لكي تؤدي الحركة واجباتها المرحلية

جان كورد

الخميس‏، 06‏ كانون الأول‏، 2012

قبل أن يبدأ المرء بالسفر فإنه ينظر في لائحة متطلبات هذا السفر ويتأكد من أنه أعد نفسه لرحلته اعداداً جيداً، ويعود لينظر في لائحة احتياجاته مرة أخرى، وعندما يطمئن إلى أنه جهز نفسه وحقائبه وعدة سفره فإنه يتوكل على الله وينطلق وهو واثق من نفسه ومن قيامه بوجباته التي بدون تأديتها لن ينعم بسفر مريح… وهكذا الشركات عندما تقدم على البدء بمشروع هام وضروري فإنها تتدارس الخطة وتضع البديل وتناقش الامور “من طقطق إلى سلام عليكم” كما تقول العامة.

 في مرحلة ما قبل الثورة السورية لم يكن النضال الحزبي يتعدى عقد الاجتماعات السرية أو شبه العلنية الضيقة والمحدودة نسبياً، والقاء بعض الخطب في المناسبات الوطنية والاستعداد لعيد النيروز وتقديم التعازي للمواطنين الذين فقدوا أحد الأفراد الوطنيين، أو كانوا أعزاء على المناضلين، وترتيب بعض الندوات الثقافية والسياسية أحياناً، إضافة إلى تشكيل وفود لاستقبال أهل السلطة أو الذهاب إلى الحسكة وحلب ودمشق للقائهم…

ولكن منذ اندلاع الثورة السورية الكبرى, والآن خاصة، تختلف المهام التي على حزبٍ من الأحزاب الكوردية أو تحالفٍ من تحالفاتها القيام بها، فهي جسيمة وعديدة وضرورية لبقائها، بل إن مصيرها مرتبط بمدى قدرتها على تأدية واجباتها تجاه الشعب في ظروفٍ غير طبيعية، بل في مرحلةٍ يمكن القول عنها بأنها من أخطر المراحل التاريخية في تاريخ سوريا الحديث. فمهام الحزب أو مجموعة الأحزاب تمتد من البحث عن حلفاء ضمن المعارضة السورية، في اسطانبول والقاهرة والدوحة إلى تأمين جرة الغاز للعائلة الخاصة ولأبناء الحي، ومن اقامة الدوريات لتحقيق انتقال المواطنين ضمن المدينة الواحدة أو بين القرى المجاورة إلى القيام بتنظيم المظاهرات السلمية والتواصل مع مختلف الجماعات المسلحة لدرء مشاحنات دموية فيما بينها، فالمسؤول الحزبي هو في هذا الوقت مسؤول أمني وتمويني، هو الحارس الليلي وخطيب المظاهرة، وهو الذي يعقد الصفقات السياسية ويدافع عن مطالب شعبه في المؤتمرات، بل هو السلطة والمعارضة في ذات الوقت، شاء أم أبى. وحيث أن هذه المهام الجسيمة والمروعة أحياناً لاتلقى على عاتق فردٍ ما أو مجموعة كوادر صغيرة، وإنما هي مسؤولية مشتركة، يتم الاعداد والتحضير لها، فلا بد أن تكون لدى الحزب خطة لتلك المهام وكيفية أدائها ولايجوز أن يؤدي لتنظيم مهامه من منطلق الفعل الآني الذي يتطلب رد فعل سريع.

والذي ينظر إلى أحزابنا الكوردية السورية، يعلم أنها من حيث الطاقات والامكانات المالية والعسكرية والتنظيمية ليست في مستوى حمل الأمانة التاريخية في هذه المرحلة الخطيرة، وعلى قياداتها الاعتراف بذلك، وإلا فإنها تحمل نفسها ما لا طاقة لها به، وليس تشكيل المجلس الوطني الكوردي ومن ثم الهيئة الكوردية العليا وأخيراً الاتحاد السياسي الكوردي بين أربعة أحزاب منها سوى اعتراف ضمني بالنقص في الامكانية وعدم تواجد القدرة الكافية لمعالجة الأمور على انفراد. و”تجميع القوى” أو حشدها شيء جيد فهو يأتي كرد فعل طبيعي على جسامة الأحداث ومتطلبات المرحلة، ونأمل أن لايسجل هذا التجميع تراجعاً في بورصة العمل الوطني بعد اليوم.

ومن أجل أداء أفضل للمهام في طريق “تجميع القوى وحشدها” يجب على الحركة عامة وعلى تنظيماتها المختلفة أيضاً:

–          القيام بعملية تجديد حركى: والتجديد يكون باعادة النظر في الأشكال التنظيمية وفي النظام الداخلي وفي توزيع المهام ضمن الهيئات وفي دفع العناصر الشابة الكفوءة علمياً والقادرة على البذل والتضحية بالمال والوقت والنفس في سبيل تجديد الحركة لتواكب المستجدات وتحقق التجاوب مع الاستحقاقات التاريخية.

–          دمقرطة الحياة السياسية للشعب الكوردي: في الحزب أولاً، وبين الأحزاب في علاقاتها ببعضها البعض ثانياً، وفي المجتمع بشكل عام. إذ لايكفي تغيير النظام الداخلي أو تعديله ومتابعة الممارسات اللاديموقراطية ضمن الهيئات الحزبية أو تصرف القيادات وكأنها منزهة عن الخطأ ومعصومة كالأئمة والباباوات. واستغرب كيف يستغل بعض الشموليين التابعين لأشد الناس شمولية في التفكير اسم “الديموقراطية” في برامجهم السياسية! وفي ظل “الديموقراطية” التي يبهرجون بها اسم حزبهم يعملون على كم الأفواه وكبت الحريات وتلطيخ الناس بمختلف ألوان السفالات والعمالات ولايختلفون وحشية واستكباراً وتحقيراً عن (بول بوت) الكمبودي المقبور في سياستهم تجاه المعارضين لهم، وكيف يظل المرء عقوداً من الزمن رئيساً منتخباً على الدوام  لحزبه الصغير أو الكبيرعلى الرغم من أنه لم يحقق أدنى مطلب من مطالب شعبه، في حين أن أطول رؤساء وزراء ألمانيا عمرا في السلطة ( كورت بيك) بقي فقط لمدة 18 عاماً كرئيس ولاية (راينلاند فالز) اشتهرت بثرائها وتوالي نجاحات حكومتها اقتصادياً في تلك الفترة، وحيث الانتخابات فعلاً ديموقراطية ونزيهة إلى حدٍ كبير، كما أن الألمان لم يقبلوا ببقاء مستشارهم (رئيس الوزراء الاتحادي) الشهير الدكتور (هيلموت كول) أكثر من 16 عاماً، على الرغم من أنه مهندس وحدة ألمانيا وأحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي وعاشت ألمانيا في ظل مستشاريته عهد رخاء وأمن وديموقراطية ناجحة.  والديموقراطية التي تقصي الآخر المعارض ليست سوى لونٍ من ألوان الشمولية المتلبسة أرداء الديموقراطية، وليست سوى جريمة واقعة على حقوق الإنسان. والشعب الكوردي لايريد الخروج من عبودية الغرباء ليدخل في عبودية أشنع لأهل البيت الكردي أنفسهم.

–          وجود القيادة الجريئة: فالقيادة التي تخاف من مواكبة العصر والسير مع الأحداث ولاتزال تخاف من سطوة رجل الأمن في الحارة أو في المنطقة غير قادرة على ممارسة المهام وأداء الواجبات في أيام النزاعات المسلحة والمواجهات الساخنة، لذا فإن على الأحزاب وضع شروط معينة ومحددة على العضو الذي يرشح نفسه أو يتم ترشيحه لمنصبٍ من مناصب القيادة، ولايكفي أن يكون المرء خريج جامعة أو حامل شهادة عليا، والعلم ضروري في السياسة كالماء للمزرعة، وانما يجب أن يتمتع القيادي ببعض الجرأة وبخاصة في مرحلةٍ كهذه من المراحل التاريخية، ولذلك فإن قراءة رواية “الجرأة والرعب” للكاتب الروسي ألكسندر بيك ستكون مفيدة لمن هو عازم على ترشيح أحدٍ ممن حوله لمنصب قيادي.

–          امتلاك أسباب القوة: لايمكن تحقيق الأهداف القريبة أو البعيدة دون أن تكون في أيادي الحركة قوى مادية وبشرية واعلامية كافية، تفرض بها نفسها على الساحة كحركة ذات ثقل وامكانات وأدوات ولسان، وهذا يتطلب بناء المؤسسات التي تأتي لها بأسباب القوة، ولايعني ذلك ابتزاز الشعب وسلبه ما بين أياديه من امكانت وهو شعب فقير ويعاني من كثير من الحاجات الضرورية لاستمرارالحياة، وانما عن طريق إدارة الممتلكات العامة وحماية ثروات الشعب واستغلالها وتطويرها من نفط ومياه ومعادن، وهذا يحتاج إلى تعاون وتنسيق مع الجهات والدول، أي بناء المؤسسات المالية والاعلامية والاغاثية والادارية والعسكرية ودعمها عن طريق تقوية العلاقات العامة للحركة داخل البلاد وخارجها.

–          الواقعية في النظرة الوطنية – القومية: الواقع بحد ذاته لايبقى دائماً كما هو، بل هو في تغير مستمر كالنهر الذي يسيل ماؤه، ولكن الماء في تجدد دائم. والإنسان في محاولة دائمة لتغيير واقعه ومحيطه الذي يعيش فيه نحو الأفضل، ومع تطور البشرية تحول العالم المسكون إلى قرية متصلة بيوتها ببعضها بعضاً بسبب الاتصالات الحديثة وتطور وسائل النقل من حيث السرعة والامكانات. لذلك فإن المناضل الحزبي لاينظر إلى واقعه وكأنه ثابت ومحلي وضيق وانما على أنه واقع منفتح سياسياً وثقافياً وإنسانياً، فهو مناضل في منطقته وفي وطنه وفي عالمه في آنٍ واحد. ولايستطيع إهمال مستوى من هذه المستويات المتراتبة في حياته السياسية. والحركات الفاشلة هي التي لاتستطيع تحديد الزمان والمكان اللذين لابد من مراعاتهما للوصول إلى تحقيق الأهداف. فلا إفراط ولاتفريط في هذا المجال ولا أحلام ولا أوهام، وانما النظرة الواقعية المستمرة لتوالي الأحدث التي تلقي بظلالها على الواقع فتؤثر فيه وفي النظرة إليه، واستخراج المفيد من الأطر التي يجب العمل ضمنها لمواكبة التاريخ والتطور التاريخي.

ومن أجل أن تتمكن الحركة من أداء وظيفتها الاجتماعية القيادية بين الشعب، فلا بد من إيجاد مؤسسة إعلامية قوية وعصرية تصبح لسان حال الحركة وتغطي نشاطاتها وفعالياتها أينما كانت وتخاطب الأعداء والأصدقاء بلغة اعلامية واضحة في الصوت والصورة، ذات خبرة في نقل الأحداث ومراقبة الأحوال وتبيان الحقائق، فكما قال نابليون بونابرت: (أنا أخاف صرير الأقلام أكثر من دوي المدافع) وفي عصره لم تكن هناك كاميرات ولا اتصالات سريعة وواسعة النطاق كما في عصرنا هذا.

والموضوع برمته يحتاج إلى مداخلات ونقاشات ودراسات وبحوث… وأول النهار شعاع بسيطImage

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s