خوفاً من السقوط، أثناء ثورة الشعب السوري في بعض المدن، ومنها مدينة حماه الباسلة، التي تعرضت لمذبحة رهيبة على أيدي قواته، وهو يشير بأصابع الاتهام إلى “القوى الامبريالية – الصهيونية” العاملة على التصدي لسياسته “الوطنية التقدمية

تعاظمت النقاشات وتوسعت المداخلات وكثرت المؤلفات عن الجمعيات السرية العالمية على أثر الهجوم الارهابي الشهير في 11 من سبتمبر 2001 على برجي التجارة العالمية والبنتاغون في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى فاق عدد الصفحات المدونة عن هذه الجمعيات والمؤامرات عن ال130.000 صفحة من حجم (آ 4

الأسد وزبانيته المجرمون يتكلمون اليوم ايضاً عن “منظمات سرية مدعومة دولياً” تعمل للإطاحة بنظامهم “العربي الوطني الإنساني التقدمي الديموقراطي العامل على تحرير المقدسات العربية…الطاهر الذي لامثيل له في العدالة والمساواة!!!!”، وذلك دون أن يقدم أي دليل موثوق على عروبته ووطنيته وإنسانيته وتقدميته وديموقراطيته واستعداده للتحرير ولاقامته مجتمع العدالة والمساواة، ودون أن يقنع العالم بوجود تلك المنظمات ومساهمتها في كفاح الشعب السوري، وهذا لايختلف كثيراً عن مزاعم صدام حسين وآية الله خميني وكذلك آية الله خامئني وتابعه محمود أحمقى نجاد وخادمه اللبناني الأمين حسن نصر اللات

نظرية المؤامرة نظرية خطيرة يستغلها كل من هب ودب، من أباطرة وملوك ودكتاتوريين شموليين، فينسجون حولها القصص الخيالية ويستندون إلى وثائق تاريخية مشكوك في أمرها، ومنها بعض الوثائق اليهودية ك”بروتوكولات حكماء صهيون” التي يعتبرها الخبير السياسي السوري الكبير أسامة الطبي في كتابه الشهير من عام 1993عن  بعبع المؤامرة في السياسة العربية أحد أشد المواد “المعادية للسامية” اثارة في العالم، وبخاصة في العالم الإسلامي 

سوريا والعامل الدولي من جون ماكين إلى سيرغي لافروف

جان كورد، ‏ 13‏ آذار‏، 2012

من ملاحظاتنا على مؤتمر هه ولير (أربيل) للجالية الكوردية من خارج البلاد أنه أهمل موضوع البعد الدولي إهمالاً تاماً في محاضراته ومداخلاته العديدة، فالبعد الدولي يخيم بظلاله الوارفة على كل صغيرة وكبيرة في حياتنا السياسية الكوردية، داخل البلاد وخارجها، وهذا لايمكن تناسيه لأسباب متعلقة بأحزابنا أو ظروفنا الذاتية، فالحياة السياسية تكون صحية وناجحة عندما نلم بكل جوانبها، ولاندع أي جانبٍ منها في العتمة، بعيداً عن النقاش والمعالجة

وهكذا هو الوضع العام للمجتمع السياسي السوري، الذي نحن جزء من نسيجه المتعدد الألوان. ولا يمكن معالجة المعضلة السورية الحالية التي صار لها من العمر سنة كاملة، دون التطرق إلى جانب البعد الدولي الهام وتأثيراته فيها، إذ هناك محوران كبيران متناقضان يتمثلان بموقفين متعارضين، الأول هو موقف السيناتور الأمريكي الجمهوري المعروف جداً، جون ماكين، والثاني هو موقف وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، حيال الموضوع السوري هذا. فالموقف المكيني يطالب بصراحة بقصف المواقع والآليات العسكرية السورية من طائرات ودبابات تهاجم الشعب السوري والمتظاهرين المدنيين، وذلك بهدف وضع حد لطغيانه وإزالته من الوجود، في حين أن الموقف اللافروفي يسعى بكل السبل للابقاء على نظام الأسد، رغم كل جرائمه ضد الإنسانية، ورغم المطالبة الدولية بالتخلص منه. وبين الموقفين الصارخين هذين مواقف أقل حدة في الاتجاهين المتعاكسين

يحاول النظام الأسدي على الصعيد إظهار نفسه الدولي بكل ما أوتي من قوة كجدار مانع للإرهاب الدولي، حتى أنه يحاول المستحيل لاتهام المعارضين السوريين بأنهم يرتكبون مذابح رهيبة وكبيرة بحق المدنيين، في حين أن مرتزقته وشبيحته وجنوده هم الذين يفعلون تلك الجرائم الوحشية، وعلى الرغم من أن ليس هناك في العالم الخارجي من هو مقتنع بما يزعمه، فالعالم كله يعلم أن الأحداث السورية ليست إلا حلقة من حلقات الثورات الشعبية التي يطلق عليها اسم “الربيع العربي”، وهي ثورات نجحت الواحدة تلو الأخرى إلى حدٍ كبير، في تونس وليبيا ومصر، والنظام مستعد لارتكاب كل الحماقات بهدف البقاء. وعليه فإن التوجه الدولي للنظام الأسدي خاطئ من الاساس، ولايجدي، بل إن عناده السياسي، رغم كل هذه المظاهرات الواسعة والانشقاقات الكبيرة في صفوف الجيش السوري، ورغم كل التضحيات البشرية التي زادت عن ال8500 مواطن، سيؤدي به إلى مزيد من العزلة على الصعيد الدولي، وقد ترغم جرائمه الجماعية المتتالية المجتمع الدولي أو أطرافاً منه إلى تدخل عسكري مباشر ضده

العامل الدولي للأزمة السورية هو الذي يتحكم في بقاء النظام أو سقوطه، فمن خلاله تتوحد القوى الدولية التي ترغب في الاطاحة بالنظام أو إضعافه أو إرهاقه، كما هو رأي المحور المكيني، أو تختلف على ما يجب القيام به أو تركه على حاله، كما يفكر به المحور اللافروفي حتى الآن، إلا أن الذي يزيد في تفعيل هذا البعد الدولي، إضافة إلى ارتكاب النظام للمجازر، هو استعداد الشارع السوري لتحريك الأجواء الخانقة والمحافل الصامتة في هذا البعد الهام جداً. فالشارع الذي يثور وفق خطة وسياسة تأخذ بعين الاعتبار هذا البعد الدولي هو الأقدر على توظيفه لخدمة أهدافه الوطنية، ومنها هدف اسقاط النظام الذي تسعى المعارضة له، كما يسعى الشارع السوري بأسره

وأعتقد بأن المعارضة السورية تستطيع لعب دورها في توحيد طاقات الشعب وزجها كلها في معركة الحرية، من خلال التنسيق الجيد بين فصائلها الأوعى لأهمية البعد الدولي في صراع السوريين من أجل الانتصار الناجز على نظام المافيا الدموية في بلادهم، أما الحلم بتوحيد كل الفصائل فهذا ضرب من الخيال وتضييع للوقت، إذ أن من سمات الديموقراطية تعددية القوى السياسية في المجتمع الواحد. أما المعارضة التي لاتعي أهمية البعد الدولي، فإنها إما جاهلة بجدلية الثورة والنجاح أو أنها لاتريد ذلك حقيقةً، أو أنها معارضة مندسة من قبل النظام ذانه، وكذلك تلك المعارضة التي تبحث باستمرار عن الأسهل في الأعمال، وتتجنب الصدام مع النظام، وتختار محور لافروف عوضاً عن محور ماكين، رغم كل المذابح والقصف المدفعي الذي يذبح في ظله أطفال سوريا بين أحضان أمهاتهم المغتصبات

Defter a min

Cankurd

02-03-2010

Deftera min tijî kul bû

Mîna kezeba min a reş û…

mîna dil bû.

Têde hebûn gelek şopên birînê

…û pir kevnewarên hezkirin û razangên evînê…

Deftera min ya şahî û geştê bû…

Bihna ku jê dihat

her ya sorgul û zeviyên deştê bû…

Defetra min li ser destan bû

Rostemê Zal bû, pehlewan bû…

Straneke şorişîn a Perwer şivan bû…

Bihna jê dihat,

ya helbestên nazik ên:

Gulê baxê Bohtan û  şebçiraxê Kurdistan”  bû…

Di  zindanê de, li ber seriyê Memê Alan

helbestên Feqê Teyran dikirine lawjan

dikirine stran…

Deftera  min girtiyekî nenas bû

Li gel wan xebatkarên girtî…

yên di zindana „Edra“ de,

û  di  jêrzevînên Şamê de…

Deftera min bi kewan re dikete kewkewiyê

Û herdem û hergav xwe kiri bû qurbana Kurdayetiyê

————————————–

Îro deftera min winda û berşê ye

Nûçeyek ji wê nîne…

û kes nizane ew miriye an li ser lingan û pê ye…

Ew hatiye tar û markirin

talankirin…

…û li ser navê biyaniyan.

deftera min hatiye tomarkirin…

Berê,

min çêrokên xwe yên evînê

Hezkirina xwe ya  bo vê zevînê

…û her çêrokeke xwe ya efsaneyî

di deftera xwe de dinivisand

Min ji tirsa xwendevanan ew dixiste bin balifan

…vedişart û hiltanî…

Îro deftera min ji des t min reviya….

Wekî şalûleke pînik hatiye heriftin

li wan qeracan

Bûye destegîrekî  Cihowan di dema Hitler de

Bûye  xûniyekî Ermeniya…

Deftera min xwe veşart li nav hormanên wan çiya

Kete şikeftan ji ber lomekirinên wan zimandirêjan

û  wan Koyquruciya…

Dibe ku di deftera min de hebû tovek ji jehrê

Jehrê jî kes nade zarowên xwe

Kes nake bin balifê seriyê xwe

…û kesek  defterên wilo belav nake

li tomargeh û „Rûdaw“ ên  xwe…

Lew re  deftera min îro nehane,

Ji gelek hêjayan ve „telqîn“ bi ser de hatiye xwendin

hema ciyê gora wê tew kes nizane…

الفرز الثوري في الحراك السياسي الكوردي

جان كورد، ‏13‏ آذار‏، 2012

أردت تسميته ب”الفرز الحضاري”، ولكن شهر نوروز هذا أدفأ قلبي بمعاني الثورة الحقيقية التي أراها تتفجر كالبركان النشيط أمام عيوني على شاشات التلفزيون في هذه الغربة القاتلة، فكتبت “الفرز الثوري”، وأعتقد أن هناك علاقة وطيدة بين “الحضارة” و”الثورة” في كل الأحوال 

عرف الحراك السياسي الكوردي هذا الفرز الذي كان يتحدث عنه الشيوعيون في حزبهم الأول مثل سائر الحركات السياسية الأخرى، المنظمة والشعبية، وهو فرز طبيعي تحدثه عوامل متعددة في ظروف ملائمة تفرض الافتراق بين مجموعات مختلفة المفاهيم والمعايير والمصالح فيما بينها. وهذا الفرز يحدث على الدوام لأن المجتمعات في تغير وتبدل والإنسان في تطور والظروف في تحول، بل تحدث طفرات ثورية تاريخية تقلب الكثير من المفاهيم التقليدية وتصب حزمات من أنوار الفكر الجديد التي تتأثر بها أجيال جديدة، وهكذا فالنهر يسيل والتاريخ يتمدد في الزمن والمستقبل يحمل لنا المفاجآت على الدوام، والذين لايستطيعون فهم حركة البشرية يجلسون القرفصاء على قارعة الطريق ووجوههم مكفهرة لعدم قدرتهم على استيعاب ما يجري حولهم 

في الفترة الأخيرة لانهيار الامبراطورية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، لم يتمكن كثيرون من علماء الدين فهم “المشروطية” التي تعني “تقييد سلطان السلطان” بمختصر الكلام، فوقفوا ضدها وحاربوها، في حين أن الأستاذ سعيد النورسي، العلامة الرباني، قد وقف في صفها ضد الاستبداد العثماني، ودعا شعبه الكوردي والمسلمين عامة في رسالته “روجيتة الأكراد” إلى تقبل واستيعاب المشروطية والدفاع عنها والعمل بها، فذاق الهوان على أيدي الطغاة المستبدين وعانى الأمرين من جراء ذلك، وبسبب مواقف أخرى عديدة له في سبيل تحديد الدين وتجديده وتخليصه من الشوائب العالقة به 

واليوم، نرى أن سائر الذين كانوا مع “الفرز الثوري” في السياسة الكوردية، كانوا من ضحايا قياداتنا الكلاسيكية التي لاتزال متمسكة ببعض مواقفها التي تعود إلى عصر “الحرب الباردة”، سواء في مجال القضية الكوردية، أو تجاه الثورة السورية، أو بصدد التغيرات التاريخية الكبرى وموضوع “القرية العالمية” في عصر “العولمة” هذا 

وإذا كانت أهداف “الثورة” في زمن الحرب الباردة هو إنجاز الانتصار الطبقي، فإن أهدافها اليوم تكمن في تجاوز التخلف الحضاري واللحاق بالمسيرة الكبرى للبشرية صوب مجتمع “الحريات المدنية” بالدرجة الأولى، وهذه الحريات لاتصان بشكل أكيد إلا في ظل “العدالة الاجتماعية” وفي حال تطبيق “الديموقراطية” في أشكالها المتطورة. والفارق بين الوضعين ظاهر وكبير. في حين أن أهداف “أعداء الثورة” تتمثل في الدفاع عن المثل والقيم التي أفرزها الصراع الطبقي كعبادة الزعيم، والطاعة المطلقة لأفكاره وفلسفته، وعدم الجرأة على الخروج عن المذهب الستاليني في إدارة الأحزاب ذات النهج الكلاسيكي الذي لايتلاءم مع المتغيرات العالمية في دنيا المعرفة والتطور التكنولوجي، والتمسك الشديد بفلسفة استخدام القوة والعنف حيال المنشقين أو الناقدين، ما يذكرنا بمحاولة حرق سيدنا ابراهيم عليه السلام لرفضه السجود لأصنام قومه، أو دفن قومٍ بأكمله أحياءً في خنادق سكب عليها الزيت المغلي لأنه لم يرضخ لعقيدة طاغوت من الطواغيت.  والفارق بين ما جرى تاريخياً وما يجري اليوم للخارجين على “الياسا” السياسية، التي يعتقد بعضهم أنه لايأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، هو أنه هؤلاء يحاولون من خلال كم الأفواه وإطلاق التهديدات وشن حرب إعلامية وتسخير “النبيحة” التابعة لهم، تفريق صفوف المتظاهرين ضدهم، والحيلولة دون نشوء معارضة لهم، مهما كانت صغيرة وبسيطة، وإيهام المجتمع بأن من ليس على ما هم عليه من أفكار وفلسفات “خونة” للشعب الكوردي، أو مرضى نفسياً أو أنهم جهلاء… ولكن مع ذلك كله، فإن الفرز الثوري مستمر ولا يتوقف لحظة واحدة، فأعداد المنشقين في تزايد، والثوار في تلاحم، والمعارضون يتجمعون في صفوف متراصة، والقافلة تسير 

الفرز الثوري في قواعد الحركة السياسية الكوردية، المنظمة والمنفلتة، وعلى أطرافها، ضروري كالماء للحياة، كالشعار للمسيرة، كالنشيد للمعركة، لأنه بدون الفرز الثوري تسيطر العفونة على كل الثمار وتصبح الحركة مترهلة وتنطفىء الجمرات المتبقية من نار الحياة فيها، لذا على المثقف الكوردي، أو الكادر الكوردي، دعم وتفعيل وتنشيط هذا الفرز الثوري برسم الخطوط العامة للمستقبل، بحيث يسترشد بها الناشط الشاب ويقارن على ضوئها السياسات المطروحة أمامه من شتى الأطراف، ومن ثم يقرر هو بنفسه على أي خطٍ من خطوط النضال يسير، وهل يبقى مع الماضي أم يتحرك صوب المستقبل 

وإن علينا القبول، ونحن نشدد على ضرورة “دعم الثورة” في نفوس شبابنا وفي الشارع الكوردي إجمالاً، بأنه لابد وأن يبقى هناك – دائماً – من له مصلحة أو مصالح مختلفة في الركض مع أعداء الثورة والتحول إلى شبيحة أو نبيحة أو كليهما في الوقت ذاته، وأن الذين يتجرأون على منازعة أعداء الثورة قد يدفعون الثمن غالياً، إذ ليس هناك ثورة انتصرت في التاريخ بدون تضحيات جسام، بل بدون انتكاسات… والطريق صوب الحرية والنصر لايزال طويلاً وشاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، وعليه يحدث الفرز الثوري بين الثوار الحقيقيين والمتخاذلين، بين الذين صمموا على استنشاق نسيم الحرية وضعفاء النفوس المترددين… ومن خلال ذلك تتجدد الحياة في التنظيم السياسي الكوردي وفي حياتنا السياسية بشكل عام 

لا تجديد في حركة تريد السير صوب الأمام بدون فرز ثوري، ولا فرز ثوري ناجز دون تضحيات 

الوطنية الرخيصة والتدخل الخارجي

جان كورد، ‏07‏ آذار‏، 2012

في مجال الرد على ناقدي السيد صالح مسلم وحزبه، وأنا أحد الذين انتقدوه، زعم بعضهم بأن الذين يطالبون بالتدخل الخارجي لكبح جماح النظام الدموي في سوريا خارجون عن دائرة الوطنية، وأنهم يخدمون مصالح الأجنبي، ويريدون لبلادهم الشر…وذلك بذريعة أن بلادنا ستتعرض للخراب وأن دماء شعبنا ستسيل وأن الأجنبي سيحتل بلادنا 

لذا لابد من التوضيح بأن “الوطنية الرخيصة” لاترى بحر الدماء السورية المسفوكة حتى الآن ومشاهد المدن المدمرة وآثار التعذيب الوحشي على وجوه وظهورالأطفال والفتيان السوريين، دون وجود أي قوات تدخل خارجي في بلادنا، ولاتتألم لعشرات الألوف من المعتقلين والمهانين والجائعين في معتقلات النظام، وكذلك فإن قتل أكثر من 8500 إنسان حتى اليوم لايحرك ضمائرهم الإنسانية، بل يستطيعون تحمل المزيد من سفك دماء السوريين، حتى يقولوا “يجب القيام بشيء عملي!” وهذا الشيء العملي يجب أن يكون في حدود ” المعقول الوطني 

بل إن بعضهم قارن مقارنة غير مناسبة بين رسالة القائد الكوردي الخالد مصطفى البارزاني للرؤساء العرب يوم دخلوا الحرب ضد اسرائيل في عام 1973، قائلاً لهم بأنه يوقف قتاله من أجل تحرير الكورد وكوردستان طالما هم في حالة حرب مع أعدائهم. وكأن نظام الأسد السوري اليوم في حالة حرب مع أعداء سوريا وليس في حالة ابادة بمعدل 45-150 مواطن يومياً من مختلف المكونات الإنسانية. ولهؤلاء نقول: هذه وطنية مبتذلة حقاً. ولو قاتل النظام عدواً محتلاً لسوريا لما طالب الشعب السوري في مظاهراته بالتدخل الخارجي بالتأكيد 

الشعب السوري في تظاهراته اليومية، وفي كل أنحاء البلاد، وخارجها، يطالب ب”حماية دولية” والحماية لاتكون دون تدخل خارجي، ولا تتحقق دون وجود قوات تحمل السلاح، ولكن قد تعود هذه القوات للأمم المتحدة أو للجامعة العربية (وضع قوات لدول عربية في خدمتها) أو تكون قوات لحلف الناتو، المرشح الوحيد لهكذا تدخل من خارج القرارات الدولية أو القرار العربي إن وجد. فطلب التدخل الخارجي لايعني بأي حالٍ من الأحوال قصف المدن السورية أو سائر المواقع الحربية السورية، كما فعل الأمريكان وحلفاؤهم مع صدام حسين وجيوشه، حيث الوضعان مختلفان تماماً. الشعب السوري يطالب بحمايته من هجمات وحشية يومية لقوات النظام الأسدي على المدن والأرياف بالدبابات وفرق الموت الرهيبة، في حين أن الحرب على صدام حسين كانت بدوافع عديدة، منها متعلقة بالعراق ومنها بالمنطقة ومنها بالدول التي شنت تلك الحرب 

فهل يملك هؤلاء “الوطنيون!” حلاً عملياً وحقيقياً لايقاف المجزرة الإنسانية التي تفتح أبوابها كأي مجزرة للحيوانات كل يوم، من الساعات المبكرة إلى أعماق الليل الداجي، ينحر فيها الأطفال والنساء والشيوخ، بذريعة أن النظام يحارب “عصابات مسلحة!”، على الرغم من أن أي تنظيم مسلح في العالم لم يعلن حتى اليوم عن مسؤوليته بصدد ما يجري في سوريا من تقتيل وتدمير، في حين أن البيانات بالصورة والصوت في العراق كانت تصدر يومياً ومن تنظيمات مسلحة مختلفة، كانت تتباهى بذبح الناس أمام الكاميرات. فهل على السوريين تصديق مزاعم النظام، وهم يرون بأعينهم قصف الحارات والأسواق والمدارس والمساجد والمستشفيات، ويكفوا عن المطالبة بأن يحميهم المجتمع الدولي من وحشية المستبدين برقابهم، والزاعمين بأنهم يدافعون عن “الوطن” الحر 

الشعب السوري يؤنب معارضته السياسية كل يوم لأنها فشلت حتى الآن عن اقناع العالم بضرورة “التدخل” لوقف المجرمين عن الاستمرار في جرائمهم ضد الإنسانية، ولكن أصحاب “الوطنية الرخيصة” مستعدون للانتظار وتحمل كل شيء، حتى لاتقصف قصور المجرمين وأركان قواتهم المهاجمة على الشعب، لأنهم مجرمو الوطن وقواتهم التي تسفك دماء المواطنين هي قوات “وطنية!” فيدعون لحوار غير متكافىء بين النظام والشعب المذبوح، ويريدونها معارضة سلمية تضع خدها على الأرض ليدوسها شبيحة النظام ونبيحته من الذين يتباكون عليه في التلفزيونات والمواقع الانترنتية 

هناك فارق بين المطالبة بالتدخل بقصد استعمار البلاد وتقسيمها ووضعها تحت تصرف الأجنبي، وهذه خيانة للوطن بالتأكيد، وبين المطالبة بالتدخل لوقف حمام الدم وإنقاذ المواطنين السلميين في فعالياتهم الديموقراطية وكف أذى النظام المتوحش، الذي لم يعد أقل جرائماً عن بينوشيت وبول بوت وميلوزوفيتش وصدام حسين. ونحن مع تدخل يوقف المجرم عن ارتكاب مزيد من الجرائم، لا مع تدخل واحتلال واستغلال ونهب لخيرات بلادنا، المنهوبة بشكل سافر دون أي تدخل حتى اليوم 

لو كان نظام الأسد يحكم في بلدٍ آخر غير سوريا لأطاح به “التدخل الخارجي” بسرعة تكنيس غرفة صغيرة، مثلما حدث في العراق وصربيا وليبيا، ولكن الموقع الحساس لسوريا على حدود اسرائيل يجعل بعض الناس في العالم الخارجي مترددين إزاء التخلص منه، إضافة إلى أنه ملتزم بأوامر تفرض عليه سياسات معينة، وهذا ما يمنحه القوة للاستمرار في فتح أبواب مجزرته حيناً من الزمن، إلا أن إرادة الشعب السوري أقوى من أن يتمكن منها النظام، وهو أيل للزوال والسقوط، ومعه شبيحته المجرمة ونبيحته التي لاتقل إجرامياً بما تسطره من شجون وأحزان ووطنية زائفة ورخيصة