لا للاستبداد في ثيابٍ كردية

Cankurd –  01.07.2013     http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

Image

لدى العلامة الكبير المرحوم عبد الرحمن الكواكبي، صاحب كتاب “طبائع الاستبداد” في بداية القرن الماضي، الاستبداد هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق العامة (المشتركة)، ويشمل الاستبداد السياسي في نظره تصرف المرء أو الجماعة من الناس في حقوق القوم (المجتمع) بالمشيئة وبلا خوفٍ من تبعات أو نتائج. والاستبداد صفة للحكومة الشمولية المطلقة العنان في الفعل أو الحكم، وهي حكومة تتصرف في شؤون الرعية (المواطنين) كما تشاء بلا خشيةٍ من حساب أو عقاب يفرضه عليها محققون وقضاة ومشرعون، وأشكال الاستبداد كثيرة، وهو باقٍ ما لم يكن هناك خوف من مسؤولية.

وعلى ضوء هذه النظرات العلمية الثاقبة التي تنم عن معرفة دقيقة بأحوال وطبائع وأغراض وسلوك الاستبداديين، يجب أن ننظر حولنا في المحيط السياسي لغرب كوردستان، وبذلك سنرى وسنتحقق من أن هذه المواصفات، التي تبدو مثل “روجته طبية” أو مرآة دلنا إليها هذا لعالم الكبير، تنطبق على العديد، أو لنقل على كل أحزابنا الكردية التي لم يصل أي منها إلى الحكم بعد، حتى على مستوى محافظة واحدة، بل إنها محكومة تحاول إخراج رؤوسها من تحت الماء الذي يكاد يغرقها، إلا أنها مغرورة جداً بسياساتها وآرائها، متعالية على قبول النصيحة من خارج دائرتها التي رسمتها لنفسها من أهل الشورى المعلمة (غير الملزمة)، وهي مستبدة في مواقفها، ولا تتوانى عن طمس الحق العام في سبيل إعلاء كلمتها التي تظن أنها الحق والحقيقة، رغم فشلها التاريخي المزمن. وهذا الأسلوب في اتباع مسار العنترية الحزبية والاستمرار في الغطرسة السياسية باقٍ مع الأسف طالما قيادات هذه الأحزاب غير قادرة على تجديد نفسها ديموقراطياً وطالما ليس هناك ميزان توزن به أعمالها، ولا تخضع لسلطة تشريعية مدعومة بسلطانٍ تنفيذي يرغمها على الخضوع لدستورٍ ما أو قوانين معينة، فهي لم تعرف في يومٍ من الأيام مبدأ تحمل المسؤولية بموازاة الرضوخ للمحاسبة في حال فشلها في أداء واجبها.

إن الحزب الأقدر على التحكم بحقوق القوم الكردي اليوم، من بين الأحزاب العديدة الأخرى، من حيث امتلاك أسباب القوة والجرأة على المغامرة رغم الظروف الحرجة التي تمر بها سوريا الآن، هو حركة الآبوجيين التي تطلق على نفسها منذ اعتقال زعيمها في نهاية القرن الماضي اسم “حزب الاتحاد الديموقراطي”، وهي الحركة التي جعلت من شخصية زعيمها وتوجيهاته وحياته بأطوارها المتقلبة حسب ظروفه التي هو فيها نقطة المركز في دائرة أعمالها ونشاطاتها وسياستها، وليست تنظيمات الحركة المتراتبة تنظيمياً وقراراتها. وما يصدر عن هذه الحركة ما هو إلا أوامر وتعليمات معدة لها من قبل أركان حزب العمال الكردستاني الذي قيادته في سعي حثيث من أجل تنفيذ الاتفاق الذي توصلت إلى ابرامه الحكومة التركية مع زعيمه المعتقل عن طريق رئيسها جهازها الأمني المعروف ب”ميت”، وحقيقة الاتفاق وتفاصيله لاتزال خافيةٍ عن أعين الشعب الكردي حتى الآن.

مع مرور الأيام وبسبب فشل هذه الحركة الآبوجية في متابعة ثورتها المسلحة التي بدأت بها في عام 1984 في شمال كوردستان لأسباب دولية وإقليمية وذاتية لا مجال هنا الآن للحديث عنها، تنازلت عن كثيرٍ من طموحاتها وأفكارها وعقيدتها اليسارية الثورية، ولكنها حافظت إلى حدٍ كبير على أسلوبها الستاليني في التنظيم، وهي حسب المقاييس التي وضعها العلامة الكواكبي للاستبداد تتصرف استبدادياً حيال شعبنا في غرب كوردستان وتجاه ما انتظم بين هذا الشعب من قوى وأحزاب ومنظمات، سياسية وثقافية واجتماعية، والعلة الكبرى في ذلك أن ما يسمى ب”مجلس شعب غرب كوردستان” المفترض فيه أن يكون بمثابة سلطة تشريعية تراقب مسارات الحركة وحلفائها إن وجدوا، ما هو في الحقيقة سوى حلقةٍ من حلقات “التهريج الديموقراطي!” المبتكرة من قبل هذه الحركة، لإظهار نفسها كتنظيم مؤمن فعلاً بالديموقراطية، وهذا يعني عملياً أن لا سلطة للشعب على هذه الحركة، وعندما لا تكون هناك جهة برلمانية أو قضائية عليا تشرف على الحياة السياسية لشعبٍ من الشعوب، فإن السلطة الحاكمة تتحول إلى نظام استبدادي. وإن أول ما يقوم به إنقلابيون عسكريون في بلدٍ من البلدان هو إلغاء السلطة التشريعية أو البرلمان، والإسراع في تشكيل “مجلس شعب!” لا تراعى في بنائه الأصول الديموقراطية، وإنما يتم اختيار أعضائه على أساس الولاء للحزب والقائد، وهذا ما نعلمه جيداً عن نظام حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم سوريا والعراق عقوداً من الزمن، وكان “مجلس الشعب” ولا يزال أحد أكبر أدوات السلطة الاستبدادية والضحك على ذقون الديموقراطيين في العالم.

إن إيغال الآبوجيين في غرب كوردستان في التصرف حسب أهواء زعمائهم ومن خلفهم وعلى ضوء مصلحة حركتهم على حساب المصلحة العامة للشعب الكردي والمصالح المشتركة للأحزاب الوطنية الكردية، واعتبارهم سياستهم الازدواجية حيال الثورة السورية المجيدة هي الحق والحقيقة والمصلحة الأساسية لشعبنا، واتهام ما يخالف أهواءهم وسياستهم بالخيانة والرجعية والانحراف عن مسار الثورة الأممية التي يعتبرون أنفسهم نجومها، طامة كبرى ستأتي بالنتائج السلبية لهم ولشعبنا في المستقبل القريب، إن لم يتراجعوا عن هذا الاستبداد الشمولي الذي يمارسونه حيال شعبنا وحراكه السياسي العام.

لقد آمنت هذه الحركة الآبوجية بمنطق القوة، وأبدت استعدادها لتحمل مسؤوليةٍ تاريخية في غرب كوردستان، وهذا حق طبيعي لها، ولكنها شكلت  لوحدها “قوات حماية الشعب” المسلحة تسليحاً جيداً مجهول المصدر، ووضعت تحت تصرف هذه القوات أعداداً ضخمة من الشباب الكردي، حتى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم سن البلوغ، وانتزعتهم من مدارسهم ومن مجال مساعدتهم لذويهم في هذه الظروف المعيشية الصعبة، وهؤلاء الأطفال يتفاخرون بأسلحتهم الثقيلة في عرباتٍ رباعية الدفع “من انتاج مصانع كورداخ وكوباني وعامودا!”، حصلوا عليها من دون أي اشتباكات مسلحة مع قوى النظام الأسدي، سوى بعض المسرحيات المدبرة بخطة محكمة حيث جرى فيها تصادم، لم يلجأ فيها النظام إلى قصف مقرات الآبوجيين بالطائرات ولم تسقط فوق رؤوسهم قذائف كيميائية أو براميل متفجرة، بخلاف ما يقوم به النظام حيال “المتمردين!” السوريين الآخرين.

وهكذا صارت حركة الآبوجيين قادرة على “إدارة غرب كوردستان ذاتياً”، إلا أنها لم تجعل من “مجلس شعبها” سلطة تشريعية بل أداة سياسية تبريرية لما تقوم به من ممارسات استبدادية، كما جرى حيال مظاهرة النساء في عفرين، حيث تم قمعها بأساليب بعيدة عن الديموقراطية وأقرب إلى سلوك الغاب، وكما جرى في هجوم قواتها الأمنية على قرية تل غزال في منطقة كوباني أو في مدينة عامودا التي دفعت أحداثها بشعبنا إلى التصدي لهذا الاستبداد. وحيث لا تحاسب الأحزاب ولا تسأل ضمن برلمان أو مجلسٍ منتخبٍ من الشعب تستمر النظم الشمولية في التحكم والتسلط، ومنها ما يلغي الحياة البرلمانية الحقيقية لفترةٍ طويلة من الزمن.

إن هذه (الجرائم ) التي ترتكب حيال شعبنا في غرب كوردستان من قبل سلطة الآبوجيين ومن وراءها من قوى، بذريعة “حماية الشعب الكردي من الخطر السلفي القادم!!!) ما كانت لتصل إلى هذا الحد من الامعان في الاستبدادية، مالم ترتكب الحركة السياسية الكردية أخطاءً جسيمة في السنوات الأخيرة الماضية، فهي التي اعترفت، دون الرجوع إلى الشعب، بما يسمى ب”مجلس شعب غرب كوردستان” الذي أظهره الآبوجيون وكأنه منتخب من قبل شعبنا كله أو أكثره، وهذا عارٍ عن الصحة، بل انه انتخب من قبل أنصار حزب العمال الكردستاني وحده، واتفقت الأحزاب الكردية السورية مع “مجلس الشعب!” هذا، في حين كان يجدر الاتفاق في حال الضرورة القصوى مع الحزب الذي أسس هذا المجلس، ألا وهو في هذه الحال “حزب الاتحاد الديموقراطي”. وخطأ أحزابنا يكمن في أنها لم تفسح المجال لضم حزب الاتحاد الديموقراطي إلى صفوف “المجلس الوطني الكردي” ثم اضطرارها لقبول الجلوس مع صنيعه “مجلس شعب غرب كوردستان” تحت ضغط المثلث الكردستاني (الديموقراطي، الاتحاد الوطني، العمالي) الذي زواياه وأضلاعه في (أربيل، سليماني وقنديل)، وهو مثلث خاضع الآن لتأثيرات إقليمية من محاور مختلفة تتضارب مصالحها في كل شأن إلا الشأن الكردي. فكان تأسيس “الهيئة الكردية العليا” التي لم تخضع هي الأخرى لسلطة تشريعية بأيادي الشعب الكردي وتحت رقابة ممثليه المنتخبين، وبذلك لا يمكن ارغام الهيئة أو المجلس على قبول المساءلة والمحاسبة وفرض عقوبة ما عليهما.

القول بأن الظروف الحالية لا تسمح بالقيام بانتخابات ديموقراطية دجل سياسي، فكيف تم تشكيل “مجلس شعب غرب كوردستان”، أكان ذلك ديموقراطياً؟ أم غير ديموقراطي؟ فإن كان انتخابه ديموقراطياً فهذا يعني أن الأحزاب الكردية مجتمعةً ستؤسس مجلساً أكثر قرباً من الواقعية والديموقراطية، وإن لم يكن ديموقراطياً ومن قبل الشعب كله، فلا كان هذا الجسر ولا كانت هذه المراوغة التي يتم نشرها ك”مجلس منتخب من الشعب”.

إن ما كتبه العلامة الكبير عبد الرحمن الكواكبي جدير بالاهتمام وعكس تصوراته واستنتاجاته الدقيقة هو الاستبداد، وقد يقول البعض منا بأنه كتب ذلك في زمنٍ سابقٍ لما نحن فيه الآن، فالجواب هو أن الزمن لا يغير من طبائع الحكومات وإنما وعي الشعوب وإيمانها بأنها هي مصدر كل السطات وليس أهواء ومصالح أفرادٍ أو جماعاتٍ منها.”

الحل موجود، والطريق ليس سهلاً، ولكن لابد من سلوك هذا الطريق لإنهاء معاناة شعبنا في غرب كوردستان، وذلك يحتاج إلى مقالٍ طويل حقاً.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s