الأسد ونظرية المؤامرة

جان كورد ‏14‏ آذار‏، 2012  

رغم كل التطورات التي شهدتها الساحة السورية من احداث جسام، خلال سنة كاملة من عمر الثورة الكبرى، فإن الأسد وزمرته الحاكمة بقوة السلاح وعن طريق إرهاب الشعب وترويعه بارتكاب المجازر البشعة ونبيحته الإعلامية التي تعيش على فتات المائدة الأسدية يعتقدون بأن ثمة “مؤامرة كونية!” ضدهم، وهم مستمرون على خطى قائدهم الذي عانى من ذات “المؤامرة” في ثمانينات القرن الماضي ولكنه قضى عليها عن طريق العنف الوحشي، على مرأى ومسمع العالم، وبرعاية سوفيتية – صينية وفي ظل صمت عربي مخزي. وبخاصة فإن شخصيات دولية هامة قد دخلوا على الخط بصدد ما يجري في سوريا، منهم العاهل السعودي والأمين العام للأمم المتحدة الحالي والسابق، والسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية ومن وراءها وإلى جانبها من رجالات أوروبيين، مثلما دخل على الخط  ضد هتلر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والدكتاتور الشيوعي السوفييتي جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، على الرغم من أن الفارق الكبير في التعامل مع النظام بين الحالتين

نظرية المؤامرة هذه قديمة، تعود إلى ما بعد ظهور أول جمعية ألمانية للمثقفين المتنورين “إيلوميناتي”، المعروفين ب “البنائين” في عام 1776، أي قبل الثورة الفرنسية ب 13 عاماً، على أيدي آدام فايسهاوبت، المثقف الذي لايعرف عنه إلا القليل حتى نهاية القرن العشرين، حيث كان لهذه الجمعية السرية دور هام في التفاف المثقفين الفرنسيين حول الثورة التي تحولت إلى “مقصلة كبيرة” في أيدي رجالها فيما بينهم، يقطعون بها رؤوس كل من خالفهم الرأي 

لقد اتهم كثيرون من المؤمنين ب”نظرية المؤامرة” الثورة الفرنسية، ذات المبادىء العالمية الكبرى والقيم الإنسانية العليا، بأنها كانت من نسج القوى الخفية “الشيطانية” الدولية، في أيدي الحركة “اليهودية” للاستيلاء على العالم كله وتسخيره لاهدافها “التخريبية” والمعادية للإنسانية، ولذلك فإن تلك الثورة – حسب اعتقادهم – كانت أداةً للإطاحة بمختلف النظم الملكية والعائلات الحاكمة في أوروبا، وكانت سلاحاً لسفك دماء الملايين من البشر.  كما اتهم هؤلاء الثورة البلشفية، التي كان قائدها لينين عميلاً مدفوعاً له لدى مخابرات القيصرية الألمانية، بذات التهمة إلى حدٍ كبير، في حين أن الدكتاتور ستالين كان يرى أيادي خفية لمنتسبي جمعيات البنائين السرية في الفشل الاقتصادي الشنيع لسياساته الزراعية والصناعية وللانتكاسات المتتالية للشيوعية في بلاده

ولقد اعتبر أدولف هتلر ووزير إعلامه الرهيب غوبلز اليهود سبباً من أسباب الانحطاط الاقتصادي والفشل العسكري لألمانيا، واعتبرا تحالف الشيوعيين مع الولايات المتحدة وبريطانيا ضد النازية “دعوة مفتوحة لابادة اليهود في أوروبا”، على حد قول الكاتب الإخصائي في شأن الجمعيات السرية يوهانس روغالا فون  بيبرشتاين، صاحب كتاب “أسطورة المؤامرة

وهكذا كان كل من آية الله خميني وصدام حسين يعتبران الجمعيات السرية اليهودية العالمية وراء المعارضة ضد حكمهما في كل من ايران والعراق، وكان كل واحد يرى في الاخر أداة لهيمنة “الشيطان الأكبر” على بلادهما، على الرغم من أنهما كانا في حالة حرب مدمرة ضد بعضهما بعضاً، بقرار كل منهما، ومثلهما رأى كل الدكتاتوريين الرافضين لنداءات شعوبهم اليهود وراء الحركات والمعارضات الساعية لاسقاطهم، ومنهم الأسد الأب الذي كاد يبكي خوفاً من السقوط، أثناء ثورة الشعب السوري في بعض المدن، ومنها مدينة حماه الباسلة، التي تعرضت لمذبحة رهيبة على أيدي قواته، وهو يشير بأصابع الاتهام إلى “القوى الامبريالية – الصهيونية” العاملة على التصدي لسياسته “الوطنية التقدمية

تعاظمت النقاشات وتوسعت المداخلات وكثرت المؤلفات عن الجمعيات السرية العالمية على أثر الهجوم الارهابي الشهير في 11 من سبتمبر 2001 على برجي التجارة العالمية والبنتاغون في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى فاق عدد الصفحات المدونة عن هذه الجمعيات والمؤامرات عن ال130.000 صفحة من حجم (آ 4

الأسد وزبانيته المجرمون يتكلمون اليوم ايضاً عن “منظمات سرية مدعومة دولياً” تعمل للإطاحة بنظامهم “العربي الوطني الإنساني التقدمي الديموقراطي العامل على تحرير المقدسات العربية…الطاهر الذي لامثيل له في العدالة والمساواة!!!!”، وذلك دون أن يقدم أي دليل موثوق على عروبته ووطنيته وإنسانيته وتقدميته وديموقراطيته واستعداده للتحرير ولاقامته مجتمع العدالة والمساواة، ودون أن يقنع العالم بوجود تلك المنظمات ومساهمتها في كفاح الشعب السوري، وهذا لايختلف كثيراً عن مزاعم صدام حسين وآية الله خميني وكذلك آية الله خامئني وتابعه محمود أحمقى نجاد وخادمه اللبناني الأمين حسن نصر اللات

نظرية المؤامرة نظرية خطيرة يستغلها كل من هب ودب، من أباطرة وملوك ودكتاتوريين شموليين، فينسجون حولها القصص الخيالية ويستندون إلى وثائق تاريخية مشكوك في أمرها، ومنها بعض الوثائق اليهودية ك”بروتوكولات حكماء صهيون” التي يعتبرها الخبير السياسي السوري الكبير أسامة الطبي في كتابه الشهير من عام 1993عن  بعبع المؤامرة في السياسة العربية أحد أشد المواد “المعادية للسامية” اثارة في العالم، وبخاصة في العالم الإسلامي 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s