سوريا: في انتظار يوم الحسم

24 تموز 2013

كل الدلائل تشير إلى أن الأوضاع في سوريا تسير من سيءٍ إلى أسوأ، فالثورة التي انطلقت من أجل الحرية تحمل في مفاصلها الآن آلاماً لاتطاق وفي جسدها أوراماً خبيثة، والسوريون يدركون اليوم بأن ثورتهم ودماءهم وثرواتهم صارت مغنماً لمن لايحملون ذرةً من الإيمان باستقلالية هذا الشعب وهذه الجغرافيا، فعلى طرفي الصراع قوى مقاتلة مندرجة أسماؤها في لائحة الإرهاب الدولي، ووصل الأمر إلى غاية الاستهتار بحياة ومطالب ومستقبل السوريين جميعاً، حيث وزير خارجية روسيا لافروف الذي دعم نظام العائلة الأسدية الدموي بكل ما أوتي من قوة، على مختلف الصعد، يدعو بلا حياء للجوء المعارضة إلى أحضان هذا النظام المجرم، للتصدي معاً لإرهاب المجموعات المتطرفة التي لها مشروع إقليمي لايعترف بالدولة الوطنيةأو القوميةولاعلاقة له بالثورة السورية من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. ويتجاهل هذا ا لداعم الروسي الكبير أنه يتحالف مع إيران المعروفة كأحد أهم محاور الشرفي المنطقة وأن أول من تعتمد عليه إيران في قتالها لإنقاذ الأسد من نهاية مذلة هو حزب الشيطانالذي تم إدراج جناحه العسكري المتورط في الحرب على الشعب السوري في لائحة المنظمات الإرهابية أيضاً

الثورة تفترس أولادها. نعم هذا صحيح، فها هي كتائب الفاروق تتوجه إلى محافظة الحسكة لمحاربة الشعب الكوردي تحت شعار محاربة المستعمرين والمحتلين!” عوضاً عن التحرك صوب العاصمة دمشق، حيث مركز إرهاب النظام، أو عوضاً عن فك الحصار عن السوريين في مدينة حمص، التي عانى أهلها مما لم تعانيه بغداد أثناء غزو هولاكو لها أو أثناء قصف الأمريكان لقصور ومقرات الطاغية صدام حسين، وحيث تم تدمير مسجد خالد بن الوليد، فهل تحولت الثورة الإسلامية التي تؤمن بها كتائب الفاروق إلى حربٍ على الشعب الكورديالمسلم في غالبيته، في شهر رمضان المبارك هذا؟

وها هو أردوغان التركي المسلم يعلن عن عدم تحمله المزيد من الأذى على حدود بلاده، بسبب أن الموضوع الساخن هنا متعلق بالشعب الكوردي، ولكنه صبر على أذى الأسد للشعب السوري ولبلاده تركيا لسنوات، دون أن يتحرك فعلياً لوقف النزيف السوري، مكتفياً بالتهديد والوعيد ورسم الخطوط الحمراءحول حمص وحلب، ومن ثم حول المدن التركية التي حاول الأسد إيصال لهيب نيرانه إليها، كما حدث في استانبول أخيراً من حوادث دموية واضطرابات مدفوع ثمنها، وكما حدث من تفجيرات إرهابية على الحدود من قبل

أمام هذه اللوحة البائسة للمشهد السوري الذي يزداد قتامةً في الألوان ورعباً في الاشكال، يقف العالم الحر الديموقراطي مندهشاً، بعد أن رأى بعيونه، وهو في حالة استرخاء صوفي وقلة حيلة، كيف تتحول سوريا التي اندلعت فيها ثورة من أجل الحريات السياسية وحقوق الإنسان إلى ساحةٍ لتصادم الإرهاب العقيدي، وإلى مجزرةٍ كبيرة للإنسانية، وبؤرة تتسع باستمرار من بؤر النار التي تستهدف وجوده ومشاريعه في المنطقة. وإذا كان السياسيون الجهلة لم يشعروا بحقيقة الأخطار التي تهب على مصالح بلادهم في الشرق الأوسط، فإن شعوبه لن تسكت عن فشلهم الكبير هذا في القيام بعمل صحيح حيال ما يجري في سوريا، وسترغمهم على القيام بواجبهم، ليس بسبب ما تراه هذه الشعوب يومياً على شاشات التلفزة من مجازر رهيبة ترتكب ضد الشعب السوري، وإنما لأنها تدرك خطر البركان الذي يقذف الحمم في الشرق الأوسط، وقد يقضي على مصالحها النفطية وأسواقها التجارية وأصدقائها ونقاط الارتكاز لاستراتيجية لبلدانها، وشعوب العالم الحر الديموقراطي لاترحم الأغبياء والضعفاء من قادة وسياسيي أوطانها، بل ترميهم جانباً كقشور الموز في الانتخابات التالية بسرعة وبدون تردد، لأنها تعشق الحرية ولاتقبل أن يستهين بحريتها ومصالحها أحد، مهما كان عزيزاً عليها ومهما كان ذا تاريخ وأمجاد عظيمة في تاريخها.

وعليه فإن الحكومات الغربية على الرغم من وجود ذرائع لديها لعدم التدخل العسكري في سوريا، وفي مقدمتها ذريعة المصاريف الهائلةالتي لاتستطيع بلدانها تحملها بسبب الأزمة المالية الحالية، وهذه ذريعة مقنعة للشعوب في كل مكانٍ من العالم، إلا أن الأسباب الداعية للتحرك عملياً، بصورة أو بأخرى، كثيرة ومقنعة أيضاً، وفي مقدمتها تنامي نفوذ المجموعات المتطرفة على الساحة السورية، وهي المعروفة بعدائها التقليدي للعالم الحر الديموقراطي، وكذلك توجه سوريا نحو التفتت والتقسيم، واشتداد النزاعات الطائفية، والتدخل السافر في هذه الحرب القذرة إلى جانب النظام من قبل ايران وسواها، والضغط الشعبي يزداد على الحكومات الغربية التي نأت حتى الآن بنفسها عن اللجوء إلى القوة لايجاد حل للأزمة السورية،  وذلك بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة لاقناع الرئيس الأسد بالتنحي عن الحكم والخروج من البلاد، وبعد فشل طرفي الصراع في سوريا في احراز الانتصار النهائي على بعضهما بعضاً، وكذلك في تحقيق أي خطوة إيجابية على طريق الحوار السلمي بهدف وقف الاقتتال وإقامة حكومة وطنية مؤقتة واللجوء إلى المحادثات عوضاً عن التقتيل والتدمير، رغم كل الضغوط عليهما ومنها منع تدفق السلاح على المعارضة لارغامها على قبول مقترحاتٍ دولية معينة، ورغم السعي الحثيث من خلال مبادرات متتالية، عربية ودولية، كمبادرة السيد كوفي عنان ومبادرة الأخضر الإبراهيمي، لعقد اتفاقٍ بين النظام والمعارضة حتى في أبسط الصور والأشكال. وكذلك المبادرة الروسية – الأمريكية المشتركة لعقد مؤتمر جنيف 2 في هذا العام

بدأت الحكومات الغربية مؤخراً بمحاولات عملية، سياسية وتعبوية، ومنها منح المعارضة السورية كميات محدودة من السلاح بشروطٍ منها عدم وقوع هذا السلاح في أيادي المجموعات التكفيرية الإرهابية، ووضع الجناح العسكري لحزب الله المتورط في الحرب السورية في قائمة المنظمات الإرهابية، وإطلاق تصريحات أمريكية من المستويات العسكرية العليا توحي بأن هناك خطط جاهزة موضوعة على طاولة الرئيس أوباما بصدد القيام بما يتطلبه الوضع السوري من إجراءات عسكرية، سبقتها مناور ات أمريكية – أردنية هامة على الحدود السورية، وكذلك التهديدات المباشرة من قبل إسرائيل للنظام في حال تهديد أمنها من خلال وضع سلاحه الكيميائي تحت تصرف المجموعات الإسلامية المتطرفة أو حزب الله، إضافة إلى التصريحات التركية التي توحي بأن تركيا قد تتدخل في شمال البلاد، وهو تدخل لن يغير من المعادلة السورية وإنما لمنع الكورد من تحقيق أي مكاسب قومية لهم. وكل هذه التصريحات الساخنة هدفها الضغط على نظام الأسد سياسياً، ولكنها قد تتحول في المستقبل إلى فعل عسكريتقوم به دول إقليمية أو الولايات المتحدة بذاتها، رغم خطورة الاحتمالات التي ستنجم عن هكذا فعل، وفي مقدمتها تحويل سوريا إلى مدخل للحرب الإقليمية الواسعة

إن الظروف المحيطة بسوريا والتطور الحاصل في المسار السياسي وعلى ساحات القتال، حيث عدم وجود توازن عسكري بين قوى المعارضة والقوات النظامية، مقابل عزلة شبه تامة للنظام، إضافة إلى تأثرالأمن في كل من إسرائيل ولبنان سلبياً بما يجري في سوريا، والمشكلة الإنسانية الكبيرة نتيجة نزوح الملايين من السورية، كل هذه المسائل تؤدي الى اضطرار الدول الغربية إلى إيجاد مخرجٍ من هذه الأزمة المستعصية التي أصبحت مشكلة دولية خطيرة، وهذا يعني الاقدام على مرحلة الحسم السريععسكرياً، أو تناسي الموضوع كلياً وبالتالي تحويل سوريا إلى صوماليا في إحدى أهم مناطق العالم بالنسبة لهذه الدول المعنية. ولذا يمكن القول بأن سوريا في انتظار يوم الحسم

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s