الكورد والسلام

  جان كورد  –  ‏14‏ أيار‏، 2013  

http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

ظل نضال الأمة الكوردية في مختلف المراحل من أجل الحرية والحياة نضالاً سلمياً وواضح المعالم، بعيداً عن عالم الحركات السرية والغريبة والعنصرية، إذ طالب الكورد، حسب كل مناهج وبرامج أحزابهم السياسية التي أسسوها منذ نشوء وعيهم السياسي، بحقوقهم المشروعة كأي أمة أخرى من أمم الأرض، ومنها مطلب الحياة المشتركة مع سواهم من الشعوب والأقوام المجاورة على أساس من الاحترام والاعتراف المتبادل والعدالة في ذلك العيش المشترك، ورفضوا أن يعاملوا كأقلية من الدرجة الثانية أو الثالثة في البلدان التي يعيشون فيها، وهي بلدان تم تقسم وتجزئة وطن الكورد (كوردستان) عليها، من قبل المحتلين والمستعمرين، دون أخذ رأيهم كأصحاب العلاقة في الموضوع. ولكن رغم بساطة مطالبهم المشروعة والعادلة فقد تعرض الكورد إلى سائر صنوف التنكيل والقمع والاقصاء والاستعمار، وهذا ما دفعهم إلى الثورة وحمل السلاح للدفاع عن كرامتهم البشرية وعن أرضهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والثورات كما الانتفاضات الكوردية لم تحدث يوماً على أراضي الآخرين، ولم تكن في يومٍ من الأيام بهدف احتلال بلدان ليست لهم، وكانت أيادي الكورد وقلوبهم مفتوحة للحوار والسلام والتلاقي على الدوام، رغم كل ما تعرضوا له من مذابح ومآسي، مع خصومهم، الذين كان دأبهم الخيانة والغدر بالكورد، بل حتى مع محتلي أرضهم وهالكي ممتلكاتهم وقاتلي أولادهم ومغتصبي نسائهم، وها هو تاريخ مختلف الحركات السياسية للأمة الكوردية عبر التاريخ أمام الانظار لمن يريد التأكد من ذلك، ومثالنا الأقرب على ذلك ثورة أيلول الكبرى التي قادها القائد الأسطوري مصطفى البارزاني (1961-1975) والتي كانت عبارة عن مسلسلٍ طويل من القتال والتفاوض، من الحرب والسلام، في مختلف مراحلها. 

السلام تحية إنسانية واجبة في الأديان السماوية، في الدنيا والآخرة، والرد على مبادرة للسلام حسب الدين ، الإسلامي الذي تؤمن به غالبية الكورد يجب أن يكون إيجابياً بعد التفكير والتقييم ودراسة الأحوال والظروف.  فالسلام مطلب كل عاقلٍ على وجه الأرض يملك ذرةً من الإنسانية، وكتب عنه الشعراء والفلاسفة والسياسيون المؤمنون بأن السلام ضروري للبشرية، كما غنى له المطربون، وناضل لإحلاله الناشطون في شتى أنحاء العالم، ولسنا بحاجة إلى نقاشات طويلة ومملة لنكتشف بعدها أن السلام ضروري للإنسان، كما كتب جندي صيني قبل آلاف السنين على جدار كهفٍ من كهوف بلاده 

السلام يتم احرازه وتحقيقه رغم مرارة الحروب، بأساليب عديدة منها 

– أن تتدخل قوى سياسية خارجية لفرض السلام على أطر اف متنازعة ومتقاتلة في حربٍ داخلية في بلدٍ من البلدان، كما حدث في لبنان لإنهاء حربها الأهلية التي بدأت عام 1975 ودامت سنين طويلة، تم فيها تدمير البلاد وقتل الكثير من العباد وتهجير السكان على أسس طائفية ودينية، فجاء اتفاق “الطائف” بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية في 30 سبتمبر/ أيلول عام 1989 بحضور 62 نائباً لبنانياً من أصل 73 وتم فيه وضع أسس قوية لبناء علاقات جديدة لمكونات المجتمع اللبناني في ظل إدارة لامركزية ب”اعادة النظر في التقسيم الإداري بما يؤمن الانصهار الوطني وضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات 

– أن تفرض قوة احتلال خارجي نفسها على منطقة تشابكات قتالية ونزاعات مسلحة، كما حدث باستمرار منذ غزو الاسكندر المقدوني للعديد من الأوطان في آسيا، واضطرار شعوبها إلى الإقرار بالشروط المفروضة عليها وعلى تسليح قواتها وممالكها، فحل السلام بينها، وآخر مثال على ذلك هو ارغام حلف الناتو لحكومة ميلوزوفيتش الصربي بقوة السلاح المدمر على انهاء المذابح ضد شعب البوسنة والهرسك 

– اًن تصل قوى طرفين متحاربين إلى مستوىً من التوازن الذي يفرض السلام علىيهما، كما حدث في عام 1970، حيث لم يعد بإمكان نظام البعث العراقي من القضاء عسكرياً على الثورة الكوردية، واضطراره للجلوس مع القيادة الكوردية من أجل إيجاد حلٍ سياسي لم يكن النظام مؤمناً به فعلاً، بل بهدف كسب الوقت وتزييف مشروع “الحكم الذاتي” الذي كان يطالب به الكورد في العراق آنذاك. وسرعان ما نقض النظام العهد، عندما م شعر بأن السوفييت سيدعمونه بمزيد من السلاح والعتاد ليزداد رسوخاً في منطقة يسيطر عليها الغرب الرأسمالي بشكل قوي وواسع النطاق، فانهار السلام مع الكورد، وعادت الحرب لتطحن شعبنا الطامح باستمرار إلى نيل حقه القومي العادل في ظل السلام و”التآخي الكوردي – العربي 

– أن ينهي طرف ما الوجود العسكري للطرف الآخر، فيفرض عليه السلام رغماً عنه، كما حدث في الحرب العالمية الثانية، حيث قضى الحلفاء (الانجليز والأمريكان والسوفييت) على الجيوش الهتلرية المعتدية، وأرغموا ما تبقى من جنرالاته المهزومبن إلى توقيع اتفاقية سلامٍ مع المنتصرين، وكما قضى الأمريكان على المعنويات القتالية العالية للجيوش اليابانية بأن قصفوا مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية فأجبروا بذلك اليابانيين على الاستسلام ومن ثم للعيش في سلامٍ مع المنتصرين تحت ظل القوات الأمريكية 

بعد هذه الأمثلة عن أساليب تحقيق السلام، ننتقل إلى ما جر ى ويجري الآن في شمال كوردستان، بين الحكومة التركية التي يتولاها الزعيم الإسلامي رجب طيب أردوغان وبين رئيس حزب العمال الكوردستاني المعتقل في تركيا عبد الله أوجالان، هذا الوضع الذي قد يعتبره البعض “سلاماً” في حين أنه مختلف تماماً عن تلك الحالات التي ذكرناها آنفاً. فلا السيدان أردوغان وأوجالان التقيا مباشرة على طاولة مفاوضات، ولا التقى القادة العسكريون للطرفين في جبال كوردستان، على غرار التقاء وزير الدفاع العراقي الشهير هاشم سلطان المهزوم مع قائد القوات الأمريكية المنتصرة في “خيمة صفوان” الجنرال شوارتسكوف على أثر القضاء على القوات العراقية المحتلة للكويت قبل ذلك، كما لا نعلم عن هذا “السلام” سوى أن رئيس المخابرات التركية (ميت) كان يلتقي بالسيد أوجالان في معتقله بجزيرة عمرانلي، وكان يتم نقل ما تشاء الحكومة التركية نقله إلى الصحافة وإلى قيادة حزب العمال الكوردستاني المتواجدة في جبل قنديل بإقليم جنوب كوردستان. وليس بين أيدينا سوى رسالة الزعيم العمالي لحزبه، مطالباً إياه بسحب مقاتليه من “الأراضي التركية!”، فلبى الحزب نداءه لأن قرارات “القائد” لا ترد مهما كانت صعبة التحقيق، حتى ولو كان الأمر بالذهاب كلاجئين إلى قارة أستراليا أو القتال في أفريقيا، واكتفى الحزب بطرح بعض الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة من قبل الحكومة التركية التي كان يتوجب عليها حل سائر المليشيات المسلحة بأموال الدولة ومنها (الكوي قوروجي) والأجهزة الخاصة بالحرب السرية على حزب العمال الكوردستاني، قبل المطالبة بسحب قوات هذا الحزب من شمال كوردستان 

لايمكن إنكار الدور الكبير للقيادة الكوردية في جنوب كوردستان في التأثير على بعض سياسات حزب العمال الكوردستاني، منذ عام 1991 وإلى اليوم، فالرسالة التي أرسلها المام جلال الطالباني، الرئيس العراقي الحالي، إلى السيد أوجالان في ذلك العام تعتبر بحق “رسالة تاريخية” من حيث تبيان الأسباب الداعية لاتخاذ مسار السلام عوضاً عن الاستمرار في القتال المسلح الذي كان قد مر عليه 7 سنوات قبل كتابة تلك الرسالة، وعلى الرغم من أن حزب المام جلال الطالباني نفسه قد تورط فيما بعد في حربٍ كوردية – كوردية بعد ذلك بأعوام قلائل مع الأسف، دون أي اهتمام بما ورد في تلك الرسالة من نصائح هامة للغاية، إلا أن مضمون رسالته تلك، رغم ما جرى في جنوب كوردستان من اقتتال داخلي، قوي وهادف ومعبر حقيقةً عن انعكاسات المرحلة الجديدة من المتغيرات الدولية والإقليمية على الشأن الكوردستاني عامةً 

ولا يمكن إغفال الجهود الحثيثة المستمرة والسياسة القومية المتزنة للأخ الرئيس مسعود البارزاني وقيادة حزبه الديموقراطي الكوردستاني وحكومة الإقليم التي يتشارك فيها حزبا جنوب كوردستان الرئيسيان، ومعهما بعض الأطراف الأخرى، في سبيل اقناع الطرفين المتحاربين، التركي والكوردي، للعدول عن القتال إلى الحوار والسلام العادل الذي هو خير لكل شعوب المنطقة. وتميزت تلك الجهود بأنها تكثفت في السنوات الأخيرة، وأخذت من   القيادة الكوردستانية مزيداً من الوقت، بحيث تعززت العلاقات بقوة بين المثلث الكبير (الديموقراطي، الوطني والعمالي)، وهذا ما شكل ضغطاً متزايداً على الطرف التركي بشكل واضح، فإن اتحاد الكورد هو الطريق لحريتهم وسيادتهم كما قال شاعرنا الكبير الشيخ أحمدى خانى قبل قرون عديدة 

لعبت المصالح الاقتصادية – المالية للأتراك في جنوب كوردستان دوراً لا يمكن إهماله في تعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة، كما فهم الحزب الحاكم في تركيا أن العلاقات في المنطقة، بين الشعب التركي والشعوب الأخرى، ومنها الشعب الكوردي، لا تقل أهمية وحيوية ودفعاً للاقتصاد التركي من علاقات بلاده مع دول “النادي المسيحي” حسب تعبير زعيم الإسلاميين الأتراك العريق نجم الدين أربكان، ممهد الطريق لسطوع نجم السيد رجب طيب أردوغان، ليصبح أحد أقوى رؤساء وزراء تركيا منذ اعلان الجمهورية في عام 1923 وإلى اليوم 

والآن، بعد أن شرع حزب العمال الكوردستاني بسحب مقاتلية من “الأراضي التركية!”، ولم يظهر من جانب الحكومة أي إيحاء بأنها ستقوم بخطوة ممائلة كسحب قطعاتٍ من قواتها العسكرية الضخمة من شمال كوردستان، فإن الأنظار تتطلع إلى السلام الحقيقي العادل وليس إلى مجرد تطمينات شفهية من قبل المسؤولين الأتراك حيال المستقبل، فالقضية هي قضية شعبٍ عانى من الظلم والاقصاء وانكار الوجود ومن مختلف السياسات العنصرية في كل المراحل التاريخية الماضية، وليست مجرد مشكلة مع تواجد قوات مقاتلة لحزبٍ من الأحزاب الكوردية، في هذه المناطق أو تلك، تم الاتفاق مع رئيسه المعتقل على بعض البنود المتواضعة على طريق حل هذه القضية الوطنية العادلة. والسلام الحقيقي العادل لن يتحقق في تركيا وكوردستان مالم تؤخذ القضية السياسية، قضية الشعب الكوردي برمتها، بصورة جادة وشاملة، كأهم قضية وطنية تعترض طريق الحياة المشتركة لمكونات تركيا القومية 

مجرد الانسحاب تكتيكياً أو بشكل استراتيجي بهدف العدول التام عن الكفاح المسلح، ليس دخولاً مباشراً في عملية السلام المأمول من قبل الشعب الكوردي، فقد تكشف القوى العنصرية في الجانب التركي عن حقيقة تآمرها المستمر على الكورد وأحزابهم السياسية، كما فعلت منذ مرحلة ما قبل تأسيس الجمهورية، حيث غدرت بالكورد وقياداتهم في ذلك الوقت غدراً تاريخياً لا يمكن نسيانه، وقد تظهر قوة كوردية ما لتعلن عن نفسها قوةً ثورية مسلحة فيتم استغلالها من قبل دولٍ مجاور ة لتركيا وزجها في صراعات دموية جديدة تضر بالشعبين الكوردي والتركي، وقد يرفض جنرالات الجيش التركي الأوامر فيستمروا في حربهم على الشعب الكوردي بذرائع مختلفة وبتشكيل منظمات كوردية “ثورية” وهمية لنسف أي محاولة حقيقية لبناء جسر السلام بين الكورد والترك، أو دفع القوى العنصرية للمكونات الطائفية في المنطقة الكوردية إلى صراعات فيما بينها لعرقلة التحرك الجاد صوب السلام والتآخي والحوار بين القوى السياسية، الإيجابية، التركية والكوردية، التي يبدو وكأنها مقتنعة تماماً بأن السلام ضروري وصحي ولابد منه لتقدم البلاد والتعايش المشترك فيها بين مكوناته 

كان الكورد دائماً مع السلام، وسيكافحون باستمرار من أجله، ولكن على الآخرين أيضاً أن يساعدوا بأفعالٍ جادة من أجل تحقيق السلام الحقيقي والعادل، وليس لمجرد تمرير سياسات معينة، كطلب سحب المقاتلين من معاقلهم الجبلية، دون القيام بأي عملٍ حقيقي سوى نيل أغراضهم الآنية من تلك السياسات الغادرة 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s