حزب العمال الكوردستاني في حلبة الصراع التركي – الايراني

جان كورد    12-17أيلول/ سبتمبر 2012     

kurdistanicom@yahoo.de   https://cankurd.wordpress.com     https://www.facebook.com/madmiro1

    “الأفكار الخطيرة مثل الطاعون المعدي تنتقل بسرعة من شخص إلى شخص”

(فرعون مصر هاريمهاب لطبيبه المناوىء له سياسياً – من رواية (سينوهي المصري) للروائي الفنلندي ميكا فالتاري- الطبعة 40 – 2003 الصفحة 747 – الترجمة الألمانية)

“1”

لقد كتبنا سابقاً في مقالةٍ مطولة عن الصراع التركي – الايراني الموغل في التاريخ, والذي لايقف عند حد السيطرة على الأراضي التي تحت قبضة كل من الدولتين, ومنها أرض كوردستان التي تستولي كل منهما على جزءٍ كبيرٍ منه, لايقل مساحةً عن عدة دولٍ مستقلة مجتمعةً, مثل لبنان وقطر والكويت والبحرين وسواها, وإنما صراع الدولتين على سائر بلدان وبحار ومضائق وأنهار الشرق الأوسط, وهو يذكرنا بالصراع الفارسي – اليوناني السحيق في التاريخ, وليس الترك إلا العنصر الاثني الذي أتى غازياً من شرق آسيا بعد ظهور الإسلام بعدة قرون وطرد اليونانيين والليديين من الأراضي التي يسمونها اليوم بغرب الأناضول (آناتوليا) , ولاتزال تحمل أسماء يونانية مثل ترويا (طروادة) وكبادوكيا وآنتاليا, وفرض التتريك على الباقين منهم بالقوة, أي أنه امتداد لذلك الصراع الاستراتيجي الطويل الأمد, في مساحة جيو سياسية هامة جداً من غرب آسيا.

في حلبة هذا الصراع الذي يتخذ أحياناً مجرد منافسة اقتصادية أو ملاسنات عقيدية كلامية, ويتحول أحياناً إلى حربٍ بالوكالة بين امارات أو زعامات كوردية على أرض كورستانية, يظهراليوم إلى السطح وبقوة دور الأحزاب الكوردية الكبرى في استمرارية هذه الحرب الدائمة بين ايران الصفوية وتركيا العثمانية, ومن بين هذه الأحزاب, حزب العمال الكوردستاني, الذي يبدو وكأنه قد اختار الانضمام إلى الحلف الايراني, منذ قيامه باعلان الثورة على الدولة التركية, على الرغم من أنه من الناحية العقيدية ليس بحزب ديني وإما شيوعي المنبت والمسار, حيث لايزال يحمل, بعد أكثر من عقدٍ من الزمن على سقوط المعسكر الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية الأخرى, راية الأممية الشيوعية التي تشبه الراية التركية الحمراء بعد حذف الهلال منها وتلوين النجمة في وسطها باللون الأصفر, حيث الرموز والرايات تلعب دوراً هاماً في الحياة السياسية (كالنجمة اليهودية والصليب النازي والهلال الاسلامي مثلاً). وهذا يحدد لنا هوية هذا التنظيم الستاليني الذي تأسس في شمال كوردستان وفي العاصمة التركية أنقرة في سبعينيات القرن الماضي, والذي أكد مراراً في أدبياته ومنشوراته وأقنيته التلفزيونية وبتصريحات زعيمه السيد عبد الله أوجالان, المعتقل لدى الأتراك منذ بداية هذا القرن, على أن الهدف الأسمى للحزب هو بناء كونفدرالية أممية “ديموقراطية!” في الشرق الأوسط, تحت قيادة الزعيم المطلق, الذي بدأ التقديس به منذ اندلاع ثورة الحزب في عام 1984 على الدولة التركية, وهذه الكونفدرالية ستضم الشعوب العربية والتركية والكوردية والايرانية وسائر الأقليات القومية والدينية كالآشوريين والسريان والعلويين واليزيديين والدروز والمسيحيين واليهود واللاز والاسماعيليين وكل الآخرين, والدولة القومية الكوردية ليست هدف الحزب, بل إن الدولة القومية في نظر مؤسسي الحزب أو الصقور منهم تخلف في الفكر الإنساني, وابتعاد عن الواقع الذي تعيشه هذه الشعوب. ولقد انتقد السيد أوجالان بشدة ومراراً المروجين ل”فكرة الدولة القومية النتنة” في كتبه وخطبه.

هذه اللمحة الموجزة تبين لنا عما نريد التحدث هنا, فنحن في الحقيقة أمام حزبٍ كبير ذي تاريخ مثير وسياسات خطيرة, قد يكون مصير الشعب الكوردي في أكثر من جزء من أجزاء كوردستان مرتبطاً بانتصاره أو فشله, والقضية تتطلب مناقشة جادة, موضوعية وهادئة, وليس مجرد تشحين عواطف جياشة أو الاستعانة بقاموس المسبات والشتائم والاهانات والتحقير, كما يفعل البعض مع الأسف, ظناً منهم أنهم يدافعون بها عن الحزب, إلا أنهم يسيئون إليه وإلى مقاتليه وكوادره كما يسيئون إلى انفسهم في أعين القراء.

تمكن هذا الحزب الذي يتمتع الآن بشعبية جماهيرية واسعة بين الشعب الكوردي في سائر الأنحاء, باعتماده أسلوب التنظيم الستاليني, من الاستفادة بقوة من الحالة المزرية التي نجمت عن الاضطهاد المستمر للشعب الكوردي, منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923م وحتى الان, وتوالي الانتكاسات السياسية الكوردية وحالة الانشقاق والهزال في صفوف الحركة التحررية الكوردستانية, وبخاصة على أثر انهيار ثورة أيلول الكبرى في جنوب كوردستان (1961- 1975) التي كان يقودها الزعيم الأسطوري الملا مصطفى البارزاني والتي ترك انهيارها المفاجىء لأسباب تتعلق بالسياسة الدولية وخيانة “الحلفاء!” والاتفاقات الاقليمية بين الدول الغاصبة لأرض الكورد بصمات أليمة على وجه الأمة الكوردية بأسرها وأحدث نتائج غير محمودة على الأصعدة النفسية والسياسية والمعنوية لهذه الأمة المضطهدة منذ قرونٍ طويلة.

لقد مهد حزب العمال الكوردستاني طريقه لاقتحام الساحة الكوردية بفضل أفكاره الجديدة التي نقلها المغني شفان برور غنائياً لشعبه والتضحيات العظيمة لبعض كوادره المتقدمين من أمثال مظلوم دوغان الذي أبى أن يستسلم لمعذبيه الأتراك حتى الموت وجعل من جملته الشهيرة قبل استشهاده شعار مرحلةٍ جديدة من تأريخ الكورد وكوردستان (المقاومة حياة). ولكن الحزب عوضاً عن أن يستثمر ما كان موجوداً سابقاً على تلك الساحة من قدرات وطاقات كوردستانية فقد أقدم على تصفية العديد من كوادر الحركة السياسية الكوردستانية بذريعة أنها “بورجوازية متخلفة” فقتل كثيراً من شباب الكورد المنتظمين في الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها في حركة تحرير كوردستان (كوك), قبل الانتقال إلى التصفيات الواسعة داخل تنظيمه أيضاً, مما أثار الشكوك بين القوى الوطنية الكوردية حول علاقته بالدولة السرية التركية, ومع الأسف لم يتمكن من تبديد هذه الشكوك, إلا باعلانه الثورة على الدولة التركية في عام 1984, وقد اعترف رئيس الحزب في مقابلته الشهيرة (سبعة أيام مع آبو) مع الصحافي السوري نبيل الملحم في مرحلة تالية لحملات تصفية كوادر حركة (كوك) وكوادر حزبه بأنه كانت لزوجته (كسيرة) علاقة وطيدة بالمخابرات التركية, كما كانت هناك شخصية عسكرية غامضة (طيار تركي) ذي علاقة قوية به وبزوجته, يساعدهما في تأسيس الحزب أو تقوية اتصالاته في أنقرة. كما اعترف بأن زوجته كانت وراء اعتقال العديد من كوادر حزبه, وكان هو ساكتاً عن ذلك لمعرفته بأنه يتعامل مع أفعى لا حل له سوى في الزواج منها… والقصة معروفة للقارىء الكوردي المهتم, ولاحاجة لتكرارها, ولكن تبرير تلك العلاقة أو التملص من مناقشتها بجدية من قبل رفاق الحزب أمام الشعب الكوردي يلقي ظلالاً كئيبة على الدور التركي السري في ظهوره ونشأته. ومن جهة أخرى يظهر لنا أن المحور التركي في الصراع الكبير لم يغب عن الساحة في سائر المراحل من عمر الحركة السياسية الكوردستانية, ولقد أضطررنا للحديث عن علاقة حزب العمال تلك باعتبار أن الموضوع الأساسي لنا في هذا المقال هو  “حزب العمال الكوردستاني في دوامة الصراع التركي – الايراني” وبالتالي لابد لنا من التطرق إلى تلك العلاقات وسواها أيضاً, مع كل من طرفي الصراع, وخاصة إن الموضوع متعلق بأمة بأكملها وليس بهذا الحزب أو ذاك فقط.

إذا كان التنظيم الستاليني والالتزام المطلق بما تأمر به قيادة الحزب وزعيمه هما سبب اجتياز الحزب للمرحلة الدموية والمفرطة في القمع والارهاب الحكومي التي تلت انقلاب الجنرال كنعان ايفرين في عام 1980, وبخاصة في السجون الرهيبة في مدينة ديار بكر (آمد) الكوردية, فإن عقيدة الحزب الأممية التي ركزت على التعايش السلمي بين الشعوب والأديان والطوائف هي التي جمعت قلوب سائر مكونات المنطقة من أبناء وبنات الكورد وأقلياتهم الدينية (العلويين والايزديين) والمسيحيين (السريان والكلدان والأرمن) والترك وحتى العرب السنة على حزب العمال الكوردستاني, وبسبب هذا الانفتاح الأممي على سائر المكونات الاثنية والطائفية, لم يعد بمقدور هذا الحزب التموضع ضمن القوقعة الكوردية, أو إرجاع العملاق المنطلق إلى القمقم القومي, وفي الوقت نفسه فإن هذا قد فتح شهية الزعامة الكونية لرئيس الحزب الذي كان متأثراً بتعاليم أستاذه التركي في العلوم السياسية وكان يستشيره باستمرار, فوجد نفسه أشد قبولاً بين الرأي العام في الشرق الأوسط كزعيم أممي, وبالمقابل يتضرر كثيراً لدى دول اقليمية لاتحب أن يكون للكورد أي حقٍ سياسي, ومنها دول تقتسم مع تركيا وطن الكورد (كوردستان), كما سانده في انتهاج هذا الاتجاه بعض قادة حزبه من الأقليات مثل السيد (علي حيدر قه يتان) (علوي) ومن الأتراك مثل السيد (دوران كالكان), وذلك لخلفية فكرية شيوعية كما لدى الأول منهما, أو لعدم الانتماء إلى القومية الكوردية كالثاني.  ولربما هذا التشبث بالأممية هو الذي وراء رفض هذا الحزب وحده من دون سائر الأحزاب الكوردستانية الأخرى رفع الراية القومية الكوردية حتى الآن, وجعله اللغة التركية لغة رسمية ضمن تنظيماته الحزبية عوضاً عن اللغة الكوردية.

إن ساسية الابتعاد عن استخدام الرموز والرايات والتسميات الكوردية, مثل (غريلا) عوضاً عن (بيشمركه), والعلم الشيوعي عوضاً عن علم كوردستان, و “مسعودي” عوضاً عن “بارزاني”, كانت من جملة السياسات الهادفة لاظهار حزب العمال الكوردستاني نفسه وكأنه حزب لا يهمه الانتماء القومي ويسعى لأن يكون كونياً وغير قومي, ومقابل ذلك فإن هجمات العنصريين الأتراك على الحزب ارتفعت إلى وتيرة عالية, وذاع بين الناس خبر مفاده أن السيد أوجالان (أرمني شيوعي) وليس (كوردي مسلم)…

 إضافة إلى ذلك, فإن القدرة على الانتشار التنظيمي كالنار التي تأتي على سهلٍ من القمح في صيفٍ شديد الحرارة وأرض جافة, والسعي لنقل وقائع محاكمات رفاق الحزب المعتقلين والمعذبين والمضربين عن الطعام حتى الموت, قد أثار الحماس لدى قطاعٍ كبيرٍ من أمهات الشباب المنضمين للحزب, فدفعهن للمساهمة بنشاط في المظاهرات والاحتجاجات والاضرابات تأييداً لأقربائهم وتضامناً مع الحزب وثورته التي بدت وكأنها ثورة تحرير كوردستان وتوحيد الكورد, بعد سلسلة الاخفاقات الكوردية المتتالية. ولعبت الأفكار الأممية للحزب في تثوير المرأة الكوردية دوراً سلبياً من وجهة نظر المجتمع الكوردي المحافظ, حيث ألبس الحزب المرأة سروال الرجل, ودربها عسكرياً لتعيش في الجبال كمقاتلة (غريلا), عوضاً عن مئات الألوف من الشباب الفارين إلى أوروبا, حتى أنها صارت تقلد الرجل في أسلوب خطابه وفي تصرفاتها وفي مواقفها, وكأنها لم تعد الأنثى التي من واجبها التكويني تربية الأطفال وبناء الأسرة التي تعتبر حجر الأساس في المجتمع. وبذلك اتسع الشرخ بين الحزب والكورد المحافظين في المدن المسلمة, مثل أورفا ونصيبين وباتمان وسواها, مما أفسح المجال أمام الاسلاميين الترك للتوغل في هذه المدن, وبخاصة بعد أن صار السيد تورغوت أوزال (الكوردي) رئيساً للجمهورية, وإعلان الحرب الدينية على حزب العمال الكوردستاني وزعيمه, بشكل لايطاق.

إلا ان قيادة الحزب قد وقعت في العديد من الأخطاء الكبيرة, فهي التي مهدت للرئيس أن يبني زعامته الفردية المطلقة بتصفية سائر منتقديه أو ابعادهم عن مراكز القرار في الحزب, وهي التي رضيت بأن يقرر الزعيم من دمشق وبعلبك مصير ومستقبل الحزب بحيث يقع الحزب في القبضة الايرانية التي تتحكم بعدة قوى وأحزاب وتجمعات في الهلال الشيعي الكبير, من ايران إلى سوريا ولبنان, مروراً بالعراق وكوردستان وأنحاء من تركيا, في حين أن قيادة الحزب أصبحت أسيرة جبال كوردستان وأداة إضافية من أدوات الصراع التركي – الايراني بانخراطها في أتون الحرب الكوردية – الكوردية في جنوب كوردستان, في تسعينيات القرن الماضي, بعد أن كانت قائدة القوة الدفاعية الكبيرة للشعب الكوردي في وجه طغيان الدولة التركية قبل ذلك عدة سنوات.

تميز الانقلاب داخل حزب العمال الكوردستاني على المحور التركي باطلاق حملة واسعة على الأتاتوركية من قبل رئيس الحزب واتهامه لكل تنظيم كوردي يطرح طرحاً مغايراً بأنه عميل أتاتوركي قذر وخادم للامبريالية والرجعية ويستحق الموت ولامكان لجثته في أرض الثورة العالمية, حيث حزب العمال الكوني سيقود كل شعوب الشرق الأوسط لبناء صرح الكونفدرالية “الديموقراطية!” التي على رأسها القائد عبد الله أوجالان.

وفي الحقيقة فإن ايران كانت ولاتزال تحتل جزءاً كبيراً من كوردستان, ولربما النظام الجمهوري التركي – ما خلا عنصريته تجاه الكورد – أقرب إلى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية من نظام ملالي قم الطائفيين والمعادين للكورد كعدائهم لعمر وعثمان وأبي بكر (عليهم رضوان الله تعالى), إلا أن حزب العمال تودد إليه منذ أن وطأت أقدام قائده ومن معه أراضي سوريا, ودخولهم بعد ذلك لبنان واحتكاكهم بالفصائل الفلسطينية والقوى اللبنانية “الوطنية” التي كانت تميل سياسياً ومنها عقيدياً أيضاً إلى ايران, وبالتالي إلى سوريا التي كان يرأسها حافظ الأسد, المعروف بأنه علوي, والعلويون طائفة من طوائف الشيعة الحاكمة في ايران بعد سقوط الشاه في عام 1980.

لقد حاول حزب العمال الكوردستاني تبرير علاقاته مع ايران بأن ايران وسوريا ضد الامبريالية الأمريكية الداعمة الأساسية للجيش التركي والبورجوازية التركية الحاكمة, ولكن هناك وثائق تثبت أن اثنين من قياديي الحزب معروفان بأسماء مستعارة هي (جمال وفرهاد) قد قطعا شوطاً في علاقاتهما مع المخابرات العراقية, في أواخر ثمانينات القرن الماضي, أي في الفترة التي كان النظام العراقي حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية, وكان قد شن الحرب على ايران ومزق رئيسها صدام حسين وثيقة اتفاقية الجزائر المشؤومة لعام 1975 بين البلدين. ويبدو من تلك الوثائق أن أحد قياديي حزب العمال (جمال) لم يكن إلا السيد جميل بايق المعروف بأنه أحد أشد الأبوجيين تطرفاً في الولاء لرئيسه, والآخر (فرهاد) هو شقيق السيد أوجالان, الذي انفصل عن الحزب فيما بعد ونشر الكثير من الغسيل الوسخ لهذه العلاقات ولم ينكرها, بل أكدها في عدة لقاءات له.

إن تواجد رئيس الحزب وبعض كوادره المتقدمين في سوريا ولبنان, وسعيه الحثيث لأن يكون حليفاً لايران في  صراعها المذهبي, السياسي والاقتصادي, بل الاستراتيجي على مستوى المنطقة برمتها, وحديثه المستمر عن حربه الثورية ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية الكوردية “خنجر الأعداء في خصر الأمة العربية”, إضافة إلى بعض ممارسات حزبه التي أضرت به أكثر مما نفعته في كوردستان وفي مختلف المهاجر, كفرض الأتاوات وحرق الحوانيت وتشكيل محاكم سرية ومعتقلات وضرب المعارضين وتصفية المناوئين, كل ذلك أدى إلى أن تدخل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية اسم الحزب ورئيسه وبعض قادته في “القائمة السوداء” للمنظمات الإرهابية, على الرغم من أنه يتمتع بشعبية جماهيرية واسعة في كوردستان ويختلف في أساليبه القتالية عن تلك الحركات الإرهابية المعروفة في اسبانيا وفرنسا وايرلندا وألمانيا وايطاليا وغيرها.

ومن جهة أخرى, بدا وكأن المحور التركي المدعوم أمريكيا واسرائيلياً قد خسر أمام ايران كلياً وأن لا أحد يستطيع لجم قوة حزب العمال الكوردستاني المندفعة بعد كل ما حققه من انتصارات قتالية واعلامية وسياسية ومالية في ظل الولاء للرئيس السوري حافظ الأسد, الذي كان يعتبر ايران أهم له من سائر الدول العربية الأخرى, وراح يرتب البيت السوري حسب قناعته السياسية تلك, وحافظ الأسد هو الزعيم الوحيد في العالم الذي لم يتهجم عليه السيد أوجالان في كتاباته وتصريحاته مطلقاً….

“2”

منذ نجاح الثورة الخمينية في عام 1980 ونظام الملالي في طهران عامل على توظيف أموالٍ طائلة بهدف تشييع المسلمين وغير المسلمين في المنطقة, ودفع الأمور صوب “تثوير” الأوضاع ضد نفوذ واستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية “الشيطان الاكبر”, ودعم سائرالقوى المعادية للغرب ومن يسميهم الإعلام الايراني الرسمي ب”عملاء الغرب”, ومن تلك القوى المدعومة من قبل ملالي ايران الساعين لجعل بلادهم منطلقاً ل”ثورة إسلامية عالمية” دولة حافظ الأسد وبطانته من جنرالات الجيش السوري, الذين تحولوا بسرعة فائقة إلى “اقطاعية عسكرية” والجماعات المالية والتجارية المقربة من العائلة, التي حولت ثروات البلاد السورية برمتها إلى “شركة خاصة”, وساهمت ايران بقوة في تحويل سوريا إلى قلعة أمامية لها في الجغرافيا العربية السنية, واستفادت بشكل واضح وأساسي من تواجد القوات السورية في لبنان من أجل دعم رأس جسرها المدجج بالسلاح والمال والاعلام القوي في جنوب لبنان, حزب الله, حيث الغالبية السكانية من الشيعة. كما دعمت ايران الحركات والأحزاب الشيعية في العراق عامةً, وسعت لتأسيس حركة في تركيا باسم (حزب الله) أيضاً, وحركت مشاعر العلويين الذين ظلوا أمداً طويلاً من المستضعفين فيها, ولذلك فإن سوريا التي كان يحكمها نظام يطمح إلى توحيد الطائفة العلوية هي الدولة العربية الوحيدة التي وقفت مع ايران ضد عراق صدام حسين, أثناء حرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات وأضرت بالبلدين الجارين أضراراً بشرية ومالية لامثيل لها في تاريخ المنطقة, وباعتبار أن العدو المشترك لكل من نظام الملالي وحزب العمال الكوردستاني هو تركيا وحلفاؤها الغربيون, وأن حافظ الاسد لايرى مانعاً من تقوية الحزب العمالي, طالما لايحرض أحداً من الكورد وسواهم على نظامه في سوريا لدعم الجهود الايرانية المشتركة من أجل تقوية الجبهة العلوية في تركيا وللمساومة مع تركيا في وقتٍ لاحق بهدف الحصول على كميات مائية تحتاج إليها سوريا من مياه نهر الفرات, الذي بنت عليه الحكومة التركية سدوداً مائية حسرت كثيراً من الماء المتدفق إلى سوريا والعراق.

وجد حزب العمال الكوردستاني نفسه مضطراً لاتخاذ موقعه ضمن “الحلف الايراني” بحكم احتياجاته للبدء بالثورة ولجوء زعيمه السيد عبد الله أوجالان إلى سوريا عوضاً عن جبال كوردستان الشامخة, وانقلب الحزب إلى معارض كبير للحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران الذي كان يقوده الاشتراكي – الديموقراطي الدكتور عبد الرحمن قاسملو, ويحاول انتزاع ال”خود مختاري” من الحكومة الايرانية, التي لم ترفض ذلك فحسب, بل أرسلت قواتها العسكرية إلى كوردستان ومعها توصية من الخميني بالبحث عن “مفتاح الجنة” في كوردستان, وقد قام آية الله الخلخالي بقتل عشرات الألوف من أبناء وبنات الكورد المسلمين السنة, وكانت فرق الإعدام التي تنفذ أوامره من حركة (أمل) اللبنانية ومن تلك الكوادر التي على أكتافها تشكل حزب الله اللبناني. في تلك الأثناء كان حزب العمال الكوردستاني يتهم الدكتور عبد الرحمن قاسملو بأنه ربيب الامبريالية وممثل البورجوازية المتحالفة مع الاقطاعية في كوردستان. ولايمكن دون فهم حقيقة التحالف السوري – الايراني الذي استظل رئيس حزب العمال الكوردستاني به, معرفة أسباب موقف العداء هذا لحزب كوردستاني يعتبر نفسه عصرياً ويسارياً من زعيم كوردستاني, اشتراكي – ديموقراطي, وتم اغتياله في لقاء من أجل السلام بين حزبه وبين النظام الايراني على أيدي  مسؤولين ايرانيين ومجرمين لبنانيين في العاصمة النمساوية (فيينا) في 13 تموز 1989, وهناك نقطة هامة أخرى هي أن حزب العمال الكوردستاني كان يعتبر (أو لايزال يعتبر) كل الحركة السياسية الكوردستانية التي تواجدت قبل ظهوره هباءً منثوراً ولا قيمة لها في نظره. وهذه حقيقة نقرأها بوضوح في كتابات رئيس الحزب المنشورة من قبل حزبه, وليس من قبل أعداء الحزب.

استمر شهر العسل بين الحلف الايراني في المنطقة (ايران – سوريا – حزب الله اللبناني – حركة آجيجيلر العلوية في تركيا) وبين الحزب العمالي ردحاً طويلاً من الزمن, وأعتقد بأن هذا الترابط العميق بين الطرفين كان وراء انخراط الحزب العمالي في مشاكل اقليم جنوب كوردستان (كوردستان العراق), حيث كان الصراع بين الاتحاد الوطني الكوردستاني, بقيادة المام جلال الطالباني, والذي أعلن عن تأسيسه لأول مرة في جرائد النظام السوري (الثورة والبعث) على أثر انهيار الثورة البارزانية (1961-1975) والمعروف بأنه التزم على الدوام بسياسة “عدم انكار الجميل” حيال نظام حافظ الأسد, وبين الحزب الديموقراطي الكوردستاني, الذي تشكلت قيادته المؤقتة في ايران بعد انهيار الثورة بقيادة الأخوين إدريس ومسعود البارزاني, ولكنه لم ينس مطلقاً أن لتركيا أهمية استراتيجية وحياتية بالنسبة له ولأي محاولة أو مغامرة ثورية جديدة في جنوب كوردستان. وهذه القناعة تولدت لدى قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني أيضاً, وسرعان ما بدأ المام جلال الطالباني بالثناء على “ديموقراطية تركيا” وزعيمها الشهير مصطفى كمال, كما سعى لأن يجعل من نفسه عنصر “وساطة” بين الحزب العمالي والحكومة التركية, ولكن تم تفسير ذلك من قبل بعض النقاد السياسيين له بأنه جهد غير مثمر لاثارة المشاكل بين الديموقراطي الكوردستاني والحكومة التركية أو اتخاذ موقعه لديها على الأقل.  وايران التي كانت مع الاتحاد الوطني الكوردستاني والديموقراطي الكوردستاني ضد نظام صدام حسين, كانت ممتعضة من أي محاولة للديموقراطي الكوردستاني لاقامة علاقات ما مع تركيا التي هي عضو في حلف الناتو وتحكمها آنذاك حكومة علمانية معادية للطموحات الايرانية التوسعية مذهبياً وسياسياً في المنطقة. وهذا له دور هام في زج الحزب العمالي نفسه في دوامة الصراعات الناشبة بين بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وبين الديموقراطي الكوردستاني في مرحلة لاحقة من تاريخه. ونتذكر كيف أن الرئيس السوري حافظ الأسد قد قال مرةً بأن يديه طويلتان في العراق. وذلك قبل قرار السيد عبد الله أوجالان بالهجوم المشترك مع الاتحاد الوطني الكوردستاني على مقرات الديموقراطي الكوردستاني. قد يقول البعض بأن هذا تاريخ مرير تركناه خلفنا (والحمد لله) ولكن لايمكن فهم الحاضر والتصرف فيه سياسياً بحكمة ودراية دون الاستفادة من دروس التاريخ السياسي.

بعد فشل الحليفين (الاتحاد الوطني والحزب العمالي) في تصفية الحزب الديموقراطي الكوردستاني, الذي استعان في لحظة من لحظات اليأس بعدوه اللدود صدام حسين, واضطرار المام جلال إلى الهروب إلى ايران, ومن ثم عودته مدججاً براجمات الصواريخ, ومن ثم تدخل وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في النزاع الكوردي – الكوردي, وحدوث تغيرات جمة في السياسة الدولية واضطرابات في موازين القوى العالمية التي كانت ولايزال لها تأثير مباشر في منطقة الشرق الأوسط, وقدرة الدبلوماسية الأمريكية على تحقيق صلح طويل الأمد بين المام جلال الطالباني والكاك مسعود البارزاني, وجد حزب العمال الكوردستاني نفسه مضطراً إلى التراجع عن كثير من مواقعه التي احتلها أثناء الحرب واحتفاظه برأس المثلث الحدودي مابين تركيا وايران والعراق, وبالتحديد في منطقة “قنديل” بحيث لم يعد يؤثر فعلياً في موازين القوى الكوردستانية في اقليم جنوب كوردستان, وكان من الصعب عليه قبول العرض الأمريكي له بالانضمام إلى الحلف الجديد بين الاتحاد الوطني والحزب الديموقراطي, وذلك لأسباب آيديولوجية عميقة الجذور, وبسبب تواجد قائد الحزب على الأرض السورية وليس في كوردستان, ولأن التخلي عن السلاح كما طلب الأمريكان منه يعني التحول إلى حزب سياسي غير ثوري, وبالتالي التخلي عن كثير من الفوائد التي يجنيها من تعلقه بالحلف الشيعي, ثم إن حافظ الأسد لن يرحم وقد يسلم رئيسه للأتراك في حال عدم استمراره معه ضمن المحور الايراني – السوري حتى النهاية. لذلك فقد آثر الحزب العمالي الانتظار إلى وقتٍ آخر, عساه يجد سبيلاً للتخلص من ربقة النظام السوري, الذي حول تنظيمه العمالي في سوريا إلى أداة مناهضة للحركة الوطنية الكوردية في سوريا وإلى شريك فعلي وعملي لسلطاته المحلية في غرب كوردستان. ولايستطيع أحد انكار التنسيق التام بين “الرفاق” البعثيين و”الرفاق” الآبوجيين في مختلف المناسبات الوطنية والسياسية. بل إن الحزب العمالي قد ضم العديد من أعضاء حزب البعث السوري إلى تنظيمه واعتبر ذلك كسباً سياسياً له, على الرغم من أن بعضهم كان ولا يزال له دور مزدوج بين الحزب العمالي وتنظيمه السابق… ومن الخطأ القول بأن هذا التنسيق قد بدأ أولاً في عهد بشار الأسد بعد انطلاقة الثورة السورية الكبرى, كما كتبت الكاتبة المصرية غادة حمدي يوم 4/9/2012 في صحيفة / موقع (المصري اليوم) بصدد المناطق التي يسكنها الكورد في سوريا مايلي:”وبينما ذكرت التقارير الأولية أن مقاتلى المعارضة أخرجوا القوات النظامية السورية من تلك المناطق, أفادت تقارير لاحقة بأن قوات «الأسد» انسحبت عمداً من تلك المناطق وسلمتها إلى حزب «الاتحاد الديمقراطى الكردى» السورى المقرب من «حزب العمال الكردستانى», الذى يقود صراعاً مسلحاً مع تركيا,  ما دفع الأكراد السوريين إلى تكثيف وجودهم فى تلك المناطق ورفع الأعلام الكردية عليها“. والكاتبة تقصد هنا علم جمهورية ليتوانيا الذي اتخذه حزب الاتحاد الديموقراطي رايةً له عوضاً عن الراية http://www.almasryalyoum.com/node/1092461 القومية الكوردية. أنظر:

شعر السيد عبد الله أوجالان قبل غيره بأن حيز الحركة من حوله ضيق للغاية, فحزبه معزول كوردستانياً من قبل سائر الأحزاب الديموقراطية والوطنية واليسارية الكوردية, وهو مسؤول تجاه ما يرتكبه رفاقه وأنصاره في أوروبا من أفعال يعتبرها الأوروبيون مسيئة ومضرة بأنظمتهم الديموقراطية, وأن الأمريكان بعد انتصارهم أولاً على جحافل الجيش العراقي في الكويت عام 1990-1991 ومن ثم في عقد الصلح بين أكبر حزبين كوردستانيين في جنوب كوردستان فيما بعد, لن يدخروا جهداً في ممارسة اشد الضغوط على نظام حافظ الأسد للتخلص منه, فشرع في التحدث في مقابلاته العديدة والطويلة مع الصحف الأوروبية عن ضرورة “محاسبة الرفاق غير المنضبطين والمسؤولين عن الجرائم في أوروبا” وعن ضرورة “البحث عن حلٍ ديموقراطي عادل للقضية الكوردية” وعن أهداف الحزب التي “لاتتعارض مع وحدة تراب الدولة التركية” وعن ضرورة تشكيل “مجلس وطني كوردستاني” يضم سائر القوى الكوردية التي لاترفض ترأسه كقائد أعلى للمجلس, وكذلك عن “اهتمامه الشديد بالتراث الأتاتوركي الكبير في مجال الديموقراطية”, إضافة إلى بدء مغازلته الرقيقة لجترالات الجيش التركي, مما أثار تساؤلات عديدة لدى رفاقه ولدى الرأي العام أيضاً, وكان ذلك التحول في الخطاب الأوجلاني المتعدد الوجوه والأقنعة بداية التمرد على الحلف الايراني – السوري, في حين أن بعض المراقبين فسروا ذلك بوجود مواقف مختلفة ومتعارضة في قيادة الحزب بصدد العلاقة مع ايران والخروج من حلفها. وأدرك رئيس الوزراء التركي بولند اجاويد اليساري (من أصل كوردي) خطورة هذا التحول في سياسة حزب العمال الكوردستاني, الذي يمتلك شعبية جماهيرية واسعة في كوردستان, بعد تمكنه من تحقيق انتصارات عسكرية على الجيش التركي, فقد يمهد الطريق بمغازلته اليمين التركي والمؤسسات العسكرية لاقامة تحالف كوردي – تركي يطيح بحكومته في الانتخابات القادمة, لذلك تحرك – وهو السياسي العريق الذي يجيد التقلبات البهلوانية والذي غزا شمال قبرص من قبل – صوب تهديد سوريا بغزو شمالها أيضاً في حال عدم قيامها بطرد السيد أوجالان من أراضيها ومن سهل البقاع اللبناني. فوقع السيد أوجالان في المصيدة التي أعدت له بعلم المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الاسرائيلية والميت التركي, وكان حافظ الأسد العجوز المريض والضعيف داخلياً ودولياً والمعزول عربياً يرى ماذا يحدث للعالم الشيوعي, كما كان يراقب الانتصارات القتالية المتتالية للحزب العمالي الكوردستاني التي ستصب في النهاية في مصلحة الكورد, وكانت تصله تقارير مخابراته عن عمق التوغل الأوجلاني في غرب كوردستان, وعن محاولات تملص حزبه من مطالب الحلف الايراني, ومنها القيام بمزيد من الأعمال غير الديموقراطية في غرب أوروبا, كاحتلال الأوتوسترادات والسفارات وحرق الحوانيت واختطاف المناوئين, فوجد العلاقة مع تركيا الصاعدة اقتصادياً والقوية عسكرياً والتي تشكل لبلاده بوابة التوجه إلى الغرب أفضل له من احتضان زعيم لم يضع كل أوراقه على طاولة اللعب بعد, والذي قد يشكل خطرأ داخلياً على نظامه مستقبلاً, وبخاصة فإن تركيا أبدت رغبتها في التوصل إلى اتفاقية مع سوريا حول مياه الفرات واتفاقية تجارية تحقق لسوريا انفتاحاً وازدهاراً اقتصادياً. فقرر مطالبته السيد أوجالان بمغادرة سوريا… ولكن إلى أين؟

وهنا يمكن السؤال: لماذا لم يذهب إلى ايران؟

الجواب هنا هو أن الحزب العمالي, وبالتحديد رئيسه السيد أوجالان كان عازماً على هجر الحلف الايراني. وباعتقادي أنه كان يستطيع الحفاظ على نفسه وعلى مساره السياسي وقراره بالتخلي عن الولاء لذلك الحلف في حال ذهابه إلى رفاقه في جبال كوردستان, الذين كانوا بالآلاف عدداً وسيدافعون عن حياته بدمائهم بالتأكيد, إلا أنه اختار المجيء إلى أوروبا لأسباب عديدة, وبذلك بدا وكأن العلاقة بين الحلف الايراني والحزب العمالي قد انهارت بخروج قائده من سوريا في أواخر القرن الماضي.

 “3”

أود القول في الجزء الثالث من الموضوع بأن التربية التي يتلقاها المرء من أمه وأبيه هي التي تصقل حياته وتفتح له أبواب السعادة أو الشقاء… وأن بين الكورد أيضاً من لم يفهم حتى الآن ضرورة توجيه النقد للشريحة السياسية الوطنية أو المنحرفة عن جادة الصواب, وينرفز  بجنون لمجرد سماع أو قراءة نقد موجه لآلهته ومعبوداته السياسية…ومن المفترض من الناحية الديموقراطية أن لايتحول التعليق على كتابات كاتب (حتى ولو كان قاسياً) إلى درجةٍ متدنية في الكلام… وهنا آتيكم بمثالٍ عن شخصٍ واحد عسى أن تتوجهوا إليه بالنصح الأخوي وتقولوا له أن هذه ليست أخلاقنا نحن الكورد في التعامل مع خصومنا السياسيين: إنه يدعى (باهوز) الذي كتب تعليقاً باللغة الكوردية في موقع (وه لاتى نيت) على مقالي الأول من هذه الثلاثية عن حزب العمال الكوردستاني قال فيه: يجدر بالموقع وضع “حذاء” في فمه عوضاً عن نشر مقاله…!!! ولا أدري هل التعليق لايزال منشوراً أم تم حذفه… ألهذه الدرجة هبطت بهذا الإنسان الأخلاق التي تعلمها في بيت أبيه وأمه؟ وهل يوافقه رفاقه الحزبيون وأصدقاؤه “الديموقراطيون بامتياز!” على هذا الاسلوب المتدني من الإساءة لمعارضيهم؟

على كل حال أرسل لي مسؤولو الموقع اعتذاراً أخوياً عن طريق الايميل, وأملي هو أن يترفع الناقدون عن هذه البذاءة التي لاتليق بمن يزعم أنه يناضل من أجل الحرية والديموقراطية… وليعلم أمثال هؤلاء بأن كل قذاراتهم وتهديداتهم لم ولن توقف مثقفي الكورد الوطنيين عن أداء واجبهم القومي في نقد المواقف التي يجدونها خاطئة… فهذه مهامهم وواجبهم… وقافلتهم تسير… ولن تتوقف..

والآن إلى موضوعنا:

 انخدع السيد عبد الله أوجالان بأتباعه في روسيا واليونان وأوروبا الغربية, على أنهم سيجدون له ملاذاً آمناً لديهم, عندما طلب منه نظام الأسد مغادرة سوريا بسبب الضغوط والتهديديات الأجاويدية الجادة, فصدق تأكيدات رفاقه وانطلق على أساسها من سوريا إلى العالم الغربي الذي كان يكرهه ويحاربه, عوضاً عن الذهاب إلى دولة شيوعية مثل كوبا أو الصين الحمراء, أو إلى ايران… وكانت رحلته الشاقة التي من محطاتها المؤلمة ما جرى له في روسيا واليونان, مصحوبة بكثير من التعليقات والمشاهدات الاعلامية والمسيرات الشعبية التي غطت روما كما في أيام طلوع البابا على الشعب المسيحي فيها, والتي زادته خطأ في تقدير الاهتمام الأوروبي بلجوئه إلى إيطاليا, بل على العكس انتهت سلسلة الأخطاء المتتالية, كما لم تحدث بهذا الشكل المؤسف مع أي رئيس حزبٍ آخر في العالم, بوقوعه في مصيدة مدبرة باحكام في كينيا بأفريقيا التي لايدري أحد لماذا ذهب إليها أصلاً, وهي القارة المعروفة بدسائس زعمائها وشراهة جنرالاتها المتعطشين أبداً إلى المزيد والمزيد من الأموال.

وانخدع الأتراك أيضاً بنشوة انتصارهم على حزب العمال الكوردستاني باختطاف زعيمه من خلال تنسيق تام مع المخابرات الأمريكية والموساد الاسرائيلي, ولم يستغلوا الوضع الجديد للقيام بطرح مبادرة سياسية واقعية للقضية الكوردية التي يدور بسببها صراع دموي بين جيشهم العرمرم وبين مقاتلي الحزب العمالي, فراحوا يعرضون السيد عبد الله أوجالان في حالة تدعو إلى الرثاء في قفص الاعتقال وكأنهم أحرزوا انتصاراً أبدياً على حزبه, وفي الحقيقة فإنهم لم يحرزوا إلا انتصاراً جزئياً, حيث لاتزال القضية الكوردية حتى بعد مضي أكثر من عقد من الزمن من اعتقاله مطروحة في تركيا كإحدى أكبر المشاكل المستعصية على الحل, ولايزال الزعيم العمالي المعتقل يتمتع بذات المكانة العالية في نظر رفاقه وأتباعه, على الرغم من كل تنازلاته السياسية والآيديولوجية وظهوره منذ اعتقاله كمؤمن إيماناً عميقاً بديموقراطية (أب الأتراك) مصطفى كمال وعلى الرغم من دعواته المتتالية لتقزيم حجم المطالب القومية للشعب الكوردي وتأكيده التام على التزامه بالحفاظ على حدود الدولة التركية ودستورها وقبوله بأدنى شكلٍ من أشكال “الإدارة الذاتية الديموقراطية” وليس “الاستقلال الكوردي”… حتى أن جريدة ألمانية “بيلد – الصورة” قد قارنت وقتذاك بين موقف السيد أوجالان لدى اعتقاله وبين العديد من قادة الثورات في العالم الذي منهم من قطع رأسه مثل ويليام وولس الاسكوتلاندي ودانتون الفرنسي أو أعدم مثل الشيخ سعيد بيران الكوردي أو تم تصفيته باطلاق مئات الطلقات عليه مثل تشي غويفارا الشهير, ولكنه لم يتنازل عن مواقفه قيد شعرة… في حين أن السيد أوجالان لم يظهر أبداً أثناء محاكمته بمظهر من تم تعذيبه الواضح جسدياً حسب تقدير الخبراء. ويبدو حزبه العمالي صامتاً حتى الآن بصدد مواقفه تلك. ولاندري فقد يحاكمونه عليها في يومٍ من الأيام مستقبلاً… كان بامكان الأتراك استغلال فرصة اختطافه واعتقاله للجلوس والحوار معه وإخراج تركيا من مشاكلها الحربية والاقتصادية والسياسية بجرة قلم كما يقال, وبالتالي ضم حزبه إلى الحلف التركي في المنطقة لفترة زمنية طويلة, وليس بمحاولتهم إذلال ملايين من الكورد الذين كانوا مستعدين لحرق أنفسهم بالجملة إنقاذاً لزعيمهم أوجالان.

لقد أضاع الأتراك تلك الفرصة الذهبية لأن الشوفينية قد نهشت أكباد أعقل رجالاتهم وأشدهم واقعية سياسية, ومنهم الزعيم اليساري الشهير ورئيس الوزراء بولنت أجاويد, فأصبح اعتقال أوجالان عالة عليهم لايدرون كيف يحررون أنفسهم من عواقبها حتى اليوم. ونسي عقلاء الأتراك بأن الشعب الكوردي هو أقرب شعوب المنطقة إلى الشعب التركي, من حيث التعايش التاريخي الطويل الأمد وتشابك المصالح والعلاقات, وهنا تكمن أكبر أخطاء الحكومات التركية المتتالية التي تعتقد بأنها قادرة على اخضاع شعبٍ كالشعب الكوردي معروف بمقاومته للظلم على مدى العصور. وحقيقةً فإن القضية ليست بين الحزب العمالي وحكومة من الحكومات السائدة في أنقره, وإنما هي قضية شعبٍ يريد الحرية ودولة لاتتراجع قيد أنملة عن سياستها العنصرية تجاهه.

 انتقلت السلطة السياسية في تركيا من أيادي الأحزاب الكلاسيكية التركية, العلمانية البورجوازية والأتاتوركية الطورانية, إلى أيادي حزب العدالة والتنمية للسيد رجب طيب أردوغان, ذي الخلفية الإسلامية والمواقف المثيرة بصدد  العلاقة بين الدين والدولة, واستلمت هذه السلطة عن الحكومة السالفة سجيناً معارضاً ذي أهمية قصوى لها, إلا أنها لم تتمكن ثانيةً من فهم حقيقة ما يجري على الساحة الكوردية, وكان بامكانها تفادي الكثير من المشاكل مع الكورد ومقاتليهم, فيما لو أدركت الأبعاد الحقيقية للقضية التي يقاتلون من أجلها. ووجهت حكومة أردوغان وجهها شطر الاتحاد الأوروبي بهدف الانتماء إلى “النادي المسيحي”, إلا أن أوروبا طالبتها بمطالب ملحة يجب تنفيذها على أرض الواقع وتثبيتها دستورياً, ومنها جملة من المطالب المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية والدينية وضرورة إجراء إصلاحات سياسية وقانونية شاملة, فحاولت حكومة أردوغان ترميم البيت المهدم قدر استطاعته, إلا أنه اصطدم باستمرار بجنرالات الجيش والدولة السرية وبالأحزاب اليمينية الطورانية, في المعارضة والحكومة على حد سواء, واعتقد أردوغان أنه بمجرد الضرب على أوتار الدين المشترك فإنه سيتمكن من دحر أو عزل حزب العمال الكوردستاني في مواقعه الأساسية واستمالة الشعب الكوردي إلى صفه بطرح بعض فتات الحقوق الثقافية للمواطنين الكورد. ومن ناحية أخرى, فإن إصرار الحزب العمالي على أن يكون زعيمه المعتقل المخاطب الأول والأكبر لها مع الحكومة التركية, قد زاد من تعقيد المباحثات السرية بين الطرفين. إن التطرف في المواقف لم يأت لأحد بمنفعة, وظلت القضية في وضعها السابق دون أمل في الحل, رغم الجهود المتواضعة للسير نحو السلام من الجهتين.

بدأت حكومة أردوغان تفتش عن حلفاء اقليميين لبناء استراتيجية تتصدى أو تتحدى طرفين أساسيين, هما الاتحاد الأوروبي الذي يرفض ضم تركيا حتى الآن لمنظومته الاقتصادية – السياسية, وايران المنافسة لتركيا في المنطقة, فتوجهت تركيا إلى تدعيم علاقاتها مع اسرائيل عسكرياً ومع الدول العربية اقتصادياً, وعززت من اتصالاتها مع سوريا التي تعتبر أحد أعمدة المحور الايراني, إلا أن اسرائيل ما كانت لتقبل لتركيا أن تضع قدماً لديها والقدم الآخر لدى “محور الشر” الايراني, وجاء التأييد الحار من قبل الحكومة التركية لحركة حماس كضربة قاصمة للكثير مما بنته حكومة أردوغان من علاقاتها مع اسرائيل. وهنا كان لابد من التفكير ملياً لتعويض ما خسرته تركيا على صعيد علاقاتها مع اسرائيل بتنفيذ سياسة وزير خارجية تركيا الحالي أحمد داوود أوغلو القائمة على فكرة “صفر في المشاكل مع الجيران”, والمشاكل كثيرة مع كل الجيران الكورد واليونان والأرمن والعرب والقبارصة والبلغار, ومنها مشاكل عويصة ولايمكن حلها بسهولة. فتم الاعلان عن استعداد تركيا لدعم وحدة قبرص, والتوصل مع سوريا التي ورث فيها الحكم الجمهوري بشار الأسد إلى علاقات شبيهة بتلك التي بين دولتين من دول الاتحاد الأوروبي, وتم اقامة علاقات مع حكومة الاقليم الكوردي في العراق بعد رفض طويل الأمد, وتوالت لقاءات المسؤولين الأتراك مع المسؤولين الأرمن والايرانيين, كما جرت لقاءات سرية مع حزب العمال الكوردستاني, وكأن تركيا قد تخلت عن سياسة اعتبار نفسها جزءاً من أوروبا وقررت العودة إلى حضن آسيا ومعانقة الشرق الأوسط الذي كانت تجده متخلفاً عنها, وفي الحقيقة فإن السياسة الاردوغانية تقوم على “الانفتاح شرقاً وجنوباً لتحقيق الانضمام غرباً وشمالاً”, وهذه الديناميكية في الحركة جلبت لتركيا منافع سياسية واقتصادية كبيرة, إلا أن عناد الأتراك في موضوع الاعتراف التام بخطأ سياساتها حيال الشعب الكوردي وانخراطها في التوازنات قد أدى إلى عدم تصديق الجيران وشعورهم بأن تركيا تسعى لقيادتهم من موقع الدولة القوية اقتصادياً ومالياً وعسكرياً…

في هذه الأثناء, ساد الفتور في علاقة حزب العمال الكوردستاني مع ايران وسوريا, فشرع نظام الاسد الابن في ممارسة سياسة الاعتقال والتعذيب ضد أنصار الحزب, كما قامت الحكومة الايرانية بسلسلة من الاعدامات ضد الثوريين الكورد, مما شجع أنصار الحزب العمالي في شرق كوردستان على دعم مشروع حزب الحرية والحياة المعروف باسم (بزاك) وجلبوا له رئيساً من “البرجوازيين الكورد” في ألمانيا هو السيد حاجي أحمدى الذي كان مفصولاً أو مطروداً من الحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران بسبب عملياتٍ عسكرية فاشلة أثناء الثورة على الخميني في كوردستان, والبدء بثورة مسلحة جديدة ضد طهران, في حين تحسنت العلاقات بين الحزب العمالي وأحزاب جنوب كوردستان, ومن ضمنها الحزب الديموقراطي الكوردستاني (العراق), الذي كان متوقعاً أن لايسمح للحزب العمالي بممارسة أي نشاط في اقليم جنوب كوردستان, ولكن على العكس بدا وكأن الإخوة المتحاربين قد دفنوا أسلحتهم واقتربوا لدرجة التنسيق ورفض الاقتتال الأخوي بعد اليوم والاستعداد للمساهمة معاً في مؤتمر وطني كوردستاني, كما سعى السيد رئيس الاقليم إلى للمساهمة في جهود السلام بين الحزب العمالي وحكومة أردوغان التركية.

يرى بعض المهتمين بالكورد وكوردستان أن السيد البارزاني أراد أن يجعل من الحزب العمالي ورقة ضغط على تركيا, ولذلك لم يقم بتنفيذ مطالب الأتراك بمساعدتهم على الدوام بتصفية تواجد حزب العمال في بعض الأنحاء في المناطق الحدودية, ويرى البعض الآخر بأن الاتحاد الوطني الكوردستاني, الشريك الكبير للحزب الديموقراطي الكوردستاني في حكومة الاقليم وفي التحالف الكوردستاني البرلماني في بغداد لايرضى أصلاً أن تتم تصفية حزب العمال الكوردستاني لأسباب تكتيكية تتعلق بالتوازنات المستقبلية في جنوب كوردستان. ومهما يكن, فإن الحزب العمالي وجد نفسه في موقعٍ لايحسد عليه, فمن ناحية يتم الضغط عليه بقوة من رئيسه للتخلي عن السلاح والقتال وقبول الأدنى من المطالب الكوردية في تركيا, ومن ناحية يلح عليه الكورد في جنوب كوردستان وبعض الأوساط بالتحرك صوب السلام مع تركيا, إلا أن آيديولوجيا الحزب وواقعه السياسي يقولان بأن الموقع الحقيقي له ليس في هذا الطرف وإنما في “الطرف المعادي للناتو وأمريكا واسرائيل والبورجوازية الكوردية!”, وهذا يعني الاقتراب مجدداً من ايران وسوريا, طالما لايزال اسم الحزب في قائمة التنظيمات الإرهابية في أوروبا    وأمريكا وطالما لاتتحرك تركيا خطوة واحدة باتجاه إنهاء “المشكلة”.

في الحقيقة, إن إلقاء الحزب العمالي للسلاح وتحوله إلى حزب سياسي, كما هي حال الأحزاب التي قام بتأسيسها في تركيا من قبل, سيزيل عن كاهله عبء القتال ومصاريفه الكبيرة وحاجته المستمرة لعمق جغرافي ولمزيد من الشباب, كما أن السلاح قد حقق مهمته الكبرى في توعية الشعب ولفت أنظار العالم لما يحدث في كوردستان, والحزب العمالي لم يعد بحاجة إلى قتال في الجبال والوديان لأنه موجود في كل ساحات الصراع السياسي في كوردستان وتركيا والعالم, ولكن اتخاذ قرار بذلك يتطلب جرأة على التغيير والانتقال من وضعٍ إلى وضعٍ جديد, والقادة الكلاسيكيون (ومنهم الجماعة المؤسسة للحزب في أنقره) الذين يعيشون منذ سنواتٍ عديدة في الجبال يجدون صعوبة فائقة في التأقلم مع الجديد السياسي المختلف تماماً عما نشؤوا عليه أثناء دراستهم وعن حياتهم كمقاتلين, ومن ثم فإن من يعتبرون أنفسهم ثواراً تقدميين وأمميين لايمكن أن ينجرفوا إلى أحضان دولة من دول الناتو ويصبحوا “أصدقاء أمريكا” بعد كل العداء التاريخي الطويل الأمد…. وأهم من ذلك كله فإن الأساس الآيديولوجي – الثوري برمته سيتعرض للانهيار بمجرد الهبوط من الجبال وترك المتاريس… وهنا نرى وجود تيارين داخل حزب العمال الكوردستاني, رغم انكار كوادره وأنصاره ذلك: تيار يدعو إلى التغيير والمساهمة فيه وتيار محافظ من وجهة نظر آيديولوجية ويشكك في أي تمادي في السير باتجاه أنقره والغرب, ويصر على أن يظل العمل السياسي هناك محصوراً في الأتباع والأنصار من أمثال ليلى زانا وأحمد تورك وغيرهما, ولكن القيادة الاساسية للحزب يجب أن تظل في مواقعها وتمارس أشد الضغوط القتالية على حكومة أردوغان بهدف تحرير قائد الحزب من معتقله أولاً, ثم الدخول عن طريقه في حوارات حول المسائل العالقة. ومن أجل استمرارية القتال لايمكن تجاهل دور المحور الايراني – السوري في الصراع, إلا أن هناك اشكالية حزب بزاك الذي بدأ بتنفيذ عمليات عديدة ضد الجيش الايراني, واشكالية وجود أعداد هائلة من المعتقلين من أنصار حزب الاتحاد الديموقراطي في السجون السورية.

هنا كان لابد من إيجاد مخرج…

مع اندلاع ثورات “ربيع الشعوب” في شمال أفريقيا, كان لابد لسائر القوى الثورية والديموقراطية في المنطقة أن تجهز نفسها للمرحلة الجديدة القادمة في ايران وسوريا اللتين لاتزالان تئنان تحت قبضة نظامٍ شمولي إرهابي متخلف عن ركب الحضارة الإنسانية, إلا أن الحزب العمالي اتخذ منحى آخر, حيث تتوجه أصابع الاتهام إليه بأنه وراء مواقف حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا وحزب بزاك, فالأول انخرط في هيئة التنسيق الوطني السورية المتهمة بأنها أداة من أدوات النظام ومن القوى التي لم تتخل عن فلسفة “الحوار بأي ثمن” مع النظام الدموي في دمشق, والثاني يبدو وكأنه مع اندلاع الثورة السورية قد توقف كلياً عن عملياته العسكرية ضد الحكومة الايرانية. وانتشر خبر مفاده أن هناك صفقة بين الحزب العمالي وايران وسوريا, تتلخص في دعم الحزب وفتح الأبواب له مقابل عدم افساح المجال للقوى المعادية للنظامين (مثل مجاهدي خلق ايران والقاعدة والقوى المعادية للأسد) باتخاذ شرق وغرب كوردستان مواقعاً لها. وهناك تقارير غير مؤكدة عن قدوم أعدادٍ كبيرة من مقاتلي الحزب العمالي المتواجدين في مناطق الحدود العراقية – الايرانية – التركية إلى غرب كوردستان. وقد كشفت الأحداث التالية عن جانبٍ من هذه “الحقائق”, حيث ظهر أن أحد قادة العمليات لحزب الاتحاد الديموقراطي في حادث اعتداء دموي جرت بين أفراد من الحزب وعائلة كوردية سورية كان من مدينة آمد (ديار بكر) في شمال كوردستان, كما بين المشرفين على حواجز حزب الاتحاد الديموقراطي – حسب التسريبات الاعلامية – مقاتلون من شرق كوردستان. ولقد سمعت بنفسي في  جلسة بالتوكية محادثة تلفونية بين مدير الغرفة وأحد مقاتلي تلك الحواجز في حي من أحياء حلب, حيث قال المقاتل بأنهم يحمون المواطنين الكورد ممن سماهم ب”العصابات المسلحة”, والنظام يتهم ثوار سوريا جميعاً ب”العصابات المسلحة”.

وقد وجه الجيش السوري الحر رسائل مفتوحة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي بصدد مواقفه غير الايجابية من تحركات الجيش الحر, وقد اتهم السيد محمد رياض شقفة, الزعيم الإخواني السوري, نظام بشار الأسد, مؤخراً بفتحه معسكراً لحزب العمال الكوردستاني في سوريا, في حين نفى السيد صالح مسلم, المسؤول البارز لحزب الاتحاد الديموقراطي ذلك تماماً, بل إنه أكد في مقابلة له بأن الثورة بدأت من عند حزبه وأن انتفاضة عام 2004 الكوردية كانت بقيادة حزبه وأن حزبه جزء من الثورة السورية… والغريب أنه لايشرح لشعبه الكوردي لماذا لايقصف النظام السوري المتوحش حواجزه المقامة في أكثر من قرية ومدينة, في حين أنه يرمي ببراميل البارود على الأحياء السكنية للثوار العرب…

إن رفض حزب الاتحاد الديموقراطي للفيدرالية “التقليدية!” دون شرح ماهية هذه التقليدية التي لم نسمع بها في أي كتابٍ عن الفيدرالية, كما ورد على لسان السيد صالح مسلم نفسه (أنظر: http://www.xeber24.net/nuce/2140-021.html, وعدم سماح حزبه للمقاتللين الكورد السوريين  من العودة من جنوب كوردستان إلى غربها, بعد أن تلقوا تدريباتهم هناك على أيدي إخوتهم البيشمركه, وانتقاله بين سوريا وموسكو والقاهرة دون عراقيل, بعد أن كان ملاحقاً من قبل النظام, إضافة إلى عدم تعرض حزبه للملاحقات, بعد سنوات الاعتقالات الرهيبة, وقيام أفراده بإيذاء المتظاهرين الكورد في أكثر من مدينة, كل هذا يشير إلى أن حزب الاتحاد الديموقراطي الذي يعلم الكورد وغير الكورد بأنه فرع سوري لحزب العمال الكوردستاني, مهما حاول التمويه والاختفاء, داخل في الحلف الايراني – السوري – الحزب اللهي, ولاندري إلى أي درجة يوافقه رئيس الحزب, السيد أوجالان,  الذي من المعلوم عدم خروج القيادة على أوامره حتى الآن, على سياسة الموالاة من جديد للبيت الأسدي الذي كان وراء وقوعه في أيدي الأتراك.

والأيام ستكشف الحقيقة كاملة, عندما تزداد أعداد عصابات حزب الله الدموية والحرس الثوري الايراني (فيلق القدس) في سوريا, وبالتأكيد فإن ذلك سيثير ردود فعل قوية من داعمي الثورة السورية من عرب وترك وأوروبيين وأمريكان, فسيضطر السيد صالح مسلم ومن وراءه إلى مزيدٍ من توضيح الموقف تجاه الغزو الايراني…

إن هذه التقلبات المحيرة لحزب العمال الكوردستاني بين محورين متنازعين منذ قرونٍ عديدة, والتي مررنا عليها بسرعة في مقالاتٍ ثلاثة, لن تخدم القضية الكوردستانية, بل ستكون وبالاً علينا وعلى أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على الاستمرار في اللعب بين هاتين الدولتين العريقتين في السياسة. فماذا سيحدث للحزب العمالي ولشعبنا المنكوب بهذه السياسة المتأرجحة إن توصلت ايران وتركيا إلى اتفاق ضده, مثلما اتفق الشاه مع عدوه اللدود صدام حسين في عام 1975؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s