بين الخطأ السياسي والخيانة السياسية خيط رفيع

‏  08.03.2013    

هناك من يبرر الأخطاء السياسية للأحزاب الكوردية في غرب كوردستان مهما كانت تلك الأخطاء فادحة ومضرة بشعبنا وبقضيته العادلة. وذريعته الأولى في ذلك هي أن هذه الأحزاب “كوردية!” تنظيماً وتركيباً، وما علينا سوى تحمل أخطائها مهما كانت كبيرة. والذريعة الثانية  هي أن هذه الأحزاب تمنع القوى المعادية للكورد وكوردستان من اقتحام المنطقة الكوردية والحاق الأذى بشعبها، ويرى هؤلاء أن التفريق بين الخطأ السياسي والخيانة للشعب والقضية يجب أن لايصل إلى درجة التمعن التام في الأحداث اليومية وإنما في مراعاة السياسات المختلفة، وعندما تطلب منهم شرح مفهوم “الخيانة” فإنهم ينهون الحوار فوراً، أو يجاوبون بأنه مصطلح واسع يبدأ من “الخيانة الزوجية” وينتهي بما يسمى ب”الخيانة الوطنية”، دون اعطاء تفصيلات بهذا الصدد.

وفي الحقيقة، وكما نقلنا في مقالة سابقة عن الحكيم الصيني كونفوشيوس، فإن من الضروري درءاً للوقوع في مطبات سياسية أو علمية كبيرة، شرح المفاهيم والمصطلحات المستخدمة من قبلنا بشكلٍ وافٍ وصحيح، وهذا يعني إظهار الفارق بين “الخطأ السياسي” و”الخيانة السياسية”، قبل مراعاة السياسات المختلفة للأحزاب، حتى لانتجاوز الخط الأحمر الذي يعتبر الشعب تجاوزه خيانة بحقه.

نعم، مفهوم الخيانة واسع، فمن ذلك الخيانة الزوجية التي تنتهي أحياناً بمأساة عائلية، يذهب ضحيتها شخص أو اثنان أو كل العائلة، مثلما يحدث في البلدان الأوروبية، حيث يقتل أحد الزوجين لدى اكتشاف الخيانة في بيته سائر أفراد عائلته ونفسه، ولكن عندما يذهب شعب من الشعوب ضحية مؤامرة أو خيانة زعيم أو حزبٍ من الأحزاب، فيتعرض الشعب إلى مذابح جماعية أو إلى حرب طويلة الأمد، يحاول البعض تخفيف الجرم الكبير الذي أدى إلى ذلك واعتباره مجرد “أخطاء سياسية”.

لنأت بأمثلة عن الخطأ السياسي وعن الخيانة بهدف الاقتراب من معانيهما:

إن ذهاب الدكتور عبد الرحمان قاسملو لملاقاة ممثلين عن الحكومة الايرانية في فيينا بحضور شخص ثالث بهدف وضع اللبنات الأولى للسلام والاتفاق بين كل من حزبه والحكومة التي حاربته عسكرياً، كان خطأ سياسياً فادحاً أدى إلى اغتياله واغتيال من أراد أن يكون شاهداً على ذلك اللقاء، وهذا الخطأ السياسي الكبير قد أدى إلى انتكاسة فظيعة للحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران، نلاحظ آثارها على الحزب حتى اليوم، إلا أن مسار الحزب وأهدافه وأسلوبه في النضال لم يتغير، وهكذا ذهاب زعيم حزب العمال الكوردستاني، السيد عبد الله أوجلان، إلى أوروبا ومن ثم إلى كينيا في أفريقيا، عوضاً عن الذهاب إلى جبال كوردستان الشامخة حيث رفاقه المستعدون لبذل دمائهم من أجل حمايته، قد أدى ذلك الخطأ الجسيم إلى اختطافه، وبالتالي إلى الدخول في مسلسلٍ طويل من التنازلات عن الحق القومي الكوردي، لدرجة أن السيد أوجالان لايطالب الآن بأي شكلٍ من أشكال الإدارة الكوردية القومية، بل الإدارة الديموقراطية المحلية، بمعنى توسيع الحيز الديموقراطي الموجود حالياً في الحياة السياسية التركية فقط، بحيث ينال الكورد بعض حقوقهم الثقافية لا أكثر ولا أقل، كما يعني ذلك إحداث تغيير شامل وعميق في بنية الحزب الذي كان يعتبر نفسه البديل الثوري عن الحركة السياسية الكوردستانية وكان يعتبر المطالبة بما دون الاستقلال “خيانة عظمى” من الأحزاب الكوردية لقضية الأمة الكوردية. وفي مقدمة كل التغييرات إنهاء الوضع الثوري والكفاح المسلح الذي به تمكن الحزب من استقطاب وجذب مئات الألوف من الشباب الكوردستاني إلى صفوفه حتى الآن.

وبين الحالتين تفاوت واضح في مدى إضرار الأخطاء السياسية لقيادة ما أو قائدٍ ما بحركة من الحركات. أما الخيانة فيمكن توضيحها بالتالي:

اتصال الزعيم التركي مصطفى كمال بزعماء الكورد قبل اسقاط الخلافة العثمانية وابدائه المحبة والصداقة للكورد والاعتراف بحقهم القومي والوعد بتحقيقه، والتبرؤ من تلك الوعود بعد قيام الجمهورية ومن ثم اعتقال أولئك الزعماء وشنقهم بالجملة والتنكر لحقوق الكورد وصرف النظر عن مطالبهم العادلة… فهذه هي الخيانة بعينها… وكذلك وعود آية الله خميني بمنح كوردستان حق تقرير المصير (خود موختاري)، ثم رفض تنفيذ ذلك بعد استيلائه على ثورة الشعوب الايرانية واعلانه الحرب على الشعب الكوردي وادعائه بأن “مفتاح الجنة في كوردستان” واقدام أتباعه على ارتكاب المجازر ضد الكورد، حيث راح ضحيتها أكثر من 40.000 مواطن في كوردستان.  ففي الحالتين غدر وخيانة وليس مجرد أخطاء سياسية.

قد تحدث الخيانة على مستوى شخصي في القتال، كانتقال مقاتل بمفرده من خندق الثورة إلى ختدق عدو الثورة، وحمله السلاح، بدافع مالي أو بهدف الحصول على منصبٍ أو لمجرد الخوف من العدو، في وجه إخوته الذين كان يحارب في صفوفهم قبل خيانته لهم. وقد تكون الخيانة جماعية من قبل أعداد كبيرة من الناس مثل حالة “الجحوش” في جنوب كوردستان سابقاً، ومثل حالة “الكوي قوروجي” فيما بعد في شمال كوردستان.

وهناك الخيانة السياسية، وهي متفشية بين الكورد أيضاً مع الأسف كإنكار حزبٍ من الأحزاب لوجود هذا الجزء من كوردستان أو ذاك، وهذا ما حدث فعلياً بقرارات صادرة عن مؤتمرات أحزاب تقودها شخصيات كوردية “كبيرة!!!”، في وضح النهار، وتم تبرير ذلك بأن الحزب يمارس التكتيكات، وبعض هذه الشخصبات لم تكن بحاجة إلى قرار من حزبه ليعلن بأن لكوردستان ثلاثة أقاليم فقط.

ومن أشكال هذه الخيانة هو التعاون والتنسيق بين حزبٍ من الأحزاب ودولة تضطهد الشعب الكوردي، وذلك بهدف القضاء على حزبٍ كوردي آخر، بل عرضه الخدمة مقابل منافع على مخابرات هذه الدولة أو تلك، كما حدث مراراً في تاريخ الحركة الكوردية عملياً مع الأسف.

ومن العارفين بهذه الشؤون من يعتبر  استمرار حزبٍ أو زعيم في ارتكاب الأخطاء السياسية خيانة للأمة، وعلى هذا الأساس تصرف نواب الشعب في مجلس الشيوخ في روما حيال القيصر يوليوس، حيث اعتبروا مسلسل أخطائه خيانة لروما وشعبها فاجتمعوا على ذلك الاتهام واغتالوه فيما بينهم، في مجلس الشيوخ ذاته، حتى أن أقرب أصدقائه إليه، بروتوس، قد شاركهم في الاغتيال.

هناك من يعتبر محاولة اغتيال الدكتاتور النازي أدولف هتلر من قبل بعض ضباطه، خيانة للوطن والشعب والقائد، رغم كل أخطاء الزعيم، ولكن هناك من يعتبر أولئك الضباط أبطالاً وأحراراً قضوا نحبهم برصاص الدكتاتورية لانقاذ وطنهم وشعبهم، لذلك يتم الاحتفال رسمياً من قبل السياسيين والعسكريين الألمان بذكرى محاولتهم الفاشلة تلك في 20 حزيران من كل عام. وهذا يعني أن الموضوع نسبي، من وجهة نظر سياسية، وليست واضحة تماما كما في الحالة العسكرية، وكل واحد ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إلا أن أحداً لاينكر  كون أولئك الضباط المغامرين من خيرة الرجال المخلصين للجيش الألماني، على الرغم من رفضهم التام للزعيم النازي وعزمهم على التخلص منه ووقف الحرب وانهاء النظام النازي.

وحالياً، يرى معظم أحرار الجيش السوري أن الدكتاتور بشار الأسد لايرتكب أخطاء سياسية فحسب، بل إنه مجرم بحق الإنسانية، يجب محاكمته أمام محكمة سورية أو دولية على جرائمه وأن أخطاءه السياسية قد تجاوزت حد المعقول إلى مستوى الخيانة للشعب السوري ولسوريا.، لذلك يعتبرون الانشقاق عن جيشه عملاً وطنياً وليس خيانة عسكرية.

ومع الأسف فإن بعض الشخصيات والأحزاب الكوردية لاتزال غير قادرة على الانفكاك عن هذا النظام، وتمارس احتيالاً  خطيراً على الشعب الكوردي، بهدف ابعاده عن الثورة السورية بذرائع باهتة، ولذلك فإنها تساهم في خيانة الأسد ونظامه، عن علم أو جهل، بحيث يبدو أن هذه الشخصيات والأحزاب لاتميز بين الخطأ السياسي والخيانة السياسية، لأن بينها خط رفيع يكاد لايرى.

وبصدد الأحزاب الكوردية أبدي رأيي على هذا الشكل:

إن الذي يسكت على تمزيق العلم القومي للشعب الكوردي، سيسكت على خيانة هذا الشعب أيضاً…

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s