الوطنية الرخيصة والتدخل الخارجي

جان كورد، ‏07‏ آذار‏، 2012

في مجال الرد على ناقدي السيد صالح مسلم وحزبه، وأنا أحد الذين انتقدوه، زعم بعضهم بأن الذين يطالبون بالتدخل الخارجي لكبح جماح النظام الدموي في سوريا خارجون عن دائرة الوطنية، وأنهم يخدمون مصالح الأجنبي، ويريدون لبلادهم الشر…وذلك بذريعة أن بلادنا ستتعرض للخراب وأن دماء شعبنا ستسيل وأن الأجنبي سيحتل بلادنا 

لذا لابد من التوضيح بأن “الوطنية الرخيصة” لاترى بحر الدماء السورية المسفوكة حتى الآن ومشاهد المدن المدمرة وآثار التعذيب الوحشي على وجوه وظهورالأطفال والفتيان السوريين، دون وجود أي قوات تدخل خارجي في بلادنا، ولاتتألم لعشرات الألوف من المعتقلين والمهانين والجائعين في معتقلات النظام، وكذلك فإن قتل أكثر من 8500 إنسان حتى اليوم لايحرك ضمائرهم الإنسانية، بل يستطيعون تحمل المزيد من سفك دماء السوريين، حتى يقولوا “يجب القيام بشيء عملي!” وهذا الشيء العملي يجب أن يكون في حدود ” المعقول الوطني 

بل إن بعضهم قارن مقارنة غير مناسبة بين رسالة القائد الكوردي الخالد مصطفى البارزاني للرؤساء العرب يوم دخلوا الحرب ضد اسرائيل في عام 1973، قائلاً لهم بأنه يوقف قتاله من أجل تحرير الكورد وكوردستان طالما هم في حالة حرب مع أعدائهم. وكأن نظام الأسد السوري اليوم في حالة حرب مع أعداء سوريا وليس في حالة ابادة بمعدل 45-150 مواطن يومياً من مختلف المكونات الإنسانية. ولهؤلاء نقول: هذه وطنية مبتذلة حقاً. ولو قاتل النظام عدواً محتلاً لسوريا لما طالب الشعب السوري في مظاهراته بالتدخل الخارجي بالتأكيد 

الشعب السوري في تظاهراته اليومية، وفي كل أنحاء البلاد، وخارجها، يطالب ب”حماية دولية” والحماية لاتكون دون تدخل خارجي، ولا تتحقق دون وجود قوات تحمل السلاح، ولكن قد تعود هذه القوات للأمم المتحدة أو للجامعة العربية (وضع قوات لدول عربية في خدمتها) أو تكون قوات لحلف الناتو، المرشح الوحيد لهكذا تدخل من خارج القرارات الدولية أو القرار العربي إن وجد. فطلب التدخل الخارجي لايعني بأي حالٍ من الأحوال قصف المدن السورية أو سائر المواقع الحربية السورية، كما فعل الأمريكان وحلفاؤهم مع صدام حسين وجيوشه، حيث الوضعان مختلفان تماماً. الشعب السوري يطالب بحمايته من هجمات وحشية يومية لقوات النظام الأسدي على المدن والأرياف بالدبابات وفرق الموت الرهيبة، في حين أن الحرب على صدام حسين كانت بدوافع عديدة، منها متعلقة بالعراق ومنها بالمنطقة ومنها بالدول التي شنت تلك الحرب 

فهل يملك هؤلاء “الوطنيون!” حلاً عملياً وحقيقياً لايقاف المجزرة الإنسانية التي تفتح أبوابها كأي مجزرة للحيوانات كل يوم، من الساعات المبكرة إلى أعماق الليل الداجي، ينحر فيها الأطفال والنساء والشيوخ، بذريعة أن النظام يحارب “عصابات مسلحة!”، على الرغم من أن أي تنظيم مسلح في العالم لم يعلن حتى اليوم عن مسؤوليته بصدد ما يجري في سوريا من تقتيل وتدمير، في حين أن البيانات بالصورة والصوت في العراق كانت تصدر يومياً ومن تنظيمات مسلحة مختلفة، كانت تتباهى بذبح الناس أمام الكاميرات. فهل على السوريين تصديق مزاعم النظام، وهم يرون بأعينهم قصف الحارات والأسواق والمدارس والمساجد والمستشفيات، ويكفوا عن المطالبة بأن يحميهم المجتمع الدولي من وحشية المستبدين برقابهم، والزاعمين بأنهم يدافعون عن “الوطن” الحر 

الشعب السوري يؤنب معارضته السياسية كل يوم لأنها فشلت حتى الآن عن اقناع العالم بضرورة “التدخل” لوقف المجرمين عن الاستمرار في جرائمهم ضد الإنسانية، ولكن أصحاب “الوطنية الرخيصة” مستعدون للانتظار وتحمل كل شيء، حتى لاتقصف قصور المجرمين وأركان قواتهم المهاجمة على الشعب، لأنهم مجرمو الوطن وقواتهم التي تسفك دماء المواطنين هي قوات “وطنية!” فيدعون لحوار غير متكافىء بين النظام والشعب المذبوح، ويريدونها معارضة سلمية تضع خدها على الأرض ليدوسها شبيحة النظام ونبيحته من الذين يتباكون عليه في التلفزيونات والمواقع الانترنتية 

هناك فارق بين المطالبة بالتدخل بقصد استعمار البلاد وتقسيمها ووضعها تحت تصرف الأجنبي، وهذه خيانة للوطن بالتأكيد، وبين المطالبة بالتدخل لوقف حمام الدم وإنقاذ المواطنين السلميين في فعالياتهم الديموقراطية وكف أذى النظام المتوحش، الذي لم يعد أقل جرائماً عن بينوشيت وبول بوت وميلوزوفيتش وصدام حسين. ونحن مع تدخل يوقف المجرم عن ارتكاب مزيد من الجرائم، لا مع تدخل واحتلال واستغلال ونهب لخيرات بلادنا، المنهوبة بشكل سافر دون أي تدخل حتى اليوم 

لو كان نظام الأسد يحكم في بلدٍ آخر غير سوريا لأطاح به “التدخل الخارجي” بسرعة تكنيس غرفة صغيرة، مثلما حدث في العراق وصربيا وليبيا، ولكن الموقع الحساس لسوريا على حدود اسرائيل يجعل بعض الناس في العالم الخارجي مترددين إزاء التخلص منه، إضافة إلى أنه ملتزم بأوامر تفرض عليه سياسات معينة، وهذا ما يمنحه القوة للاستمرار في فتح أبواب مجزرته حيناً من الزمن، إلا أن إرادة الشعب السوري أقوى من أن يتمكن منها النظام، وهو أيل للزوال والسقوط، ومعه شبيحته المجرمة ونبيحته التي لاتقل إجرامياً بما تسطره من شجون وأحزان ووطنية زائفة ورخيصة 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s