سوريا والاحتمال الكبير للحل السياسي

  جان كورد  –  ‏14‏ أيار‏، 2013

http//:cankurd.wordpress.com      kurdistanicom@yahoo.de

 مواقف الدول الكبرى حيال المشهد السوري الأليم باتت معروفة وواضحة مع دوام المأساة وازدياد حجم الجريمة على الإنسانية، ومواقف الدول المحيطة بسوريا والتي دخلت في لعبتها الدموية منذ أن اندلعت فيها الثورة الكبرى معروفة أيضاً، ولذا يمكن الحديث عن احتمالٍ من الاحتمالات التي يمكن أن يسير القطار السوري صوبه، بعد كل هذه الدماء التي سالت والمدن التي تهدمت والعوائل التي ذاقت الحرمان والخوف والجوع والأجساد التي تعرضت للتعذيب والاغتصاب والتقتيل الذي لا نرى له مثيلاً حتى في عالم الحيوانات. وهذا الاحتمال بحكم الأزمة المالية العالمية هو الحل السياسي الذي أصبح ضرورةً لا بد منها

من الدول الكبرى المعنية بالأمر نأخذ الأشد اهتماماً منها بالوضع في سوريا، وهما الولايات المتحدة الأمريكية (ومن ورائها الاتحاد الأوروبي) وروسيا (ومعها الصين الشيوعية). ومن دول المنطقة نلاحظ الدول السعودية وقطر ومصر وإيران، في حين نجد الأقرب إلى المشكلة جيران سوريا من عربٍ وترك ويهود. وبدون قراءةٍ صحيحة لمواقف ومشاكل واهتمامات هذه الأطراف والقوى حسب ما تملكه من تأثيرات متفاوتة ومتباينة، مباشرة وغير مباشرة، في مسار السياسات والأحداث السورية، لا يمكننا التخمين أو الظن بأن هذا الاحتمال وارد أو أقرب إلى الحدوث عن سواه في المستقبل، ولكن ربما يحدث شيء ما غير الذي نتوقعه تماماً، رغم كل ما نجمعه من معلومات أو ندركه مما يدور على مسارح السياسة أو يتناهى إلى اسماعنا مما يجري في الخفاء بعيداً عن أعين الجمهور، من قبل هذه القوى والأطراف المذكورة، أو من قبل من يحركها كالدمى بخيوطٍ لا تراها عيوننا، دون أن يظهر الفاعل الأكبر واللاعب الأساسي أمامنا، بل يبقى دائماً غير مرئي 

ولا يخفى أن لأي حدثٍ سياسي علاقة وشيجة بالمال والاقتصاد والمصالح الحيوية لأطراف الصراع وللقوى الدولية والإقليمية وفي مقدمة ذلك كله يتعلق الأمر في البداية والنهاية بأسواق المال والأزمات الحادة التي تطبع عالمنا السياسي بأسره، منذ زمنٍ سحيق وإلى اليوم، حيث يعاني العالم بأجمعه من النتائج السلبية المخيفة للانهيارات المالية العظيمة، التي ترغم كل طرفٍ سياسي لأن يمد ساقيه بقدر لحافه كما يقول المثل الكردي 

فرئيس البنك المركزي الدانماركي (ساكسو) يرى أن الأزمة المالية في بلدان الاتحاد الأوربي تزداد اشتداداً، وأن العملة الموحدة (اليورو) لم تساعد في تفاعل هذه البلدان كثيراً، وأن على البلدان الضعيفة في أوروبا الانسحاب من الاتحاد، وهذا دليل على أن الاتحاد الأوربي الذي يساعد في مجالات الإغاثة قد لا يستطيع الاستمرار في تحمل مسؤولياته الدولية حيال مشكلة اللاجئين السوريين لأن العبء يزداد ثقلاً على بلدانه التي منها من أوشك على الغرق في بحور الديون، وإسرائيل التي هي جارة لسوريا وتعمل على أن لا تصبح طرفاً في النزاع الداخلي الدموي في سوريا، على الرغم من قيامها بعدة غارات جوية على مواقع سورية تابعة للنظام الحاكم، تعاني أيضاً من مشاكل مالية كبيرة، ولذا أضطر البنك المركزي الإسرائيلي إلى تخفيض الفائدة  المرشدة لديه للوقوف في وجه تعويم (الشيكل) وملاءمةً لما تقوم به البنوك المركزية للدول الأخرى في هذا المجال، وهذا يعني أن إسرائيل ستفكر جيداً قبل الاقدام على أية مغامرة عسكرية أو حربية في المنطقة قريباً، في حين أن البنك الألماني (دويتشه بانك) يتحدث عن “احتضار البنوك في أوروبا”، وتقوم بعض الدول بوضع قيود عديدة على السيولة النقدية حتى تقاوم الاختناق المالي، كما أن الولايات المتحدة تشعر بنفسها في وضعٍ يتسم بالهلع، ولذا عليها تجنب التورط في أي حربٍ خارجية، وإن اضطرت إلى ذلك فليكن بدعم حلفائها الأوربيين وبموافقة الروس الذين يعانون أيضاً من أزمة خانقة لا سبيل للخروج منها إلا عن طريق مزيد من صادرات السلاح والعتاد الحربي والصواريخ المتطورة لشتى أنحاء المعمورة، وفي ذات الوقت فإن الولايات المتحدة مرغمة على الولوج في “حربٍ اقتصادية” بمشاركة الأوربيين ضد الصين التي تكتسح سائر الأسواق العالمية كأكبر منافس للغرب الرأسمالي 

وبينما يحاول السعوديون والقطريون وسواهم تقليل حجم المساعدات التي يقدمونا لللاجئين والمقاتلين السوريين، فإن ايران التي تعاني من حصارٍ اقتصادي أمريكي – أوروبي خانق ولا تستطيع الاستفادة من مبيعات بترولها بالشكل الذي ترغبه، تسعى مع مصر المريضة بسبب الأزمة المالية الحادة للوصول إلى موقفٍ محددٍ يحفظ لها ماء الوجه في سياستها تجاه سوريا، تلك السياسة التي تكلفها أموالاً طائلة بسبب الأسلحة التي تقدمها لنظام الأسد وتشتريها من روسيا والصين وكوريا الشمالية، مما أدى إلى تزايد حجم النفور الشعبي والغليان الثوري في ايران، ولذا تتحرك حثيثاً لا يقاف نزيفها المالي، من خلال تحرك دبلوماسي – سياسي حثيث، خاصة وأن غلامها في لبنان حسن نصر الله قد انخرط من امدٍ بعيد في هذا الصراع السوري الدامي. وهذا يؤثر سلباً وبقوة على الاقتصاد الإيراني 

كما أن دولاً (الأردن، لبنان، تركيا، العراق ومن ضمنه إقليم كوردستان) لديها أعداد كبيرة ومتزايدة باستمرار من اللاجئين السوريين، تعاني من مشكلات مالية بسبب ذلك وتسعى مرغمةً للبحث عن حلٍ لها، ولو كان ذلك على حساب الشعب السوري، بإرغام اللاجئين على العودة إلى بلادهم، بعد إنشاء مناطق عازلة داخل سوريا لا تستطيع قوات النظام بقصفها جواً وبراً، كما لا تتمكن من اقتحامها وممارسة سياساته القمعية فيها حيال المواطنين 

لذا، فإن أقرب الاحتمالات المطروحة وأسهلها يكمن في توصل المجتمع الدولي إلى قرارٍ بحماية اللاجئين السوريين واغاثتهم بتواضع على الأرض السورية، قبل أي حلٍ سياسي للأزمة ككل، وهذا يعني إيجاد هيئة دولية خاصة بسوريا أو الجلوس معاً إلى طاولة محادثات للاتفاق على إقامة مناطق ممنوعة على تحليق الطيران السوري، مثلما حدث في إقليم جنوب كوردستان بعد انسحاب الإدارة العراقية من الإقليم على أثر هزيمة الجيوش العراقية في حرب الكويت. ومن ثم القيام بإجراء قانوني دولي لذلك من خلال مجلس الأمن الدولي. وهذا يتطلب تجاوباً سورياً، من قبل المعارضة أولاً، ومن قبل النظام ثانياً، والمعارضة المبعثرة والممزقة، رغم خلافاتها ومنافساتها واتجاهاتها الفكرية غير المتفقة سوى على رحيل الأسد وزبانيته المجرمين، لا تستطيع مقاومة اتفاق كهذا بين دولٍ كبرى ودولٍ إقليمية، بل إنها بحكم حاجاتها الكثيرة المتنوعة وبسبب ضعف سيطرتها السياسية على الكتائب والفصائل المقاتلة في سوريا، وفي مقدمتها “الجيش السوري الحر” والفصائل الإسلامية المتشددة، فإنها ربما تعترض على مشاركة طرفٍ أو اثنين من الدول في الشرق الأوسط، أو أن أطرافاً من هذه المعارضة الواسعة ستحاول اظهار نفسها وكأنها هي القوة الوحيدة الممثلة لكل الشعب السوري، ولكنها في النهاية ستبقى ملتزمة بما يراه الأصدقاء والإخوة الداعمون لها، وستحاول المعارضة إرضاء قادة الجيش السوري الحر وبعض الفصائل الأخرى التي لها اليد الطويلة على الساحة الفعلية وكسبها إلى جانبها في أي فعالية دولية ما بخصوص سوريا، وقد تتخلى حتى عن شرطها الأهم المتمثل بإبعاد الأسد عن أي مشاركة ما في الحوار السوري – السوري المتوقع البدء به في حال اتفاق الدول الكبرى على ذلك

وكما أن للمعارضة ظروفها التي تفرض عليها التحرك صوب حلٍ سياسي، فإن للنظام الذي خارت قواه وشحت الأموال التي يحتاج لها لاستمراره في الحرب، والذي جعل البلاد خراباً يباباً ففقد بذلك الخلفية الاقتصادية – المالية الوطنية، مرغم على التنازل عن كثير من مواقفه السابقة المتشنجة، وقد يقبل ب “الحل اليمني” في حال وصول حلفائه الروس مع الأمريكان والأوربيين إلى اتفاق حول مصيره في سوريا المستقبل158649

ويبقى ما يجري على ساحة القتال عنصراً هاماً في عرقلة أو ابطاء الحل السياسي الذي يبدو أن لا مفر منه بعد الآن، إلا أن القتال بحد ذاته ليس هدفاً، والحرب ليست إلا سياسة بأسلوب آخر، فإذا اقترب المرء من هدفه السياسي فإنه يتخلى عن البندقية، والمشكلة هي في القاء السلاح دون الحصول على نتائج ملموسة ترافق ذلك

برأيي، أن الحرب السورية ستضع أوزارها لأن الأزمة المالية الدولية الخانقة تفرض نفسها على كل الدول المعنية بالشأن السوري، ووصلت الجريمة ضد الإنسانية في سوريا إلى حدٍ لم يعد يتمكن أحد في مختلف عواصم العالم المتمدن من السكوت والنأي بالنفس عنها، وقد يؤدي استمرار هذه الحرب إلى كارثة إقليمية واسعة قد تحرق المنطقة بأكملها، لذا فإن أصحاب المال في العالم، رغم استفادتهم القصوى من إضرام الحروب بين الشعوب والبلدان مضطرون لإخماد هذه النار الآن لأنهم في أزمة مالية مستعرة لا يدري أحد عقباها

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s