الدين والثورة (III)

جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

   29   أيار‏، 2012

. الدين وثورة الشعوب الايرانية

بنى رجال الدين الشيعة عبر التاريخ الإسلامي كليروساً خاصاً بمذهبهم الديني، اختلف عن الطرق الصوفية السنية في أنه متماسك بسبب تحصيل أموال التابعين أخماساً وأعشاراً، وأعرق تسلسلاً زمنياً، منذ ظهور اغتيال الإمام حسين (رض) وأشد مركزية في القيادة التي تسنمها الأئمة “المعصومون!”عن الخطأ، والذين جاؤوا لإكمال الرسالة التي “لم يكملها النبي محمد (ص)!” حسب زعم الخمينيين، في حين أن القرأن الكريم يعلن بوضوح أنه أكمل الرسالة وأدى الأمانة وهو في نظر المسلمين أخر نبي من أنبياء الله وخاتم الرسل. بل إن هذا الكليروس الديني يضع أئمة الشيعة (دون علماء السنة) في مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء والرسل.  

لعب رجال الدين الشيعة دوراً هاماً للغاية قبل اندلاع ثورة الشعوب الايرانية ضد الشاه محمد رضا القاجاري في عام 1980 بزمنٍ طويل، وكانوا يتعرضون للاعتقالات والتعذيب والاغتيالات مثل اليساريين والقوميين الكورد وألاذريين والبلوجيين والعرب المطالبين بحقوقهم القومية، لأنهم كانوا يشكلون في نظر الشاه وأعوانه كتلة متماسكة لاتأخذ أوامرها إلا من أئمتها وليس من النظام الذي كان الكليروس الشيعي يعتبره مخالفاً لعقيدتهم وخارجاً عن الدين لرفضه مبدأ “ولاية الفقيه” ولسعيه تنظيم المجتمع الايراني حسب قناعته بأن الشاه (الملك) ممثل الله على الأرض يورث الملك لأبنائه من بعده، ويرى مثلما كان آبى بارويل يقول في عهد الثورة الفرنسية بأن الله الذي منح السيطرة على المجتمع لمن هو قائم على تطبيق قوانينه، جعل مواطن الدولة في ذلك الوضع الخاضع للأشراف والقواد، وأوجد طبقية المجتمع المحافظ من خلال ترابط الرغبات المختلفة، هو نفسه الذي لم يعطِ الراعي أو الحرفي حق الأمير الذي يتولى أمر المجتمع.  والفارقبين حكم الشاه الايراني وما كان يقوله آبى بارويل هو أن الشاه لم يكن يطبق قوانين الله، التي اعتبر رجال الدين الشيعة أنفسهم مسؤولون عن تطبيقها، ليس على المجتمع فحسب وإنما على الشاه أيضاً.

وعوضاً عن شرعنة السلطة القائمة آنذاك من قبل الكليروس الشيعي، على غرار ما كانت تقوم به الكنيسة في اوروبا بصدد الملوك وتيجانهم، فإنه وقف مع الثورة، ففي حين أوجدت “شرعنة السلطة القائمة” مادةً خصبة للهجوم الحاد على سائر التنويريين، المطالبين بؤاد تلك السلطة وبناء المجتمع القائم على أسس الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، فإن رجال الحوزات العلمية الشيعية ساروا مع العلمانيين وطلاب الحريات في ايران، يداً بيد، لاسقاط حكم الشاه الذي اعتبروه مجرد عميل قوي بالسلاح والرجال والمال ولكنه ضعيف في قلوب الشعوب الايرانية.

كتب موريس ترنيك فون توندر، المدافع عن الحكم الملكي في 17/8/1790م بأنه إذا أحجمت الشعوب عن التعبير عن آرائها وفق القوانين، فلا يبقى ثمة مجال سوى للأسلوب المحزن، ألا وهو تحقيق الاستقرار عن طريق استخدام الحراب. ويبدو أن الشاه الايراني ومن بعده كثيرون من عشاق السلطة في العالم آمنوا بهذه الفكرة وطبقوها أيضاً، حيث مارسوا العنف الوحشي ضد الشعبن ولكن الشاه اصطدم بمقاومة عنيفة، ليس من قبل الديموقراطيين واليساريين فحسب، وإنما من قبل رجال الدين أيضاً، بينما وقف رجال الدين المسيحيون أثناء الثورتين الفرنسية والشيوعية مع الملوك والقياصرة ضد الشعب الثائر وضد التنويريين. وهنا يجدر ذكر دور آية الله الخميني (روح الله الموسوي!)، والعديد من علماء الشيعة، ومنهم مدافعون بشدة مثل الخميني نفسه عن فكرة “ولاية الفقيه” في توحيد صفوف المعارضة المدنية وتقويتها ضد الشاه وأعوانه.

المشكلة التي ظهرت مع نجاح ثورة الشعوب الايرانية، هي أن علماء الشيعة كانوا مؤمنين قبل ذلك النجاح الباهر بأن “الثورة الظافرة” التي ستؤدي إلى خلاص البشرية النهائي من الجور والعبودية ستكون على أيدي “الإمام المهدي” المنتظر، والذي لابد من انتظار عودته وخروجه من “السرداب المقدس!”، وآية الله خميني المنتصر على الشاه ليس ذلك الإمام، فاضطروا إلى ايجاد مخرج فقهي لايكذب دعواهم السابقة تلك، فقالوا بأن الخميني هو المقدمة وهو الوكيل لقائد الثورة، والثورة عالمية ذروتها في ايران، وما على رجال الدين الشيعي إلا توسيع دائرتها لتشمل العالم الإسلامي كله، ومن ثم بقية أنحاء العالم برمته. وبدؤوا بالعمل لتحقيق فكرتهم في تركيا السنية – العلوية وفي العراق الشيعي – السني، وفي لبنان المسيحي – الاسلامي – الدرزي، عن طريق دعم ما يسمى ب”حزب الله” في لبنان وتركيا و”حركة أمل” اللبنانية ومختلف الأحزاب الدينية الشيعية في جنوب العراق، مستفيدين من تواجد مركزين اساسيين للشيعة في العراق (النجف وكربلاء) ومن الزعم بأنهم داعمون لثورة الشعب الفلسطيني ضد اسرائيل و”الشيطان الأكبر وعملائه في المنطقة!”، وحققوا نجاحات في التشيع في سوريا المحكومة من قبل بعث عربي علماني.  

نجحت الثورة التي كان وقودها الشباب من مختلف القوميات والمكونات الدينية بعد تقديم تضحيات عظيمة وبسبب تخلي الولايات المتحدة عن عميلها المطيع، فتم خلع الشاه وخروجه من البلاد، دون أن تحصل إنشقاقات عسكرية أو أن يمارس الايرانيون “مقاومة مسلحة” إلا في حدود ضيقة. وإذا برجال الدين قد تسللوا إلى مختلف قيادات الثورة، وشرعوا في فرض املاءاتهم على الديموقراطيين واليساريين وأبناء القوميات المنتفضة. ولاينكر أن بعض شيوخ السنة من الكورد والبلوج والعرب والآذريين قد ساهموا في الثورة بأقلامهم وخطبهم، ومنهم الأستاذ أحمد مفتي زاده والشيخ عزالدين الحسيني في كوردستان، ثم وجدوا أنفسهم مخدوعين من قبل آية الله الخميني، الذي كان قد وعد بمنح الشعب الكوردي حق تقرير المصير (خود موختاري) مثلما وجد الديموقراطيون واليساريون الايرانيون أنفسهم مضطرين لإفساح المجال لتولي رجال الدين أمور قيادة ايران فيما بعد نجاح الثورة، وليس أدل على ذلك من أن مركز آية الله الخميني في التراتب السلطوي الجديد بعد الثورة كان أهم بكثير من مركز رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر، وها هو يئن حتى الآن في مقابلاته الباريسية بسبب انخداعه بوعود رجال الدين الذين استخدموه لتعزيز مكانتهم في صدارة العهد الجديد، وحولوا إيران مع الأيام إلى معتقل ديني كبير، بسبب ضيق رؤاهم المذهبية وتفسيراتهم العجيبة للنصوص القرآنية والأحاديت بأشكال لايقبلها عقل أو دين، واستغلالهم الارتباط الشعوري للمواطنين المؤمنين بأئمتهم التاريخيين لفرض دكتاتورية قمعية لاتتوانى عن التقتيل والتعذيب والتدمير، وبخاصة ضد الشعوب المطالبة بحقوقها في كوردستان وعربستان وبلوجستان وأذربايجان… لقد سجلت منظمات حقوق الإنسان أرقاماً قياسية لنظام الملالي الايرانيين في مجال الاعدامات لأسباب سياسية، منذ الثورة وحتى الآن. والمشكلة الكبرى تكمن في أن “تصدير الثورة” قد أخذ بألباب أتباع الخميني، ليس في ايران وحدها وانما في العراق ولبنان والبحرين وسوريا ومناطق أخرى في العالم الإسلامي، حيث يتواجد تأثير للحوزات العلمية الشيعية الممولة من قبل المركز الايراني، وبخاصة من مدينة قم التي تعتبر في نظر رجال الدين الشيعي أهم من العاصمة طهران بكثير.

لابد من الذكر هنا أن أبناء وبنات الشعبين العربي والكوردي، في العراق، وضمنهما أبناء القوميات الأخرى، قد سجلوا صفحات رائعة في الكفاح ضد نظام البعث الدموي الذي تولى قيادته المجرم الكبير صدام حسين، وجعل من فترة حكمه عهداً دموياً يقارنه البعض بحكم فراعنة مصر وجنكيزخان وبول بوت وبينوشيت وجنرالات أفريقيا الدمويين، وبخاصة أثناء انتفاضة 1991، وتلتمع أسماء رجال دين كبار في تلك الملحمة العظيمة مثل الإمام الصدر والامام الحكيم. ويبدو أن رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، تأثروا بالجارة ايران وثورتها تأثيراً عميقاً، وسعوا للثورة ضد صدام حسين الذي كانوا متفقين تماماً على أن حكمه خارج عن الإسلام ويجب محاربته بحزم. وحقيقة فإنني لاحظت على الشيخ عثمان عبد العزيز لدى إجرائي مقابلة معه في جنوب كوردستان بعد انتفاضة عام 1991م بأنه يشعر بمرارة وحزن لما آل إليه وضع العراق وكوردستان في ظل نظام البعث، وأنه رغم تقدمه في السن كان مستعداً لأن يجاهد على خط النار في مواجهة جيش صدام حسين، كأي بيشمركه كوردي (مقاتل يواجه الموت).

لاينكر تأثير الثورة الايرانية المباشر في جنوب كوردستان التي غالبية شعبها على مذهب السنة، ولو بدرجة أقل مما كان عليه الوضع في جنوب العراق، حيث الشيعة هي المذهب السائد هناك، وتأسست تنظيمات إسلامية مسلحة في كوردستان، ذات علاقات عميقة مع ملالي ايران، وشرعت في محاكاة “حزب الله” و”الصدريين” وسواهم، وتشربت أفكارهم إلى حدٍ ما، على الرغم من أن زعماءها كانوا من السنة وليس من الشيعة، وإن عدداً لايستهان به من أهل السنة في شمال كوردستان، كانوا قد بايعوا آية الله خميني الشيعي في فترة ما بعد الثورة الايرانية،على الرغم من عدم وفائه بوعده للشعب الكوردي بصدد ال(خود موختاري)، وإعلانه لجنوده وللباسداران (أشبه بالشبيحة السورية في نظام الأسد السوري) بأن مفتاح الجنة في كوردستان، بمعنى أن الذي يقتل على أيدي المقاتلين الكورد، في حرب نظام الملالي على شعبٍ يريد حريته، يدخل الجنة شهيداً.

 . الدين وثورات الربيع العربي

شارك في هذه الثورات العرب والأمازيغ والكورد وسواهم، لذا يكون أقرب إلى الصواب إن أطلقنا عليها اسم “ربيع الشعوب”، عوضاً عن “الربيع العربي”، ولكن التعريب سائد في مختلف المجالات لسوء حظنا، فالحضارة الإسلامية صارت كلها”حضارة عربية” وكل علماء المسلمين، حتى في ايران وأفغانستان، يعتبرون عرباً، في حين أن العنصريين الترك يعتبرون كل من دخلوا تحت عباءة الدولة العثمانية أتراكاً… وهكذا فالكورد والامازيغ ليس لهم شيء كما يبدو في التاريخ الإسلامي.

انطلقت ثورة ربيع الشعوب نتيجة احتقان سياسي طويل الأمد، بشرارة النار التي أحرق بها الشاب التونسي (البوعزيزي) نفسه، حيث لايقل انتحاره أهمية تاريخية للعالم العربي عن هجوم الشعب الفرنسي على سجن الباستيل في مطلع الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. وتونس دولة عربية سنية على العموم، كانت فيها معارضة ديموقراطية ويسارية مشتتة، ضد نظام زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس حكماً أمنياً صارماً لمدة 23 عاماً، وبجانب المعارضة الديموقراطية واليسارية كان ثمة معارضة أخرى، إسلامية، قوية وأشد تماسكاً من الأولى، تتمثل في حزب النهضة الذي يقوده منذ عام 1981م الشيخ راشد الغنوشي (71عاماً)، هذا الحزب الذي يمكن تصنيفه كفصيل من حركة “الإخوان المسلمين” الشهيرة، التي تحمل في كل بلد اسماً مختلفاً، إلا أن نهجها واحد، ورسالتها معروفة رغم اختلاف سياساتها، حسب الظروف الذاتية والموضوعية.  

إن الموقع الجيوبولتيكي لتونس في شمال افريقيا جعل هذا البلد متأثراً لدرجة كبيرة بمبادىء الثورة الفرنسية، وبالحياة المدنية الأوروبية، رغم عراقة الإسلام فيه، وذلك لمعرفة أهلها اللغة الفرنسية بشكل عام، ولوجود نسبة كبيرة من العمال التوانسة في دول غرب أوروبا، وبخاصة في فرنسا وألمانيا. ومن ناحية أخرى، فإن هذا البلد جزء من العالم العربي – الاسلامي منذ قرون طويلة وتأثير الدين الاسلامي في شعبه كبير، كما أن التيار الإسلامي السني قد تأثر إلى حدٍ ما بثورة الشعوب الايرانية، وحاول التوفيق باستمرار بين الأفكار الديموقراطية الغربية ومبادىء الإسلام، إلا أن الثورة على نظام زين العابدين، الذي لم يكن كالشاه الايراني، اختلفت عن الثورة الايرانية، فالشاه كان سارقاً كبيراً مع ولده للثروات الوطنية مثل زين العابدين وزوجته، إلا أنه كان يتصرف كملك يريد لأمته مكاناً تحت الشمس ولأن تصبح ايران في ظل عرشه دولة اقليمية عظمى، ولاأدل على ذلك من اقامته احتفالات بيرسيبوليس الشهيرة التي كلفت أموالاً طائلة، أراد الشاه بها الإشارة إلى تاريخ عظيم للشاهنشاهية الفارسية العريقة، وإلى دوره المهم في المنطقة. وعندما أضطر الشاه لترك العرش والخروج من البلاد قبل أحد جنرالاته حذاءه، أما زين العابدين فقد تخلى جيشه عنه بسرعة لأنه كان مجرد لص تسلل إلى قيادة البلاد، ولذلك كان هروبه سريعاً، دون حاجة لقصف قصوره من قبل قوات تونسية أو دولية، ودون أن تتحول الثورة التونسية الشعبية إلى ميدان لظهور تيارات متطرفة فيها، أو تتحرك البلاد صوب الفتن، وظلت الثورة سلمية رغم استخدام الأجهزة القمعية كل امكاناتها ضد الشباب الثائر وسفكها الدماء أيضاً.

إن انضمام الإسلاميين الذين كانوا مقموعين بشدة قبل الثورة، وبخاصة من حزب النهضة، كان طبيعياً ومنذ البداية وبقوة. وسعى بعضهم إيجاد مخرج “شرعي” لفعلة “الانتحار” التي ارتكبها الشاب البوعزيزي وفتح بها باب الانطلاق للثورة، على الرغم من أن الانتحار هو قتل نفس بريئة، وقتل النفس بدون نفس أو فسادٍ في الأرض كقتل الناس جميعاً في نظر الدين.

إن ثورة تونس تعتبر أنموذجاً واضحاً لثورة سلمية قام بها شعب عانى من القمع وارهاب السلطة لأكثر من عقدين من الزمن، وأثرث مباشرة في الثورات العربية التي تلتها، في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وشجعت الشباب من مختلف التيارات السياسية على الانتظام والتلاقي والتظاهر والتجمع، دون خوف من إرهاب الأنظمة، كما أنها دفعت التنظيمات الإسلامية إلى التفكير فيما يجب أن تقوم به، وهي منهكة وغير ذات تجارب في قيادة الشعوب، ومتهمة بالسعي للسيطرة على الحكم على غرار ملالي ايران الذين استغلوا نهوض الشعوب الايرانية لتسلق السلطة على أكتافها، وهي قوى”غير ديموقراطية” تحاول فرض “الشرع” بالقوة على جميع المكونات الوطنية السياسية والفكرية والدينية.   

كان يمكن للسوريين أن يسبقوا التوانسة في تفجير ثورتهم بزمنٍ طويل، ففي آذار عام 2004، أدى نزاع في ملعب رياضي بمدينة القامشلي في الجزيرة إلى انفجار ثوري عنيف للشعب الكوردي ضد نظام بشار الأسد، فامتدت ألسنة الانتفاضة إلى التي راح ضحيتها عدد كبير من شباب الكورد جميع المناطق الأساسية التي يعيش فيها الكورد، وهي الجزيرة وكوباني وجبل الأكراد، حتى مدينتي حلب وحي زورافا في أنحاء دمشق، وذلك نتيجة احتقان سياسي طويل الأمد وممارسات سياسية عنصرية وتمييز قومي، إضافة إلى القمع الشديد والاجراءات اللاإنسانية التي قام بها وشجعها محافظ الحسكة سليم كبول بنفسه، ومنها إطلاقه النار شخصياً على الشباب الكوردي، ولكن عدم دعم المعارضة الوطنية السورية لتلك الانتفاضة، واعتبارها شغباً كوردياً بدعم  “أمريكي – اسرائيلي” لتقسيم سوريا، لم يوقف الانتفاضة الشعبية فحسب، وإنما دق اسفيناً بين المكونات السياسية السورية، ودفع بالكورد إلى التفكير ملياً قبل الاقدام على أي مغامرة مشتركة مع المعارضة السورية فيما بعد، ومنها فصائل وشخصيات لاتقل عنصرية عن البعثيين تجاه الشعب الكوردي. وهنا يجدر بالذكر أيضاً أن الحركة السياسية الكوردية لم تفهم “لغة الشباب”، ولم تكن جاهزة لقيادة شعبها وانتزاع إيجابيات الانتفاضة، بل تعاونت في معظمها مع النظام – مع الأسف- ل”ترتيب الأمور” من جديد في المناطق الثائرة. ولكن الشخصية الإسلامية المستقلة، من خارج الاحزاب والتنظيمات السياسية، هي التي فهمت لغة الشباب ورأت في الانتفاضة شرارة أمل لكل المضطهدين، وهو”شيخ الشهداء” الدكتور محمد معشوق الخزنوي، الذي خطب خطاباً ثورياً على قبر شهيدٍ شاب يدعى “فرهاد” فألهب حماس الشباب وحرك أدمغة الساسة الكورد، وأثار أسئلة عديدة حول الدين وموقفه من الثورة، وأظهر للسوريين بأن مكان علماء ورجال الدين في خندق الثورة وليس في صف الجور والطغيان، وأن الحقوق تؤخذ بالقوة وليس بالتوسل، فإذا بالشباب الكوردي يرفع بالشيخ الشهيد إلى ذروة تراتبه الوطني السياسي، وتجعله رمزاً للمقاومة، كما أظهر استشهاد الشيخ على أيدي جلاوذة النظام أن الفجوة بين الشارع الكوردي الرافض للأوضاع القائمة وبين الدين ليست كبيرة بالشكل الذي يظنه العلمانيون، حتى أن الكثيرين منهم راحوا يعتبرون الشيخ قائداً للثورة، بل للحراك الوطني الكوردي في غرب كوردستان.

معلوم تماماً أن أنظمة حسني مبارك في مصر، والقذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، وبشار الأسد في سوريا، أنظمة معادية للإسلاميين بامتياز، وأنها مارست بحقهم مختلف أشكال القمع الوحشي والاضطهاد السياسي، وأن مجمل التربية في المدرسة وفي الإعلام كان منصباً على تبرير تصفية الإسلاميين جميعاً، ولكن الثورات التي تفجرت وتوالت وانتصرت على الأنظمة التي تهاوت كما تتهاوى أحجار الدومينو، لم تساهم في اعادة خلط الأوراق على الساحة السياسية لهذه البلدان فحسب، بل أفسحت المجال أمام الإسلاميين أن يتحركوا مثل غيرهم للقيام بما يرونه ضرورياً لبقائهم في الساحة، فشارك الإخوان المسلمون بقوة في الثورة المصرية، وجنوا من ذلك فوائد عظيمة، منها أنهم قد يحصلون بعد أيام قلائل على أعلى مناصب الدولة في “الجمهورية الثانية” لبلادهم، بعد أن حصدوا الكثير من مقاعد البرلمان المنتخب، وساهم أحد الشيوخ الكبار (مصطفى عبد الجليل) في الطلب الشعبي الليبي لاستحضار قوات الناتو لقصف مقرات القذافي وهدم قصوره على رأسه، وهاهو اليوم في أعلى مكانة سياسية في ليبيا، في حين أن الاستعانة بغير المسلمين كان موضع جدالٍ تاريخي كبير بين الإسلاميين. وفي كل من اليمن وسوريا يشكل الإسلاميون، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون بتسمياتهم الحزبية المختلفة من أهم الفصائل السياسية ضمن الثورة ضد السلطة، والذين وقفوا ضدها قلة منحرفة من العلماء والصوفيين، من أمثال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، لايؤثرون على مسار الثورة.

في مؤتمر صحافي لمرشح الإخوان المسلمين في مصر (محمد مرسي) الذي يتوقع المراقبون فوزه على منافسه (أحمد شفيق) للحصول على منصب الرئاسة، عرض نقاطٍ بارزة لبرنامجه السياسي، منها أنه سيضمن الحرية والمساهمة السياسية العادلة للجميع في النظام المصري الجديد، ولايرى حرجاً في أن يكون نائبه أو مستشاروه من غير الإخوان المسلمين، بل من الأقباط المسيحيين أيضاً، وقدم استقالته من حزب الحرية والعدالة ومن الإخوات المسلمين على حدٍ سواء…

وفي هذه الأثناء نسمع ونقرأ لزعماء الإخوان المسلمين السوريين ومفكريهم الكبار، الذين عاشوا أعواماً عديدة في دول عريقة في الديموقراطية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا، منهم علي البيانوني وزهير سالم وعصام العطار والشقفة وسواهم، تأكيدات متتالية على عهدهم للشعب السوري باحترام الأصول الديموقراطية والتعددية والاختلاف السياسي والتنوع الثقافي والقومي والديني في سوريا ما بعد الثورة، وقد حاولوا أن يجعلوا من المجلس الوطني السوري إطاراً مطابقاً لتصوراتهم السياسية، فنصبوا علمانياً (الدكتور برهان غليون) رئيساً له، ولكن هذا الرئيس بالذات قد ذكر يوم إعلانه استقالته بأن هناك فجوة بين العلمانيين والإسلاميين ضمن المجلس المفترض فيه أن يجمع كلمة السوريين، وهو ذاته الذي رفض منح الشعب الكوردي أي حق في حكم نفسه بنفسه (وهي من أسس الديموقراطية)، مما دفع بممثلي الكورد للإنسحاب من المجلس.    

لعب حزب الله اللبناني متمثلاً برئيسه حسن نصر الدين دوراً مزدوجاً ومشبوهاً في المشهد الثوري العربي، فقد كان يعتبر الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن في طلعاته الاعلامية البهية انعكاسات لأفكار الثورة الإسلامية الايرانية، وتحركاً للشعوب صوب الحرية وانقاذ نفسها من طغيان الأنظمة “العميلة للشيطان الأكبر!”، إلا أنه لايزال مع نظام الأسد ضد ثورة الشعب السوري التي لاتختلف في جوهرها وأساليبها وحركتها الشبابية السلميو والمتطلعلة إلى الحرية عن الثورات التي سبقتها. هذا النفاق يحدث –مع الأسف- باسم الدين الحنيف، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار كما نقرأ في النصوص المثبتة  من الدين.

أمام هذه المساهمة الواسعة لرجال الدين والمؤمنين بالأديان، من مسلمين ومسيحيين وسواهم، يقف العالم الغربي محتاراً، لايدري تماماً كيف عليه التصرف حيال نتائج هذه الثورات التي غيرت وجه الشرق الاوسط، وأضطر علماء وخبراء الاستراتيجية والسياسة الدولية والاجتماع والدين إلى احداث تغييرات كبيرة في برامجهم ودراساتهم التي يقدمونها لقيادات بلدانهم، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتكون فيها رأي واضح، ألا وهو التعامل مع المستجدات بواقعية سياسية، والتعاون مع هذه الأنظمة التي يلعب فيها الإسلاميون أدوراً بارزة، طالما أنهم لايدعمون الاتجاه العدائي الشديد ضد العالم الغربي ولايساندون إرهاب القاعدة وسواها في العالم.

وختاماً، أرى بأن الاختلاف بين موقف الكنيسة من الثورة الفرنسية وموقف رجال الدين المسلمين من الثورات التي حدثت ولاتزال تحدث في سوريا، اختلاف عظيم، لايمكن فهمه بسهولة دون تعمق في جوهر الدين وطبيعته، وفي التغيرات التاريخية الكبيرة للبشرية التي اكتسبت عبر العصور خبرات هائلة في مجال الوعي السياسي – الثقافي – الديني.

Advertisements

الدين والثورة (III)

جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

   29   أيار‏، 2012

. الدين وثورة الشعوب الايرانية

بنى رجال الدين الشيعة عبر التاريخ الإسلامي كليروساً خاصاً بمذهبهم الديني، اختلف عن الطرق الصوفية السنية في أنه متماسك بسبب تحصيل أموال التابعين أخماساً وأعشاراً، وأعرق تسلسلاً زمنياً، منذ ظهور اغتيال الإمام حسين (رض) وأشد مركزية في القيادة التي تسنمها الأئمة “المعصومون!”عن الخطأ، والذين جاؤوا لإكمال الرسالة التي “لم يكملها النبي محمد (ص)!” حسب زعم الخمينيين، في حين أن القرأن الكريم يعلن بوضوح أنه أكمل الرسالة وأدى الأمانة وهو في نظر المسلمين أخر نبي من أنبياء الله وخاتم الرسل. بل إن هذا الكليروس الديني يضع أئمة الشيعة (دون علماء السنة) في مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء والرسل.  

لعب رجال الدين الشيعة دوراً هاماً للغاية قبل اندلاع ثورة الشعوب الايرانية ضد الشاه محمد رضا القاجاري في عام 1980 بزمنٍ طويل، وكانوا يتعرضون للاعتقالات والتعذيب والاغتيالات مثل اليساريين والقوميين الكورد وألاذريين والبلوجيين والعرب المطالبين بحقوقهم القومية، لأنهم كانوا يشكلون في نظر الشاه وأعوانه كتلة متماسكة لاتأخذ أوامرها إلا من أئمتها وليس من النظام الذي كان الكليروس الشيعي يعتبره مخالفاً لعقيدتهم وخارجاً عن الدين لرفضه مبدأ “ولاية الفقيه” ولسعيه تنظيم المجتمع الايراني حسب قناعته بأن الشاه (الملك) ممثل الله على الأرض يورث الملك لأبنائه من بعده، ويرى مثلما كان آبى بارويل يقول في عهد الثورة الفرنسية بأن الله الذي منح السيطرة على المجتمع لمن هو قائم على تطبيق قوانينه، جعل مواطن الدولة في ذلك الوضع الخاضع للأشراف والقواد، وأوجد طبقية المجتمع المحافظ من خلال ترابط الرغبات المختلفة، هو نفسه الذي لم يعطِ الراعي أو الحرفي حق الأمير الذي يتولى أمر المجتمع.  والفارقبين حكم الشاه الايراني وما كان يقوله آبى بارويل هو أن الشاه لم يكن يطبق قوانين الله، التي اعتبر رجال الدين الشيعة أنفسهم مسؤولون عن تطبيقها، ليس على المجتمع فحسب وإنما على الشاه أيضاً.

وعوضاً عن شرعنة السلطة القائمة آنذاك من قبل الكليروس الشيعي، على غرار ما كانت تقوم به الكنيسة في اوروبا بصدد الملوك وتيجانهم، فإنه وقف مع الثورة، ففي حين أوجدت “شرعنة السلطة القائمة” مادةً خصبة للهجوم الحاد على سائر التنويريين، المطالبين بؤاد تلك السلطة وبناء المجتمع القائم على أسس الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، فإن رجال الحوزات العلمية الشيعية ساروا مع العلمانيين وطلاب الحريات في ايران، يداً بيد، لاسقاط حكم الشاه الذي اعتبروه مجرد عميل قوي بالسلاح والرجال والمال ولكنه ضعيف في قلوب الشعوب الايرانية.

كتب موريس ترنيك فون توندر، المدافع عن الحكم الملكي في 17/8/1790م بأنه إذا أحجمت الشعوب عن التعبير عن آرائها وفق القوانين، فلا يبقى ثمة مجال سوى للأسلوب المحزن، ألا وهو تحقيق الاستقرار عن طريق استخدام الحراب. ويبدو أن الشاه الايراني ومن بعده كثيرون من عشاق السلطة في العالم آمنوا بهذه الفكرة وطبقوها أيضاً، حيث مارسوا العنف الوحشي ضد الشعبن ولكن الشاه اصطدم بمقاومة عنيفة، ليس من قبل الديموقراطيين واليساريين فحسب، وإنما من قبل رجال الدين أيضاً، بينما وقف رجال الدين المسيحيون أثناء الثورتين الفرنسية والشيوعية مع الملوك والقياصرة ضد الشعب الثائر وضد التنويريين. وهنا يجدر ذكر دور آية الله الخميني (روح الله الموسوي!)، والعديد من علماء الشيعة، ومنهم مدافعون بشدة مثل الخميني نفسه عن فكرة “ولاية الفقيه” في توحيد صفوف المعارضة المدنية وتقويتها ضد الشاه وأعوانه.

المشكلة التي ظهرت مع نجاح ثورة الشعوب الايرانية، هي أن علماء الشيعة كانوا مؤمنين قبل ذلك النجاح الباهر بأن “الثورة الظافرة” التي ستؤدي إلى خلاص البشرية النهائي من الجور والعبودية ستكون على أيدي “الإمام المهدي” المنتظر، والذي لابد من انتظار عودته وخروجه من “السرداب المقدس!”، وآية الله خميني المنتصر على الشاه ليس ذلك الإمام، فاضطروا إلى ايجاد مخرج فقهي لايكذب دعواهم السابقة تلك، فقالوا بأن الخميني هو المقدمة وهو الوكيل لقائد الثورة، والثورة عالمية ذروتها في ايران، وما على رجال الدين الشيعي إلا توسيع دائرتها لتشمل العالم الإسلامي كله، ومن ثم بقية أنحاء العالم برمته. وبدؤوا بالعمل لتحقيق فكرتهم في تركيا السنية – العلوية وفي العراق الشيعي – السني، وفي لبنان المسيحي – الاسلامي – الدرزي، عن طريق دعم ما يسمى ب”حزب الله” في لبنان وتركيا و”حركة أمل” اللبنانية ومختلف الأحزاب الدينية الشيعية في جنوب العراق، مستفيدين من تواجد مركزين اساسيين للشيعة في العراق (النجف وكربلاء) ومن الزعم بأنهم داعمون لثورة الشعب الفلسطيني ضد اسرائيل و”الشيطان الأكبر وعملائه في المنطقة!”، وحققوا نجاحات في التشيع في سوريا المحكومة من قبل بعث عربي علماني.  

نجحت الثورة التي كان وقودها الشباب من مختلف القوميات والمكونات الدينية بعد تقديم تضحيات عظيمة وبسبب تخلي الولايات المتحدة عن عميلها المطيع، فتم خلع الشاه وخروجه من البلاد، دون أن تحصل إنشقاقات عسكرية أو أن يمارس الايرانيون “مقاومة مسلحة” إلا في حدود ضيقة. وإذا برجال الدين قد تسللوا إلى مختلف قيادات الثورة، وشرعوا في فرض املاءاتهم على الديموقراطيين واليساريين وأبناء القوميات المنتفضة. ولاينكر أن بعض شيوخ السنة من الكورد والبلوج والعرب والآذريين قد ساهموا في الثورة بأقلامهم وخطبهم، ومنهم الأستاذ أحمد مفتي زاده والشيخ عزالدين الحسيني في كوردستان، ثم وجدوا أنفسهم مخدوعين من قبل آية الله الخميني، الذي كان قد وعد بمنح الشعب الكوردي حق تقرير المصير (خود موختاري) مثلما وجد الديموقراطيون واليساريون الايرانيون أنفسهم مضطرين لإفساح المجال لتولي رجال الدين أمور قيادة ايران فيما بعد نجاح الثورة، وليس أدل على ذلك من أن مركز آية الله الخميني في التراتب السلطوي الجديد بعد الثورة كان أهم بكثير من مركز رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر، وها هو يئن حتى الآن في مقابلاته الباريسية بسبب انخداعه بوعود رجال الدين الذين استخدموه لتعزيز مكانتهم في صدارة العهد الجديد، وحولوا إيران مع الأيام إلى معتقل ديني كبير، بسبب ضيق رؤاهم المذهبية وتفسيراتهم العجيبة للنصوص القرآنية والأحاديت بأشكال لايقبلها عقل أو دين، واستغلالهم الارتباط الشعوري للمواطنين المؤمنين بأئمتهم التاريخيين لفرض دكتاتورية قمعية لاتتوانى عن التقتيل والتعذيب والتدمير، وبخاصة ضد الشعوب المطالبة بحقوقها في كوردستان وعربستان وبلوجستان وأذربايجان… لقد سجلت منظمات حقوق الإنسان أرقاماً قياسية لنظام الملالي الايرانيين في مجال الاعدامات لأسباب سياسية، منذ الثورة وحتى الآن. والمشكلة الكبرى تكمن في أن “تصدير الثورة” قد أخذ بألباب أتباع الخميني، ليس في ايران وحدها وانما في العراق ولبنان والبحرين وسوريا ومناطق أخرى في العالم الإسلامي، حيث يتواجد تأثير للحوزات العلمية الشيعية الممولة من قبل المركز الايراني، وبخاصة من مدينة قم التي تعتبر في نظر رجال الدين الشيعي أهم من العاصمة طهران بكثير.

لابد من الذكر هنا أن أبناء وبنات الشعبين العربي والكوردي، في العراق، وضمنهما أبناء القوميات الأخرى، قد سجلوا صفحات رائعة في الكفاح ضد نظام البعث الدموي الذي تولى قيادته المجرم الكبير صدام حسين، وجعل من فترة حكمه عهداً دموياً يقارنه البعض بحكم فراعنة مصر وجنكيزخان وبول بوت وبينوشيت وجنرالات أفريقيا الدمويين، وبخاصة أثناء انتفاضة 1991، وتلتمع أسماء رجال دين كبار في تلك الملحمة العظيمة مثل الإمام الصدر والامام الحكيم. ويبدو أن رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، تأثروا بالجارة ايران وثورتها تأثيراً عميقاً، وسعوا للثورة ضد صدام حسين الذي كانوا متفقين تماماً على أن حكمه خارج عن الإسلام ويجب محاربته بحزم. وحقيقة فإنني لاحظت على الشيخ عثمان عبد العزيز لدى إجرائي مقابلة معه في جنوب كوردستان بعد انتفاضة عام 1991م بأنه يشعر بمرارة وحزن لما آل إليه وضع العراق وكوردستان في ظل نظام البعث، وأنه رغم تقدمه في السن كان مستعداً لأن يجاهد على خط النار في مواجهة جيش صدام حسين، كأي بيشمركه كوردي (مقاتل يواجه الموت).

لاينكر تأثير الثورة الايرانية المباشر في جنوب كوردستان التي غالبية شعبها على مذهب السنة، ولو بدرجة أقل مما كان عليه الوضع في جنوب العراق، حيث الشيعة هي المذهب السائد هناك، وتأسست تنظيمات إسلامية مسلحة في كوردستان، ذات علاقات عميقة مع ملالي ايران، وشرعت في محاكاة “حزب الله” و”الصدريين” وسواهم، وتشربت أفكارهم إلى حدٍ ما، على الرغم من أن زعماءها كانوا من السنة وليس من الشيعة، وإن عدداً لايستهان به من أهل السنة في شمال كوردستان، كانوا قد بايعوا آية الله خميني الشيعي في فترة ما بعد الثورة الايرانية،على الرغم من عدم وفائه بوعده للشعب الكوردي بصدد ال(خود موختاري)، وإعلانه لجنوده وللباسداران (أشبه بالشبيحة السورية في نظام الأسد السوري) بأن مفتاح الجنة في كوردستان، بمعنى أن الذي يقتل على أيدي المقاتلين الكورد، في حرب نظام الملالي على شعبٍ يريد حريته، يدخل الجنة شهيداً.

 . الدين وثورات الربيع العربي

شارك في هذه الثورات العرب والأمازيغ والكورد وسواهم، لذا يكون أقرب إلى الصواب إن أطلقنا عليها اسم “ربيع الشعوب”، عوضاً عن “الربيع العربي”، ولكن التعريب سائد في مختلف المجالات لسوء حظنا، فالحضارة الإسلامية صارت كلها”حضارة عربية” وكل علماء المسلمين، حتى في ايران وأفغانستان، يعتبرون عرباً، في حين أن العنصريين الترك يعتبرون كل من دخلوا تحت عباءة الدولة العثمانية أتراكاً… وهكذا فالكورد والامازيغ ليس لهم شيء كما يبدو في التاريخ الإسلامي.

انطلقت ثورة ربيع الشعوب نتيجة احتقان سياسي طويل الأمد، بشرارة النار التي أحرق بها الشاب التونسي (البوعزيزي) نفسه، حيث لايقل انتحاره أهمية تاريخية للعالم العربي عن هجوم الشعب الفرنسي على سجن الباستيل في مطلع الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. وتونس دولة عربية سنية على العموم، كانت فيها معارضة ديموقراطية ويسارية مشتتة، ضد نظام زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس حكماً أمنياً صارماً لمدة 23 عاماً، وبجانب المعارضة الديموقراطية واليسارية كان ثمة معارضة أخرى، إسلامية، قوية وأشد تماسكاً من الأولى، تتمثل في حزب النهضة الذي يقوده منذ عام 1981م الشيخ راشد الغنوشي (71عاماً)، هذا الحزب الذي يمكن تصنيفه كفصيل من حركة “الإخوان المسلمين” الشهيرة، التي تحمل في كل بلد اسماً مختلفاً، إلا أن نهجها واحد، ورسالتها معروفة رغم اختلاف سياساتها، حسب الظروف الذاتية والموضوعية.  

إن الموقع الجيوبولتيكي لتونس في شمال افريقيا جعل هذا البلد متأثراً لدرجة كبيرة بمبادىء الثورة الفرنسية، وبالحياة المدنية الأوروبية، رغم عراقة الإسلام فيه، وذلك لمعرفة أهلها اللغة الفرنسية بشكل عام، ولوجود نسبة كبيرة من العمال التوانسة في دول غرب أوروبا، وبخاصة في فرنسا وألمانيا. ومن ناحية أخرى، فإن هذا البلد جزء من العالم العربي – الاسلامي منذ قرون طويلة وتأثير الدين الاسلامي في شعبه كبير، كما أن التيار الإسلامي السني قد تأثر إلى حدٍ ما بثورة الشعوب الايرانية، وحاول التوفيق باستمرار بين الأفكار الديموقراطية الغربية ومبادىء الإسلام، إلا أن الثورة على نظام زين العابدين، الذي لم يكن كالشاه الايراني، اختلفت عن الثورة الايرانية، فالشاه كان سارقاً كبيراً مع ولده للثروات الوطنية مثل زين العابدين وزوجته، إلا أنه كان يتصرف كملك يريد لأمته مكاناً تحت الشمس ولأن تصبح ايران في ظل عرشه دولة اقليمية عظمى، ولاأدل على ذلك من اقامته احتفالات بيرسيبوليس الشهيرة التي كلفت أموالاً طائلة، أراد الشاه بها الإشارة إلى تاريخ عظيم للشاهنشاهية الفارسية العريقة، وإلى دوره المهم في المنطقة. وعندما أضطر الشاه لترك العرش والخروج من البلاد قبل أحد جنرالاته حذاءه، أما زين العابدين فقد تخلى جيشه عنه بسرعة لأنه كان مجرد لص تسلل إلى قيادة البلاد، ولذلك كان هروبه سريعاً، دون حاجة لقصف قصوره من قبل قوات تونسية أو دولية، ودون أن تتحول الثورة التونسية الشعبية إلى ميدان لظهور تيارات متطرفة فيها، أو تتحرك البلاد صوب الفتن، وظلت الثورة سلمية رغم استخدام الأجهزة القمعية كل امكاناتها ضد الشباب الثائر وسفكها الدماء أيضاً.

إن انضمام الإسلاميين الذين كانوا مقموعين بشدة قبل الثورة، وبخاصة من حزب النهضة، كان طبيعياً ومنذ البداية وبقوة. وسعى بعضهم إيجاد مخرج “شرعي” لفعلة “الانتحار” التي ارتكبها الشاب البوعزيزي وفتح بها باب الانطلاق للثورة، على الرغم من أن الانتحار هو قتل نفس بريئة، وقتل النفس بدون نفس أو فسادٍ في الأرض كقتل الناس جميعاً في نظر الدين.

إن ثورة تونس تعتبر أنموذجاً واضحاً لثورة سلمية قام بها شعب عانى من القمع وارهاب السلطة لأكثر من عقدين من الزمن، وأثرث مباشرة في الثورات العربية التي تلتها، في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وشجعت الشباب من مختلف التيارات السياسية على الانتظام والتلاقي والتظاهر والتجمع، دون خوف من إرهاب الأنظمة، كما أنها دفعت التنظيمات الإسلامية إلى التفكير فيما يجب أن تقوم به، وهي منهكة وغير ذات تجارب في قيادة الشعوب، ومتهمة بالسعي للسيطرة على الحكم على غرار ملالي ايران الذين استغلوا نهوض الشعوب الايرانية لتسلق السلطة على أكتافها، وهي قوى”غير ديموقراطية” تحاول فرض “الشرع” بالقوة على جميع المكونات الوطنية السياسية والفكرية والدينية.   

كان يمكن للسوريين أن يسبقوا التوانسة في تفجير ثورتهم بزمنٍ طويل، ففي آذار عام 2004، أدى نزاع في ملعب رياضي بمدينة القامشلي في الجزيرة إلى انفجار ثوري عنيف للشعب الكوردي ضد نظام بشار الأسد، فامتدت ألسنة الانتفاضة إلى التي راح ضحيتها عدد كبير من شباب الكورد جميع المناطق الأساسية التي يعيش فيها الكورد، وهي الجزيرة وكوباني وجبل الأكراد، حتى مدينتي حلب وحي زورافا في أنحاء دمشق، وذلك نتيجة احتقان سياسي طويل الأمد وممارسات سياسية عنصرية وتمييز قومي، إضافة إلى القمع الشديد والاجراءات اللاإنسانية التي قام بها وشجعها محافظ الحسكة سليم كبول بنفسه، ومنها إطلاقه النار شخصياً على الشباب الكوردي، ولكن عدم دعم المعارضة الوطنية السورية لتلك الانتفاضة، واعتبارها شغباً كوردياً بدعم  “أمريكي – اسرائيلي” لتقسيم سوريا، لم يوقف الانتفاضة الشعبية فحسب، وإنما دق اسفيناً بين المكونات السياسية السورية، ودفع بالكورد إلى التفكير ملياً قبل الاقدام على أي مغامرة مشتركة مع المعارضة السورية فيما بعد، ومنها فصائل وشخصيات لاتقل عنصرية عن البعثيين تجاه الشعب الكوردي. وهنا يجدر بالذكر أيضاً أن الحركة السياسية الكوردية لم تفهم “لغة الشباب”، ولم تكن جاهزة لقيادة شعبها وانتزاع إيجابيات الانتفاضة، بل تعاونت في معظمها مع النظام – مع الأسف- ل”ترتيب الأمور” من جديد في المناطق الثائرة. ولكن الشخصية الإسلامية المستقلة، من خارج الاحزاب والتنظيمات السياسية، هي التي فهمت لغة الشباب ورأت في الانتفاضة شرارة أمل لكل المضطهدين، وهو”شيخ الشهداء” الدكتور محمد معشوق الخزنوي، الذي خطب خطاباً ثورياً على قبر شهيدٍ شاب يدعى “فرهاد” فألهب حماس الشباب وحرك أدمغة الساسة الكورد، وأثار أسئلة عديدة حول الدين وموقفه من الثورة، وأظهر للسوريين بأن مكان علماء ورجال الدين في خندق الثورة وليس في صف الجور والطغيان، وأن الحقوق تؤخذ بالقوة وليس بالتوسل، فإذا بالشباب الكوردي يرفع بالشيخ الشهيد إلى ذروة تراتبه الوطني السياسي، وتجعله رمزاً للمقاومة، كما أظهر استشهاد الشيخ على أيدي جلاوذة النظام أن الفجوة بين الشارع الكوردي الرافض للأوضاع القائمة وبين الدين ليست كبيرة بالشكل الذي يظنه العلمانيون، حتى أن الكثيرين منهم راحوا يعتبرون الشيخ قائداً للثورة، بل للحراك الوطني الكوردي في غرب كوردستان.

معلوم تماماً أن أنظمة حسني مبارك في مصر، والقذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، وبشار الأسد في سوريا، أنظمة معادية للإسلاميين بامتياز، وأنها مارست بحقهم مختلف أشكال القمع الوحشي والاضطهاد السياسي، وأن مجمل التربية في المدرسة وفي الإعلام كان منصباً على تبرير تصفية الإسلاميين جميعاً، ولكن الثورات التي تفجرت وتوالت وانتصرت على الأنظمة التي تهاوت كما تتهاوى أحجار الدومينو، لم تساهم في اعادة خلط الأوراق على الساحة السياسية لهذه البلدان فحسب، بل أفسحت المجال أمام الإسلاميين أن يتحركوا مثل غيرهم للقيام بما يرونه ضرورياً لبقائهم في الساحة، فشارك الإخوان المسلمون بقوة في الثورة المصرية، وجنوا من ذلك فوائد عظيمة، منها أنهم قد يحصلون بعد أيام قلائل على أعلى مناصب الدولة في “الجمهورية الثانية” لبلادهم، بعد أن حصدوا الكثير من مقاعد البرلمان المنتخب، وساهم أحد الشيوخ الكبار (مصطفى عبد الجليل) في الطلب الشعبي الليبي لاستحضار قوات الناتو لقصف مقرات القذافي وهدم قصوره على رأسه، وهاهو اليوم في أعلى مكانة سياسية في ليبيا، في حين أن الاستعانة بغير المسلمين كان موضع جدالٍ تاريخي كبير بين الإسلاميين. وفي كل من اليمن وسوريا يشكل الإسلاميون، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون بتسمياتهم الحزبية المختلفة من أهم الفصائل السياسية ضمن الثورة ضد السلطة، والذين وقفوا ضدها قلة منحرفة من العلماء والصوفيين، من أمثال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، لايؤثرون على مسار الثورة.

في مؤتمر صحافي لمرشح الإخوان المسلمين في مصر (محمد مرسي) الذي يتوقع المراقبون فوزه على منافسه (أحمد شفيق) للحصول على منصب الرئاسة، عرض نقاطٍ بارزة لبرنامجه السياسي، منها أنه سيضمن الحرية والمساهمة السياسية العادلة للجميع في النظام المصري الجديد، ولايرى حرجاً في أن يكون نائبه أو مستشاروه من غير الإخوان المسلمين، بل من الأقباط المسيحيين أيضاً، وقدم استقالته من حزب الحرية والعدالة ومن الإخوات المسلمين على حدٍ سواء…

وفي هذه الأثناء نسمع ونقرأ لزعماء الإخوان المسلمين السوريين ومفكريهم الكبار، الذين عاشوا أعواماً عديدة في دول عريقة في الديموقراطية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا، منهم علي البيانوني وزهير سالم وعصام العطار والشقفة وسواهم، تأكيدات متتالية على عهدهم للشعب السوري باحترام الأصول الديموقراطية والتعددية والاختلاف السياسي والتنوع الثقافي والقومي والديني في سوريا ما بعد الثورة، وقد حاولوا أن يجعلوا من المجلس الوطني السوري إطاراً مطابقاً لتصوراتهم السياسية، فنصبوا علمانياً (الدكتور برهان غليون) رئيساً له، ولكن هذا الرئيس بالذات قد ذكر يوم إعلانه استقالته بأن هناك فجوة بين العلمانيين والإسلاميين ضمن المجلس المفترض فيه أن يجمع كلمة السوريين، وهو ذاته الذي رفض منح الشعب الكوردي أي حق في حكم نفسه بنفسه (وهي من أسس الديموقراطية)، مما دفع بممثلي الكورد للإنسحاب من المجلس.    

لعب حزب الله اللبناني متمثلاً برئيسه حسن نصر الدين دوراً مزدوجاً ومشبوهاً في المشهد الثوري العربي، فقد كان يعتبر الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن في طلعاته الاعلامية البهية انعكاسات لأفكار الثورة الإسلامية الايرانية، وتحركاً للشعوب صوب الحرية وانقاذ نفسها من طغيان الأنظمة “العميلة للشيطان الأكبر!”، إلا أنه لايزال مع نظام الأسد ضد ثورة الشعب السوري التي لاتختلف في جوهرها وأساليبها وحركتها الشبابية السلميو والمتطلعلة إلى الحرية عن الثورات التي سبقتها. هذا النفاق يحدث –مع الأسف- باسم الدين الحنيف، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار كما نقرأ في النصوص المثبتة  من الدين.

أمام هذه المساهمة الواسعة لرجال الدين والمؤمنين بالأديان، من مسلمين ومسيحيين وسواهم، يقف العالم الغربي محتاراً، لايدري تماماً كيف عليه التصرف حيال نتائج هذه الثورات التي غيرت وجه الشرق الاوسط، وأضطر علماء وخبراء الاستراتيجية والسياسة الدولية والاجتماع والدين إلى احداث تغييرات كبيرة في برامجهم ودراساتهم التي يقدمونها لقيادات بلدانهم، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتكون فيها رأي واضح، ألا وهو التعامل مع المستجدات بواقعية سياسية، والتعاون مع هذه الأنظمة التي يلعب فيها الإسلاميون أدوراً بارزة، طالما أنهم لايدعمون الاتجاه العدائي الشديد ضد العالم الغربي ولايساندون إرهاب القاغدة وسواها في العالم.

وختاماً، أرى بأن الاختلاف بين موقف الكنيسة من الثورة الفرنسية وموقف رجال الدين المسلمين من الثورات التي حدثت ولاتزال تحدث في سوريا، اختلاف عظيم، لايمكن فهمه بسهولة دون تعمق في جوهر الدين وطبيعته، وفي التغيرات التاريخية الكبيرة للبشرية التي اكتسبت عبر العصور خبرات هائلة في مجال الوعي السياسي – الثقافي – الديني.

ماذا وراءك ياعنان؟

جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de     https://cankurd.wordpress.com      https://www.facebook.com/madmiro1

Image     29  أيار‏، 2012

 معلوم أن خطة السيد كوفي عنان تطوير لمبادرة عربية فاشلة، دفع بها بعض زعماء العرب ورئيس جامعتهم العربية إلى مجلس الأمن للتخلص من النقد والتجريح الذي انفجر في وجههم من قبل الشعب السوري خاصة، والشعوب العربية عامة، بسبب فشلهم الذريع في إيجاد حلٍ للمحنة السورية الكبيرة. ولكن يبدو أن الطرفين الأشد خصاماً بصدد الموضوع السوري (روسيا والصين من جهة) و(العالم الحر الديموقراطي من جهة أخرى) قد توصلا إلى اتفاق مفاده هو أن “لايهلك الذئب ولا يفنى الغنم”، وأن تمضي لعبة الأمم على رقعة الشطرنج السوري بنتيجة تعادل، لاغالب ولا مغلوب من الطرفين فيها. وهذا له علاقة مباشرة بموضوع الصواريخ الأمريكية في عدة دولٍ أوروبية شرقية وأسيوية كانت تعتبر أجزاءً من مناطق النفوذ الروسي تاريخياً، وأمن واستقرار اسرائيل، وبالمواقف المتقاربة حيال “الربيع العربي” و”البرنامج النووي الايراني” وكذلك ب”الصراع الشيعي – السلفي” في المنطقة. وهل هناك من هو أفضل من السيد كوفي عنان، الديبلوماسي العالمي العريق، في تطبيق هذا الاتفاق الهام بين الدول الكبرى، الذي نلمس في صياغته آثار الدبلوماسية اللافروفية قبل أي دبلوماسية آخرى، حيث الموقف الروسي الكلاسيكي من المحنة السورية هو السائد والغالب في ما يسمى ب”خطة عنان”، وهي في الحقيقة خطة لافروف – كلينتون، والسيد كوفي عنان ليس إلا منفذ أو متأمر بأمر الأسياد الذين كتبوا هذه “الوصايا الكبرى”، دون اهتمام جاد بمصير الشعب السوري، وبالمذبحة الكبرى التي قد لاتنتهي في سنوات.

الطرفان الكبيران في لعبة الأمم هذه، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وبدعم صيني واضح للموقف الروسي، مقابل دعم دول الاتحاد الأوروبي ودول عديدة أخرى للموقف الأمريكي، متفقان الآن على وضع حدٍ لسادية النظام السوري، واناخة الجمل دون استخدام العصا، ولكن دون خلخلة النظام برمته، وهذا وحده كافٍ لأن يفهم السيد كوفي عنان ما المطلوب منه فعلاً، ولذلك فهو قد قدم إلى سوريا – بعد سربرنيسكا السورية – وفي جعبته قائمة متواضعة من المطالب التي لاتخرج عن حدود خطته المحكوم عليها سورياً بالفشل الذريع. ومطالبه معروفة، منها إظهار النية الجادة في الحوار مع المعارضة، وقف القتل الممنهج ضد الشعب السوري، الإفراج عن المعتقلين والمختطفين، فتح أبواب البلاد للصحافة العالمية، دعم عمل المراقبين الدوليين… ولكن الأهم في هذه الثورة، وهو مشروع الشعب السوري لاسقاط النظام برمته، فهذا لاعلاقة للسيد كوفي عنان به، بل إن مكلف بمهمة دولية وعربية لاجهاض هذا المشروع أصلاً.

وحيث أن السيد كوفي عنان ومن ورائه السيد الأكبر بان كي مون، رئيس أهم منظمة دولية في العالم، بعد منظمة ايباك، يمارس الديبلوماسية منذ عقودٍ طويلة من الزمن، وكان رئيساً للأمم المتحدة من قبل، فإنه يدرك كيف يكسب ود النظام الأسدي، وذلك بأن لايرمي بكل ثقله على النظام وحده، رغم معرفته التامة بأن النظام هو المسؤول الأول عما يحدث في سوريا منذ انطلاقة ثورة الشعب السوري المباركة، قبل أكثر من عام، ويعمد السيد كوفي عنان إلى اتهام من يسميهم النظام ب”العصابات المسلحة” بجزءٍ من مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية في البلاد، وهدفه من ذلك التسلل إلى ما بين جلد النظام ولحمه كما يقال، وإيجاد السبل لاقناعه بالقيام بتنفيذ بعض المطالب الملحة التي ستدفع الداعمين الكبار لخطته يصفقون له وللأسد، ويكتفون بممارسة الضغوط حيال دمشق.

إلا أن اعتقاد النظام الدائم بأن ليس هناك من بديل له، ووجود بعض المخاوف من أن التنازل بقدرٍ طفيف للمعارضة وللشعب سيكون خطوة نحو الهلاك الحتمي و”إبادة الطائفة!”، وكذلك الاقتناع بأن الأمم المتحدة لن تشن عليه حرباً على غرار ما حدث في ليبيا، يجعل هذا النظام غير قادر على الحوار مع شعبه، بل يظهره غبياً جداً في عرض أي مبادرة وطنية جادة للخروج من هذه المحنة، وهذه نقطة ضعف هامة يمكن لها أن تسقط خطة عنان كلياً.

من المعارضة السورية، من يثق بخطة عنان ويدعمها، ولكن لو كانت هناك قيادة حقيقية للشعب السوري في هذه المرحلة التاريخية، لكانت خطة عنان ومخطط لافروف – كلينتون في خبر كان، بمعنى أن السوريين كانوا سيتقدمون خطوة هامة صوب نيل حريتهم بأيديهم وبقواهم الذاتية، إذ ليس هناك قيادة شعبٍ من الشعوب تنتظر ليأتي مبعوث دولي لانتزاع الحرية لشعبها، ومع الأسف فالمعارضة السورية المتقاعسة في حمل الأمانة التاريخية (التحرير) والتي يعيش كبار زعمائها في الفنادق الفاخرة، على أمل أن تمهد لهم خطة عنان الطريق للنزول إلى دمشق، غير قادرة على إرسال خمسة من قادتها لمساعدة ثوار الشعب الذي تزعم أنها تمثله على أرض الواقع، حيث المعركة الحقيقية بين أنصار الحرية وأتباع النظام.

خطة عنان، بعد لقائه بالأسد اليوم، هي ذات الخطة التي ضفافها معلومة وهدفها كذلك. ولذا أرى بأن ما وراء هذه الخطة ليس إلا أفخاخ منصوبة للثورة السورية، آمل أن يتفادها القادة الحقيقيون للشعب السوري.

الدين والثورة (II)

جان كورد –   22   أيار‏، 2012

kurdistanicom@yahoo.de       https://cankurd.wordpress.com      https://www.facebook.com/madmiro1

الدين وثورات الشعب الكوردي

بداية أعتذر عن ورود كلمة “المقال” في القسم الأول على شكل “المقالي” مرة من المرات…

في القسم الثاني من مقالنا عن الدين والثورة، ننتقل إلى ثورات الشعب الكوردي، وفي القسم الثالث إلى ثورة الشعوب الايرانية على الشاه وثورات ما يطلق عليه اسم “الربيع العربي”.

في الماضي، كانت المدرسة هي التي تنقل الوعي السياسي والثقافي وكذلك العلوم والمعارف المختلفة إلى الناس، إذ لم تكن هناك وسائل توعية من تلفزيون وانترنت وسواهما، ولكن لم تكن هناك مدارس منتشرة بين الأكراد، فعلى سبيل المثال فتحت أول مدرسة في قريتي التي لا تبعد سوى ستين كيلومتراُ عن حلب وكذلك لاتبتعد عن انطاكية، المدينتين العريقتين في الحضارة، إلا في خمسينيات القرن الماضي، وكان الطلاب الصغار يأتون إليها سيراً على الأقدام من القرى المحيطة بها بمسافات تصل حتى 7 كم. أما الوضع التعليمي في القرى الكوردية الجبلية فقد كان مأساوياً. وإن فرض التعليم الإلزامي باللغة العربية دون اللغة الكوردية الأم، قد أدى إلى إثارة مشاكل كبيرة وأبطأ عملية الفهم لدى الطلاب الكورد وذويهم، بالنسبة إلى الطلاب العرب.

ولكن ماذا قبل ذلك…؟

كان شيوخ المساجد هم الذين يتولون تعليم الأطفال الكورد في مساجدهم المتواضعة، التي لم تكن فيها مقاعد دراسية أو سبورة وحتى طباشير وتدفئة مناسبة، ولم تكن تستوعب إلا عدداً قليلاً من الأطفال، أما في الصيف فقد كانوا يلقونهم الدروس في ظلال الأشجار. وكان التعليم منصباً على تعلم مبادىء الدين الإسلامي، وتجويد القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والأخلاق الاجتماعية، والشعر العربي، وكذلك الملاحم الشعرية الكوردية العديدة، التي ألفها شيوخ الكورد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أساطيرعجيبة عن شجاعة الإمام علي كرم الله وجهه والخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إضافة إلى دواوين الشعراء الكورد الكبار، وفي مقدمتهم أحمدى خانى ومه لايى جه زيري وفه قى ته يران وبه رتويى هكاري.

هنا نجد أنفسنا أمام واقعٍ مختلف عما كانت عليه أوروبا في عصر الثورة الفرنسية أو الاتحاد السوفييتي بعد نجاح ثورة الشيوعية، فنحن نرى مجتمعاً متخلفاً من النواحي الاقتصادية، ضعيفاً في التماسك السياسي، معرضاً باستمرار للنزاعات القبلية والعشائرية، ظل غارقاً في الجهل قروناً طويلة، وخاضعاً خضوعاً تاماً لسيطرة شيوخ الصوفية الذين كانوا من أهم أسباب بقاء الشعب الكوردي تحت سطوة النظام العثماني التركي ردحاً طويلاً من الزمن. والفارق الأهم بين كوردستان وفرنسا أو ألمانيا هو أن الدين الإسلامي هو السائد وأن أتباع الدين المسيحي، أو الكنيسة ليسوا إلا أقلية بين الشعب الكوردي.

لقد سعى التنويريون والداعون إلى تقليم أظافر الكنيسة في السياسة والمجتمع الأوروبي إلى الثورة على “الحلف المقدس” بين التاج الملكي والمذبح الكنسي” كما بينا في القسم الأول من مقالنا هذا، إلا أن سلسلة الثورات الكلاسيكية في كوردستان كانت تقاد من قبل شيوخ الدين وعلمائه، وذلك لأنهم وحدهم كانوا الشريحة الأوعى في المجتمع الكوردي، في حين أن أوروبا كانت تمتلك جامعات وصحف قبل اندلاع الثورة الفرنسية، وتشهد تحولات كبيرة في مجال الصناعة والإدارة والتجارة، فإن أول صحيفة كوردية “كوردستان” قد ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، في القاهرة بمصر، وليس في آمد (دياربكر) أو هه ولير (أربيل) أو في مه هاباد أو في قامشلو.

الإسلام والمسيحية، وهما دينان سماويان، ومصدرهما واحد، بل الأول يتمم رسالة الآخر، مختلفان في نواحٍ تطبيقية تاريخية، وأهمها عدم وجود كليروس مسجدي كما هو حال الكليروس الكنسي. المسجد لايتقاضى اشتراكات سنوية أو شهرية من أعضائه كما هو حال الكنيسة، والزكاة الإسلامية تختلف بشكل كبير عما يدفعه الإنسان المسيحي لكنيسته. والأهم هنا هو أن الإسلام لايفرق بين الحياة الدينية والسياسية، فالمسلم يمكن أن يكون عابداً ومقاتلاً وتاجراً وسياسياً في الوقت ذاته، بل إن إيمانه يضعف إن تفرغ للتعبد من دون المساهمة في الحياة العامة، إذ لارهبنة في الإسلام. بل إن اجتهادات عريقة في مذهب الشيعة في الإسلام تصر على أن يتولى الفقيه الديني امر المجتمع، وهذا ما يسميه الشيعة ب”ولاية الفقيه”، إلا أن التطرف في هذا المجال أدى إلى اعتناق بعض فقهائهم عقيدة “معصومية” الولي عن الخطأ، في حين أن علماء السنة في الإسلام يؤمنون بأن “غير الله غير معصوم”.  ولذلك يجب أن نفرق بين مذهبي “الشيعة” و”السنة” بين المسلمين، وبخصوص الكورد فإن أكثريتهم على عقيدة أهل السنة، والشيعة أقلية كما هو حال المسيحيين واليزيديين في كوردستان، أما اليهود فقد كانوا أقل عدداً من سائر الطوائف الأخرى، ونزحوا إلى اسرائيل بعد قيامها، نتيجة الاضطهاد الذي عانوا منه في ظل الأنظمة المستبدة السائدة في كوردستان قبل ذلك.

اندلعت الثورات الكوردية من أجل الحرية والاستقلال القومي، أو من أجل مزيد من اللامركزية في الحكم، كما كانت ضد الجور والظلم والعدوان ومن أجل تخفيف وطأة الضرائب الحكومية، وما مارسه العثمانيون والصفويون ضد شعب كوردستان بعيداً عن مضامين النصوص الشرعية، ورافقت ممارساتهم باستمرار سلسلة من المجازر الجماعية الوحشية بحق المدنيين العزل، ولكنها لم تكن ثورات لالغاء “الشريعة” أو للقضاء على نفوذ علماء الدين وشيوخ المسلمين، ولم تكن موجهة ضد “حلف مقدس” للمسجد والتاج السلطاني، حيث لم يكن هكذا حلف موجوداً، وإنما كانت السلطة كلها في أيدي سلاطين وملوك يعتبرون أنفسهم ذروة التراتب الديني وحماة الدين والناطقين باسمه وجباة الضرائب وفق شرعه والمتصرفين بالأموال العامة حسب أصوله. بمعنى أن السلطان في المجتمع الإسلامي كان مزيجاً سياسياً – دينياً، أقوى وأشد من علاقة الكنيسة بالتاج الملكي في أوروبا. وقد تحدث خلافات ومشاكل ونزاعات دموية بين الحلفاء، وهذا ما جرى في أوروبا بين بعض الملوك والكنيسة، ولكن السلطان في العالم الإسلامي كان هو السيد المطلق للمزيج الديني – الدنيوي بحكم ديناميكية الدين الإسلامي السائد، الذي ليس فيه صيغة حكم محددة أو معينة، أو قوالب صارمة لبناء النظام السياسي، وانما يفرض الشرع كدستورعام وكبديل لسائر الشرائع الأخرى. وبسبب عدم قيام تنظيم كليروس ديني على غرار الفاتيكان المسيحي. لقد بنى علماء الشيعة شيئاً كهذا عبر التاريخ، وصارت سلطتهم قوية للغاية أخيراً، إلا أنهم لايستطيعون فرض كليروسهم على العالم الإسلامي، كما أن الوهابيين فشلوا في بناء سلطانهم الديني أيضاً.

ولذلك، فإن قادة الثورات الكوردية، لم يكونوا على غرار قادة الثورة الفرنسية، ومنها ثورات كبيرة وقوية، مثل ثورة الشيخ عبيد الله نهري في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في شرق كوردستان، ثورة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في جنوب كوردستان، وثورة الشيخ سعيد بيراني في شمال كوردستان، ومن بعده ثورة الشيخ علي رضا في شمال كوردستان أيضاً، وإنما كانوا شيوخ دين، حتى أن قيام جمهورية كوردية في عام 1946-1947 في مهاباد قد تم تحت رئاسة عالم إسلامي شهير هو القاضي محمد، وأن ثورة أيلول الكبيرة (1961- 1975) كانت بقيادة (ملا) ألا وهو القائد الكبير مصطفى البارزاني، وقد أعدم بعض هؤلاء القادة دون حرمة لمكانتهم الدينية أو لكبر سنهم مثل الشيخ سعيد بيراني والشيخ علي رضا والرئيس القاضي محمد، ومنهم من عانى كثيراً إلى آخر حياته من جراء انتكاسة ثوراتهم، مثل الشيخ محمود الحفيد البرزنجي والملا مصطفى البارزاني.

ويجدر بالذكر هنا القول بأن بعض شيوخ الثورات الكوردية ورجالها، وفي مقدمتهم الشيخ سعيد بيراني (شمال كوردستان) وسمكو آغا (شرق كوردستان) وأخيراً الشيخ عثمان بن عبد العزيز الذي قاد حركة إسلامية كوردية في (جنوب كوردستان)، كانوا من دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية، بل إن الشيخ عزالدين الحسيني في (شرق كوردستان) كان لايجد حرجاً في التحالف مع الاشتراكيين ضد نظام الشاه، ومن بعده ضد طغيان الكليروس الذي أراد آية الله الخميني فرضه على الشعوب الايرانية بالقوة. ولاينكر هنا دور الأستاذ الكبير والشيخ أحمد زاده، صاحب “مكتب القرآن” الذي سعى لبناء حركة تنويرية في ظلال الشرع الرباني ضد الطغيان الفارسي العنصري الذي مارسه الشاه المخلوع.

إن موقف شيوخ الدين من هذه الثورات الكوردية الكلاسيكية، التي قادها أمثالهم في الاتجاه الفكري والمقام الاجتماعي، مثير للجدل حقاً، فشيوخ الدين الكورد، وقفوا في معظمهم مع هذه الثورات ومنهم من شارك فيها ودعمها معنوياً، ومنهم من ألف الاشعار الحماسية بصددها، بل دعا بعضهم إلى استخدام السلاح وتجنيد الشباب وإعلام العالم بها، كالشيخ عبد السلام الجزيري الذي له قصيدة شهيرة بذلك تحت عنوان “بانكى هشياركرني – نداء الايقاظ”، وفئة قليلة من علماء الكورد الإسلاميين وقفت موقفاً محايداً منها، مثل الشيخ سعيد النورسي (الأستاذ)، الذي كان يدعو إلى تأييد “المشروطية” في إدارة الدولة العثمانية، بحيث يتم حل مشاكل الدولة المختلفة، ومنها مشاكل الولايات والقوميات والإدارات فيها، كما نراه في كتابه “روجتة الأكراد”، الذي يبدو وكأنه موجه للشعب الكوردي قبل سواه من شعوب الدولة العثمانية. أما فئة الصوفيين المرتبطين بشيوخ من الترك أو العرب، فقد وقفت ضد الثورات الكوردية، واعتبرت شيوخها الثارين خارجين على “وحدة الملة”، رغم كل الظلم الذي اندلعت بسببها الثورات الكوردية التي كانت مزيجاً من الطموح القومي في الاستقلال والكفاح ضد الاستبداد المركزي المصحوب بالنهب والسلب الواسع في كوردستان من قبل الدولة العثمانية. ونموذج الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي غريب وعجيب بين الكورد، وبقراءة لمقدمته للترجمة العربية (الأولى) لملحمة (مه م وزين) نلاحظ أنه كان مع كفاح شعبه بشكل صارخ، ولكنه تحول إلى متبرىء من شعبه، في الطبعة الثانية من ذات الترجمة، حيث حذف كل ما يتعلق بهذا الشعب، إضافة إلى حذفه لموقف الشيخ أحمدى خانى، مؤلف الملحمة، الداعي إلى الكفاح من أجل تحرير الكورد وتوحيده قبل قرونٍ عديدة، وهذا التحول لدى الشيخ البوطي قد حدث بسبب ولائه التام لسلطة العائلة الأسدية على الحكم في سوريا، وجعله يتخذ موقفاً لايليق بالعلماء من أمثاله حيال الانتفاضة الشعبية الكوردية في آذار عام 2004، حيث تبرأ من قومه الكوردي كلياً.

بعد تمادي نظام البعث العراقي تحت قيادة صدام حسين في سياسة القمع والتنكيل وارتكاب المجازر الوحشية في كوردستان، وإعلانه “حرب الأنفال” ضد الشعب الكوردي، لم يعد يستطيع أحد من شيوخ الكورد الوقوف في الصف المعادي للثورة الوطنية التحررية، بل تشكلت حركات وروابط وتنظيمات إسلامية، ساهمت بشكل أو بآخر في دعم الثورة أو في الدفاع عن الشعب المظلوم، إضافة إلى أن الثورة الكوردية في (جنوب كوردستان) قامت بذاتها بتكوين “اتحاد علماء الدين” منذ سنواتها الأولى، وكسبت أيضاً تأييد العديد من الشخصيات الإسلامية الهامة، رغم تبنيها بعض المبادىء الثورية واليسارية أيضاً، ومنهم الشيخ حمدي السلفي الشهير، والكانب الإسلامي الشيخ محمود ديرشه وي، وسواهما. بل إن أحزاباً وحركات إسلامية كوردستانية قد ظهرت منذ ثمانينات القرن الماضي، ومنها من طالب ب”تحرير كوردستان وتوحيد الكورد”، دون التخلي عن مطلب تطبيق الشرع الإسلامي، كالحزب الإسلامي الكوردستاني الذي أسسه الأستاذ كابوري.

حتى إن ثورات كان على رأسها زعماء ليسوا باسلاميين ولم يأتوا من شريحة الشيوخ المسلمين، مثل ثورة خويبون (1927-1930) التي قادها الجنرال إحسان نوري باشا في (شمال كوردستان) وجعل مركزها جبل آغري (أرارات)، وثورة الحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران التي قادها الاشتراكي – الديموقراطي الدكتور عبد الرحمن قاسملو، ضد حكم الخميني الدموي والاستبدادي في كوردستان منذ عام 1980، وأخيراً ثورة حزب العمال الكوردستاني منذ عام 1984 (شمال كوردستان) بقيادة الزعيم عبد الله أوجالان الشهير بميوله الماركسية، كانت تحظى بتأييد غالبية علماء وشيوخ الدين الإسلامي وغير الإسلامي في كوردستان. ومع الأسف فإن النظم المستبدة بالأمة الكوردية تمكنت من تسخير أموال طائلة لنشر معلومات كاذبة ومضللة ضد الثورات الكوردية، فربطتها بالامبريالية وباسرائيل واتهمت زعماءها بالزندقة والخروج على الأمة، مما جعل الكثيرين من شيوخ وعلماء المسلمين من غير الكورد، وفئة خائنة من الكورد أيضاً، يقفون مع نظم على رأسها آتاتورك أو صدام حسين أو حافظ الأسد أو الشاه الايراني أو آية الله خميني، ضد شعب يريد الحرية وقادة كانوا في غالبيتهم مؤمنين بربهم ومخلصين لعقيدتهم، ومنهم البارزاني مصطفى الذي كان يقول:”كان حلمي أن أصبح جتدياً تحت راية الإسلام”، وكان القرآن الكريم لايفارقه، في كل معاركه وسنوات كفاحه الطويلة وهزائمه المريرة.

هنا يجدر بنا التذكير بالموقف الثوري الكبير للشيخ محمد معشوق الخزنوي في الوقوف مع انتفاضة الشعب الكوردي في (غرب كوردستان) في آذار 2004، وتعرضه بذلك إلى الاغتيال بوحشية نادرة على أيدي جلاوذة النظام الأسدي.

توترت العلاقات أثناء فترة حالكة من فترات التاريخ التحرري الكوردستاني، بين الاتحاد الوطني الكوردستاني (جنوب كوردستان) والحركة الإسلامية في كوردستان العراق، وسفكت دماء بريئة نتيجة لتلك النزاعات الدموية، إلا أنها لم تكن بسبب الصراع على شريعة الثورة الكوردية، ومام جلال معروف بأنه كان يقتدي بالشيخ عثمان في أداء الصلاة، أثتاء لقاءتهما، وإنما كان النزاع سياسياً، يؤججه النظام الايراني أو عملاء صدام حسين وتركيا، وكان النزاع السياسي الداخلي، الدموي، سمةً من سمات الثورة الكوردية، حيث نجده بين الحلفاء في الصف الواحد أيضاً، ومثالنا على ذلك هو ما جرى من قتال دموي، بين الاتحاد الوطني الكوردستاني، العضو في الاشتراكية الدولية، وبين حزب العمال الكوردستاني، الماركسي في برنامجه ونهجه، وكذلك بين هذين الحزبين والحزب الديموقراطي الكوردستاني (جنوب كوردستان)، ولم يكن الدين سبباً في ذلك، وإنما الصراع على القوى والمراكز والأموال، وليس على تطبيق الشريعة أو عدم تطبيقها.

لذلك فإن علاقة الدين بالثورة في كوردستان، وهي ثورة الحرية ودفع الظلم والعدوان، لاتقارن بالثورات التنويرية في أوروبا، وفي مقدمتها الثورة الفرنسية، أو بالثورة الطبقية التي أنجزها الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي. والصراع بين الدين والثورة في كوردستان لم يكن بالشكل الذي شهدته أوروبا بين الكنيسة و”المعماريين” مثلاً، فحتى أشد الزعماء الكورد عداءً للدين كان يستنجد بجمعيات أو حركات دينية كوردية، ويحاول كسب ود العلماء والشيوخ، ويتفادى الصدام معهم.

ولاننكر أن هناك تعقيدات حدثت في مجال التفسيرات الدينية بصدد الموقف الذي يجب اتخاذه من قبل علماء الدين تجاه الثورات الكوردية، ولكن غالبية المواقف السلبية كانت بحكم التشويه المقصود للآيات وأحكام الشريعة من جهة أتباع النظم المستبدة، سواءً في الحركات الإسلامية السياسية، كحركة “الإخوان المسلمين” و”حزب التحرير الإسلامي” في سوريا والعراق و”حزب الرفاه الإسلامي” وما سبقه أو لحقه من تسميات تركية، وفي الأوساط الدينية الشيعية العراقية والايرانية، وكذلك في الحلقات الصوفية الواسعة الانتشار، إضافة إلى ما نشرته هذه الأحزاب والحركات والطرق الصوفية من أفكارٍ معادية للكورد وكوردستان في العالم الإسلامي برمته، اعتبرها أول مؤتمر إسلامي حول القضية الكوردية، انعقد في مدينة كولن الألمانية في عام 1989 مواقف باطلة ومخالفة للإسلام.

(يتبع….)

Hajê kompiyûterê xwe bike ji DNS-Changer

 Cankurd, 22.05.2012

Ji sala 2007ê de, nekêmtir ji 4 milyon kompiyûteran li cîhanê, ji aliyê vîrûseke çalak û wêrankar ve, ku bi navê „DNS-Changer“ naskirî ye, hatîne herifandin. Heta sala 2001ê çare ji vê vîrûsê re ne asan bû. Di payîza wê salê de, liqê FBI, ku șaxnasê herifandinên vîrûsan e, kanî bû lêdaneke mezin li wan kesan bide, ku ew vîrûs pêda kirî bûn û ziayana wê kêm kirin, lê ta niha jî hîn dora nîv-mîlyon kompiyûter ji ber DNS-Changer dinalin. Metirsî heye, ku di meha 7ê ya îsal de, teviya dava înternetî (www) ji ber wê vîrûsê bikeve rewșa reșbûna tevayî, ku bi „Internet-Blackout“ tê nasîn. Li Almaniya, ku 20.000 kompiyûter ji aliyê DNS-Changer ve ta niha ketine ber lêdanê, berî niha bi kurtedemekê, saziya ku li Almaniya bi (BSI) tê navkirin û berpirsa karûbarên hêminiya teknînîkî ya agahdariyê ye, da xweyakirin, ku ziyana vê vîrûsê hîn gelek mezin e.

DNS (Domain Name System), ku bo her kompiyûterekî jimareyeke sîstemî pêda dike, û bi wê jimarê kompiyûterê bi navnîșanê ve girêdide, ewa ku bikarhênerê wê hezdike an dixwaze. DNS wa navnîșanê dike jimareyek, û herdu aliyan bi hev dixîne, kompiyûter û navnîșanê. Haker, ên ku ev vîrûs avakirine, wilo bernameyeke wêrankar avêtine ser dava înternetî ya cîhanî, ku wan jimaran biguhêre, û li ciyê ku tu biçî ser navnîșana înternetî ya tu dixwazî, tu bê hemda xwe diçî ser navnîșana, ku ewana dixwazin. Bi wê șêweyê, ewana ji te re berhemên, ku ewana dixwazin belav bikin, dișînin, hikariya xwe li lêgerînên te dikin, û hinek bernameyan davêjin ser kompiyûtera te, bê ku tu li wê yekê bi zûkî hișyar bibî, û bi rêya wan bernameyan tiștên te yên veșartî didizin an sandiqên te yên faylan vekin û lêdinêrin, ka çi li ba te heye, tu çi dikî, çi dibînî û çi dinivîsî.

Wekî dibêjin, Xwedê derd dane lê derman jî jê re dane… FBI, li hember van wêrankaran bi zîrekî derket qad û trata hêrișkirinê. Bernamekarên wê gava ew server a ku wêranî jê dihat nas kirin, bernameyek avakirin, ku ji heme kompiyûterên herișkirî re derbasbûneke bê wêrankirin amade bike, hema astengiyeke mezin li pêș me teva maye.

Roja 09.07.2012, wê servera wan wêrankarên bêwijdan ji nêv dava înternetî bite avêtin. Bi wê yekê re, li gor dîtina zanayên bernameya Kaspersky, ya șaxnasa herifandina vîrûsan e, dibe ku rewșeke reșbûna tevayî „Internet-Blackout“ pêda bibe, ji ber ku gelek sîstem û hîn pir kompiyûter ji aliyê wê servera wêrankar ve hatîne pevgirêdan. Gava ew raweste, wê jimareyên ku ji aliyê wê ve hatîne guhartin, nemînin, û ji ber wê yekê wê rewșeke nezanînê di gelek kompiyûteran de çêbibe, ku DNS nikane navnîșanan bibîne. Hinek kesên bașbîn, li ba BSI ya almanî ji Yahoo re dane xuyakirin, ku reșbûneke tevayî li heme cîhanê wê çênebe, ji ber ku avahiya kompiyûterî terzekî xwe yê cihê heye ji sîstema bankên diravî. Ka ev gotin rast e an ne, wê ji me re, di wê rojê de, diyar bibe.

Ji ber vê yekê, FBI û BSI, dibînin, ku wê baștir be, ku her kesek berî 09.07.2012 kompiyûtera xwe bide kontrolkirin, ka ew vîrûs tê de heye an ne. Ji bo vê yekê, saziya polîsî ya federalî li Almaniya, ku li hember wêrankarên înternetê kardike, bi Telekom a almanî û BSI û Avîra re, navnîșaneke bo kontrolkirina wê vîrûsê bi navê www.dns-ok.de pêda kirîne, gava tu li vê lînkê bidî, wê rûpelek vebe, di orta wê de rîbaneke bi rengê kesk an sor heye, gava reng kesk be, ew nîșana pakbûna kompiyûtera te ye ji wê vîrûsê, lê ne ji heme vîrûsan, lê gava ew rîban bi rengê sor be, divê tu kompiyûtera xwe bi giștî paqij bikî, û pișt re careke dî bidî ber kontrolkirinê, ka rengê rîbanê kesk e an sor e. Ew testlink a amadekirî, di wê rewșê de, ji te re bernameyeke paqijkirina kompiyûterê ji vîrûsan pêșniyaz dike, te xwest tu yê bê kirrîn bistînî, te ne xwest, ew biryara te ye. Gava hinek taybetiyên bo derbasbûna nêv Internetê „Netzwerkconfiguration“ di kompiyûterê te de çêbû bin, ew bernameya paqijkirinê bi xwe rewșa Windows ya berê „Standard“ ji te re vedigerîne. Hîngê, divê di browsera te ya înternetê de çi Proxy-Server di rewșa karkirinê de tune bin.

(I) الدين والثورة

  جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com    https://www.facebook.com/madmiro1

21   أيار‏، 2012

. الدين والثورة الفرنسية

. الدين والثورات الشيوعية

. الدين وثورات الشعب الكوردي

. الدين وثورة الشعوب الايرانية

. الدين وثورات الربيع العربي

 

سنتطرق في هذا المقال إلى مواقف الأديان من الثورات، ومنها الثورتان الفرنسية والبولشفية، وكذلك ثورة الشعوب الايرانية ضد الشاه المخلوع وثورات الشعب الكوردي المتتالية وثورات ما يطلق عليه اسم “الربيع العربي”. وحتى لايمل القارىء من طول المقال، فقد جعلناه قسمين ولربما ثلاثة.

بدايةً، علينا التوضيح بأن الأديان ليست ثورات، كما أن الثورات ليست أدياناً. فالأديان دعوات يبدأ بها نبي أو رسول، قد يكون من سادة القوم أو من عامة الناس، وهي دعوات لعبادة آلهة متعددة أو الله سبحانه تعالى ولإصلاح الذات الإنسانية ، أفراداً وجماعات، بين قومٍ من الأقوام، أو بين كل البشرية، وهي غير مخصصة بطبقة من الطبقات، كما أنها تربية شاملة ذات أهدافٍ نبيلة، لها حزمة من المبادىء والقيم، ومراسيم عبادية محددة وملزمة لجميع معتنقيها، ملوكاً كانوا أم من فقراء الشعب.

أما الثورات، فإنها قد تنطلق كفكرة وممارسة من شخص أو مجموعة بشرية، تتحول إلى حراك ثوري شعبي، وأهدافها إحداث التغيير الاجتماعي – السياسي في المجتمع، وقد تكون ثوراتٍ طبقية أو قومية أو أممية، دموية أو سلمية، إلا أن الحديث عن “ثورات من فوق!”، فهذا ليس إلا محاولة يائسة لابحار النظم الاستبدادية بعكس اتجاه رياح الثورات، وهو في أغلب الأحيان تزوير للحقائق وخداع للشعوب.

ظهر مصطلح الثورة “ريفوليوشن” في القرن الخامس عشر من خلال استخدام الكلمة اللاتينية المتأخرة “ريفولوتسيو” التي تعني “التدوير” و”الارجاع” وتستخدم في علم الفلك كصفة لدوران الكواكب، وتطورت “الثورة” لتعني “التحول” و”التغيير المفاجىء” و”التجديد” أيضاً، ولكن “الثورة” بمعناها الحديث “اسقاط الأنظمة حتى ولو عن طريق العنف” قد بدأ في القرن الثامن عشر، وذلك تحت تأثير “الثورة الفرنسية” التي كانت دموية واستمرت من عام 1789 إلى 1799، وفي مقابل الثورة نجد “الإيفولوتسيون” التي تعني “التطور”، وتستخدم في مختلف العلوم، والمختصة منها بالطبيعة بشكل واضح، كما تعلمنا من داروين، ولايتم استخدامهما بنفس المعنى.

لذلك يجب النظر إلى العلاقة بين الدين، أي دينٍ كان، والثورة، عبر إدراك الفارق بين الإصلاح الذي يسعى إليه الدين، والتغيير السياسي – الاجتماعي، القسري في غالب الأحيان، الذي يكون عادةً من نتائج الثورة، وكذلك بين الثورة التي قد تحدث فجأة وعنيفة والتطور الذي هو تدريجي وبطيء بشكل عام.

قد يقف رجال الدين موقفاً معادياً للثورة، كما فعلت الكنيسة الروسية الارثوذوكسية ضد الثورة البلشفية في أوكتوبر عام 1917، وقد يقفون موقفاً داعماً ومحركاً للثورة، كما حدث أثناء قيام الحركة العمالية سوليدارنوش في بولونيا ضد النظام الشيوعي  في عام 1980 وإطاحتها به في عام 1989. ولكن لايمكن القول بأن الدين والثورة متناقضان، أو أنهما متفقان كلياً، على الرغم من أن هدف الاثنين هو “أنسنة المجتمع” في نهاية الأمر.

لعب الكليروس الكنسي في أوروباً دوراً سلبياً تجاه الحراك الثقافي – الاجتماعي الذي أثار الرياح باتجاه اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789، تلك الثورة التي حققت انتصارها التام خلال 10 سنوات مليئة بالمشاكل والتقلبات، وتعتبر رغم ما رافقها من عنفٍ شديد، إنعطافاً عظيماً في تاريخ البشرية، وتحالفت الكنيسة مع التيجان الملكية الأوروبية، على الرغم من فظاعة أساليبها في قمع شعوبها المطالبة بالأمن والاستقرار والعمل والحياة في السلام عوضاً عن زج الملايين من البشر في الحروب المدمرة. إن الحلف غير المقدس بين المذبح الكنسي والتاج الملكي أصبح بسبب معاداتهما لاحداث الإصلاحات الضرورية في المجتمع هدفاً رئيسياً لهجمات الروابط الثقافية والحلقات الفلسفية، الداعية للثورة الاجتماعية في أوروبا، وبخاصة في ألمانيا وفرنسا قبل الثورة، بل إنه بموازاة العمل من أجل تحقيق الديموقراطية ونيل الحريات، فإن هناك من طالب بإجراء الاصلاح الديموقراطي ضمن أسوار الكنيسة الكاثوليكية نفسها، في مجال انتخاب رجالها، وبذلك بدأ الحديث عن التناغم بين القيم الثورية والقيم الكنيسة بين المثقفين، وبخاصة في ما كان يسمى ب”الحلقة الاجتماعية” التي أسسها نيكولاس دى بونه فيل وفاوخت، وتم حلها في عام 1791م. ونيكولاس دي بونه فيل هو من أطلق في باريس عام 1792 من خلال مؤلفه “بصدد روح الأديان” مقولته الشهيرة:”صوت الشعب هو صوت الله!” حيث اتهم آنذاك كل الشعوب الأوروبية بأنها “مستعبدة من قبل الكليروس الكنسي، وأنها بحاجة ماسة إلى (دين كوني وإنساني!)، ودعا إلى أن يحكم الإنسان عقله وعينيه، حتي يتوصل المرء بذلك إلى تعظيم الإله الذي خلق كل البشر، أحراراً ومتساوين.”

 أما فاوخت الذي كان قسيساً متأثراً بعمق بالفيلسوف الكبير جان جاك روسو، وشارك في الهجوم على سجن الباستيل بباريس، وألقى في الجموع المحتشدة يومئذٍ موعظة دينية مؤثرة، فقد كان شريك نيكولاس دي بونه فيل في إصدار جريدة “الفم الحديدية” وداعياً إلى “وحدة الكنيسة والثورة!”، إلا أن مقاومة الكليروس الكنسي الكاثوليكي لأفكارهما كان قوياً لدرجة حدوث “القطيعة” بين الكنيسة وبين الداعين إلى الديموقراطية والحرية والمساواة، ليس في فرنسا وألمانيا فحسب، وإنما في كل أوروبا، وشرعت الكنيسة تتهم كل الناقدين لمواقفها السلبية تجاه التنوير والتحديث والثورة بانتمائهم للحركة السرية المعروفة باسم “المعماريين”، وشنت عليهم حرباً لسانية شرسة، في حين اتهم هؤلاء المثقفون الكنيسة بأنها تخدم سلطان التيجان الملكية، وبالتالي فإنها تقف موقفاً رجعياً وعدائياً من الشعب المتعطش للحرية والديموقراطية.

لقد أدت الفظائع التي ارتكبها الكنسيون في سبتمبر 1792 إلى أن يقول الناشر جاك رينيه هيبرت، المعادي للكنيسة – على سبيل المثال – “الثوري الحقيقي عيسى – عليه السلام – تعرض إلى نهاية مؤسفة على أيدي القساوسة”، وهذا ما أدى إلى ردة فعل قوية من قبل اليعقوبيين، فكتبت صحيفة ألمانية “رجعية” بأن “المسيح – عليه السلام – لم يكن ثائراً، ولم تكن لديه (مقصلة) ليقنع بها الناس برسالته.” إشارةً إلى الاستخدام الشائع للمقصلة لقطع أعناق الأعداء، من قبل الذين قاموا بالثورة الفرنسية، ومن أشهرهم استخداماً لها روبسبيير الذي قاد إليها العديد من رفاقه الكبار في الثورة، وفي مقدمتهم جورج جاك دانتون.

زاد الانفراج بين الكنيسة التي كان بعض أنصارها التقليديين يرفعون شعارات كهذا (عقيدة واحدة، قانون واحد، ملك واحد)، وبين الجمهوريين الأوروبيين الداعين إلى الديموقراطية والتغيير الاجتماعي الكبير، بحيث اشتدت لهجة “العلمانية”، لدرجة أن غراكوس بابيوف كان يذكر الناس بأن “المسيحي المؤمن يسعى إلى تحقيق الروحانية المطلقة في الجنة، في حين أن سواهم يبحثون عن جنتهم الأرضية، فليحقق كل هدفه حسب قناعته.”

دافع أنصار الكنيسة دفاعاً مستميتاً عن قيمهم الدينية، أو التي نشروها وفرضوها باسم الدين، في مواجهة التنويريين العاملين على تقزيم دور الكليروس الكاثوليكي في الحياة السياسية، التي كانت راكدة بسبب التعاون الوثيق بين الكنيسة والتاج. وكان من بين هؤلاء التنويريين البارزين فرانس خافير فون فيللر، الذي أظهر وجهة النظر الدينية على أساس أن “أشد المعارف أصالةً هي معرفة السيادة الربانية، رب العالمين، البادىء والنهاية لكل شيء لديه.” وكذلك يونغ ستيللنغ الذي كان يخرج على الناس بهذا المنطق الحاد:”إذا كان العقل أسمى من الوحي، فحينئذٍ ما كانت هناك حاجة للوحي أصلاً، أما إذا كان الوحي أسمى من العقل، فإنه يجب منح علماء الدين الفرصة الكافية للتحديث من خلال الاصلاح الداخلي في الكنيسة، عوضاً عن محاربتهم بهذه الشدة.” وكان متأثراً جداً بالفيلسوف عمانوئيل كانت، الذي كان يطالب باصرار ب”تعريض الكنيسة مثل الدولة إلى النقد العقلاني.” إلا أنه لم يكن موافقاً على النقد المدمر للكنيسة، مما دفع أنصارها إلى اعتبار عمانوئيل كانت “أنموذجاً صالحاً للناقدين العقلانيين“، تصلح أفكاره لبناء أساس متين لحوار بين المتخاصمين، المدافعين عن الكنيسة والمعادين لها.

وكان عمانوئيل كانت مدرسة لبناء اسس حياة مشتركة بين المثقفين المتمردين والكنسيين، في حال رغبتهم في الحوار، وبخاصة فإنه كان يرى “العقلانية الإنسانية جاهلة تماماً بما هو خارج عالم الحواس.” وبذلك حاول جعل الهجوم الكاسح على الدين في حالةٍ أضعف، وتقوية الحوار العقلي ما أمكن، في حين رأى الكنسيون من أعداء التنويرية وأعداء حركة أو جمعيات “المعماريين” العاملين على الفصل بين الدين والدولة، في مقولاته فرصة ذهبية لهم لاعتبارهم الطموح الفلسفي الفرنسي والألماني من أجل التحرر، غير ذات قيمة أو أنه محاولة لفرض “دكتاتورية المنطق الجديد“، حسب البروفيسور اليسوعي بينيدكت شتاتلله ر، و”هذه الدكتاتورية العارمة والفتية ستعصف بكل أسس الإيمان المسيحي بالله في الكون.”

وهكذا نجد أنصار الدين والكنيسة في الخندق المعادي والمواجه لأنصار العلمانية والدولة المتحررة من قيود الحلف الكنسي – الملكي، قبل وأثناء الثورة الفرنسية. ولم تنفع معقولية وواقعية الفيلسوف الكبير عمانوئيل كانت في اقناع الطرفين بوضع السلاح الثقافي جانباً والتلاقي لحوار طويل الأمد، على الرغم من أن مؤلفه الشهير”نقد العقلانية الخالصة”، الذي تناول فيه الكثير مما كان يدور حوله النزاع، يعتبر علامة طريق بارزة في تاريخ الفلسفة العالمية.

هذه الحرب بين المؤمنين بدور الكنيسة وتحالفها مع التاج والعرش توضحت بشكل أشد جلاءً بين الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية في روسيا القيصرية وأنصار الشيوعية والثورة الطبقية، حيت الشيوعية تعتبر”الدين أفيون الشعوب!”، تلك الثورةالتي قادها الحزب الشيوعي بقيادة فلاديمير ايليتش لينين، وتمكن من إحراز النصر على التاج القيصري والمذبح الكنسي في فترة وجيزة من الزمن، على الرغم من أن ذلك ما كان ليتحقق بدون دعم القيصرية الألمانية التي كانت في حالة حرب مع روسيا آنذاك، وبدون ارتكاب جرائم عديدة بحق الإنسانية، ومنها القتل الجماعي بأوامر من لينين ذاته – كما تقول المصادر التاريخية – لكل أفراد عائلة القيصر الروسي حتى الآطفال. وارتكاب تلك الجرائم الجماعية لم يكن سمة مرحلة قصيرة في تاريخ الثورات الشيوعية، وإنما في مختلف مراحل التاريخ السوفييتي، وبخاصة في عهد المجرم الكبير جوزيف ستالين، كما يجدر التذكير هنا بمذابح ماوتسي تونغ في الصين الشيوعية وبول بوت في جنوب شرقي آسيا، وكذلك أثتاء حكم ميلوزوفيتش الصربي في يوغسلافيا، تلك الجرائم الكبرى التي راح ضحيتها الملايين من البشر، ومن ضمنهم أعداد كبيرة المثقفين ورجال الدين، ومنهم عدد هام من القساوسة البوذيين في بلاد التيبت المحتلة من قبل الصين. ولقد فقد رجال الدين بمختلف عقائدهم، بعد نجاح الثورات الشيوعية، تأثيرهم في مجتمعاتهم إلى حين انهيار المنظومة الشيوعية السوفييتية. وبالنسبة إلى زعيم البوذيين الدلاي لاما فإنه لم يجد مجالاً للعيش في بلاده، وأضطر إلى الخروج من التيبت، حيث لم يعد حتى الآن، ولربما لن يدخل معابده وقصوره مرة أخرى في حياته. إن الثورة الشيوعية في الصين قد اعتبرت عقائد الكونفوشية والبوذية والإسلام أعداءً لها، وعملت على اجتثاثها، إلا أنها فشلت في ذلك، رغم وحشية الممارسات والاستخدام المفرط للقوة بحق المؤمنين. ولكن الممارسات القمعية بحق أتباع هذه الأديان لاتزال مستمرة وتتحدث عنها تقارير لجان حقوق الإنسان.

تصريح من جان كورد

جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de     https://cankurd.wordpress.com     https://www.facebook.com/madmiro1

    10    أيار‏، 2012

الإخوة في الأحزاب الكوردية

وفي سائر المواقع الانترنتية

بعد التحية 

المقال المنشور باسمي عن الأستاذ فؤاد عليكو ليس مني 

وأنا بريء منه

يرجى العلم 

ونشر الخبر ما أمكن

فهناك عملاء يريدون الاصطياد في الماء العكر

مع فائق الاحترام والتقدير

جان كورد