تكريد صراعٍ إقليمي أم منافسة حزبية رديئة

جان كورد – 2013‏

لا يختلف اثنان على أن الصراع في سوريا يسير في اتجاه الصراع الإقليمي الأخطر والأوسع والأطول، وستنعكس نتائجه السلبية على سائر دول المنطقة، وعلى شعبنا الكردي أيضاً، لأنه يعيش في المنطقة ولا يستطيع أن يعيش بمنأى عما يجري حوله من أحداثٍ لها خلفيات سياسية واقتصادية وعقيدية. وأشك في فهم واتزان أولئك الذين يزعمون بأن وضع شعبنا مختلف وبأن قياداته الحزبية قادرة على النأي به في هذه الأوضاع الخطيرة، وبخاصة فإن الاتجاه صوب اقتتالٍ طائفي وديني وسياسي بات سمة المرحلة الجديدة التي تواجه السوريين بعد الآن.

في هذا الصراع الدموي الكبير ثمة محاور إقليمية تقف وراءها أو تحركها قوى دولية تملك إمكانات تعبئة ودعاية عظيمة، ولها تداخلات وتشابكات عبر منظمات دولية تمتلك فيها من الحقوق ما لا تمتلكها الدول الأضعف، كحق الفيتو في مجلس الأمن مثلاً. وهذه المحاور المدعومة من قبل قوى دولية مؤثرة، ويمكن تحديدها بالمحور الإيراني والمحور التركي والمحور الإسرائيلي والمحور العربي، تلقي بظلالها على الساحة السورية وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في مسار الأحداث، وفي حين يدعم المحور الإيراني والإسرائيلي بقاء النظام السوري واستمراره في الدفاع عن قلاعه العسكرية في العاصمة دمشق وبعض أرجاء سوريا إلى حدٍ ما، بل إن إيران متورطة عسكرياً بذاتها وعن طريق مرتزقتها العراقيين واللبنانيين في الحرب المعلنة من قبل النظام على الشعب السوري، فإن المحوران التركي والعربي يدعمان المعارضة السورية باختلاف كياناتها الديموقراطية والوطنية والإسلامية (المعتدلة والمتطرفة) بهدف اسقاط النظام الأسد أو فرض شروطها عليه في حال عدم تمكن المعارضة السورية المسلحة من التخلص من الأسد وبطانته الإرهابية الموغلة في الجريمة ضد الإنسانية.

الأحزاب الكردية / الكردستانية لم تنخرط بعد في صفوف “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” وهو آخر ما تحقق من تحالفٍ وطني سوري على مستوى الفعاليات السياسية، كما لا نجد لهذه الأحزاب وجوداً واضحاً ضمن تشكيلات “الجيش السوري الحر” وضمن التنظيمات الإسلامية المسلحة، وهذا الجيش الحر هو أهم القوى العسكرية للمعارضة السياسية السورية، إلى جانب التنظيمات الجهادية، وهذا يعني أن الأحزاب الكردية قد حاولت النأي بالنفس عن المساهمة في القتال وفي النضال السياسي ضمن التشكيلات التحالفية السورية، لأسباب:

– الأول هو الاعتقاد السائد في قيادات هذه الأحزاب بأن في مقدورها الاستمرار في النأي بالنفس عن الدخول في نزاعات مسلحة ظلت بعيدة عنها على الساحة السورية منذ تأسيس أول تنظيم سياسي كردي سوري، الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا في عام 1957

– رفض كل التشكيلات السورية المعارضة منح الشعب الكردي حقه القومي العادل في إدارة ذاته ذاتياً ووقوفها عند حد “حق المواطنة” المتساوية مع سائر مواطني البلاد دون الاعتراف بحق هذا الشعب في تقرير المصير، حسب القوانين والمواثيق الدولية، ودون أي اعتبار لكون هذا الشعب يشكل التركيبة الاثنية الثانية في البلاد.

– ضعف هذه القيادات وفشلها في إظهار القوة السكانية والسياسية والقتالية والدبلوماسية للشعب الكردي كطرفٍ لا يمكن إهماله وتجاوز وجوده وحقوقه على الساحة السورية، على الرغم من كثرة المحاولات الكردية لإقامة التحالفات الداخلية والهيئات المشتركة بين أحزاب الكرد الوطنية الديموقراطية.

– الارتباط العضوي المتزمت بعناصر أقوى على الساحة الكردستانية خارج سوريا، وهذه العناصر القوية داخلة في محاور إقليمية أو واقعة تحت ضغوطها وتأثيراتها، وهي فيما بينها إما متنازعة وإما متقاربة، حسب الظروف الإقليمية في المنطقة والمتغيرات على الساحة الكردستانية. وهنا لابد لنا التوضيح بأن المثلث الكردستاني الشهير (الحزب الديموقراطي الكردستاني -الاتحاد الوطني الكردستاني -حزب العمال الكردستاني) أشد فعالية وتأثيراً في المواقف الكردية السورية حيال مختلف المسائل من تأثير أي حزبٍ سوري عليها، وهذه حقيقة يجب عدم إهمالها من قبل المعارضة السورية، وكما هو تأثير إيران في حزب اللات اللبناني أو تأثير عامة الإخوان المسلمين العرب في جماعة الإخوان المسلمين السورية، فإن لحزب العمال الكردستاني ذات التأثير الفعال في “حزب الاتحاد الديموقراطي” السوري الذي يعتبر  أحد أهم التشكيلات السياسية المنظمة على الساحة في غرب كوردستان.

وحيث ان المثلث الكردستاني في أربيل والسليمانية وقنديل هو الذي يستطيع املاء شروط أضلاعه على الحركة السياسية في غرب كوردستان، وهذا ما أدركته قيادة “المجلس الوطني السوري” في ظل رئيسها الدكتور برهان غليون، فقد حاول المجلس كسب الأحزاب الكردية “السورية” عن طريق اقناع الكردستانيين بضرورة ممارسة ضغوطهم على هذه الأحزاب. والمحاولات في هذا المجال لا تزال مستمرة.

ولكن يجب عدم تجاهل دور المحورين الإقليميين المحيطين بإقليم جنوب كوردستان من طرفي الشرق (إيران) ومن طرف الشمال (تركيا)، إضافة إلى أن حكومة السيد نوري المالكي في بغداد متحالفة تماماً مع إيران، في حين أن المعارضة متحالفة حالياً مع تركيا، وأن هذا الوضع وإن كان يسمح بقليلٍ من الاستفادة لتضارب مصالح المحورين استراتيجياً في المنطقة، فإنه يؤثر سلباً على حركة وحرية المثلث الكردستاني المتقارب ضمناً في اتخاذ قراراته وتحديد مواقفه، ليس على صعيد الإقليم الكردي في العراق فحسب وإنما على الصعيد الكردستاني أيضاً، وبالتالي لن يكون هذا الوضع مفيداً لأحزاب غرب كوردستان، بل إن أحزابنا تكتشف مع الأيام أن محوري إيران وتركيا يؤثران سلباً وبقوة في مواقف الإخوة الكردستانيين، ومثالنا على ذلك هو أن موقف حزب الاتحاد الديموقراطي من حكومة أردوغان والعلاقة معها، بل ومن الأردوغانية كفكر سياسي أيضاً، قد تغير فجأة بمجرد الاتفاق الذي جرى بين زعيمه السيد عبد الله اوجالان ورئيس المخابرات التركية هاكان فيدان بصدد “السلام المأمول” في شمال كوردستان وتركيا. وبالتأكيد فإن أي صراعٍ علني بين أحزاب المثلث الكردستاني سيؤدي إلى انشطارات كردية سورية عميقة، كما حدث في الماضي باستمرار.

ما يقال عن تنافس سياسي طبيعي بين أحزابنا في غرب كردستان ليس إلا هراءً، فالتنافس لن يكون طبيعياً إلا بتواجد ظروفه الديموقراطية التي تسمح بالانتخابات واستطلاعات الرأي العام والدعاية العلنية بشتى الوسائل الإعلامية بهدف كسب أصوات وقلوب المواطنين، فالتنافس لا يتحقق من خلال الترويع والترهيب الذي تمارسه بعض القوى ضد بعضها الآخر، وبالاستيلاء على الطحين المرسل كمعونات إلى فقراء الكرد وبفرض الاتاوة كزمن العثمانيين حتى على الأشجار والخراف… ولربما الدجاج أيضاً.

أنا لا أرى سوى شيءٍ بسيط من التنافس الحزبي الرديء وغير المنتج، وذلك لأن أحزابنا في غرب كوردستان ليست مستقلة في قرارها السياسي، بل هي تابعة لأحزاب كردستانية داخلة في عباءة محوري إيران وتركيا، ليس اليوم فقط وإنما تاريخياً أيضاً، وبقدر ما تزداد الصراعات الإقليمية حدةً على الساحة السورية التي نحن جزء منها الآن، شئنا أم أبينا، فإن تأثير المحاور الإقليمية، وبخاصة محوري إيران وتركيا، في مجمل الحراك السياسي الكردي، سيظهر بوضوحٍ أشد. وبالتالي فإن انخراط الكرد في هذه الصراعات العنيفة سيقود أحزابنا إلى “تكريد الصراع الإقليمي” الذي شرعنا نلاحظ مقدماته، حيث المحور الإيراني المدجج بالسلاح والمال والتقنيات الإعلامية، يحقق تقدماً ملحوظاً على الساحة الكردية، من خلال انتهاج بعض أحزابنا سياساتٍ تتقارب مع سياسة واستراتيجية هذا المحور، بصدد سوريا وبصدد المشاكل المختلفة في المنطقة.

فماذا سيحدث إن بدأ المحور التركي أيضاً في تقديم المال والسلاح والدعم الإعلامي – السياسي لأحزابٍ كردية “سورية” بشكل مباشر أو عن طريق أحد أضلاع المثلث الكردستاني؟ ألن نجد أنفسنا في معمعان “تكريد الصراع الإقليمي”؟ أم سنسمي هكذا مصادمات على الساحة الكردية مجرد “منافسة حزبية!”؟

ضبط الشعب الكردي كردياً

جان كورد –  ‏18‏ حزيران‏، 2013

كان هكذا عبر التاريخ كله، فالإمبراطورية الفارسية التي نشأت وقويت على أكتاف الكرد الميديين صارت مع الأيام تضبط الكرد عن طريق أمرائهم المختلفين منذ ذلك الحين، بل الكرد مختلفون ومشتتون ومحكومون من قبل أمرائهم التابعين حتى إلى ما بعد تأسيس ما أطلقوا عليه ظلماً وعدواناً اسم “الهيئة الكردية العليا” في غرب كوردستان،

وكذلك الأمويون العرب والعباسيون الأخلاط الذين جاء لهم المغامر الكردي أبو مسلم الخراساني بالعرش والتاج المخضبين بدماء الأمويين المذبوحين في بلاطهم، ونقل عاصمة الدولة الإسلامية من دمشق إلى بغداد بحد السيف، فتمت مكافأته بقتله غدراً في مربض خيل، ولسان حال أحد شعرائهم يلوك أكذوبة تاريخية، حيث يقول:

أفي دولة العباس أردت غدره             ألا إن أهل الغدر آباؤك الكورد

فلو كان أبو مسلم غادراً لما وضع حياته في الخطر من أجل العباسيين، الذين كان الناس يعتقدون بأحقيتهم في حمل أمانة الخلافة لقرابتهم بالبيت النبوي الشريف. هؤلاء العباسيون الذين كانوا ينحرون بعضهم ويغتصبون العرش عنوةً من أبناء قومهم وعشيرتهم، كانوا في الوقت ذاته قادرين على اخضاع كوردستان برمتها بذات الأساليب الماكرة التي اتبعها الفرس من قبل ظهور الإسلام ومجيء العرب من جزيرتهم إلى ما سموه ب”العراقين العربي والعجمي”. حتى أن السلطان الكردي الكبير الناصر صلاح الدين الأيوبي هازم كل الجيوش الصليبية ومحرر الكثير من قلاع المسلمين بعد احتلال دام عقوداً من الزمن وفاتح بيت المقدس، كان يتبع في ولائه سلطان العباسيين، ولو كان اسمياً وشكلياً، وإلا فإنه كان سيتعرض لعداوة أمراء الكرد الذين بايعوا الخلفاء العباسيين على السمع والطاعة، كرهاً أو طوعاً، ولكنهم فيما بينهم ظلوا متناحرين ومتحاربين، وكأنهم كانوا مجرد همزة وصل بين الفشل التاريخي للكرد وفشلهم الذي لايزالون يتخبطون فيه حتى اليوم وكأنهم في حلمٍ مرعب. فنقلوا فيروس الاختلاف والخصام من أجدادهم الميديين إلى الأحفاد فيما بعد القرن العشرين، عصر التنوير والحريات والوعي، إلى الأمناء العامين والسكرتاريات العظيمة الشأن لأحزابنا التي تتصدى لكل عمليات الارغام على التوحد والاتحاد، فالوحدة تبدو كجريمة كبرى بحق “التعددية” التنظيمية ولو كنا لا نرى ذلك مدوناً في برامجهم، ومن بعيد تبدو تنظيماتهم كالقباب البيض التي تراها أعين الناظرين جميلةً من بعيد، ولكن ليس بداخلها سوى مقابر تحوي عظاماً نخرة تفوح منها روائح كريهة من التمزق والرياء والنفاق والتدافع والغطرسة ووضع المصالح الشخصية فوق مصلحة الشعب الكردي، رغم مرورنا في مرحلةٍ تاريخية حرجة قد تؤذينا فيها نوائب الدهر أذى بليغا.

العثمانيون كانوا أبرع من الفرس والعرب في تقسيم الكرد وتحطيم قواهم وفي ربطهم بعرشهم السلطاني الذي اغتصبوه من غيرهم من المسلمين، وكأنهم تلقوا سائر فنون السياسة والمراوغة والحنكة في الإدارة، على الرغم من أنهم كانوا مجرد رعاعٍ وناهبين، اغتصبوا بلاد الكرد والأرمن واليونان والبلغار والليديين واللاز والتات وسواهم من الشعوب من قبل. من خلال هجماتهم الدموية التي كانت تحرق الأخضر واليابس، منذ أن انطلقوا غزاةً كالسيل الجارف من بلادهم في آسيا الوسطى، يدمرون كل ما مروا عليه من مدنيات وعمران بشري ويخنقون كل الحضارات التي أقامها البشر في طريقهم.

كان العثمانيون يلعبون بعقول الزعماء الكرد ويدغدغون أحلام بعضهم فكسبوهم الواحد تلو الآخر وزجوا بهم في حروبهم على بلدان أوروبا الشرقية، حتى وصلوا إلى بوابات العاصمة النمساوية فيينا، مستخدمين سلاح الدين للتغرير بالكرد وللتنكيل بالمعارضين منهم، ولاتزال إحدى القلاع في وسط بلاد المجر تدعى “كردو”، ذلك لأن الكرد كانوا في الصفوف العثمانية الأولى ورأس حربة “الفتوح الإسلامية” خلال كل حكم العثمانيين الذين عملوا من أجل ديمومة السيادة لبني قومهم التركي على العالم الإسلامي، بدليل أنه لم يصل إلى مرتبة السلطان أي فردٍ غير تركي طوال عمر ذلك الحكم الذي دام قروناً من الزمن. أما الكرد فقد كانوا “فرسان الشرق” ووقود المعارك، وفيما بينهم كانوا يخضعون لأمراء تابعين للصدر الأعظم يحركهم كيفما يشاء في خدمة آل عثمان.

دخل الفرنسيون والانجليز والروس المنطقة الشاسعة ما بين بحر قزوين وباب المندب والبحر الأبيض المتوسط، ولم يتمكنوا من إخماد “الفتن!” وتحريك “الثورة العربية” ضد العثمانيين إلا بتطبيق سياسة “فرق تسد”، وما كان للإنجليز أن يضبطوا القبائل والعشائر الكردية الثائرة في جنوب كوردستان دون تسخير بعض الزعماء الكرد الخونة للقتال ضد الشيخ محمود الحفيد البرزنجي الذي أعلن نفسه ملكاً على كوردستان بعد اتفاقية سيفر في عام 1920، أو قبلها بعام، تلك الاتفاقية الدولية التي أقرت حق الاستقلال للشعب الكردي عن دولة “الرجل العثماني المريض”، ثم هبت الرياح بعكس المصالح القومية الكردية وبسبب خيانة كثيرين من زعمائهم وسعي أكثرهم للقضاء على نفوذ منافسيهم من بني قومهم، فحلت اتفاقية لوزان في عام 1923 محل اتفاقية سيفر، وقضي الأمر بالنسبة لمشروع الاستقلال الكردي، مثلما توصل بعضهم منذ فترة وجيزة إلى اتفاقٍ لا ندري عنه إلا القليل مع رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، من نتائجه ضبط الشعب الكردي ضبطاً محكماً ودفن فكرة “الاستقلال الكردي” إلى الأبد، بعد أن فشلت كل القوى المحتلة لكوردستان في إصدار وثيقة الدفن تلك عبر العصور، رغم كل المذابح التي ارتكبوها بحق الشعب الكردي وحملات القمع والتشريد وفرض اللغات العربية والتركية والفارسية على أطفال الكرد، ومنع كل ما يمت إلى وطنهم “كوردستان” من ثقافة وتاريخ وطموح.

سعى شاه إيران والزعماء القومجيون البعثيون في كل من سوريا والعراق، خلال عقودٍ طويلة، إسوة بالعنصريين الطورانيين الكماليين في تركيا، للمساهمة في دفن الطموحات القومية الكردية وعملوا على ضبط الشعب الكردي كردياً، من خلال ابتكار قوى “كردية” لا تشوش على نضالات وكفاح الأمة الكردية فحسب، وإنما تحارب كل نهجٍ قومي وطني صحيح ومتجه نحو الأهداف الحقيقية والطبيعية لهذه الأمة. فكان نظام الجاش في جنوب كوردستان لا يختلف في كثيرٍ عن نظام الجيش الإنكشاري العثماني الذي كانت قوته الأساسية على أكتاف الكرد وبلغ في بعض المراحل التاريخية أكثر من 60 فرقة محاربة ومدربة تدريباً جيداً وخاضعةً للنظام السياسي – الديني العثماني بولاءٍ تام ونكرانٍ صارخ للقومية الكردية التي كانت تعاني من نهب الموظفين الترك وتتعرض لأشنع حملات الاستغلال والتمييز. ونظام الجاش الذي فشل على أثر استخدام صدام حسين للسلاح الكيميائي ضد شعبنا في عام 1988 في مدينة حلبجة، لايزال مستمراً في كوردستان بصورٍ مختلفة، وها هو أحد كبار الجاش السوريين الذي يتربع منصباً فيما يسمى ب”مجلس الشعب” الأسدي، يفتخر دون حياءٍ أو خجل بتبعيته للنظام الذي نكل بشعبه وتنكر لحقوقه منذ اغتصاب حزب البعث العنصري للسلطة في البلاد في عام 1963 بانقلابٍ مدعوم من جهاتٍ دولية معادية للشعب السوري، بل إنه يلقى الاحترام والتقدير من قبل زعماء “كرد وكردستانيين” ويتباهى أمامهم بعمالته، وتجري معه بعض مواقع “الحداثة والديموقراطية الكردستانية”  مقابلاتٍ شيقة ومثيرة وكأنه بطل من أبطال التحرير القومي في كوردستان.

لقد كان الهدف من نظام الجاش ضبط الشارع الكردي ومنع الشباب من الالتحاق بالثورة، وها هو الشارع الكردي يضبط كردياً اليوم، ليس في العراق هذه المرة، وإنما في سوريا وإيران وتركيا، من خلال من هم في خدمة الأنظمة، ولكنهم يحملون مختلف نياشين الثورة والأممية والتقدمية و”الديموقراطية الشعبية” ويدعون إلى السلام والحوار ورفض الثورة السورية المجيدة جملةً وتفصيلاً، بل إنهم أصحاب قوة لا يدري أحد كيف حصلوا عليها دون أي اشتباك مع النظام، ويزعمون أنهم حرروا جزءاً من كوردستان خلال أيامٍ معدودات من ثورتهم العارمة، بحيث يستحق رئيسهم شهادة أعظم قائد كردي على الإطلاق لتحريره شعباً ، دون إراقة قطرة دمٍ لجندي من جنود الدولة،  ولكنهم في الحقيقة قشرة البيض التي تحوي بداخلها سائر إفرازات النظام من فرض الهيمنة واختطاف المناضلين الكرد واغتيالهم وفرض الأتاوات ومنع رفع العلم القومي الكردي والتسلط السياسي ومحاولة بناء نظامٍ شمولي على رأسه مستفرد بالزعامة الأبدية وبقيادة الحزب الأبدي. فما الفارق بين نظام الجاش العراقي ونظام فرض “السلطة المطلقة” لحزبٍ من الأحزاب على مجتمعٍ بأسره؟ ليس هناك أي فارقٍ في المضمون، وليست الغاية سوى ضبط الشارع الكردي إلى أن ينقذ النظام عنقه من المقصلة التي أوقع نفسها تحتها بنفسه.

كل الأحزاب الكردية الوطنية الديموقراطية مشمئزة من الأوضاع السائدة، وكلها محاربة في وجودها وكياناتها، إلا أنها لا تكشف عن الحقيقة التي تقول:” إن نظام الأسد يستعين ببعض الأكراد لضبط الشعب الكردي اليوم مثلما استعان المستعمرون عبر التاريخ دائماً بقوى من الشعوب المستعمرة (بفتح الميم والراء) لتفتيت وحدتها وضرب قواها بعضها ببعض ولضبط المتمردين على سياساتها ولتصفية ثوارها،”

فلينظر كل واحد إلى نفسه ويحدد مكانه، أهو حقيقةً مع الثورة والشعب؟ أم مع إرهاب النظام وقمعه وشموليته ويطبق سياساته على الأرض بذريعة أنه يدشن للحكم الذاتي الكردي “الغامض حقاً” ويحمي الشعب المرتعب من هذه الحماية مع الأسف؟

إن من يجد نفسه في صف ثورة الحرية والكرامة في سوريا لا يدافع عن موقف النظام بصدد تسليح المعارضة السورية المسلحة، وإن من يرى نفسه جزءاً من هذه الثورة لا يأوي ضباط الأمن السوري ويداويهم سراً في القرى الكردية، ولا يساعد قوات النظام في قطع الطريق على الثوار السوريين، ولا يمارس القمع والاعتقال بحق المناضلين الكرد من الأحزاب الوطنية الديموقراطية ولا يستولي على قوت الشعب ولا يتصرف في البيت الكردي السوري وكأنه يمثل عظيم روما في البلاد.

إن الأخبار التي تردنا من مصادر مختلفة تؤكد كلها الشيء ذاته، مع الأسف، ألا وهو أن بعض القوى الكردية ليست إلا أداة ضبط كردية للشارع الكردي في خدمة النظام الأسدي الذي فقد الشرعية، وأن بعض من يتكلم باسم شعبنا اليوم لا رصيد له ويأخذ أوامره ممن هو أعلى منه شأناً في حزبٍ يفرض عليه سياساتٍ معينة بسبب ظروفٍ خاصةٍ به اقليمياً 

حزب اللات والشبيحة الإقليمية أخطر من غاز السارين

‏17 حزيران‏، 2013

جان كورد 

صار معلوماً أن نظام بشار الأسد قد استخدم السلاح الكيميائي ومنه غاز السارين القاتل خاصةً ضد الشعب السوري مراتٍ عديدة، وهذا ما تم توثيقه والتأكيد عليه من قبل الأطباء السوريين العاملين في مستشفيات ميدانية تخدم المعارضة السورية المسلحة، وأطباء لا علاقة لهم بأي طرفٍ من أطراف الصراع الدموي، إضافة إلى تأكيداتٍ وبياناتٍ واثباتاتٍ من مخابرات عدة دولٍ، منها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أخيراً، ولكن لايزال هذا النظام الأهوج وأتباعه وأشياعه، وكذلك حلفاؤه الروس ينكرون قيام النظام الأسدي المجرم باستخدام هذا السلاح الذي ارتفع عدد ضحاياه الموثقين بأسماء وأعمارٍ وحالاتٍ صحيةٍ معينة إلى أكثر من 150 إنساناً. وهذا الانكار لا يقل في الحقيقة دناءة عن محاولات الروس والإيرانيين وسواهم تبرئة النظام من جريمة قتل أكثر من 93.000 مواطن سوري حتى الآن عن طريق زج كافة قواته المسلحة بمختلف أسلحتها في الحرب على شعبه.                                            

استخدم نظام البعث العراقي البائد في ظل صدام حسين الغازات السامة، ومنها غاز السارين ضد الشعب الكردي، وبخاصة في مدينة حلبجة، في عام 1988، حيث راح ضحية ذلك ما يزيد عن 7000 إنسان من المدنيين، مات جلهم نتيجة معاناة عذابٍ لا يوصف، وحينها أنكر القوميون العرب من مختلف التنظيمات والاتجاهات الفكرية أن يستخدم أبناء جلدتهم في العراق مثل هذا السلاح الوحشي في الحرب ضد شعبٍ أعزل، ولا أدري من سيتهمون هذه المرة، والعالم قد انتهى من مجال الاتهام غير المؤكد إلى مجال المطالبة بمحاكمة النظام السوري ومعاقبته على زجه هذا السلاح الممنوع دولياً في حربه على المدنيين في سوريا، فهل سيتهمون إيران وروسيا بهذه الجريمة التي حدثت بكل بشاعتها أمام أنظار مجتمعٍ دولي خامد، ولا نشك في أن هاتين الدولتين شريكتان في جريمة دعم النظام وعدم قيامهما بلجمه، على الرغم من تخطيه سائر “الخطوط الحمراء” في تقتيل السوريين وتعذيبهم وتدمير بلادهم.  ولكن يبقى النظام بجنرالاته وقادته الاستراتيجيين وآمري قواته العسكرية والأمنية هو المجرم الأول والأكبر في استخدامه السلاح الكيميائي، ويجب معاقبته دولياً رغم اعتراض الروس والإيرانيين، ولو أدى ذلك إلى أزمة سياسية كبيرة وجلب تحديات خطيرة لهيئة الأمم المتحدة، لأن عدم معاقبة نظام الأسد ومحاسبته على ما اقترفت يداه من “جريمة ضد الإنسانية” سيفتح المجال لسواه من الأنظمة الشمولية التي لن تكترث مثل نظام الأسد للمناشدات والمطالبات والدعوات الأممية لأنها لا تشعر بأي خطورة لممارساتها القمعية الوحشية لقوى المعارضة في بلادها.  إن آثار غاز السارين تزول بعد مضي 48 ساعة فقط على استخدامه، ولذلك فإنه محبذ اليوم لدى مجرمي الأسد كما كان محبذاً لدى مجرمي صدام حسين سابقاً، والفارق هو أن صدام حسين نال عقابه على بعض جرائمه، في حين أن الأسد لايزال يسخر من المجتمع الدولي ومن ضحاياه الذين بلغوا مئات الألوف ومن بينهم ضحايا غاز السارين، والناس في العالم الخارجي حائرون ومترددون عما إذا كان يجب دعم المعارضة التي تقف في وجهه بسلاحٍ متطور أم لا، دون أن يتألموا حقيقةً لما يعاني منه الشعب السوري يومياً، في حين أنهم يقيسون مصالحهم في سوريا والمنطقة قياساً دقيقاً حتى لا يفوتهم شيء من المنافع في حال زوال النظام أو بقائه. إنه عالم بلا مشاعر وبلا إنسانية.                         

نظام الأسد يستخدم منذ فترةٍ طويلة سلاحاً أخطر من غاز السارين، لا تزول آثاره المدمر على الشعب السوري خلال 48 ساعة أو آلاف الساعات، والأسد لا يخفي هذا السلاح عن أعين المجتمع الدولي، بل يستخدمه علانيةً ومتحدياً به قرارات هذا المجتمع المتعلقة بالأمن والاستقرار بين الدول، وعاملاً على هدم العلاقات الإقليمية في العالم العربي، بل الشرق الأوسط برمته، ألا وهو سلاح “حزب اللات” الذي ظهر تحت اسم “حزب الله” واستغل شعارات المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي في لبنان، ورفع رايات الثورة الإسلامية المستوردة من إيران الخميني، وجمع عشرات الألوف من المقاتلين المدججين بالسلاح والعتاد ومن حاملي الرايات الطائفية، المدعومين برواتب مالية جيدة، وإذا بهذا الحزب يصبح في سنواتٍ قلائل القوة التي تحدد مسار الدولة اللبنانية وتعين من تريد في أهم مراكز ومناصب الهرم السياسي للبلاد، وتتصرف وكأنها تجد الدولة اللبنانية قزماً بجانبها، فتتدخل في سوريا بمزاعم “حماية المراقد المقدسة للشيعة” وتحتل مدينة “القصير” السورية فترتكب فيها المجازر وترفع على مآذن مساجدها المدمرة رايات طائفية تتحدى بها المحيط العربي بأكمله، ثم تتحرك في العمق السوري شرقاً وشمالاً لتحصد أرواح المعارضين السوريين بالجملة وتهين المسلمين السنة الذي يشكلون غالبية الشعب السوري، وتحاصر بعض المدن  الثائرة التي لم يتمكن النظام من اخضاعها منذ خروجها عن طاعته، مثل مدينة حلب الهامة، ولتأخذ الأسلحة السورية المخزونة، ومنها الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل، بعد أن فشل النظام في إيصالها إلى حزب اللات نتيجة قصف قوافله العسكرية المتجه صوب لبنان من قبل سلاح الجو الإسرائيلي الراصد لتحركات هذه الأسلحة الخطيرة بالنسبة إلى وجود اسرائيل ووجود شعبها.                                   

إن استخدام نظام الأسد سلاحه الأشد فتكاً من غاز السارين ذي التأثير الموضعي في هذ المكان أو ذاك من أرض المعركة، لا يقل خطورةً على المنطقة برمتها من استخدام السلاح الكيميائي، فالمعركة قد تحولت بذلك من معركة بين السوريين أنفسهم إلى معركة إقليمية، ويتعرض بمغامرة حزب اللات الاجرامية هذه أمن واستقرار البلد الجار لبنان إلى التخريب والتدمير، وسيزداد عبء تدفق ملايين أخرى من السوريين على بلدان الجوار، ومنها لبنان والأردن وإقليم كوردستان العراق، وهي مناطق وبلدان ضعيفة اقتصادياً بالنسبة إلى تركيا مثلاً، وقد تنهار سياسياً واقتصادياً بسبب النزوح السوري الكبير إليها، كما أن هذه التدخلات الطائفية لحزب اللات والشبيحة الإقليمية في الشأن السوري على هذا الوجه الواضح، مدعوماً بآلاف المقاتلين العراقيين “الشيعة” والعديد من كتائب “الحرس الثوري” الإيراني، سيكون مصدر خوفٍ  لإسرائيل وحلفائها الذين لن يرضوا بانتشار قوات معادية لها على الأراضي السورية، وتحت أمرة النظام الإيراني الذي لايزال يعتبر من قبلهم أحد مصادر “الشر” الموجه إلى مصالحهم ووجودهم في المنطقة.

إن استخدام السارين أضر بالسوريين وحدهم، ولكن استخدام حزب اللات ومن ورائه أو تحت اسمه “الحرس الثوري” الإيرانيين ، وكثيرين من خبراء الروس العسكريين والأمنيين في صراعٍ سوري –  سوري على الحرية والديموقراطية يضر بكل المنطقة ويجعل من هذا الصراع الداخلي في بلدٍ من بلدانها إلى صراعٍ إقليمي بالسلاح، قد يتحول إل حربٍ إقليمية واسعة النطاق، يهدد مصالح الشعوب والدول، ويعرض السلام العالمي للخطر.                                                                                                                

لابد وأن الأسد قد لجأ إلى استخدام الغازات الكيميائية نتيجة ضعفه ويأسه وفي محاولةٍ قذرة من قادته وبطانته اللعينة لبث الذعر في صفوف المقاتلين المعارضين لنظامه، وهو يعلم أن لاستخدام هذا السلاح نتائج سلبية له، وقد يحاكم على ذلك بتهمة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية واستخدام سلاحٍ محظور دولياً في الحرب على شعبه، إلا أن استجلابه لمقاتلي حزب اللات واستعانته الواسعة بقوات “الحرس الثوري” الإيرانية وأكبر عددٍ ممكن من المتطوعين الشيعة من العراق والعلويين من تركيا، هو بهدف “أقلمة” الصراع، وزج لبنان أولاً في المعركة، بهدف جر إسرائيل وإيران بعد ذلك إلى حربٍ إقليمية لا تبقي ولا تذر، قد تفتح له كوةً في الجدار الاسمنتي الذي بنته الثورة السورية من حوله، حيث سيتدخل المجتمع الدولي لفرض سلامٍ على الأطراف المتحاربة، وقد ينقذ الأسد بذلك عنقه من المقصلة التي أعدها بنفسه لنظامه الشمولي.

وبرأيي  إن مؤتمر “جنيف 2” ليس إلا خطوة باتجاه “فتح كوة” وإيجاد حلٍ ما يستفيد منه النظام الأسدي ولا يحرك شيئاً على الساحة السورية صوب الإيجابية والنتائج الملموسة، إلا إذا تمكنت الثورة السورية قبل انعقاده من جعل موضوع تدخل “حزب اللات” ومن وراءه من مجموعات “الشبيحة الإقليمية” في الشأن الداخلي السوري بنداً أساسياً من بنود النقاش والتفاوض على رحيل النظام والتحول الجاد صوب السلام والديموقراطية في سوريا.

إن الذين يطبلون ويزمرون لمؤتمر “جنيف 2” سيصابون بالخزيعندما يعودون، في الوقت الذي تستمر إراقة دماء السوريين، دون أن يتطرقوا بجدية إلى موضوع تواجد حزب اللات والشبيحة الإقليمية على الساحة القتالية في سوريا والانخراط في الشأن السوري الذي ينعقد المؤتمر من أجله. وبقدر ما تتمكن المعارضة السورية من جعل هذا الموضوع أساسياً في التفاوض تستطيع اقناع السوريين بأنها قادرة على تمثيله تمثيلاً واقعياً ومناسباً في المحافل الدولية والاقليمية.    

هل الأحزاب الكردية عالة على شعبنا؟

http//:cankurd.wordpress.com  kurdistanicom@yahoo.de    ‏‏11‏/06‏/2013  –  جان كورد      

في هذا الوقت الذي تعرضت ولاتزال تتعرض سوريا إلى مختلف صنوف التدمير، وتوشك الحرب بسبب السياسة العدوانية للنظام الأسدي ضد الشعب السوري أن تتحول من ثورة وطنية هدفها انتزاع الحرية وبناء المجتمع الإنساني العادل إلى حربٍ طائفية رهيبة تحطم وحدة الكيان الاجتماعي الديني في هذه البقعة من الأرض، مما تنعكس النتائج السلبية لهذا التحول الرديء والممول استراتيجياً من حكومة ملالي إيران على شعبنا الكردي في غرب كوردستان مثل غيره من مكونات المجتمع السوري، الذي ظل عبر التاريخ الحديث بمنأى عن كل المشاحنات والاقتتال الطائفي البغيض في الدولتين الجارتين لبنان والعراق. وهذا يعني أن الكرد كغيرهم من المكونات السورية في عين العاصفة الهوجاء التي ستكون مدمرة للبناء الحضاري والتقدم العمراني المتواضع لهذا البلد، وليس هناك كردي عاقل ورشيد يعتقد بأن الكرد في سوريا خارج دائرة النار حقيقةً، بل على العكس فإن شعبنا يعاني من سائر المشاكل اليومية التي أفرزتها الأوضاع السائدة منذ بداية ما سموه ب”الأزمة السورية”، وهي في الواقع سلسلة طويلة من الأزمات الخطيرة التي قد تنهي الوحدة الوطنية والتماسك الوطني لسوريا، ولذا يمكن تسمية ما يجري في هذه البلاد ب”المذبحة” لكثرة ما يحدث من جرائم ضد الإنسانية  يومياً. كما أن استخدام أسلحة الدمار الشامل واستجلاب المرتزقة من قبل النظام الأسدي من إيران والعراق ولبنان وغيرها في محاولةٍ يائسة لسحق الثورة المندلعة ضده يؤدي إلى مزيد من التعقيدات السياسية والتجاوزات على حقوق الإنسان وتفتيت البناء السوري برمته، وعندها لن يكون في استطاعة أي تنظيم سياسي كردي أو كردستاني حماية الشعب الكردي وتأمين متطلباته المعيشية اليومية، مهما كان ذلك التنظيم قوياً، لأنه ليس بالإمكان في هذه الأحوال بسبب الحيز الجيو- سياسي لغرب كوردستان لا يمنح ذلك التنظيم الحرية والامكانية الضرورية للقيام بمهامه تجاه الشعب، ففي غرب كوردستان لا توجد مصانع ومعامل، وكل ما يستهلكه المواطنون الكرد ويحتاجون إليه سوى المواد الغذائية، النباتية والحيوانية، آتٍ من خارج المنطقة الكردية، ومن ثم فإن هذه المنطقة لن تستمر في الحياة مالم تنفتح كلياً على ما خلفها وغربها من دولة كبيرة هي تركيا وعلى ما شرقها من إقليم كوردستان العراق الذي لايزال يعتمد هو الآخر على الجيران في الحصول على مستهلكاته، ومن ناحيةٍ أخرى فإن القوى السورية، سواءً في النظام أو في المعارضة لن تدع أي تنظيمٍ كردي قومي، مهما كان لطيف العبارات السياسية ومتواضع المطالب أو رقيق الملمس، أن يبني شيئاً خاصاً بالشعب الكردي، مالم يكن ذلك تحت رقابتها وتابعةً لها وخاضعة لسلطانها السياسي، فالشحن القومي العنصري ضد الكرد وكوردستان يملأ بطاريات كل هذه القوى السورية مع الأسف، دينية كانت أو مذهبية، ديموقراطية كانت أو ليبرالية، شيوعية كانت أو اشتراكية وإن التجربة التاريخية لحركتنا الوطنية الكردية تثبت أن ظل أفكار التفوق القومي العربي والاعتقاد بأن وطن العرب الذين جاؤوا من الحجاز واليمن أصلاً يمتد من تطوان إلى اسبانيا يخيم على كل مساحة العمل السياسي العربي السوري، فالكرد الذين كانوا أبناء وحماة المنطقة التي يعيشون فيها عبر التاريخ الإنساني كله ليسوا إلا لاجئين وأقلية في محيط واسعٍ وعميق حسب ايديولوجيات السوريين، ومن هؤلاء العروبيين ومن يتملق زعماءهم من أبناء الأقليات، ومنهم شيوخ للقانون الدولي ويملؤون أفواههم بعبارات عن حقوق الإنسان كل يوم، من لا يعترف نهائياً بحق تقرير المصير للشعوب، عندما يدور الحديث عن الكرد وكوردستان، في حين أنهم يتباكون على هذا الحق للشعب الفلسطيني على سبيل المثال، والكرد يضاهون الفلسطينيين بكثير في سعة بلادهم وتعدادهم السكاني                                            وامكاناتهم وثرواتهم 

في هكذا أوضاع غير مساعدة للبناء الحقيقي الثابت وتتميز بتدمير ذاتي سوري ترافقه مآسي مستمرة تنذر بأخطار كبيرة، لا يمكن لشعبنا النأي بالنفس عنها في الواقع الحالي، لاتزال هناك مجموعة كبيرة من الأحزاب الكردية، الضعيفة وغير القادرة حتى على حماية ذاتها عوضاً عن تنظيم أو اثنين أو ثلاثة قادرة على تجميع القوى وتوحيد الجهود والطاقات المبعثرة، فكيف بها ستبني للشعب الكردي بيتاً أو تدافع عنه وتصونه من العواصف العاتية؟ ولماذا لا تستطيع حتى أقلها أعضاءً وأصغرها عمراً وأضعفها طاقاتٍ وأقربها إلى بعضها بعضاً من حيث الأهداف والبرامج والتراكيب التنظيمية توحيد صفوفها لتصبح حزباً قوياً؟ وإذا كان حقاً هذا التوحد مطلوب شعبياً وضروري مرحلياً ووارد في برامج هذه الأحزاب ذاتها فمن هي الجهة التي تفرض الانقسام والانشقاق والتناحر غير الطبيعي في الصف الوطني الكردي؟ هل من قوى خارجية أو إقليمية أو سورية ترغم قيادات أحزابنا هذه على التنافر التنظيمي الذي لم يعد واقعياً وبات يضر بشعبنا المظلوم وقضيتنا العادلة ولا ينفع أحزابنا؟

هذه الأسئلة المثيرة للقلق تحتاج لإجابات واضحة وليس لسخرية بعض من يعتقدون أنهم “فوق النقد” و”معصومون” لمجرد أنهم يتربعون في  المقاعد الوثيرة لإحدى قيادات هذه الأحزاب أو انهم من كوادرها المتقدمة، ولا يكفي القول بأن هذه الجماعة أو هذا القيادي عامل على تقريب وجهات النظر أو توحيد الفصائل أو أنه يحافظ بقوة على ما توصلت إليه أحزابنا من تشكيلات مشتركة كالمجلس الوطني الكردي وهيئة التنسيق الوطني أو سواهما، فالشعب الكردي يرى ويلاحظ مدى الجفاء بين مكونات هذين التشكيلين وغياب بعض القوى عنهما كما يدرك بأنهما عاجزين فعلاً عن التصدي للتحديات المتواجدة والقادمة التي ستفرزها الحرب السورية إن استمرت لفترة أطول من الزمن. وأكبر فشلٍ لحركتنا الكردية إجمالاً هو في مجال علاقتها بتشكيلات المعارضة السورية والثورة المسلحة.

كيف يفهم العاقلون من هذا الشعب قدرة الأحزاب مجتمعةً أو مجموعةٍ منها على تشكيل مجلس وطني كوردي في فترة وجيزة من النقاشات وهي ذات الأحزاب التي فشلت لعقودٍ من الزمن ولاتزال في توحيد فصيلين منها متقاربين فكراً سياسياً وممارسة عملية وتركيباً تنظيمياً، بل بين بعض قادتها وزعمائها قرابات أو صداقات اجتماعية؟ وكيف يمكن تفسير الشأن الداخلي لهيئة التنسيق الوطني التي تبدو في الواقع العملي أحزاباً بلا حول ولا قوة تجري خلف حزبٍ يملك أسباب القوة، لا يحتاج لهذه الهيئة إلا للتمويه وإظهار تعلقه بالوحدة الوطنية واعترافه بوجود الآخرين، وفي الواقع العملي يهزأ من كل قوة ليست على عقيدته الشمولية؟

كيف يمكن تفسير سياسة “نحن مع الثورة السورية!” وفي الوقت ذاته “نحن رهن اشارتكم أيها الروس الداعمون لنظام الأسد بكل أشكال القوة السياسية والعسكرية والدبلوماسية بهدف القضاء على الثورة”؟ وهل هذه الهيئة التي جعلت من نفسها ممثلة لكل الشعب الكردي، بدون إجراء أي انتخابات ديموقراطية، ستذهب إلى طهران أيضاً، وهي عاصمة الشر الذي يهب على المنطقة بأسرها وتقاتل بضراوة إلى جانب النظام الذي “نحن في ثورة ضده!”؟ ومن يفرض هذه السياسة الازدواجية على هيئتنا السياسية “العليا” التي يقول البعض عنها تندراً “الهيئة الفارغة” أو “الهيئة الدنيا”؟

أسئلة عديدة نطرحها كأكراد لهم الحق في متابعة نشاط حراكهم السياسي “الثوري” و “الديموقراطي” والتعليق عليه و ابداء الرأي الحر والمخالف فيه، بحكم أن البشرية تسير ولو ببطءٍ صوب مزيدٍ من الحريات السياسية وعالم الديموقراطية، وقد تؤذي أسئلتنا بعض القيادات والأشخاص الفاقدين لروح الإيمان بهذه الحريات أصلاً، ويعتقدون بأنهم أو أن أحزابهم معصومة عن الخطأ وأن كل ما يمارسونه من سياسات مطابقة للحال وضرورية وتاريخية، إلا أن شعبنا الكردي يؤمن بأن النقد أداة لابد منها لتصحيح المسارات الخاطئة والسياسات الفاشلة، وبأن طرح الأسئلة المحرجة أيضاً ليس “قلة شرف وناموس” كما ينشر البعض من فاقدي الضمير والوجدان الإنساني وتابعي أصنام الشمولية، الذين يحملون طبولاً كبيرة ويعزفون على أنغام نشاز حسب أوامر تأتيهم من خارج العالم الكردي أصلاً…

وأخيراً، نسأل ثانية كيف أمكن إنجاز المجلس الوطني بسرعةٍ فائقة بين تنظيمات لم يتمكن منها اثنان التوحد فيما بينهما عقوداً من الزمن رغم كل المحاولات؟ حتى بدت الأحزاب في مرحلة سابقة عالةً على الشعب الكردي، لا يدري كيف يتخلص منها.

أهذا متعلق بالواقع والمرحلة التاريخية؟ إذاً لا نحتاج إلى وحدة تنظيمية لفصائلنا الحزبية رغم أن عددها فاق العشرين تنظيم حتى الآن؟ فقد يقول البعض بأن الواقع يقبل ذلك، وهذا يتناسب مع المرحلة التاريخية العسيرة!!!

أسئلة نحيلها إلى قياداتنا المحترمة على أمل عدم القائها في الدرج…

هل المنطقة على أبواب حربٍ كبرى؟

http//:cankurd.wordpress.com       kurdistanicom@yahoo.de    ‏04‏ حزيران‏، 2013  /   جان كورد       

في الوقت الذي يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناثان ياهو بتوزيع الكمامات الواقية على جميع مواطنيه، فإن الجيش السوري الحر ومنظمات حقوق الإنسان العالمية ووزير خارجية فرنسا يؤكدون على أن نظام الأسد السوري قد قصف شعبه لأكثر من أربع مرات بالسلاح الكيميائي، وبغاز السارين بوجه خاص، لأن هذا الغاز يتلاشى ولا تبقى له آثار على المدى الطويل، وبذلك يخفي المجرمون بعض آثار جريمتهم ضد الإنسانية، حيث أن استخدام هذا الغاز محرم دولياً، ونلاحظ هنا أن النظام السوري لم يهدد إسرائيل باستخدام هذا السلاح، كما أن حليفه اللبناني “حزب الشيطان” ينكر حيازته أي سلاح تدمير شامل، والجهة الوحيدة المتضررة فعلاً من الكيمياوي هو الشعب السوري، الذي تعرض منذ اندلاع ثورته الشعبية إلى مختلف صنوف القمع والتقتيل والتدمير والتشريد… ولم يكتف النظام الأسدي بارتكاب المجازر، بل سلط عليه المجاميع الإرهابية الإيرانية المنطلقة إلى سوريا على أساس مذهبي صارخ، كما استنجد بعصابات “حزب الشيطان” الذي يرى نفسه أكبر من لبنان ويتصرف حياله على هواه رغماً عن حكومتها وبرلمانها وجيشها ورئيسها كما يبدو. وهذا يعني أيضاً ان إسرائيل لا تخاف من أي هجومٍ سوري محتمل، وإن حدث لا رغامها على الدخول في المعترك السوري كمنفذٍ محتمل لعائلة الأسد من خلال توسيع دائرة النار لتشمل بعض دول المنطقة، فإن جيش الأسد لن يتمكن من التقدم حتى في الجولان المحتل ذاته، فلماذا الأمر بالتدرب الشامل من قبل مواطني إسرائيل على استخدام الكمامات الواقية، ولماذا المطالبة بتوزيع الكمامات على المواطنين بعد انتهاء التدرب؟ في وقتٍ نرى كل جيران إسرائيل في غير وضع من سيبدأ قريباً بهجومٍ عليها؟ أم أن إسرائيل هي التي ستبدأ هجوماً في المنطقة، مستفيدةً من تطاحن وتقاتل أبنائها بين بعضهم بعضاً، لكسب مزيدٍ من الأراضي السورية ولإضعاف القوى المناوئة لها، أو لتسديد ضربة موجعة لسلاح إيران النووي؟ وفي هذه الحال على الحكومة الإسرائيلية تأمين شعبها ضد رد فعلٍ متوقع من إيران وتوابعها في المنطقة، وفي مقدمتها “حزب الشيطان” الذي يقوده العريف اللبناني حسن نصر اللات. وحيث أن مزيداً من المناورات العسكرية والتدريبات المدنية الوقائية يجعل من القوات المسلحة والمنظمات المدنية في وضعٍ أفضل حين نشوب الحرب، فها هي إسرائيل بعد مناورات قواتها في الجولان، تستمر في مناوراتها في جنوب البلاد أيضاً، كما قامت بذلك في البحر وفي النطاق الجوي عن طريق التدريب على الهجمات الجوية الخاطفة وعلى استخدام صواريخ الباتريوت والمظلة الصاروخية الواقية لكل إسرائيل…

الأوضاع في الشرق الأوسط ملائمة جداً للقيام بمغامرة عسكرية واسعة على غرار حرب حزيران 1976 بهدف القضاء على القدرات العسكرية العربية التي قد تفكر يوماً بمنع إسرائيل من تحقيق طموحاتها في ضم مزيدٍ من الأراضي شمالاً وشرقاً والتقدم خطوة أخرى نحو تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” ويحكم فيها اليوم رئيس وزراء يبحث كما في كتابه الشهير “مكان تحت الشمس” عن فرصة الحالية للقيام ب”واجبه المقدس” حيال الاستراتيجية الحقيقية لبني إسرائيل، ومن حوله كثيرون ممن يؤيدونه في نمط تفكيرهوسياساته تجاه المنطقة عموماً.  ولكن هل يمكن تطبيق ذلك والشروع بحربٍ ما في أوضاع اقتصادية متدهورة اقليمياً ودولياُ؟ فالحروب تكلف أموالاً باهظة حقاً، ويجب إيجاد ممولين لها قبل التفكير بالشروع فيها.                                                                                                                                

 أما الولايات المتحدة الأمريكية التي زجت حتى بالكثير من قطعاتها البحرية المقاتلة في الخليج وبالقرب من اليمن وفي البحر الأبيض المتوسط، وحسنت من شبكاتها الدفاعية الصاروخية في تركيا وبلدان أوروبا الشرقية وبعض دول البلقان والقوقاز، فإنها تزود الآن حليفها الصغير الكبير الأردن بصواريخ الباتريوت ومعدات وأسلحة وعتاد، بذريعة استخدامها في مناورات عسكرية مشتركة تحت اسم “الأسد المتأهب”، وما التصريحات التي ترافق هذا التسليح سوى للتمويه على الخطط المستقبلية، ومنها القول بأن الولايات المتحدة ستدع بعض هذه الأسلحة للأردن في حال طلبه ذلك بعد الانتهاء من هذه المناورات. وهكذا فإن الولايات المتحدة قد أحاطت سوريا من جهات عدة بصواريخ الباتريوت وكأنها قادمة على حربٍ عليها في المستقبل القريب.

ويبدو أن إصرار البيت الأبيض على ضرورة الحصول على “أدلة دامغة” لاستخدام النظام الأسدي السلاح الكيميائي وغاز السارين بشكل خاص، ليس إلا من باب كسب مزيدٍ من الوقت لإنهاء التحضيرات التي تطلبها قواتها العسكرية في الشرق الأوسط للشروع في أي حربٍ قادمة، ولا يريد البيت الأبيض الوقوع في أخطاء شبيهة بأخطاء الإدارة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش بصدد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.  ولكن من ناحية أخرى، لايزال الرئيس الأمريكي مقتنعاً من أن سوريا ليست مهمة جداً للولايات المتحدة، وهناك أطراف تخالفه الرأي، وحسم هذه المسألة لن يكون سهلاً، والضائقة المالية تكبل البيت الأبيض وتلقي بظلالها على المشهد السياسي عامةً.

الروس الذين فقدوا موطأ أقدامهم في العراق وليبيا من قبل ولم يتمكنوا من اقتحام تركيا العضو في حلف الناتو، ولهم “مصالح تقليدية” في المنطقة عامةً وفي سوريا خاصة، لم يبق في أياديهم سوى أسيدهم الصغير في سوريا، وهو مختلف عن أبيه الصامت والصارم والحليف الثابت للروس في المنطقة، فهذا مشكوك في ولائه وثباته وصداقاته، ولربما ينقلب عليهم بين ليلة وضحاها، فالأهم لديه ليست سوى استراتيجية العائلة في البقاء على كرسي الحكم، مهما كانت التقلبات السياسية والتحالفات المرحلية وتعريض بلاده للمخاطر، بل أثبت بأنه لا يتوانى عن  الاستنجاد بمرتزقة وأحزاب من خارج سوريا للمساهمة مع جيشه في تقتيل وذبح شعبه، كما لا يتردد في استخدام مختلف الأسلحة ومنها السلاح الكيميائي لقصف مدن سوريا، ولذلك فإن علاقة روسيا بالأسيد السوري هي علاقة تاجر سلاح كبير بزبونٍ من الزبائن الدائمين، وقد يكون الزبون الأهم بعد إيران في عصر الربيع العربي، وهذا يعني السعي بمختلف الإمكانات العسكرية والاستخباراتية والإعلامية والدبلوماسية والسياسية التي تمتلكها روسيا للإبقاء على هذا الزبون القديم، وبالتالي أضطر الروس للمساهمة الفعالة وبطريقة مباشرة في جوانب مختلفة من سياسة الإبقاء على نظام الأسد وانعاشه بعد أن تلقى ضرباتٍ قوية من المعارضة المسلحة في العامين الماضيين، وهذا الإنعاش يتطلب امداده بمزيدٍ من سائر أنواع السلاح والعتاد العسكري، وكلما ازداد حجم امتلاك السلاح في بلدٍ من البلدان ازدادت الرغبة لدى جنرالاته لاستخدام هذا السلاح عملياً، فكل الأسلحة التي ابتكرها البشر وصنعوها استخدمت على مستوياتٍ مختلفة، وطنية وإقليمية وعالمية، حتى أسلحة الدمار الشامل. وعليه يمكن القول بأن روسيا تعزز النزعة الاجرامية للحلقة الإرهابية حول الرئيس السوري من خلال مدها بما تريده من أدوات قتالية وبالدفاع عنها في المحافل الدولية وباستخدام حق الفيتو لمنع صور أي قرار دولي يدين نظام الأسد أو يعاقبه بشكل مؤثر، وما التواجد العسكري البحري الكثيف للروس على البحر الأبيض المتوسط، وبخاصة في مدينة طرطوس السورية، إلا محاولة للدفاع عن حكم العائلة الأسدية بقوة النار الروسية فيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

اللاعبان الآخران على رقعة الشطرنج المرعب في الشرق الأوسط، هما تركيا وإيران، ويظل الدور التركي محصوراً في الجانب السياسي الذي دوافعه اقتصادية بطبيعة الحال، كما تدفع الأحلام العثمانية للحزب الحاكم اليوم في تركيا دوراً في ظهورٍ تركي محدد الإطار في المشهد السوري، إلا أن الدور الإيراني يتجاوز المصالح الاقتصادية الكلاسيكية للدول إلى ما هو أبعد وأعمق من ذلك، حيث “تغلب عليه الايدولوجيا المذهبية للشريحة الحاكمة اليوم في إيران، وهي ايديولوجيا “الثورة الشيعية” والتمهيد لعودة “الامام الغائب المنتظر” والتعلق التام ب”معصومية الامام” والاقتناع بأن “الثورة الخمينية هي ذروة الثورة الإسلامية العالمية!” وبأن “إيران لم تعد جزءاً من العالم الثالث” وإنما هي قوة دولية يجب قبولها في النادي النووي ومنحها الفرصة لتعلب دورها في المنطقة ك”قوة عظيمة”، وهذا يعني السكوت عن كثيرٍ من سياساتها الإقليمية والرضوخ لمطالبها التي لا تعدو كونها “محاولات توسعية” على حساب القوميات والأمم الأخرى في المنطقة، ومنها العرب والترك والكرد بشكل خاص.                                                                 

العداء الفارسي للأمة العربية وقادتها وملوكها وأمرائها عداء عريق في التاريخ، وملالي إيران لا يختلفون عن ملوكها القدامى في النظرة الاستعلائية والسياسة الإستكبارية والمذهبية الضيقة تجاه السنة عامةً والعرب خاصة، وعندهم قتال أهل السنة أهم وأولى من قتال النصارى واليهود والمشركين والشيوعيين، ولديهم إمكانات مالية وإعلامية ضخمة وأموال كثيرة يصرفونها من أجل تشييع “النواصب!”، أي أهل السنة، إذ توجد عشرات الأقنية التلفزيونية الممولة جيداً والمشحونة مذهبياً من أجل التأثير المباشر على شعوب المنطقة، وما يطلقونه من إشاعات حول تحضيراتهم ل”تحرير القدس” ليس في الحقيقة سوى تمويه سياسي خطير على مخططاتهم التوسعية في العمق العربي، ويمتلكون منظمات ذات أساليب وأدوات خطيرة تنهش احشاء العالم العربي فكرياً وطائفياً، وتجند الشباب العربي لصالح عقائدها، ويقف ملالي طهران بكل ما أوتوا من قوة خلف النظام السوري ويساهمون معه فعلياً على ساحة القتال ضد المعارضة السورية، سواءً أكانت معارضة “الجيش السوري الحر” أو القوى الدينية السنية التي تعمل جنباً إلى جنب مع هذا الجيش المنشق عن الجيش النظامي “العقائدي”، وليست لديه خلفية مذهبية كالتي لدى حزب الشيطان اللبناني أو فيلق القدس الإيراني، حتى يمكن اعتباره “عدواً” لإيران أو للشيعة، إلا أن مجرد القيام بأي نشاط سياسي أو فعالية قتالية ضد نظام الأسد، فإنه يعتبر من قبل ملالي إيران تعاوناً سافراً مع قوى الاستكبار العالمي والصهيونية لإسقاط “حلف الممانعة” في المنطقة. وهذه في الحقيقة ذريعة للإبقاء على نظام وصل في إجرامه بحق شعبه إلى درجة اعتباره من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية “خطراً على الإنسانية”.

ملالي إيران يدركون جيداً أن أي حربٍ هجومية على إسرائيل سينهي وجودهم السياسي وسيدمر بلادهم، كما يعلمون تماماً أن سائر الدول العربية، سوى العراق ولبنان، سيشاركون الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في سعيهم للدفاع عن مصالحهم الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ومن ضمنها أمن واستقرار اسرائيل أيضاً، ولذلك فإنها لن تقوم في يومٍ من الأيام بمغامرة الهجوم على إسرائيل أبداً، ولكنها تقوم بكل شيء آخر من أجل تحقيق مشاريعها التوسعية ونشر مذهب الشيعة واحكام السيطرة على المشرق العربي، كخطوة أولى من خطوات “الثورة الخمينية العالمية!”، وهاهم ملالي طهران قد حاربوا في اليمن من خلال جبهة “الحوثيين” وفي سوريا نرى التواجد الإيراني واضحاً وقوياً ومستمراً، كما سعى الإيرانيون لاغتصاب البحرين وعرقلة كل مساعي الفلسطينيين للتوحد الضروري فيما بينهم، ونسف كل محاولات الحزب الحاكم في تركيا لإنهاء الحرب في كوردستان وضرب كل جهودها في سبيل دعم ومساندة المعارضة السورية على أراضيها. 

إيران في حالة حرب على الساحة السورية، كما هو حال تابعها “حزب الشيطان”، لصالح نظام إرهابي طائفي متخلف، وما معركة مدينة “القصير” السورية إلا دليل ساطع على الدور الإيراني الخطير في سوريا، هذا الدور الذي قد يسبب تقسيم سوريا، وفتح باب حربٍ طائفية طاحنة في العالم الإسلامي برمته، ولكن حرب إيران ليست ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل ما تنشره من أكاذيب إعلامية مضللة، وإن حدثت حرب بين إسرائيل وإيران فلأن إسرائيل تتوجس خيفةً من تعاظم الدور الإيراني في شؤون المنطقة وترغب في تقليص حجم السلاح النووي الإيراني، لا أكثر ولا أقل، فهي ترى في هذا السلاح خطراً على وجودها ولن تسمح لأي دولة في المنطقة لأن تمتلكه بشكل يهددها. وقد قامت بقصف متكرر على مواقع سورية بسبب مخاوفها تلك.

وطالما أدخل الإيرانيون وسواهم المنطقة في أتون حربٍ بين أبنائها، فإن إسرائيل وحلفاءها في العالم بمشاهدة هذا المسلسل الجديد من التدمير الذاتي لقوى شعوبنا ولثروات بلداننا، ولا حاجة لهم لشن حرب تكلفهم أموالاً طائلة يحتاج إليها اقتصادهم الآن، فهل هناك أجمل لهم من رؤية معارك دموية طاحنة بين “أنصار القاعدة” من السنة و”حزب الشيطان” الشيعي الذي كان يتذرع لوجوده باعداد العدة لتحرير فلسطين؟ وإن حدثت الحرب قريباً فإنها لن تكون إلا لإعادة خلط الأوراق في المنطقة من جديد وتوزيع الأدوار بين البيادق الشطرنجية بعد انطلاق “الربيع العربي”، وتصغير الرؤوس التي تعتقد أنها صارت قوية، كما حدث من قبل في بعض بلدان المنطقة، ومنها العراق الذي  يعارك من أجل الحفاظ على وحدته واستقلاله، بعد أن كان من أقوى الدول العربية عسكرياً.