هل المنطقة على أبواب حربٍ كبرى؟

http//:cankurd.wordpress.com       kurdistanicom@yahoo.de    ‏04‏ حزيران‏، 2013  /   جان كورد       

في الوقت الذي يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناثان ياهو بتوزيع الكمامات الواقية على جميع مواطنيه، فإن الجيش السوري الحر ومنظمات حقوق الإنسان العالمية ووزير خارجية فرنسا يؤكدون على أن نظام الأسد السوري قد قصف شعبه لأكثر من أربع مرات بالسلاح الكيميائي، وبغاز السارين بوجه خاص، لأن هذا الغاز يتلاشى ولا تبقى له آثار على المدى الطويل، وبذلك يخفي المجرمون بعض آثار جريمتهم ضد الإنسانية، حيث أن استخدام هذا الغاز محرم دولياً، ونلاحظ هنا أن النظام السوري لم يهدد إسرائيل باستخدام هذا السلاح، كما أن حليفه اللبناني “حزب الشيطان” ينكر حيازته أي سلاح تدمير شامل، والجهة الوحيدة المتضررة فعلاً من الكيمياوي هو الشعب السوري، الذي تعرض منذ اندلاع ثورته الشعبية إلى مختلف صنوف القمع والتقتيل والتدمير والتشريد… ولم يكتف النظام الأسدي بارتكاب المجازر، بل سلط عليه المجاميع الإرهابية الإيرانية المنطلقة إلى سوريا على أساس مذهبي صارخ، كما استنجد بعصابات “حزب الشيطان” الذي يرى نفسه أكبر من لبنان ويتصرف حياله على هواه رغماً عن حكومتها وبرلمانها وجيشها ورئيسها كما يبدو. وهذا يعني أيضاً ان إسرائيل لا تخاف من أي هجومٍ سوري محتمل، وإن حدث لا رغامها على الدخول في المعترك السوري كمنفذٍ محتمل لعائلة الأسد من خلال توسيع دائرة النار لتشمل بعض دول المنطقة، فإن جيش الأسد لن يتمكن من التقدم حتى في الجولان المحتل ذاته، فلماذا الأمر بالتدرب الشامل من قبل مواطني إسرائيل على استخدام الكمامات الواقية، ولماذا المطالبة بتوزيع الكمامات على المواطنين بعد انتهاء التدرب؟ في وقتٍ نرى كل جيران إسرائيل في غير وضع من سيبدأ قريباً بهجومٍ عليها؟ أم أن إسرائيل هي التي ستبدأ هجوماً في المنطقة، مستفيدةً من تطاحن وتقاتل أبنائها بين بعضهم بعضاً، لكسب مزيدٍ من الأراضي السورية ولإضعاف القوى المناوئة لها، أو لتسديد ضربة موجعة لسلاح إيران النووي؟ وفي هذه الحال على الحكومة الإسرائيلية تأمين شعبها ضد رد فعلٍ متوقع من إيران وتوابعها في المنطقة، وفي مقدمتها “حزب الشيطان” الذي يقوده العريف اللبناني حسن نصر اللات. وحيث أن مزيداً من المناورات العسكرية والتدريبات المدنية الوقائية يجعل من القوات المسلحة والمنظمات المدنية في وضعٍ أفضل حين نشوب الحرب، فها هي إسرائيل بعد مناورات قواتها في الجولان، تستمر في مناوراتها في جنوب البلاد أيضاً، كما قامت بذلك في البحر وفي النطاق الجوي عن طريق التدريب على الهجمات الجوية الخاطفة وعلى استخدام صواريخ الباتريوت والمظلة الصاروخية الواقية لكل إسرائيل…

الأوضاع في الشرق الأوسط ملائمة جداً للقيام بمغامرة عسكرية واسعة على غرار حرب حزيران 1976 بهدف القضاء على القدرات العسكرية العربية التي قد تفكر يوماً بمنع إسرائيل من تحقيق طموحاتها في ضم مزيدٍ من الأراضي شمالاً وشرقاً والتقدم خطوة أخرى نحو تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” ويحكم فيها اليوم رئيس وزراء يبحث كما في كتابه الشهير “مكان تحت الشمس” عن فرصة الحالية للقيام ب”واجبه المقدس” حيال الاستراتيجية الحقيقية لبني إسرائيل، ومن حوله كثيرون ممن يؤيدونه في نمط تفكيرهوسياساته تجاه المنطقة عموماً.  ولكن هل يمكن تطبيق ذلك والشروع بحربٍ ما في أوضاع اقتصادية متدهورة اقليمياً ودولياُ؟ فالحروب تكلف أموالاً باهظة حقاً، ويجب إيجاد ممولين لها قبل التفكير بالشروع فيها.                                                                                                                                

 أما الولايات المتحدة الأمريكية التي زجت حتى بالكثير من قطعاتها البحرية المقاتلة في الخليج وبالقرب من اليمن وفي البحر الأبيض المتوسط، وحسنت من شبكاتها الدفاعية الصاروخية في تركيا وبلدان أوروبا الشرقية وبعض دول البلقان والقوقاز، فإنها تزود الآن حليفها الصغير الكبير الأردن بصواريخ الباتريوت ومعدات وأسلحة وعتاد، بذريعة استخدامها في مناورات عسكرية مشتركة تحت اسم “الأسد المتأهب”، وما التصريحات التي ترافق هذا التسليح سوى للتمويه على الخطط المستقبلية، ومنها القول بأن الولايات المتحدة ستدع بعض هذه الأسلحة للأردن في حال طلبه ذلك بعد الانتهاء من هذه المناورات. وهكذا فإن الولايات المتحدة قد أحاطت سوريا من جهات عدة بصواريخ الباتريوت وكأنها قادمة على حربٍ عليها في المستقبل القريب.

ويبدو أن إصرار البيت الأبيض على ضرورة الحصول على “أدلة دامغة” لاستخدام النظام الأسدي السلاح الكيميائي وغاز السارين بشكل خاص، ليس إلا من باب كسب مزيدٍ من الوقت لإنهاء التحضيرات التي تطلبها قواتها العسكرية في الشرق الأوسط للشروع في أي حربٍ قادمة، ولا يريد البيت الأبيض الوقوع في أخطاء شبيهة بأخطاء الإدارة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش بصدد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.  ولكن من ناحية أخرى، لايزال الرئيس الأمريكي مقتنعاً من أن سوريا ليست مهمة جداً للولايات المتحدة، وهناك أطراف تخالفه الرأي، وحسم هذه المسألة لن يكون سهلاً، والضائقة المالية تكبل البيت الأبيض وتلقي بظلالها على المشهد السياسي عامةً.

الروس الذين فقدوا موطأ أقدامهم في العراق وليبيا من قبل ولم يتمكنوا من اقتحام تركيا العضو في حلف الناتو، ولهم “مصالح تقليدية” في المنطقة عامةً وفي سوريا خاصة، لم يبق في أياديهم سوى أسيدهم الصغير في سوريا، وهو مختلف عن أبيه الصامت والصارم والحليف الثابت للروس في المنطقة، فهذا مشكوك في ولائه وثباته وصداقاته، ولربما ينقلب عليهم بين ليلة وضحاها، فالأهم لديه ليست سوى استراتيجية العائلة في البقاء على كرسي الحكم، مهما كانت التقلبات السياسية والتحالفات المرحلية وتعريض بلاده للمخاطر، بل أثبت بأنه لا يتوانى عن  الاستنجاد بمرتزقة وأحزاب من خارج سوريا للمساهمة مع جيشه في تقتيل وذبح شعبه، كما لا يتردد في استخدام مختلف الأسلحة ومنها السلاح الكيميائي لقصف مدن سوريا، ولذلك فإن علاقة روسيا بالأسيد السوري هي علاقة تاجر سلاح كبير بزبونٍ من الزبائن الدائمين، وقد يكون الزبون الأهم بعد إيران في عصر الربيع العربي، وهذا يعني السعي بمختلف الإمكانات العسكرية والاستخباراتية والإعلامية والدبلوماسية والسياسية التي تمتلكها روسيا للإبقاء على هذا الزبون القديم، وبالتالي أضطر الروس للمساهمة الفعالة وبطريقة مباشرة في جوانب مختلفة من سياسة الإبقاء على نظام الأسد وانعاشه بعد أن تلقى ضرباتٍ قوية من المعارضة المسلحة في العامين الماضيين، وهذا الإنعاش يتطلب امداده بمزيدٍ من سائر أنواع السلاح والعتاد العسكري، وكلما ازداد حجم امتلاك السلاح في بلدٍ من البلدان ازدادت الرغبة لدى جنرالاته لاستخدام هذا السلاح عملياً، فكل الأسلحة التي ابتكرها البشر وصنعوها استخدمت على مستوياتٍ مختلفة، وطنية وإقليمية وعالمية، حتى أسلحة الدمار الشامل. وعليه يمكن القول بأن روسيا تعزز النزعة الاجرامية للحلقة الإرهابية حول الرئيس السوري من خلال مدها بما تريده من أدوات قتالية وبالدفاع عنها في المحافل الدولية وباستخدام حق الفيتو لمنع صور أي قرار دولي يدين نظام الأسد أو يعاقبه بشكل مؤثر، وما التواجد العسكري البحري الكثيف للروس على البحر الأبيض المتوسط، وبخاصة في مدينة طرطوس السورية، إلا محاولة للدفاع عن حكم العائلة الأسدية بقوة النار الروسية فيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

اللاعبان الآخران على رقعة الشطرنج المرعب في الشرق الأوسط، هما تركيا وإيران، ويظل الدور التركي محصوراً في الجانب السياسي الذي دوافعه اقتصادية بطبيعة الحال، كما تدفع الأحلام العثمانية للحزب الحاكم اليوم في تركيا دوراً في ظهورٍ تركي محدد الإطار في المشهد السوري، إلا أن الدور الإيراني يتجاوز المصالح الاقتصادية الكلاسيكية للدول إلى ما هو أبعد وأعمق من ذلك، حيث “تغلب عليه الايدولوجيا المذهبية للشريحة الحاكمة اليوم في إيران، وهي ايديولوجيا “الثورة الشيعية” والتمهيد لعودة “الامام الغائب المنتظر” والتعلق التام ب”معصومية الامام” والاقتناع بأن “الثورة الخمينية هي ذروة الثورة الإسلامية العالمية!” وبأن “إيران لم تعد جزءاً من العالم الثالث” وإنما هي قوة دولية يجب قبولها في النادي النووي ومنحها الفرصة لتعلب دورها في المنطقة ك”قوة عظيمة”، وهذا يعني السكوت عن كثيرٍ من سياساتها الإقليمية والرضوخ لمطالبها التي لا تعدو كونها “محاولات توسعية” على حساب القوميات والأمم الأخرى في المنطقة، ومنها العرب والترك والكرد بشكل خاص.                                                                 

العداء الفارسي للأمة العربية وقادتها وملوكها وأمرائها عداء عريق في التاريخ، وملالي إيران لا يختلفون عن ملوكها القدامى في النظرة الاستعلائية والسياسة الإستكبارية والمذهبية الضيقة تجاه السنة عامةً والعرب خاصة، وعندهم قتال أهل السنة أهم وأولى من قتال النصارى واليهود والمشركين والشيوعيين، ولديهم إمكانات مالية وإعلامية ضخمة وأموال كثيرة يصرفونها من أجل تشييع “النواصب!”، أي أهل السنة، إذ توجد عشرات الأقنية التلفزيونية الممولة جيداً والمشحونة مذهبياً من أجل التأثير المباشر على شعوب المنطقة، وما يطلقونه من إشاعات حول تحضيراتهم ل”تحرير القدس” ليس في الحقيقة سوى تمويه سياسي خطير على مخططاتهم التوسعية في العمق العربي، ويمتلكون منظمات ذات أساليب وأدوات خطيرة تنهش احشاء العالم العربي فكرياً وطائفياً، وتجند الشباب العربي لصالح عقائدها، ويقف ملالي طهران بكل ما أوتوا من قوة خلف النظام السوري ويساهمون معه فعلياً على ساحة القتال ضد المعارضة السورية، سواءً أكانت معارضة “الجيش السوري الحر” أو القوى الدينية السنية التي تعمل جنباً إلى جنب مع هذا الجيش المنشق عن الجيش النظامي “العقائدي”، وليست لديه خلفية مذهبية كالتي لدى حزب الشيطان اللبناني أو فيلق القدس الإيراني، حتى يمكن اعتباره “عدواً” لإيران أو للشيعة، إلا أن مجرد القيام بأي نشاط سياسي أو فعالية قتالية ضد نظام الأسد، فإنه يعتبر من قبل ملالي إيران تعاوناً سافراً مع قوى الاستكبار العالمي والصهيونية لإسقاط “حلف الممانعة” في المنطقة. وهذه في الحقيقة ذريعة للإبقاء على نظام وصل في إجرامه بحق شعبه إلى درجة اعتباره من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية “خطراً على الإنسانية”.

ملالي إيران يدركون جيداً أن أي حربٍ هجومية على إسرائيل سينهي وجودهم السياسي وسيدمر بلادهم، كما يعلمون تماماً أن سائر الدول العربية، سوى العراق ولبنان، سيشاركون الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في سعيهم للدفاع عن مصالحهم الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ومن ضمنها أمن واستقرار اسرائيل أيضاً، ولذلك فإنها لن تقوم في يومٍ من الأيام بمغامرة الهجوم على إسرائيل أبداً، ولكنها تقوم بكل شيء آخر من أجل تحقيق مشاريعها التوسعية ونشر مذهب الشيعة واحكام السيطرة على المشرق العربي، كخطوة أولى من خطوات “الثورة الخمينية العالمية!”، وهاهم ملالي طهران قد حاربوا في اليمن من خلال جبهة “الحوثيين” وفي سوريا نرى التواجد الإيراني واضحاً وقوياً ومستمراً، كما سعى الإيرانيون لاغتصاب البحرين وعرقلة كل مساعي الفلسطينيين للتوحد الضروري فيما بينهم، ونسف كل محاولات الحزب الحاكم في تركيا لإنهاء الحرب في كوردستان وضرب كل جهودها في سبيل دعم ومساندة المعارضة السورية على أراضيها. 

إيران في حالة حرب على الساحة السورية، كما هو حال تابعها “حزب الشيطان”، لصالح نظام إرهابي طائفي متخلف، وما معركة مدينة “القصير” السورية إلا دليل ساطع على الدور الإيراني الخطير في سوريا، هذا الدور الذي قد يسبب تقسيم سوريا، وفتح باب حربٍ طائفية طاحنة في العالم الإسلامي برمته، ولكن حرب إيران ليست ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل ما تنشره من أكاذيب إعلامية مضللة، وإن حدثت حرب بين إسرائيل وإيران فلأن إسرائيل تتوجس خيفةً من تعاظم الدور الإيراني في شؤون المنطقة وترغب في تقليص حجم السلاح النووي الإيراني، لا أكثر ولا أقل، فهي ترى في هذا السلاح خطراً على وجودها ولن تسمح لأي دولة في المنطقة لأن تمتلكه بشكل يهددها. وقد قامت بقصف متكرر على مواقع سورية بسبب مخاوفها تلك.

وطالما أدخل الإيرانيون وسواهم المنطقة في أتون حربٍ بين أبنائها، فإن إسرائيل وحلفاءها في العالم بمشاهدة هذا المسلسل الجديد من التدمير الذاتي لقوى شعوبنا ولثروات بلداننا، ولا حاجة لهم لشن حرب تكلفهم أموالاً طائلة يحتاج إليها اقتصادهم الآن، فهل هناك أجمل لهم من رؤية معارك دموية طاحنة بين “أنصار القاعدة” من السنة و”حزب الشيطان” الشيعي الذي كان يتذرع لوجوده باعداد العدة لتحرير فلسطين؟ وإن حدثت الحرب قريباً فإنها لن تكون إلا لإعادة خلط الأوراق في المنطقة من جديد وتوزيع الأدوار بين البيادق الشطرنجية بعد انطلاق “الربيع العربي”، وتصغير الرؤوس التي تعتقد أنها صارت قوية، كما حدث من قبل في بعض بلدان المنطقة، ومنها العراق الذي  يعارك من أجل الحفاظ على وحدته واستقلاله، بعد أن كان من أقوى الدول العربية عسكرياً.                                                                                                                                                                                                    

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s