الفرز الثوري في الحراك السياسي الكوردي

جان كورد، ‏13‏ آذار‏، 2012

أردت تسميته ب”الفرز الحضاري”، ولكن شهر نوروز هذا أدفأ قلبي بمعاني الثورة الحقيقية التي أراها تتفجر كالبركان النشيط أمام عيوني على شاشات التلفزيون في هذه الغربة القاتلة، فكتبت “الفرز الثوري”، وأعتقد أن هناك علاقة وطيدة بين “الحضارة” و”الثورة” في كل الأحوال 

عرف الحراك السياسي الكوردي هذا الفرز الذي كان يتحدث عنه الشيوعيون في حزبهم الأول مثل سائر الحركات السياسية الأخرى، المنظمة والشعبية، وهو فرز طبيعي تحدثه عوامل متعددة في ظروف ملائمة تفرض الافتراق بين مجموعات مختلفة المفاهيم والمعايير والمصالح فيما بينها. وهذا الفرز يحدث على الدوام لأن المجتمعات في تغير وتبدل والإنسان في تطور والظروف في تحول، بل تحدث طفرات ثورية تاريخية تقلب الكثير من المفاهيم التقليدية وتصب حزمات من أنوار الفكر الجديد التي تتأثر بها أجيال جديدة، وهكذا فالنهر يسيل والتاريخ يتمدد في الزمن والمستقبل يحمل لنا المفاجآت على الدوام، والذين لايستطيعون فهم حركة البشرية يجلسون القرفصاء على قارعة الطريق ووجوههم مكفهرة لعدم قدرتهم على استيعاب ما يجري حولهم 

في الفترة الأخيرة لانهيار الامبراطورية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، لم يتمكن كثيرون من علماء الدين فهم “المشروطية” التي تعني “تقييد سلطان السلطان” بمختصر الكلام، فوقفوا ضدها وحاربوها، في حين أن الأستاذ سعيد النورسي، العلامة الرباني، قد وقف في صفها ضد الاستبداد العثماني، ودعا شعبه الكوردي والمسلمين عامة في رسالته “روجيتة الأكراد” إلى تقبل واستيعاب المشروطية والدفاع عنها والعمل بها، فذاق الهوان على أيدي الطغاة المستبدين وعانى الأمرين من جراء ذلك، وبسبب مواقف أخرى عديدة له في سبيل تحديد الدين وتجديده وتخليصه من الشوائب العالقة به 

واليوم، نرى أن سائر الذين كانوا مع “الفرز الثوري” في السياسة الكوردية، كانوا من ضحايا قياداتنا الكلاسيكية التي لاتزال متمسكة ببعض مواقفها التي تعود إلى عصر “الحرب الباردة”، سواء في مجال القضية الكوردية، أو تجاه الثورة السورية، أو بصدد التغيرات التاريخية الكبرى وموضوع “القرية العالمية” في عصر “العولمة” هذا 

وإذا كانت أهداف “الثورة” في زمن الحرب الباردة هو إنجاز الانتصار الطبقي، فإن أهدافها اليوم تكمن في تجاوز التخلف الحضاري واللحاق بالمسيرة الكبرى للبشرية صوب مجتمع “الحريات المدنية” بالدرجة الأولى، وهذه الحريات لاتصان بشكل أكيد إلا في ظل “العدالة الاجتماعية” وفي حال تطبيق “الديموقراطية” في أشكالها المتطورة. والفارق بين الوضعين ظاهر وكبير. في حين أن أهداف “أعداء الثورة” تتمثل في الدفاع عن المثل والقيم التي أفرزها الصراع الطبقي كعبادة الزعيم، والطاعة المطلقة لأفكاره وفلسفته، وعدم الجرأة على الخروج عن المذهب الستاليني في إدارة الأحزاب ذات النهج الكلاسيكي الذي لايتلاءم مع المتغيرات العالمية في دنيا المعرفة والتطور التكنولوجي، والتمسك الشديد بفلسفة استخدام القوة والعنف حيال المنشقين أو الناقدين، ما يذكرنا بمحاولة حرق سيدنا ابراهيم عليه السلام لرفضه السجود لأصنام قومه، أو دفن قومٍ بأكمله أحياءً في خنادق سكب عليها الزيت المغلي لأنه لم يرضخ لعقيدة طاغوت من الطواغيت.  والفارق بين ما جرى تاريخياً وما يجري اليوم للخارجين على “الياسا” السياسية، التي يعتقد بعضهم أنه لايأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، هو أنه هؤلاء يحاولون من خلال كم الأفواه وإطلاق التهديدات وشن حرب إعلامية وتسخير “النبيحة” التابعة لهم، تفريق صفوف المتظاهرين ضدهم، والحيلولة دون نشوء معارضة لهم، مهما كانت صغيرة وبسيطة، وإيهام المجتمع بأن من ليس على ما هم عليه من أفكار وفلسفات “خونة” للشعب الكوردي، أو مرضى نفسياً أو أنهم جهلاء… ولكن مع ذلك كله، فإن الفرز الثوري مستمر ولا يتوقف لحظة واحدة، فأعداد المنشقين في تزايد، والثوار في تلاحم، والمعارضون يتجمعون في صفوف متراصة، والقافلة تسير 

الفرز الثوري في قواعد الحركة السياسية الكوردية، المنظمة والمنفلتة، وعلى أطرافها، ضروري كالماء للحياة، كالشعار للمسيرة، كالنشيد للمعركة، لأنه بدون الفرز الثوري تسيطر العفونة على كل الثمار وتصبح الحركة مترهلة وتنطفىء الجمرات المتبقية من نار الحياة فيها، لذا على المثقف الكوردي، أو الكادر الكوردي، دعم وتفعيل وتنشيط هذا الفرز الثوري برسم الخطوط العامة للمستقبل، بحيث يسترشد بها الناشط الشاب ويقارن على ضوئها السياسات المطروحة أمامه من شتى الأطراف، ومن ثم يقرر هو بنفسه على أي خطٍ من خطوط النضال يسير، وهل يبقى مع الماضي أم يتحرك صوب المستقبل 

وإن علينا القبول، ونحن نشدد على ضرورة “دعم الثورة” في نفوس شبابنا وفي الشارع الكوردي إجمالاً، بأنه لابد وأن يبقى هناك – دائماً – من له مصلحة أو مصالح مختلفة في الركض مع أعداء الثورة والتحول إلى شبيحة أو نبيحة أو كليهما في الوقت ذاته، وأن الذين يتجرأون على منازعة أعداء الثورة قد يدفعون الثمن غالياً، إذ ليس هناك ثورة انتصرت في التاريخ بدون تضحيات جسام، بل بدون انتكاسات… والطريق صوب الحرية والنصر لايزال طويلاً وشاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، وعليه يحدث الفرز الثوري بين الثوار الحقيقيين والمتخاذلين، بين الذين صمموا على استنشاق نسيم الحرية وضعفاء النفوس المترددين… ومن خلال ذلك تتجدد الحياة في التنظيم السياسي الكوردي وفي حياتنا السياسية بشكل عام 

لا تجديد في حركة تريد السير صوب الأمام بدون فرز ثوري، ولا فرز ثوري ناجز دون تضحيات 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s