حزب اللات والشبيحة الإقليمية أخطر من غاز السارين

‏17 حزيران‏، 2013

جان كورد 

صار معلوماً أن نظام بشار الأسد قد استخدم السلاح الكيميائي ومنه غاز السارين القاتل خاصةً ضد الشعب السوري مراتٍ عديدة، وهذا ما تم توثيقه والتأكيد عليه من قبل الأطباء السوريين العاملين في مستشفيات ميدانية تخدم المعارضة السورية المسلحة، وأطباء لا علاقة لهم بأي طرفٍ من أطراف الصراع الدموي، إضافة إلى تأكيداتٍ وبياناتٍ واثباتاتٍ من مخابرات عدة دولٍ، منها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أخيراً، ولكن لايزال هذا النظام الأهوج وأتباعه وأشياعه، وكذلك حلفاؤه الروس ينكرون قيام النظام الأسدي المجرم باستخدام هذا السلاح الذي ارتفع عدد ضحاياه الموثقين بأسماء وأعمارٍ وحالاتٍ صحيةٍ معينة إلى أكثر من 150 إنساناً. وهذا الانكار لا يقل في الحقيقة دناءة عن محاولات الروس والإيرانيين وسواهم تبرئة النظام من جريمة قتل أكثر من 93.000 مواطن سوري حتى الآن عن طريق زج كافة قواته المسلحة بمختلف أسلحتها في الحرب على شعبه.                                            

استخدم نظام البعث العراقي البائد في ظل صدام حسين الغازات السامة، ومنها غاز السارين ضد الشعب الكردي، وبخاصة في مدينة حلبجة، في عام 1988، حيث راح ضحية ذلك ما يزيد عن 7000 إنسان من المدنيين، مات جلهم نتيجة معاناة عذابٍ لا يوصف، وحينها أنكر القوميون العرب من مختلف التنظيمات والاتجاهات الفكرية أن يستخدم أبناء جلدتهم في العراق مثل هذا السلاح الوحشي في الحرب ضد شعبٍ أعزل، ولا أدري من سيتهمون هذه المرة، والعالم قد انتهى من مجال الاتهام غير المؤكد إلى مجال المطالبة بمحاكمة النظام السوري ومعاقبته على زجه هذا السلاح الممنوع دولياً في حربه على المدنيين في سوريا، فهل سيتهمون إيران وروسيا بهذه الجريمة التي حدثت بكل بشاعتها أمام أنظار مجتمعٍ دولي خامد، ولا نشك في أن هاتين الدولتين شريكتان في جريمة دعم النظام وعدم قيامهما بلجمه، على الرغم من تخطيه سائر “الخطوط الحمراء” في تقتيل السوريين وتعذيبهم وتدمير بلادهم.  ولكن يبقى النظام بجنرالاته وقادته الاستراتيجيين وآمري قواته العسكرية والأمنية هو المجرم الأول والأكبر في استخدامه السلاح الكيميائي، ويجب معاقبته دولياً رغم اعتراض الروس والإيرانيين، ولو أدى ذلك إلى أزمة سياسية كبيرة وجلب تحديات خطيرة لهيئة الأمم المتحدة، لأن عدم معاقبة نظام الأسد ومحاسبته على ما اقترفت يداه من “جريمة ضد الإنسانية” سيفتح المجال لسواه من الأنظمة الشمولية التي لن تكترث مثل نظام الأسد للمناشدات والمطالبات والدعوات الأممية لأنها لا تشعر بأي خطورة لممارساتها القمعية الوحشية لقوى المعارضة في بلادها.  إن آثار غاز السارين تزول بعد مضي 48 ساعة فقط على استخدامه، ولذلك فإنه محبذ اليوم لدى مجرمي الأسد كما كان محبذاً لدى مجرمي صدام حسين سابقاً، والفارق هو أن صدام حسين نال عقابه على بعض جرائمه، في حين أن الأسد لايزال يسخر من المجتمع الدولي ومن ضحاياه الذين بلغوا مئات الألوف ومن بينهم ضحايا غاز السارين، والناس في العالم الخارجي حائرون ومترددون عما إذا كان يجب دعم المعارضة التي تقف في وجهه بسلاحٍ متطور أم لا، دون أن يتألموا حقيقةً لما يعاني منه الشعب السوري يومياً، في حين أنهم يقيسون مصالحهم في سوريا والمنطقة قياساً دقيقاً حتى لا يفوتهم شيء من المنافع في حال زوال النظام أو بقائه. إنه عالم بلا مشاعر وبلا إنسانية.                         

نظام الأسد يستخدم منذ فترةٍ طويلة سلاحاً أخطر من غاز السارين، لا تزول آثاره المدمر على الشعب السوري خلال 48 ساعة أو آلاف الساعات، والأسد لا يخفي هذا السلاح عن أعين المجتمع الدولي، بل يستخدمه علانيةً ومتحدياً به قرارات هذا المجتمع المتعلقة بالأمن والاستقرار بين الدول، وعاملاً على هدم العلاقات الإقليمية في العالم العربي، بل الشرق الأوسط برمته، ألا وهو سلاح “حزب اللات” الذي ظهر تحت اسم “حزب الله” واستغل شعارات المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي في لبنان، ورفع رايات الثورة الإسلامية المستوردة من إيران الخميني، وجمع عشرات الألوف من المقاتلين المدججين بالسلاح والعتاد ومن حاملي الرايات الطائفية، المدعومين برواتب مالية جيدة، وإذا بهذا الحزب يصبح في سنواتٍ قلائل القوة التي تحدد مسار الدولة اللبنانية وتعين من تريد في أهم مراكز ومناصب الهرم السياسي للبلاد، وتتصرف وكأنها تجد الدولة اللبنانية قزماً بجانبها، فتتدخل في سوريا بمزاعم “حماية المراقد المقدسة للشيعة” وتحتل مدينة “القصير” السورية فترتكب فيها المجازر وترفع على مآذن مساجدها المدمرة رايات طائفية تتحدى بها المحيط العربي بأكمله، ثم تتحرك في العمق السوري شرقاً وشمالاً لتحصد أرواح المعارضين السوريين بالجملة وتهين المسلمين السنة الذي يشكلون غالبية الشعب السوري، وتحاصر بعض المدن  الثائرة التي لم يتمكن النظام من اخضاعها منذ خروجها عن طاعته، مثل مدينة حلب الهامة، ولتأخذ الأسلحة السورية المخزونة، ومنها الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل، بعد أن فشل النظام في إيصالها إلى حزب اللات نتيجة قصف قوافله العسكرية المتجه صوب لبنان من قبل سلاح الجو الإسرائيلي الراصد لتحركات هذه الأسلحة الخطيرة بالنسبة إلى وجود اسرائيل ووجود شعبها.                                   

إن استخدام نظام الأسد سلاحه الأشد فتكاً من غاز السارين ذي التأثير الموضعي في هذ المكان أو ذاك من أرض المعركة، لا يقل خطورةً على المنطقة برمتها من استخدام السلاح الكيميائي، فالمعركة قد تحولت بذلك من معركة بين السوريين أنفسهم إلى معركة إقليمية، ويتعرض بمغامرة حزب اللات الاجرامية هذه أمن واستقرار البلد الجار لبنان إلى التخريب والتدمير، وسيزداد عبء تدفق ملايين أخرى من السوريين على بلدان الجوار، ومنها لبنان والأردن وإقليم كوردستان العراق، وهي مناطق وبلدان ضعيفة اقتصادياً بالنسبة إلى تركيا مثلاً، وقد تنهار سياسياً واقتصادياً بسبب النزوح السوري الكبير إليها، كما أن هذه التدخلات الطائفية لحزب اللات والشبيحة الإقليمية في الشأن السوري على هذا الوجه الواضح، مدعوماً بآلاف المقاتلين العراقيين “الشيعة” والعديد من كتائب “الحرس الثوري” الإيراني، سيكون مصدر خوفٍ  لإسرائيل وحلفائها الذين لن يرضوا بانتشار قوات معادية لها على الأراضي السورية، وتحت أمرة النظام الإيراني الذي لايزال يعتبر من قبلهم أحد مصادر “الشر” الموجه إلى مصالحهم ووجودهم في المنطقة.

إن استخدام السارين أضر بالسوريين وحدهم، ولكن استخدام حزب اللات ومن ورائه أو تحت اسمه “الحرس الثوري” الإيرانيين ، وكثيرين من خبراء الروس العسكريين والأمنيين في صراعٍ سوري –  سوري على الحرية والديموقراطية يضر بكل المنطقة ويجعل من هذا الصراع الداخلي في بلدٍ من بلدانها إلى صراعٍ إقليمي بالسلاح، قد يتحول إل حربٍ إقليمية واسعة النطاق، يهدد مصالح الشعوب والدول، ويعرض السلام العالمي للخطر.                                                                                                                

لابد وأن الأسد قد لجأ إلى استخدام الغازات الكيميائية نتيجة ضعفه ويأسه وفي محاولةٍ قذرة من قادته وبطانته اللعينة لبث الذعر في صفوف المقاتلين المعارضين لنظامه، وهو يعلم أن لاستخدام هذا السلاح نتائج سلبية له، وقد يحاكم على ذلك بتهمة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية واستخدام سلاحٍ محظور دولياً في الحرب على شعبه، إلا أن استجلابه لمقاتلي حزب اللات واستعانته الواسعة بقوات “الحرس الثوري” الإيرانية وأكبر عددٍ ممكن من المتطوعين الشيعة من العراق والعلويين من تركيا، هو بهدف “أقلمة” الصراع، وزج لبنان أولاً في المعركة، بهدف جر إسرائيل وإيران بعد ذلك إلى حربٍ إقليمية لا تبقي ولا تذر، قد تفتح له كوةً في الجدار الاسمنتي الذي بنته الثورة السورية من حوله، حيث سيتدخل المجتمع الدولي لفرض سلامٍ على الأطراف المتحاربة، وقد ينقذ الأسد بذلك عنقه من المقصلة التي أعدها بنفسه لنظامه الشمولي.

وبرأيي  إن مؤتمر “جنيف 2” ليس إلا خطوة باتجاه “فتح كوة” وإيجاد حلٍ ما يستفيد منه النظام الأسدي ولا يحرك شيئاً على الساحة السورية صوب الإيجابية والنتائج الملموسة، إلا إذا تمكنت الثورة السورية قبل انعقاده من جعل موضوع تدخل “حزب اللات” ومن وراءه من مجموعات “الشبيحة الإقليمية” في الشأن الداخلي السوري بنداً أساسياً من بنود النقاش والتفاوض على رحيل النظام والتحول الجاد صوب السلام والديموقراطية في سوريا.

إن الذين يطبلون ويزمرون لمؤتمر “جنيف 2” سيصابون بالخزيعندما يعودون، في الوقت الذي تستمر إراقة دماء السوريين، دون أن يتطرقوا بجدية إلى موضوع تواجد حزب اللات والشبيحة الإقليمية على الساحة القتالية في سوريا والانخراط في الشأن السوري الذي ينعقد المؤتمر من أجله. وبقدر ما تتمكن المعارضة السورية من جعل هذا الموضوع أساسياً في التفاوض تستطيع اقناع السوريين بأنها قادرة على تمثيله تمثيلاً واقعياً ومناسباً في المحافل الدولية والاقليمية.    

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s