انعكاسات التقارب الأردوغاني– الأوجلاني على غرب كوردستان ؟

‏ ‏5 ‏ شباط  2013‏  

ليس هناك من يشك في أهمية وضرورة السلام للشعوب المتجاورة، كما لايشك أحد في أن الحرب لاتجلب سوى الدمار وسفك الدماء، والبديل الوحيد للحرب هو الحوار بين الجيران المتخاصمين، ولذا فإن من يرفض الحوار والسلام بين الشعوب إنما يؤيد الحرب والنزاع، وبذلك يساهم بعلم أو بغير علم في سفك الدماء وفي تدمير البلدان. ولكن ليس كل سلامٍ سلام والثورات تختلف عن الحروب بين الدول، وفي معظم الحالات تتمتع الثورات ضد النظم الاستبدادبة بمزبدٍ من التأييد، ليس في البلد الذي تبدأ فيه الثورة فحسب، وإنما في المحيط الاقليمي له أيضاً، بل في العالم كله، على الرغم من أن بعض الثورات، كما هي الثورة السورية اليوم، تفتح أبواب الجحيم على شعبها وبلادها، وذلك لأن النظم الاستبدادية،كما هو النظام السوري، لاتستطيع الاعتراف بأن ما يجري ضدها ثورة، وتحاول نسج القصص وحبك الذرائع في محاولة يائسة لاظهار الثورة وكأنها جزء من مؤامرة شريرة لقوى خارجية أو أن المقاتلين ضدها ليسوا إلا إرهابيين جميعاً، على الرغم من أن معظمهم انشقوا عن الجيش البعثي العقائدي العلماني، وتشرع في ممارسة مختلف صنوف القمع والعنف والعدوان والتعذيب الوحشي، مثلما يزعم نظام الأسد ويرتكب من مجازر، ومثلما زعم غيره وارتكب من جرائم من قبل، لأن الاعتراف بالثورة يعني التنازل عن السلطة للشعب الثائر، وهذا يؤدي إلى نهاية وجوده، بل ومحاسبته على جرائمه وفساده وخروقاته لحقوق الإنسان وتدميره المصالح العامة لليلاد وهدره للطاقات والأموال.

 لذا، لايمكننا الوقوف في وجه المبادرة الساعية إلى السلام بين الترك والكورد، وبين طرفي النزاع: الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني، وباختصار بين السيد رجب طيب أردوغان, رئيس وزراء تركيا، والزعيم العمالي السيد عبد الله أوجالان، مهما كانت هذه المبادرة واهية وبسيطة، وسواءً أكان هذا الطرف صاحب المبادرة أو ذاك الطرف. فلربما تفتح هذه المحاولة ثقباً كبيراً في الجدار النفسي الثخين والقديم بين الرافضين للوجود القومي الكوردي والثائرين من أجل حريته وصون وجوده، على الرغم من أن الناظر إلى بنود المبادرة لايجد فيها ما يدل فعلاً على أن أهداف وطموحات الشعب الكوردي قد أخذت بعين الاعتبار… وبرأيي إن مجرد إيقاف النزيف الدموي الذي يعاني منه الشعبان: الكوردي والتركي، خطوة هامة وجيدة في الاتجاه الصحيح، مهما كانت تلك الخطوة بطيئة وخجولة ومتواضعة. ولكن يمكننا القول بأن ثمن هذا السلام كان غالياً جداً لشعبنا الكوردي، ولن يجني منه سوى أدنى حقوقه، التي كان بالامكان الوصول إليها عن غير طريق الثورة والقتال أيضاً، لو كانت هناك وحدة قومية كوردية في مواجهة العنصرية الطورانية.

أما محاولة البعض تصوير ميادرة السلام وكأنها انتصار تاريخي للشعب الكوردي فهذا لايقنع حتى أشد الناس ولاءً لأصحاب المبادرة أنفسهم.

كان لاندلاع الثورة في شمال كوردستان في 15 آب 1984 بقيادة حزب العمال الكوردستاني وقع سحري جذاب، فانخرط الآلاف من فتيان وفتيان الكورد السوريين في صفوفها وانطلقوا إلى جبال كوردستان المروية بالدماء أبد التاريخ، تاركين وراءهم مقاعد الدراسة وأعمالهم وأهلهم، بحثاً عن الحرية التي حرمتهم منها النظم الاستبدادية المعادية للكورد وكوردستان، والتي منها من شجع إبعاد الشباب الكوردي السوري عن ساحة النضال في سوريا وزجهم في معارك خاصة بها ضد الحكومات المتتالية على دست الحكم في أنقره، فالنظام الأسدي استخدم الورقة الكوردية لممارسة أشد الضغوط على أنقرة بهدف المساومة عليهم فيما بعد للحصول على كميات أكبر من مياه نهر الفرات المتدفق عبر الحدود التركية – السورية باتجاه الجنوب، وكذلك لانتزاع مزيدٍ من الحقوق للأقلية العلوية في تركيا، وللتغطية على حقيقة تخلي هذا النظام عن “لواء الاسكندرون” نهائياً.

وهكذا ستكون لالقاء سلاح حزب العمال الكوردستاني انعكاسات على الوضع الكوردي في غرب كوردستان، مثلما سيترك آثاره على الأقاليم الأخرى من كوردستان، فالشباب الكوردي السوري الذي لايزال في بقع القتال المنتشرة في شمال وجنوب وشرق كوردستان محكوم علبه نتيجة أي اتفاق بين حكومة أنقرة وحزب العمال الكوردستاني بالخروج من ساحة الصراع لأن شباب الكورد الشماليين سيعودون إلى قراهم ومدنهم ليبدؤوا صفحة جديدة من الحياة ولربما من الحياة السياسية من لونٍ آخر مختلف عن القتال والكر والفر في الجبال.

ومن ناحية أخرى، فإن حزب الاتحاد الديموقراطي “الكوردي” في سوريا مرتبط عضوياً بحزب العمال الكوردستاني وزعيمه المعتقل، أي بالحزب الذي ربما يبحث له الآن عن اسم جديد لتحوله مع الأيام إلى حزبٍ خليط طبقياً ولفقدانه الارتباط بالكوردستانية منذ الاعلان عن هذه المبادرة الأخيرة التي تخلو من أي عبارة عن كوردستان وحريتها واستقلالها أو من أي عبارة تقترب من أدنى مستوىً لحق تقرير المصير للشعب الكوردي. فهل كانت أهداف الشعب الكوردي منحصرة في الافراج عن زعيم معتقل وبعض الحقوق الثقافية والانخراط في الوطنية التركية؟

وفي الحقيقة لايمكن لأي زعيم كان، معتقلٍ كان أم حر طليق، أن ينوب عن شعبٍ بأسره في تحديد سقف مطالبه السياسية وتقرير هذا الحق الذي يؤكد عليه القانون الدولي للشعوب والأمم. وحزب الاتحاد الديموقراطي هذا، المطالب ب”إدارة ذاتية ديموقراطية” في سوريا، سيجد نفسه وحيداً في الساحة في مواجهة منتقديه ومنافسيه وخصومه، لأن القوة السياسية والعسكرية التي وراءه ستأخذ أشكالاً جديدة في نضالاتها، تتسم بأنها ستكون في إطار “الدولة التركية” وفي حدود “الدستور التركي” وبالتنسيق مع القوى الحاكمة في تركيا وحدها، ولن يبقى لها ذلك التأثير السحري السابق على الكورد في غرب كوردستان، الذين كانوا يطمحون إلى حريتهم ولون من ألوان الإدارة لمناطقهم بعد نجاح الثورة في شمال كوردستان.

وإذا ما اشتد ضغط التيار الأوجلاني على قيادة حزب الاتحاد الديموقراطي، هذا التيار المتجه نحو الاتفاق ضمن حدود “الوطن التركي” مع حكومة أردوغان، التي طالما اتهمها الأوجلانيون بعداوتها الشرسة للشعب الكوردي، وبأنها حكومة رجعية متخلفة، فإن حزب الاتحاد الديموقراطي سيواجه احتمالين لاثالث لهما:

–         فإما أن يرضخ للتوجهات الأوجلانية ويتم افراغه من مضامينه “الثورية” ويلقي سلاحه الكثير ويحل تنظيماته المسلحة ليتحول إلى رديفٍ متلائم مع ما يجري في شمال كوردستان،

–         وإما أن يرفض ذلك ويبتعد عن المسار السياسي الجديد للأوجلانية، ويعرض نفسه وقيادته بذلك النشوز إلى مخاطر الخروج على أوامر الزعيم، الآمر الناهي، على طول الخط.

 وفي كلا الاحتمالين مشاكل ونتائج غير محمودة لحزب يعتبر نفسه البديل عن كل الحراك الديموقراطي الكوردي ويعزز وجوده عن طريق امتلاك مزيدٍ من أسباب القوة القتالية والمالية والشعبية، ويفرض نفسه على الساحة الكوردية بتلك الأسباب مجتمعةً.

وهنا يتساءل المرء عما إذا كانت مبادرة التقارب الأردوغاني – الأوجلاني في خدمة شعبنا الكوردي في غرب كوردستان أيضاً؟

برأيي، ليس هناك أقرب من الترك والكورد كشعبين متجاورين، وذلك منذ أن قدم الترك من سهول آسيا إلى المنطقة وفرضوا أنفسهم بقوة الحراب على شعوبها، وعلى الرغم من استمرار النهج العنصري الطوراني ضد شعوب المنطقة، وعلى الأخص ضد الكورد والأرمن، فإن حكومة عاقلة وواقعية، تفهم جيداً المتغيرات الدولية على الساحات المختلفة، ومنها الساحة السياسية، والاقتصادية، والاعلامية، وكذلك حجم التحديات الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا في ظل الأزمة الاقتصادية – المالية العالمية، لابد أن ترمي عن نفسها تلك الخرق البالية من العنصرية وتعيد اكتشاف العلاقات الضرورية بين شعبها والشعوب المجاورة، فتبني بذلك أسساً سليمة من أجل حياةٍ مشتركة هدفها صون الحريات والحقوق والتآخي والمصالح المشتركة فيما بين هذه الشعوب. ويبدو أن حكومة أردوغان على هذا الطريق الذي سيؤدي إلى السلام، إلا إذا تم نسف الجسور من قبل قوى اقليمية ودولية لمنع حدوث أي استقرار في المنطقة، وفي مقدمة تلك القوى حكومة طهران الطائفية التي تستشعر المخاطر من التقارب بين شعبين في غالبيتهما العظمى من السنة. وهكذا كانت ايران طوال العهود السابقة منذ النزاع الصفوي – العثماني الطويل الأمد. وكان بالامكان تحريك النظام السوري الأسدي لافساد العلاقات التركية – الكوردية، إلا أن هذا النظام بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ضربات الثورة الشعبية الكبرى التي انطلقت في آذار عام 2011 وراحت تتعاظم يوماً بعد، رغم كل العنف والقمع الوحشي من قبل النظام وأعوانه وحلفائه.

أعتقد بأن الشعب الكوردي في غرب كوردستان لن يتعرض إلى الأذى فيما إذا تقدمت المباحثات وتعمقت بين طرفي المبادرة السلمية في تركيا، ولكنه سيلقى الأذى فيما إذا حاولت الحكومة التركية، وهي تحاول فعلاً، منع شعبنا من الحصول على حقوقه القومية المنصوص على عدالتها وشرعيتها، سواءٍ في الشرع الذي يزعم حزب السلطة في تركيا ايمانه به أو في القانون الدولي. وهنا يجدر بالقوى الكوردية السورية مزيداً من التضامن والاتحاد فيما بينها وتوجيه رسالة واضحة ومشتركة باسم شعبها الكوردي إلى المعارضة السورية وإلى العالم كله، إضافة إلى ضرورة دمقرطة نفسها بشكل جاد ومستمر، والتأكيد للمحيط الاقليمي بأن نضالنا القومي في غرب كوردستان نضال سلمي ديموقراطي لايطالب إلا بما هو حق لشعبنا المظلوم حسب الشرائع السماوية والأرضية.

وبقدر ما يتجاوب حزب الاتحاد الديموقراطي مع مساعي القوى الكوردية الأخرى في سوريا وفي كوردستان، تصبح المهمة أسهل والأهداف أقرب للمنال، وسيستفيد منها هكذا تجاوب كل من هذه القوى معاً وعلى انفراد.

ولكن قد يؤدي الاتفاق بين الطرفين الأردوغاني والأوجالاني إلى شيء من التضييق على حكومة جنوب كوردستان، التي ستضطر إلى مزيدٍ من ضبط النفس والتقارب مع طهران لعدة أسباب وجيهة، ولكن هذا موضوع آخر يتطلب مداخلة أخرى.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s