الكورد في سوريا والتقارب الأردوغاني – الأوجالاني

جان كورد   الأربعاء ‏2013‏-01‏-16

لم تكن استراتيجية أي حزبٍ من الأحزاب الكوردية / الكوردستانية في يومٍ من الأيام مخالفة أو معارضة لسياسة حل القضية الكوردية سلمياً وعن طريق الحوار، ومن ضمن هذه الأحزاب، حزب العمال الكوردستاني، الذي يترأسه السيد عبد الله أوجالان، الذي تم اختطافه قبل بداية هذا القرن في كينيا الأفريقية من قبل مخابرات أجنبية وتم تسليمه إلى تركيا، التي تحول اعتقاله لديها إلى معضلة سياسية منذ ذلك الحين وإلى فترة وجيزة، حيث بدأت تباشيرالسلام ترتسم على أفق السياسة الأردوغانية تجاه الملف الكوردي. هذا السلام الذي إن تحقق فعلاً سيكون انتصاراً تاريخياً كبيراً لشخص أردوغان ولحزبه ولتركيا عموماً، في حين سيكون دفعاً قوياً للقضية الكوردية إلى الأمام بشكل عام، في سائر أنحاء كوردستان وانهاءً للهجوم الواسع والمستمر على الحركة الكوردية عموماً ، منذ انقلاب الجنرال الفاشي كينان أفرين في عام 1980 ودخول تركيا الحرب في كوردستان بدموية وقسوةٍ لامثيل لهما منذ اعلان حزب العمال الكوردستاني الثورة على الدولة في عام 1984 والاعتماد في ذلك مع تنامي الصراع السياسي والقتال على دعم سوري – ايراني بدخول الحزب في الحلف العلوي – الشيعي للبلدين اللذين فيهما قضية كوردية أيضاً.

ووفق استراتيجية البحث عن حلٍ عادلٍ للقضية الكوردية في ضوء المعطيات والفرص السلمية والتفاوض الجاد والتقارب عوضاً عن الاتهامات المتبادلة ومحاولة فرض الذات على الخصم، فإن الشعب الكوردي عامةً وفي كل مكان لن يكون ضد السلام الذي تحتاج إليه كوردستان مثلما تحتاج إليه تركيا، وستكون لاحلال السلام بين طرفي النزاع تأثير مباشر في الدول المجاورة لتركيا وفيها وجود كوردي كبير، وهي ايران والعراق وتركيا، إضافة إلى وجود الكورد في كلٍ من أرمينيا وآذربايجان المتاخمتين لتركيا أيضاً. بمعنى أن وجه المسألة الكوردية سيتغير إجمالاً. ولكن بشرط أن يؤدي هذا الحوار إلى نقاط أساسية لفض النزاعات التي كلفت شعوب المنطقة أموالاً باهظة وأراقت دماءً غزيرة، لا أن يكون حواراً بين زعيمين، كل منهما يسعى لمزيد من المكاسب الخاصة به بين شعبه وحزبه، فتكون حرية الزعيم العمالي الكوردي مثلاً أهم لديه من قضية شعبه ومن مصير حزبه، وتكون غاية الزعيم الإسلامي التركي مجرد الانتهاء من سلاح حزب العمال الكوردستاني وإخراج قيادته من معاقله الجبلية لادامة سياسة عنصرية كانت مطبقة حتى الآن في تركيا، واعادة الملف الكوردي إلى مربع الصفر على رقعة السياسة الرسمية التركية، فيصبح بذلك آتاتوركاً ثانياً في العصر الحديث، ويخون الكورد كما خانهم آتاتورك الأول بشعار “وحدة الوطن والدين” أو كما حكم الدولة العثمانية من قبله كثيرون عموماً.

المطالب الستة التي تقدم بها السيد أوجالان ليست حلاً عادلاً للقضية الكوردية ولكنها تفتح ثقباً في جدارٍ ظل متيناً رغم تقديم الكورد لمئات الألوف من الضحايا ودمرت بلادهم وخسروا الكثير في سبيل أن ينتزعوا حريتهم، كما أن ليست هناك ضمانات دولية لهذه الحقوق المطلوبة إن قبل بها السيد أردوغان، فمن يضمن للشعب الكوردي أن لاتأتي حكومة تركية فاشية أو بورجوازية متخلفة كحكومات سليمان ديميري وتانسو جيللر ومسعود يلماز وبولنت أجاويد وسواهم فتعيد حمامة السلام إلى القفص و تسقط كل الأوراق التي في أيادي المطالبين بالسلام والحوار، فيضطر الكورد إلى خوض حروبٍ أخرى أشد دموية وإرهاقاً لهم ولتركيا؟

لابد أن هناك في المعسكرين العمالي الكوردستاني والحكومي التركي جيوب معارضة لهذا التقارب الأوجالاني – الأردوغاني، وهي غير مستعدة للتنازل عما في أياديها من قوة ومناصب ومكاسب وقدرة على التأثير في موازين القوى، ناهيك عن شدة التيار الفاشي التركي الذي يرفض أي اعتراف بالوجود القومي الكوردي في تركيا، والذي يطالب بالتخلص من شخص السيد أوجالان، داخل المعتقل أو خارجه ولايرضى بمنح الشعب الكوردي أي حقوق في إدارة ذاته أو في ممارسة شؤونه الثقافية واللغوية، مقابل وجود شريحةٍ في الصف الكوردي، تعتبر هذه المطالب غير ملائمة لمستوى وحجم القضية الكوردية التي هي قضية شعب ضحى بالكثير من أجل حريته و… استقلاله.

إن تخلص الترك والكورد في شمال كوردستان وتركيا من عقدة “الخصام الأبدي” سيقلب الموازين على الساحة السورية أيضاً، فكما هو معروف  فإن حزب الاتحاد الديموقراطي “الكوردي / الكوردستاني”، الذي يعتبر فرعاً سورياً لحزب العمال الكوردستاني، متهم بتعاونه مع نظام العائلة الأسدية، ليس من قبل الكورد المعارضين لسياساته فحسب وانما من قبل فئات عديدة داخل صفوف المعارضة الوطنية السورية، وإن السيد أوجالان قد دعاه مؤخراً إلى “فك الارتباط” أو “تجميد النشاطات” مع النظام الأسدي أو ما في مضمون ذلك ، وهذا يعتبر بمثابة أمر حزبي من أعلى المناصب، وبحكم اعتزاز حزب الاتحاد الديموقراطي بولائه لقائده السيد عبد الله أوجالان، فإن “فك الارتباط” هذا سيربك النظام السوري وسيغضب الحليف الايراني الذي يجهد بكل ما أوتي من قوى عسكرية واستخباراتية ومالية لابقاء نظام الأسد على قيد الحياة، وهذا التحول في موازين القوى لصالح الدولة التركية المنافسة لايران منذ قرونٍ عديدة عندما كانت تركيا في موقع قيادة العالم الإسلامي، سيؤدي إلى تشنجات داخل حزب العمال وتابعه حزب الاتحاد الديموقراطي لأن ضمنهما عدد لايستهان به من الذين نسجت ايران وسوريا معهم خلال الفترات الماضية علاقات وطيدة، كما أن بين العناصر القيادية في الحراك العمالي عامة من هم “علويون” مناوئون لحزب أردوغان تماماً ولايمكن لهم قبول تحقيق تركيا الأردوغانية أية انتصارات سياسية على حلفهم الطويل الأمد مع سوريا وايران. وهذه حقيقة يجب أن يعترف بها الأوجالانيون، أو على الأقل يثير الأسئلة والظنون حول امكانية أن يكون اغتيال النساء الكورديات الناشطات الثلاثة في باريس مؤخراً على أيدي قتلة مجرمين مدفوع لهم أو عاملين للحلف السوري – الايراني ضمن الحزب العمالي أو من أحزاب مأجورة كالتي تخلصت من قادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران، في حال التأكد من أن الدولة التركية السرية ليست المسؤولة عن اغتيال هذه النساء الناشطات.

إن دعوة السيد أوجالان لحزب الاتحاد الديموقراطي في هذه الفترة بالذات بتجميد نشاطه مع نظام الأسد ستكون له أبعاد عميقة قد تحول المنطقة الكوردية في شمال سوريا إلى بؤرة حريق كبير

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s