الخوف على الديموقراطية في سوريا ومشروع “مارشال” للشرق الأوسط

جان كورد، ‏16‏ أيار‏، 2011

في الوقت الذي يجتمع القادة الكورد، الطيبون السلميون أدام الله بقاءهم، في شمال سوريا، ليعلنوا تحت يافطة “الاجماع” القومي عن رغبتهم الحثيثة لتفعيل حوارٍ وطني سوري شامل، لايستثني أحداً من أصحاب المشاريع الوطنية المختلفة، كما يشمل النظام الذي ضربه زلزال تسونامي عنيف، فإن النظام من جهته مستمر في تقتيل وتعذيب وترهيب المواطنين، الذين صاروا يفرّون جماعات وأفراداً في اتجاهات مختلفة عبر الحدود من شبيحته “بالمصرية: بلطجيته” وأجهزته القمعية التي تحمل ظلماً وعدواناً اسم “أجهزة أمن!” لأنها تحوّلت في ظل هذا النظام إلى أدوات لسلخ جلود المواطنين وابتزازهم عن طريق الرشوة، وإهانتهم، بل والاعتداء عليهم بالهراوات، رجالاً ونساءً وأطفالاً، كما تقوم هذه الأجهزة المفترض فيها حماية المواطنين إلى ناهبة وسارقة لممتلكات الناس وضاربة بكل ما أقسموا به على حماية الوطن والمواطن عرض الحائط… فأي دعوةٍ هذه ومن تخدم؟ وعدد القتلى من المدنيين يكاد يصل إلى 1000 إنسان، في حين لايمكن إحصاء الجرحى والمشوهين والمعتقلين، من مختلف السوريين

نعم، قادة الكورد يدعون دائماً إلى الحوار، ودعوا إلى ذلك بعد انتفاضة شعبهم في عام 2004، وفي وقت كانوا يسطرون بيانهم “التاريخي” كان يسيل دم الشباب الكوردي، واليوم أثناء لقائهم تسيل دماء الشباب السوري في كل بقعة من البلاد

في هذا الوقت بالذات، يبدو أن جميع الذين راهنوا على بقاء العائلة الأسدية في حكم سوريا عقوداً أخرى من الزمن، قد توصلوا إلى حقيقةٍ مفادها أن عصر العولمة هذا بأزماته الاقتصادية الخانقة وبثورته التقنية الكبرى وانتفاضات الشعوب هو عصر فناء وزوال الديناصورات الاستبدادية، ليس في أوروبا الشرقية فحسب، وإنما في مختلف بلدان الشرق الأوسط أيضاً، ومن بينها سوريا التي اعتبرها الشرق والغرب، أثناء فترة الحرب الباردة “عنصر أمن واستقرار!” في المنطقة، على الرغم من كل فعالياتها ونشاطاتها المتسمة بدعم العنف وممارسته وباثارة المشاكل لدى الجيران وامتلاك الأسلحة المتطورة والمتنوعة، بل ودعم منظمات غير مرغوبة دولياً مثل “حزب ألله” المشكوك بدوره في المنطقة

واليوم لا يتباحث الخبراء السياسيون على الصعيد العالمي حول الابقاء على نظام الأسد الذي يرغب قادة الكورد في ضمه إلى قائمة المدعويين للحوار الوطني السوري، وانما يتحدثون بجدية عن المرحلة التي تلي سقوط هذه الأنظمة الشمولية المتخلفة عن ركب الحضارة البشرية، ومنها نظام العائلة الأسدية أيضاً. فلقد تولى عصر الدكتاتوريات العسكرية وتوريث رئاسات الجمهوريات، وترتسم هذه الحقيقة واضحة على أرض الواقع وتعكسها الانتفاضات الشعبية الكبرى، التي لايمكن لأي نظام قمعي أو بوليسي مهما تلقى من دعم خارجي، أن يصدها أو أن يتمكن من إفشالها، وحتى الأنظمة العملاقة كنظام حسني مبارك في مصر، الذي تمتع بمختلف أشكال الدعم على الصعيد الدولي، قد انهار بسرعة أمام الزحف البشري الهائل في فترة وجيزة، وكانت “موقعة الجمل” الشهيرة في ساحة التحرير بالقاهرة آخر معاركه الخاسرة

إن تغير الخريطة السياسية في الشرق الأوسط واضح منذ نجاح الثورتين التونسية والمصرية وهبوط أسهم القذافي وحاكم اليمن، ولكن هذا لايعني قيام أنظمة “ديموقراطية” أوتوماتيكاً بالشكل الذي حدث في أوروبا الشرقية من قبل، فالمنطقة العربية تختلف من حيث تطور المؤسسات والصناعات والادارات عن أوروبا الشرقية، بل ثمة اختلاف جذري من النواحي الاجتماعية والثقافية والدينية، ومن الناحية التنظيمية للأحزاب العريقة أيضاً. ولايمكن عقد مقارنة بين التأييد الذي تلقته حركة “سوليدارنوش” النقابية البولونية من العالم الحر الديموقراطي ومن الكنيسة الكاثوليكية، والانخراط الإسلامي للحركات الدينية في مصر في النضال الشارعي ضد نظام حسني مبارك

هناك قلق واضح يسود الأجواء السياسية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل وبعض الدول العالم الأخرى، والقلق مبعثه هو “الخوف على الديموقراطية!” غير الموجودة بشكل واضح حالياً على أرض الواقع في الشرق الأوسط، فهذه الجهات الدولية والاقليمية تعترف بأن للإسلاميين دور هائل في تحريك الشارع الشعبي في جميع هذه البلدان، وللإسلاميين أجندات سياسية وقيم وأفكار، تختلف إلى حدٍ ما عما تؤمن به الشرائح المطالبة بالنظام التعددي الحر… ومع الأسف هناك من بين هذا الحشد الإسلامي الكبير بعض الذين لايؤمنون نهائياً بالديموقراطية ويرفضونها أصلاً ويعتبرونها كفراً بواحاً، في حين أن هناك من يؤكد على أن رفض الديموقراطية هو قبول بالدكتاتورية ضمناً

الغربيون يقفون حائرين أمام  هذه اللوحة الكبيرة، وبخاصة فإن التيارات الديموقراطية والليبرالية والاشتراكية الديموقراطية لاتزال ضعيفة بالنسبة للتيارالاسلامي، وضعفها بسبب طوال عهود الطغيان والتربية الحزبية الاستفرادية، كما في ظل حزب البعث العربي الاشتراكي، في كل من العراق وسوريا، لعقودٍ طويلة من القمع والارهاب السياسي، ولذا فمن الغربيين من يؤكد على ضرورة

-المساعدة في بناء أنظمة ديموقراطية ذات علاقات اقتصادية – سياسية راسخة مع العالم الحر الديموقراطي

-إفساح المجال للتكتلات الإسلامية بالانخراط في أنظمة الشرق الأوسط السياسية، دون أن تتمكن من الهيمنة التامة على المحاور الأساسية في تلك النظم، بحيث لاتشكل أفكارها العقيدية خطراً على المصالح والقيم والمبادىء العامة للعالم الغربي

– التنسيق مع الحكومات الديموقراطية الوليدة في الشرق الأوسط في مجال مكافحة الإرهاب والفساد المستشري في بلدانه، حيث الفساد أحد الأسباب الرئيسية إلى جانب قمع الحريات السياسية والدينية، في إحداث الخلخلة الاجتماعية وبالتالي في اثارة وتنشيط وتفعيل البؤر الإرهابية

– المساهمة القوية في الاعداد المهني والعلمي والتربوي للأجيال القادمة التي عليها تقع مسؤولية بناء مجتمعات ديموقراطية في المنطقة، حيث عاشت الأجيال الحالية في ظل أنظمة قمعية، استبدادية ودكتاتورية، ولم تتلق التربية الضرورية لقبول التعددية والرأي الآخر وصون حقوق الإنسان بالشكل المطلوب، وهي متعثرة في حركتها الديموقراطية شكلاً وليس مضموناً

ومن أجل ضمان تحقيق هذا الانتقال النوعي من عالمٍ “مظلم” إلى عالم “مشرق” لا بد من الاعتراف بأنه لايمكن إصلاح الأنظمة الحالية الفاسدة، كما لا يمكن بناء شرق أوسطٍ جديد دون تضحيات جسام، وفي مقدمتها التضحيات المادية من قبل العالم الحر الديموقراطي، فإن كسب حرب كبيرة كهذه على أرض الواقع لن يتم دون مصاريف مالية مناسبة لحجم المهمة وإلا فإن  المشروع برمته معرض للانتكاس، ولن يدوم حكم أي نظام ديموقراطي سوى فترة وجيزة

لذا فإن هؤلاء الخبراء ومن بينهم الدكتور بواز غانور، مدير المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب في هيرتسليا باسرائيل، الذي كتب يوم الجمعة الفائت (13 أيار –  مايس – 2011م) مقالاً مثيراً ومطولاً في إحدى أهم الصحف الألمانية (زوود دويتشى تسايتونغ) تحت عنوان “مشروع مارشال للشرق الأوسط” تطرّق فيه باسهاب إلى ضرورة تقديم العالم الغربي لمساعدات مالية ضخمة للقوى الديموقراطية في بلدان الشرق الأوسط التي حدث ويحدث فيها هذا الانقلاب التاريخي الكبير، مثلما تم دعم كل من ألمانيا وايطاليا بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية فيهما، تحت ما يسمى ب”مشروع مارشال” الذي منع وقوع الدولتين في أيدي الشيوعية السوفيتية، كما منع عودة النازيين والفاشيين إلى الحكم من جديد

ويحذر هذا الخبير من تكرار التجربة الديموقراطية الفاشلة لحكومة بختيار شابور الايراني بعد سقوط الشاه في نهاية سبعينات القرن الماضي، حيث لم يتلقَ أي دعمٍ من العالم الحر الديموقراطي، في وقت كانت تعاني ايران من أزمة اقتصادية وحالة غليان شعبي، وكثير من الفوضى السياسية، فتمكن الملالي من القضاء على حكومته بعد 36 يوماً فقط. وما أشبه حال الحكومات المؤقتة حالياً في كل من مصر وتونس بحالة بختيار شابور. كما يدعو إلى دعم الأحزاب والمنظمات الديموقراطية والتركيز على الإعلام والتربية والثقافة الديموقراطية وتشجيع كل المبادرات في هذا الاتجاه، الحكومية وغير الحكومية

 مما لاشك فيه أن هذا الخبير الاسرائيلي السياسي المضطلع على الشؤون العربية والسورية، ينطلق من نظرته إلى الشرق الأوسط وأحداثه من المصلحة الاسرائيلية، وهذا ما يطرح على المراقبين السياسيين السوريين والعرب مجموعة من الأسئلة التي يجب الإجابة عنها، منها

كيف يجب إبداء الرأي في هكذا مشروع لدعم الديموقراطية في المنطقة؟

– هل هناك بديل عربي أو شرق أوسطي ذاتي لبناء نظم ديموقراطية، دون الاعتماد على مشاريع مارشالية أو “صدقات!” العالم الغربي، هذه المشاريع المنبثقة أصلاً عن مصالح واستراتيجيات وخطط معينة ذات أهداف قريبة وبعيدة؟

– من يضمن أن يتمكن الإسلاميون، بمعزل عن المجتمع الدولي، بغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما يدعون إليه من مشاريع سياسية، من تلبية مطالب الشباب الثائر على أرض الواقع العملي، هذا الشباب الذي تلعب عنده فكرة “الحرية” و”تحقيق حياة أفضل” حيزاً أكبر من الآيديولوجيات، وبخاصة فإن الأنظمة الاستبدادية قد أفرغت خزائن المال الوطني وتركت مشاكلاً وجروحاً نازفة في المجتمع والاقتصاد؟

Advertisements

الإرهاب السياسي بين الشعب الكوردي لايخدم سوى أعداءه

جان كورد، ‏الأربعاء‏، 11‏ أيار‏، 2011

كلما كتب مثقف كوردي مقالة أو رأياً عن حزب العمال الكوردستاني أو رئيسه أو أي حزب من مجموعة الأحزاب العديدة التي تحت أمرته، فإن “البلطجية والشبيحة” التي تزعم وفاءها لهذا الحزب وهذا الرئيس والأحزاب التابعة له، تبدأ بترهيب صاحب المقالة أو الرأي، وهذا الإرهاب السياسي يتخذ أشكالاً مختلفة من التهديدات المباشرة والمبطّنة، ومن الردود الكتابية القاسية، ومنها اللا أخلاقية أيضا، ضد الكاتب وشرفه ووطنيته ومشروعية وجوده كإنسان وكمواطن، ومنها التي تسعى لتقييد حرية الكاتب في إبداء الرأي، وهذا ما أعلمه عن تجربة شخصية، إذ لا أكتب مقالاً عن هؤلاء الآبوجية إلاّ وأتلقى العديد من الردود المشحونة بالأذى والتهديد والتحقير والتقزيم، وكأن هؤلاء يملكون الحق في أن يفعلوا بالإنسان وكرامته وحريته ما يشاؤون، أو أنهم “بلطيجة وشبيحة” مدفوعة أثمان أقلامها ليهاجموا الناس بقذارات وتهم خيانات وبكل ما يمكن وصفه بأنه “كلام سوقي متدنٍ” فعلاً، ولا أريد هنا نشر مقتطفات من كتابات هؤلاء الذين نشروا أوساخهم في المواقع الالكترونية، ومنها تنشر كل غسيل قذر مع الأسف، ولم يخجل هؤلاء البلطجية والشبيحة “الكوردية!” أمام شعبهم من النزول إلى الدرك الأسفل من الرذالة في استخدام الحروف الكتابية، كما لا أريد ذكر أسماء من هؤلاء البلطجية والشبيحة التي تزعم وفاءها للشعب الكوردي، وما هي إلا أدوات قمع وإرهاب سياسي  ضد الكورد وكوردستان. ومع الأسف بين هؤلاء من يعتبرون أنفسهم صحافيين ومثقفين وسياسيين، ولكنهم في الحقيقة لايختلفون عن إعلاميي النظام السوري، بل إن الإعلاميين السوريين المدافعين عن نظام أسدهم لايستخدمون مثل هذ العبارات البذينة التي أستطيع ايراد العشرات منها في مقالات من يعتبرون أنفسهم “آبوجية!” جاؤوا لتحرير الإنسان الكوردي وصون كرامته؟!… فهل هناك أدنى من أن تقول لسياسي أو كاتب أو مترجم “أنت بائع شرفك ووطنيتك”؟ وهل هذه لغة سياسيين وثوار؟ أم لغة زعران الحارات الشعبية؟

لا أريد الإطالة في هذا المجال ولكن أقول بصراحة: إن كانت حرية الشعب الكوردي وصون كرامة وحرية الكاتب الكوردي، تستدعي “الشهادة” فأنا أفتح صدري لذك بصدرٍ رحب، وعسى الله يكتبني من الشهداء، فهؤلاء لايستطيعون ترويعي وإرهابي، ولكن أخاف عليهم من أن ينزلوا بمستوى الحوار السياسي بين الشعب الكوردي إلى هذا الدرك الأسفل من النذالة واللاأخلاقية والتهم الباطلة. ولكن أتوجه بالدعوة إلى كل سياسيي وكتاب الشعب الكوردي أن يرفضوا هذا الإرهاب السياسي لا أن يضحكوا لدى سماعه ويعملوا على ترويجه، فهؤلاء سيقضون على كل زهرة تتفتح في حديقة كوردستان، هؤلاء الذين لهم معبود خاص ونهج خاص وينفذون أجندات خاصة، وقتلوا العشرات في الماضي، بل المئات من الكورد الوطنيين الذين يختلفون معهم فكرياً أو سياسياً ويريدون اعادة تلك المرحلة مرة أخرى، وهم يحملون شعارات “الديموقراطية” اليوم

وآمل من قيادة حزب العمال الكوردستاني أن تتبرأ من هكذا أقلام حاقدة ومريضة نفسياً و”قذرة لغوياً” إن كان فعلاً حزباً كوردستانيا جاء لتحرير الكورد وصون كرامتهم… فهؤلاء يهربون من الصفوف واحداً بعد الآخر، بمجرّد أن تسنح لهم الفرص للهروب… فالنتائج الوخيمة لهذا السلوك المشين في الرد السياسي تكون دائماً لحساب حزبكم وقيادته

كيف ستكون سوريا ما بعد الأسد؟

جان كورد، ‏09‏ أيار‏، 2011

أقارن لنفسي أحياناً بين نماذج كوردية وعربية وسورية، تزعم أنها تناضل من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وبين أحرارٍ ليبراليين وديموقراطيين ومدافعين عن حقوق الإنسان من الطراز الحقيقي الذي نلتقي بهم ونعيش بين ظهرانيهم في أوروبا منذ أكثر من ثلاثة عقودٍ من الزمن، فأجد هناك ..مع الأسف.. فارقاً عظيماً واختلافاً كبيراً في الصفحتين المتقابلتين، الصفحة السورية والصفحة الأوروبية

الديموقراطيون في أوروبا يؤمنون بهذا التراث الإنساني الذي تعلّموه منذ نعومة أظافرهم، في البيت والمدرسة، ثم في المعهد أو الجامعة أو في الثكنة العسكرية، وكذلك في النقابة ومركز العمل، حيث انضموا في حياتهم لمئات الاجتماعات والحوارات الديموقراطية الجادة، وبخاصة تلك التي هدفها تربية الإنسان تربية ديموقراطية، فيتعلم من خلالها سماع الآراء المغايرة لرأيه الشخصي، ومناقشتها بأدب وهدوءٍ من قبله، دون أن يؤذي من هو خصيمه في الموقف، وتستمر النقاشات بأشكال مختلفة، منها أن يظهر من يؤيد هذا الموقف وآخر يعارضه، ويتحاور شخصان أو كتلتان أمام مجموع المشاركين الآخرين، وفي النهاية بعد أن يعرض كل بضاعته السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، يحاول المستمعون والناظرون الآخرون بصبر وهدوء الوصول من خلال الاسئلة والأجوبة الموجهة لطرفي النقاش إلى الموقف الأقرب إلى الصواب، دون الاستهانة بالرأي المخالف… وهكذا فإن المجتمعات الأوروبية قد أنتجت من خلال النقاش الحر على مختلف المستويات الاجتماعية، الأسرية والمدرسية والنقابية والسياسية والفلسفية، رجالاً ونساءً مؤمنين فعلاً بالديموقراطية التي لايمكن اقامتها أو ممارستها أو تطبيقها دون تربية طويلة الأمد، كما هي حال الآسيويين الشرقيين، الذين تعلموا منذ صغرهم الأدب الجم في المخاطبة مع الكبار في السن ومع الضيوف والتجار والغرباء، بشكل يكاد يعتبر صعباً جداً على سواهم منافستهم في ذلك… وكذلك ما نراه من تواضع وخلقية رائعة لدى الطرق الصوفية التي تعلم منتسبيها الصبر والهدوء والاحترام في سائر المواقف

منذ أيام قلائل، إتصل بي من بلاد النرويج صاحب موقع ميديا كورد الدكتور جوان حقي، الذي أعرفه ناشطاً كوردستانياً ومثقفاً ديموقراطياً وإنساناً طيباً، أعافه ألله من مرضه وأمده في عمره، وسألني بلطف فيما إذا كنت مستعداً لترجمة مقال له، كما فعلت مرّة سابقة له، والله يشهد أنني كنت منغمساً في أعمال كتابية وغير كتابية متعددة ولم أكن أعرف أي مقالٍ يعنيه، فوعدته ووفيت بوعدي، وأنا أقوم بترجمة نصوص إلى العربية أو الكوردية الشمالية أو إلى الألمانية أو على العكس لإخوة وأخوات، سياسيين وأدباء، عرباً وكورداً، ومنهم سلسلة من شعراء وشاعرات عرب، من المغرب إلى العراق، مروراً بفلسطين ولبنان وسوريا، منذ زمن طويل، دون أي مقابل، وانما مساهمة مني لتعميق التواصل بين الناشطين والمثقفين والأدباء في منطقتنا، وبخاصة في كوردستان، حيث عدة لهجات، ومن كتابنا الكورد من لايعرف التحدث بالعربية أولا يعرف الكتابة بها، أو أنه يكتب بالعربية دون الكوردية… وكان مقاله الذي لم أقرأه من قبل حول العلاقة بين النظام السوري والآبوجيين الذين يريدون أن يلعبوا ورقتهم من جديد على الساحة السورية بطريقة يرتاب فيها بعض المحللين والدارسين الكورد ومنهم الدكتور جوان حقي… فأقام بعض أصحاب الأقلام الأوجلانية الدنيا وأقعدوها، وإذا بهم يصفونني والأخ الدكتور بالخيانة الوطنية وباستلام الأموال (الدولارات) من الحكومة التركية عن طريق شيخ طريقة صوفية عثمانلية، وبتعاوننا مع المخابرات التركية…!! ولذا أطلب منهم أن يضعوا أيديهم على رأس أعز ولد لهم وأن يقسموا اليمين على ما يبثونه من اتهامات كاذبة، ومتكررة بحقي، منذ أن شرعت بكتابة سلسلة من المقالات بالعربية في وقت مضى عن “الأوجلانية” وتناقضاتها ومسلسل تعرجاتها السياسية، منذ بداية ظهور حزبها، حزب العمال الكوردستاني، ولمعان بريق زعيمها المعتقل… بل منذ أن تركت إتحاد المثقفين الوطنيين الكوردستانيين في مؤتمره الأول لرفضي العمل وفق دستوره آنذاك، لأنه أصبح آيدولوجياً وكفصيل تابع للحزب وقائده… وأتساءل: أهؤلاء صاروا يؤمنون حقاً بالديموقراطية؟ أم أنهم يتبجحون بها دون أدنى إيمان لأن المرحلة تفرض ذلك عليهم؟ وهل يمكن الثقة حقاً بهؤلاء؟ هل تركوا عبادة الشخصية الأولى؟ وتحوّلوا إلى ديموقراطيين قادرون على سماع الرأي المخالف لهم؟

وهكذا، فإن هناك بين السوريين أيضاً، عرباً وكورداً ومن مختلف الطوائف والقوميات والأديان، أسراب كبيرة من دعاة الديموقراطية، ولكن إذا ما حككت جلودهم قليلاً لظهروا لك تماسيحاً لاتعرف سوى لغة واحدة: التغذية عن طريق العنف وفرض الموقف بالقوة

هناك من إذا حدثتهم عن “القضية الكوردية” تحمر وتصفر وجوههم وكأنك كفرت في حضورهم الايماني العظيم بوحدانية تكوين الشعب السوري، الذي هو شعب عربي من ذروة رأسه إلى أخمص قدميه، ولايقول شيئاً عن حقوق الكورد إلا لدغدغة عواطفهم، لدرجة أن حزباً يعتبر نفسه كوردياً وسورياً يرفض “الانجراف إلى الثورة السورية الكبرى” بذريعة أن ليس للكورد فيها بعد النجاح سوى مزيد من الاضطهاد، لوجود هذه النماذج التي لاتقل عنصرية عن البعثيين في صدارة المجتمع المعارض، أو أنه يتذرّع بذلك

وهناك، من قلت لهم بأن الواقع على الأرض يفيدنا يومياً بحقيقتين، هما

 الشعب السوري في معظمه مسلم العقيدة، ولابد من أن يراعي المعارض الديموقراطي من غير المسلمين ومن الشيوعيين والعلمانيين ذلك، ويحدد لائحته السياسية وفق هذا الواقع، فيرغي ويزبد، ويزعم أن الذين يعترفون بهذا الواقع عاملون على اعادة سوريا إلى “القرون الوسطى” أو ما قبلها…ويقول بلطف مصطنع: “ما هكذا تبنى الديموقراطية ياعزيزي

 هناك نسبة كبيرة من العلويين والدروز والاسماعيليين واليزيديين والمسيحيين ولربما بعض اليهود أيضاً، وعلى الإسلاميين التصرّف وفق هذه الحقيقة وهذا الواقع.. فيتفجر بعض المسلمين الذين يفترض فيهم أنهم تعلّموا منذ صغرهم أن ألله سبحانه وتعالى قد قال لرسوله الأكرم (صلى ألله عليه وسلم) ((وإنك لعلى خلقٍ عظيم)) ويسبون ويشتمون ويزعقون: شو…؟ هادول خربونا، عزلونا، سرقوا منا سوريا… خللي الثورة تنجح وبعدين نشوف… والله لنعمل كذا وكذا

هكذا سنتخلص من نظام فاسدٍ، موروث عن دكتاتور، ولكننا سنقع في مستنقعٍ نتن، لأننا لم نتمرس ولم نتمرّن على الديموقراطية في حقل الرياضة الذهنية، ولم نتعلمها في المدرسة السورية، التي ظلّت عقوداً من الزمن في ظل النظام البعثي الشمولي المتخلف، وأنتجت إداريين وحكوميين وعسكريين وبرلمانيين يعتقدون بأنهم ديموقراطيين، ولكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك، حتى ولو صارت أسماء أحزابهم “ديموقراطية!”، وهي منتشرة اليوم كانتشار الفطر بعد المطر في بدايات الربيع… إذ صار لدينا “بعثيون ديموقراطيون” و”إسلاميون ديموقراطيون” ، بل و”عماليون – ماركسيون – شيوعيون ديموقراطيون” مثل فلاديمير إليتش لينين وماو تسى تونغ تماماً!…. وحتى “إعلاميون تابعون للنظام السوري ديمقراطيون!” وصارت الديموقراطية قميص عثمان يتسع لجميع القمعيين والمتطرفين والإرهابيين والعنصريين والمجرمين، إضافة إلى المتحزبين للحزب الأوحد، والقائد الأبدي، والتنظيم الفولاذي…و…و

فالذي لايستطيع وضع كرسي الرئاسة لحزبه تحت تصرّف رفيقه الآخر، بعد عقد كامل من الزمن، لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي لايتحمل عبارة نقد واحدة فقط من زميله في تحالف سياسي لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي يسب ويشتم من يكتب مقالة أو رأياً مخالفاً لحزب زعيمه لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي جعل من حربه على دين الأكثرية السورية عملاً يوميا والتزاماً حياتياً لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، كما الذي يريد سحق كل أشكال النمل غير نمله الكثير لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية

لذا، لاتؤاخذوني إخوتي السوريين وأخواتي السورييات، إذ أشعر بمرارة على لساني وقشعريرة في صدري، وأنا أنظر إلى سوريا تنتقل انتقالاً دموياً وخطيراً من عهدٍ إلى عهد، بل والخوف يأخذني من كل طرف، وأنا أرى هذا الحشد الهائل من أدعياء الديموقراطية والمتاجرين باسمها، من الذين لا يستطيعون سماع كلمة مخالفة لما يؤمنون ويعتقدون به، في كل تشكيلاتنا الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، هذه التي تطرح أمام شعبنا مشاريعها “النهضوية” العملاقة والمحشوة بالألفاظ السمينة كالأبقار الهولندية عن “الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان” ونحن بعيدون عنها بعد الأرض عن كوكب زحل

إلا أن مخاوفي هذه لاتبرر لي، ولا لغيري، في الأحزاب والجمعيات وخارجها، أن نقف مكتوفي الأيدي، بلا أي عملٍ أو نشاط، وشبابنا السوريون، من فتيان وفتيات، يتحدون النظام الأسدي الدموي المرعوب والمعزول دولياً وداخلياً، ويدخلون المعركة الحاسمة ضده بصدورهم وإيمانهم، فلا بد أن نفعل شيئاً لمساندتهم، باليد أو اللسان أو بقلوبنا، وهذا أضعف الإيمان… وعلينا الكفاح معاً من أجل تطوير أنفسنا ب(الجهاد الأكبر) أملاً في تحقيق وبناء مجتمع سوري عادل بكل معنى العدالة، من الوجهة القانونية أو من جهة الاعتراف بسائر المكونات الكبيرة والصغيرة، أو من جهة التوزيع العادل للثروات الوطنية والمشاركة في البناء الاداري للنظام المستقبلي… فولادة الديمقراطية عسيرة وطريقها شائك طويل، وقد تكون فيه انتكاسات، مثلما حدث أثناء استيلاء النازيين على الحكم في ألمانيا والفرنكويين في اسبانيا والفاشيين في إيطاليا…ولكن الديموقراطية انتصرت فيها جميعاً

و….إنه لا ييأس من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون

مخاوف تركيا بصدد سوريا

جان كورد، ‏03‏ أيار‏، 2011

تركيا الحديثة جارة لسوريا التي كانت في الماضي تابعة للتاج العثماني، وهذا بحد ذاته يثير مشاعر متداخلة وقوية لدى طرفي المسألة. الحدود التركية – السورية تقارب الألف كيلو متر، وهي في معظمها، ما عدا منطقة “جبل الأكراد” سهول خصبة، تسيل لعاب المزارعين الترك الكبار

بين تركيا وسوريا مشاكل قديمة وحرب بالوكالة انتهت على حساب الوكيل الكوردي قبل عقدٍ من الزمن

المشكلة الأولى تتعلّق بالحصة السورية من مياه الفرات ودجلة، وإذا تشبّثت سوريا بما هو حق لها، فإن العراق الجار سيعاني من مشاكل وخيمة بسبب نقص حصته من المياه ذاتها، وقديماً هدد صدام حسين سوريا بالاحتلال فيما إذا شحت المياه التي تصل بلاده.. والمشكلة الأخرى بين سوريا وتركيا كانت سلب تركيا لجزء هامٍ وحيوي من سوريا، ألا وهو لواء الاسكندرون، بموجب معاهدة استعمارية بين تركيا وفرنسا المستَعمِرة في ثلاثينات القرن الماضي لسوريا، أي دون إرادة الشعب السوري

فكانت سوريا تعتبر تركيا، العضو في حلف الناتو، والقوية اقتصادياً وعسكرياً، خطراً كبيراً على نفسها، وعلى الرغم من أن حقول الألغام والأسلاك الشائكة والأبراج العسكرية على الحدود بين البلدين قد وضعت وتمت مراقبتها باستمرار من قبل الجانب التركي لعقودٍ من الزمن، واكتفى السوريون بدوريات جندرمة بسيطة، من طرفهم، إلاّ أن الخطر التركي ظلّ مقلقاً لكل الحكومات المتعاقبة على دست الحكم في البلاد السورية، وقد وصل الأمر إلى تهديدات باحتلال شمال سوريا أيضاً قبيل اعلان الوحدة بين سوريا ومصر في عام 1958

وبسبب المشكلتين الأساسيتين بين سوريا وتركيا، إضافة إلى العلاقات الوطيدة بين تركيا واسرائيل على الدوام، أعلن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الحرب على تركيا باستخدام وكيل كوردي هو حزب العمال الكوردستاني سنواتٍ عديدة، إلى أن قام رئيس الوزراء الأسبق بولند أجاويد بالتهديد المباشر بغزو الشمال السوري مالم يكف نظام الأسد عن ذلك، فأضطر الأسد المشهور بدهائه وتمسكّه بحكمه إلى التخلّص من زعيم حزب الكوردستاني، السيد عبد ألله أوجالان، بابعاده عن سوريا وسهل البقاع اللبناني، ولكن هناك من يقول بأنه اكتشف آنذاك نشوء علاقة سرية بين الزعيم الكوردي والحكومة التركية، ما دفعه لاتخاذ تلك الخطوة

وبدأت حقبة جديدة من العلاقات التركية – السورية، قائمة على توسيع العلاقات المشتركة في الحيّز المتفق عليه باستمرار، ألا وهو “التعاون من أجل منع قيام دولة كوردية” أو “ الحيلولة دون امتلاك الكورد لأسباب القوّة التي تؤهلهم للتحرّك صوب طموحهم القومي بالاعتماد على أنفسهم“… وطويت كل الملفات الساخنة ومنها المشاكل بسبب الحدود والماء إلى حين

ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراط عقده، تقلّص الدور التركي في الصراع الاستراتيجي بين الغرب والشرق، ولم تعد لتركيا المكانة التي كانت تتمتّع بها من قبل، وبخاصة فإن دولاً من المعسكر الاشتراكي المنحل قد فتحت أبوابها لحلف الأطلسي ولنصب الصواريخ الأمريكية أو لاستخدام مطاراتها العسكرية من قبل الأمريكان

ثم جاء “الاسلاميون الجدد”، بوصول السيدين عبد ألله غول ورجب طيّب أردوغان إلى الحكم في أنقرة قبل سنوات قلائل، لتنظر تركيا نظرة مختلفة عن نظرة الحكومات العلمانية السابقة إلى الجيران، وبخاصة بعدما فشلت كل تلك الزعامات التركية في تحقيق هدف الانتماء الفعلي للاتحاد الأوروبي أو”النادي المسيحي” حسب تعبير الزعيم الروحي للإسلاميين الترك، نجم الدين أربكان…فإذا بالإسلاميين الترك يتحدثون عن الأخوة التاريخية والعقيدية بين الشعب التركي وشعوب المنطقة، وعن امكانية بناء سوق تجارية واسعة وحرّة وازالة العوائق الجمركية بين تركيا وجيرانها، وساهم في تطوير هذه النظرة الجديدة نشوء نزاعات سياسية بين تركيا واسرائيل بصدد الحرب على غزّة وارسال تركيا لأسطول الحرية صوب فلسطين والرد القاسي لاسرائيل على ذلك، كما شجّع الاستمرار في هذا النهج الجديد النجاح الباهر للشركات التركية في جلب المنافع المالية الضخمة من اقليم كوردستان العراق لخزينة البلاد، مما أسال لعاب التجار الترك وهم ينظرون إلى سوريا التي تحتاج إلى كل منتوج وكل صناعة، بعد طول فترة السير صوب الاشتراكية دون تحقيق أي أهداف إيجابية للاقتصاد السوري

ولكن الثورات الشعبية العارمة في العالم العربي قد أعادت توزيع الأوراق، وفرضت شروطاً جديدة للعبة ساخنة، فأضطرت تركيا إلى أن تفتح دفتراً جديداً للعلاقات مع الجيران العرب، وبخاصة في العراق وسوريا، وأن تظهر نفسها بمظهر الأب الذي طلّقته الأم من زمن بعيد، ويشعر بأن عليه القيام بشيء ما تجاه العائلة المنفرط عقدها منذ زمن بعيد

ويجدر بالذكر أن المساعي التركي للصلح بين اللبنانيين ومن بعدهم بين الليبيين قد فشلت، ولم تكن زيارة الرئيس التركي للقاهرة بعد نجاح ثورة وادي النيل إلاّ للتأكيد على أنه لايزال لتركيا دور فعّال في الشرق الأوسط، وفي الحقيقة فإن تركيا بحاجة إلى مصر وليس العكس، والثورة المصرية ماضية صوب أهدافها بدون أي مساعدة تركية حتى الآن

لقد نجحت الديبلوماسية التركية في العراق إلى حدٍ كبير، فهي الدولة الأكثر استفادة من الغزو الأمريكي للعراق، ورغم أنها وقفت ضده بشكل رسمي، إلاّ أن تركيا لم تتحرّك في العراق سياسياً واقتصادياً إلاّ تحت الغطاء السياسي الأمريكي، والنجاح الأكبر حققته في كبح التطلّعات القومية الكوردية وتأخير وصول الكورد إلى مطالبهم جميعاً، وعرقلت بشكل أساسي حل مشكلة كركوك وتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، وأثارت التناحر بشكل عنيف بين مكونات المدنية من كورد وتركمان وعرب، ومارست ضغوطاً هائلة على شركات البترول المستثمرة لكي لاتعقد عقودها مع السلطة الاقليمية في المنطقة الكوردية الفيدرالية مباشرة، ولكن نجاح الكورد في تحقيق المزيد من الانجازات الباهرة على الأرض، سياسية واقتصادية، وتعميق العلاقات مع المركز العراقي ومع العالم الخارجي أجبر الترك على التراجع وممارسة سياسة مختلفة الآن

تريد الحكومة التركية الحالية تحقيق النجاح ذاته في سوريا،على الرغم من وجود اختلاف كبير بين سوريا والعراق، فسوريا ليست محتلّة والانقسام الطائفي لم يصل بعد إلى ما عليه الأوضاع في العراق، وسوريا ليس لديها بترول كثير كما في العراق، وليست للحركة الكوردية السورية علاقات كالتي كانت بين تركيا وكوردستان العراق، والفراغ الذي تودّ تركيا سده سياسياً في سوريا مملوء سابقاً من قبل إيران، والعرب السوريون لم ينسوا بعد سلب تركيا للواء الاسكندرون، واحتمال أن يتم غزو سوريا من قبل الدول الغربية ضئيل لحد الآن، ثم إن سوريا تقع على الحدود مع اسرائيل، مما جعلها نقطة ساخنة للنزاع في المنطقة، فأي خطوة تركية صوب التدخل في الشؤون السورية ستقابلها خطوة ايرانية وممانعة اسرائيلية – أمريكية أيضاً، إلاّ إذا كانت الجهود التركية في إطار التحرّك الأمريكي – الأوروبي، وليس بشكل مستقل أو منفرد

هذه الخريطة تقرأها الحكومة التركية بإمعان، ولذلك فإنها تتبّع سبلاً ملتوية ومراوغة ومتعددة في الوقت ذاته، فمن ناحية تظهر نفسها كصديقة للنظام السوري تريد له البقاء والنجاح و”الاستمرار في الاصلاحات!”، وحكومة أردوغان تعلم جيداً أن ليس هناك إصلاحات سياسية حقيقية في ظل هذا النظام الأسدي… ومن جهة أخرى تستقبل وفوداً للمعارضة السورية على أراضيها وتسمح لها بعقد مؤتمرات بهدف تغيير هذا النظام…ومن جهة ثالثة تزعم أنها تحاول الجمع بين المتناقضين في الساحة السورية: النظام والمعارضة، في وقت تشتد فيه أوار المعركة بين النظام المدجج بمختلف أنواع السلاح وبين الشعب العازل. وإذا كانت تركيا صادقة في ادعاءاتها فلماذا لا تأخذ ذات الموقف الذي اتخذته تجاه حصار غزّة تجاه حصار مدينة درعا السورية أيضاً، وتكتفي بالنداءات والمناشدات الباهتة؟

عيون تركيا على الأسواق السورية بشكل أساسي، وهي تعمل على أن تحتل سياسياً مكانة ايران، المنافسة الشيعية الكبرى للنظام السني – الصوفي للعثمانيين، وتسعى تركيا لأن يتم حذف “لواء الاسكندرون” من الذاكرة التربوية والتعليمية للأجيال السورية الناشئة من خلال التأثير التام على عقول الحاكمين والمحكومين، كما تريد استعادة مكانتها التاريخية كدولة خلافة في المنطقة، بدءاً بأقرب الدول العربية إلى عاصمة الخلافة العثمانية، وهي سوريا، والقضية الأخرى التي تلعب دوراً هاماً للغاية في استراتيجية الحكومة الأردوغانية وتثير الرغبة الحادة في التشاور ضمن مجلس الأمن القومي التركي هي القضية الكوردية في سوريا، حيث تخاف تركيا من أن تحدث القلاقل والاضطرابات في شمال البلاد فراغاً تملؤه حركة كوردية مسلّحة أو يلقى فيه الكورد عوناً وتسليحاً من إخوتهم في أجزاء كوردستان الأخرى أو من قبل دول خارجية…فتتشكّل بذلك منطقة تابونية عازلة بين تركيا والداخل السوري الذي تسعى لاقتحامه، ولذلك فإنها لاتقبل بمعارضة سورية تؤمن بالحق القومي الكوردي تمام الايمان، وترفض أي مطلب كوردي سوري للحصول على إدارة متواضعة لهم في نظام سوري ديموقراطي لامركزي حديث، كالحكم الذاتي أو الإدارة الفيدرالية، حتى ولو اتفق كل السوريين على ذلك. والعقدة التركية الناجمة عن لفظتي “كورد” و”كوردستان” لاتزال معشعشة في عقول وقلوب الطورانيين المتشحين بأردية إسلامية اليوم، مقتدين في ذلك ببقايا البعث الصدامي الذي يظهر نفسه وكأنه فصيل جهادي رباني بعد أن أذاق العراقيين فصولاً لامثيل لها في القهر والإذلال لعقودٍ من الزمن

وما دمنا نعلم في المعارضة السورية، مدى خطورة تعاظم الحراك التركي الذي لايقل ضرراً عن التوغّل الفارسي في دمشق السورية، فإن علينا رفض النهج التركي – التصويفي، كما رفضنا النهج الفارسي – التشييعي من قبل، للشارع السوري، وعلينا رفض أي تدخّل أجنبي، تركي أو غير تركي، في شؤون بلادنا، دون مطالبة صريحة وعلنية واضحة بدعم دولي من قبل الشعب السوري وثورته لوضع حدٍ لطغيان النظام وكبح جماح قواته الأمنية التي تمارس عنفاً وحشياً وتستخدم القوة المفرطة ضد المدنيين لدرجة قيامه بحصار المدن وتجويعها. ثم إن تركيا ليست وصيّة على بلادنا كما في العهود العثمانية، مثلما ليست ايران وصية على نظام الحكم وشكله وسياسته في بلادنا… وعلينا أن لانقبل البتة بدورٍ تركي في سوريا كما هو الدور الايراني اليوم في العراق، وإلاّ فإننا نائمون ومنخدعون بما ينثره الأردوغانيون علينا من الدرر الخيالية عن الأخوة الايمانية، في حين أنهم يسعون لممارسة دور الأب في المنطقة، وعلى الأردوغانيين تعلّم الدين والدفاع عنه من السوريين وليس العكس