أزمة القيادة في غرب كوردستان

جان كورد0     1 آب (أغسطس) 2012

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

 لن أركز هنا على القيادة في شركة أو مصنع ولا على القيادة العسكرية, وإنما على “القيادة السياسية” في المجتمع الكوردي “السوري” فقط. وهذه القيادة, هي قيادة الناس, وتشمل من وجهة نظر علم النفس اتخاذ سائر الاجراءات المتعلقة بالتضامن والتنسيق والاتصال بين افراد محموعة منظمة, على أن تكون الاجراءات ملائمة للظروف التاريخية التي تعيش فيها المجموعة, بهدف تحقيق أهداف متفق عليها من قبل التنظيم, بالاعتماد على وسائل معينة وسلوكية توافق بين الواقعية السياسية والمثالية الخلقية. وهذا يتضمن أيضاً معرفة رأي القواعد المنظمة على الدوام في مختلف الخطوات السياسية, عن طريق المساءلة والاستفتاءات والمؤتمرات الدورية, القصيرة المدى, لتكون القيادة على علمٍ تام بآراء التابعين المنظمين, الذين يريدون أن تسمع آراؤهم في مختلف المسائل المتعلقة بتنظيمهم, فهم بشر ولهم حق ابداء الآراء, وعلى القيادة معرفة ذلك باستمرار, وإلا فإنها تخلق شرخاً بينها وبين قواعدها المنظمة, وبالتالي ستقوم باطلاق مقترحات وسكب سياسات والدخول في متاهات ترفضها القواعد الحزبية, فتحدث عندئذٍ انشقاقات وتمردات وتكتلات مخالفة لما تطرحه وتمارسه القيادة.

 فن القيادة الحكيمة يتطلب انتهاج أساليب فائقة في المعرفة بقدرات المنتظمين ومطالبهم وأحلامهم, وتسخير هذه الوسائل لجر كل المشاركين في التنظيم إلى المساهمة في المشروع المشترك بينهم وبين قيادتهم, والمتفق عليه مسبقاً, بهدف الوصول معاً إلى الأهداف المشتركة, وبالاستفادة من قوى المساهمين جميعاً.

والقيادة طريقة أو أسلوب لتفعيل الطاقات الكامنة في التنظيم, لا مجرد قاطرة تعتمد على قوتها فقط, وتتبعها المقطورات الأخرى منساقة دون بذل جهودها في العمل الكبير, لذلك فإن القيادة الناجحة هي التي تعتمد على أسلوب تشجيع اللجان وورشات العمل والأفراد داخل التنظيم وحوله لتحريكه برمته في سبيل تحقيق الخطوات المتتالية على الطريق الصحيح المؤدي إلى الهدف, لا القيام بنفسها بكل الواجبات وترك الأفراد والهيئات الحزبية تغط في نومٍ عميق, فالموضوع هنا لايختلف عن وضع قافلة تجارية تتحرك من (آ) إلى (ب), ولكن كل دابة تبذل جهوداً مضنية بذاتها ضمن القافلة. وإن أهم عناصر القيادة الناجحة هي تقوية روح “العمل المشترك” وتفعيل “الجماعية” في أداء الواجبات والنشاطات التي يكلف التنظيم نفسه بأدائها. وهذا يختلف تماماً عن النهج الشمولي “الشيوعي” الذي يتألف في غالبيته من “أوامر مشددة” من القيادة, تطلب من الهيئات الأدنى تنفيذها دون السؤال عن آرائها أو آراء أعضائها, فنحن لسنا في تنظيم عسكري ونرفض – بالتأكيد – سوقنا كجنود في جبهات القتال أو معاملتنا كقطيع من الأغنام البشرية. نحن بشر اختاروا التنظيم طواعية ولن نقوم بأي عمل لانقبله سياسياً لمجرد أننا أعضاء في التنظيم. إن من حقنا الإنساني مناقشة سائر القضايا وتقليب وجهات النظر في مختلف المسائل المطروحة للنقاش والعمل, في حرية وحسب الأصول الديموقراطية, والوصول بعدئذٍ مع رفاقنا في الهئيات المتراتبة إلى ما نراه جيداً أو سيئاً في هذا الواجب وهذه الممارسة.

فإلى درجة تتناسب القيادة الكوردية السياسية, بغض النظر عن الأسماء والاتجاهات والأفكار الآيديولوجية مع هكذا أنموذج عصري للقيادة ؟

القيادة تنشأ متأثرة بما حول الشخصية القيادية من متحدات إنسانية واجتماعية كالعائلة والمدرسة والمعهد والفريق الرياضي والحي السكني والثكنة التي يخدم فيها الإنسان ودورالعبادة, وتتأثر بالمدرس والكاهن والشيخ والضابط وبالأم والأب, وهذا شيء طبيعي, والقيادي الناجح هو الذي يوافق بين تلك المؤثرات المحيطة, التي نشأ وترعرع تحت خيمتها, وبين متطلبات النجاح والخبرات المتوافرة لديه والعراقيل التي عليه تجاوزها للوصول بتنظيمه إلى الأهداف التي أختير قيادياً من أجل تحقيقها, فالبقاء في إطار علاقاته الاجتماعية الكلاسيكية لن تجعل منه قيادياً عصرياً, وإهمال تلك المؤثرات على عمله وعلى رفاقه وتنظيمه ستظهره كطوباوي حالم, وكطائر غريب في السرب الذي هو مجرد عنصر منه. لذلك فإن خبراء علم النفس والاجتماع والسياسة قد تطرقوا بعناية فائقة إلى موضوع الخلقية في تدبير القيادة وتطويرها, إذ أن المسألة هنا ليست كالقيادة العسكرية التي تتطلب أحياناً سلوكاً قسرياً تجاه الأتباع في بعض الظروف القتالية الحرجة والزاماً صارماً مع تنفيذ عقوبات شديدة ضد من يتراخى في واجب أو يبدي موقفاً مغايراً لموقف القائد.

إننا أمام مجموعة من البشر, تؤمن بحقوق وأهداف محددة, تسعى بالتشارك والحوار والاقناع للوصول إلى تحقيقها, وتختار لذلك من بينها “قيادة”, وهذا ما لايمكن نسيانه أو تناسيه عندما نصبح عناصر في قيادة سياسية ما. ولكن مع الأسف سيكون هناك دائماً من يفكر بأنه انتخب ليبقى خالداً في القيادة أو يقول لرفاقه (أنا ربكم الأعلى فاعبدون).

برأيي, إن أي قيادي, في أي تنظيم كان, لايستطيع نقل المسؤولية إلى سواه في التنظيم, نقلاً ديموقراطياً تناوبياً, لايحترم نفسه أولاً وليس مخلصاً لقضيته وشعبه وحزبه, ولايمتلك صفة القيادي الحكيم والمثالي, مهما حقق من نجاحات وأتى بانجازات. ومع الاسف فإن بعض قياداتنا, في مختلف أحزابنا في غرب كوردستان, وعلى المستويات المتراتبة كلها, قد هرمت في مناصبها, ومنها ما يعود إلى عقودٍ طويلة من الزمن في موقف المسؤولية, دون أن تحقق شيئاً لشعبها أو حزبها, وهي بذاتها غير مستقلة لأنها تابعة لقيادات سواها, داخلية أو خارجية, لذا لايمكن وصفها ب”قيادات واقعية ناجحة”, وانما اعتبارها من أسباب فشل حركتنا السياسية في تحقيق أهدافها عبر العصور, والنظر إليها كمؤسسات شبيهة بمراكز  إيواء العجزة ومرضى النفوس.

اللهم اغفر لي في شهر رمضان هذا إن كنت قد جنيت على أحدٍ من بني قومي بهذا الكلام.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s