الكورد السوريون ومرحلة ما بعد الأسد

جان كورد      04آب (أغسطس) 2012     

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

لقد علمتنا التجارب أن المرحلة التي تلي اسقاط نظام شمولي دكتاتوري، لايترك السلطة دون صراعات دموية وتخريب كبير، هي من أصعب المراحل التي تعترض السلطة البديلة، المؤمنة بالحرية والديموقراطية وصون حقوق الإنسان. فالنظام الجديد ليس بحاجة ماسة إلى بناء ما خربته الآلة العسكرية للنظام البائد فحسب، وانما إلى إعادة بناء شخصية المواطن التي تعرضت إلى الهدم والتحطيم والتشويه خلال فترة زمنية طويلة، ومن الضروري مساعدتها من خلال بذل جهودٍ مضنية من قبل كل من يهمهم أمر بناء المجتمع المدني، على أنقاض المجتمع القديم، وهذا يعني القيام بشروح مستمرة لخطورة التراجع عن أفكار ثورة الحرية والديموقراطية، وكذلك توضيح مخاطر الوقوع في حبائل التطرف والانقياد من قبل التنظيمات الإرهابية، تحت أي شعاراتٍ كانت، دينية أو طبقية أوعنصرية، وهذا واجب سائرالقوى والشخصيات الوطنية والعالمية المؤمنة بضرورة حماية المواطن في المجتمع الجديد من الشرورالمتربصة به.

إلا أن تحقيق الأهداف المشتركة للديموقراطيين لايتم في حال كون حامل المسؤولية المباشرة في المجتمع بعيداً عن الممارسة الديموقراطية بذاته، لذا لابد من أن يسعى هذا الحامل لبناء نفسه بناءً ديموقراطياً، من خلال العمل اليومي على مخلتف الساحات، وبخاصة في مجال تربية الأطفال وتوعية الشباب وافساح المجال أمام المرأة والأقليات في المجتمع لمساهمةٍ أفضل وأعمق في مختلف الفعاليات والنشاطات التي يقوم بها الحامل الاكبر للمسؤولية في النظام الجديد. ولكن أداء هذه القوة المسؤولة لواجبها بالشكل الجيد لن يتم دون وجود قوة حامية له تمنع القوى الهدامة والارهابية والفئوية من مهاجمته وعرقلة فعالياته الديموقراطية والتوجيهية.

نظام بشار الأسد الذي بدأ يتفكك من مختلف الجهات، وفقد مبعوث الأمم المتحدة بذاته الأمل في أي تعامل جادٍ معه، يترك وراءه أيضاً ركاماً من الدمارالمادي والنفسي في المجتمع السوري، ومما يثيرالمخاوف اليوم هو أن البلاد تتخذ سماتٍ صومالية يوماً بعد يوم، وذلك بسبب التنوع الاثني والديني والعشائري الكبير في سوريا، وامتلاك عديدٍ من الأطراف كمياتٍ هائلة من السلاح، وتعدد مراكز القرارالسياسي في المعارضة الوطنية، وما أحدثته الانشقاقات المتتالية من شروخٍ في البنية العسكرية، إضافةً إلى تدخلات اقليمية عميقة في المجال السياسي السوري، بحيث تتعرض الثروات الوطنية من بترول ومياه وأسواق إلى احتمال سيطراتٍ غريبة، ولربما متطرفة على حساب القوى المؤمنة بالحرية والديموقراطية.

 تحاول قوى الصراع السني – الشيعي في المنطفة، التي جعلت من سوريا اليوم ساحةً لمعاركها المتتالية عبر التاريخ، التوغل داخل المجتمع الكوردي السوري أيضاً، بعد أن وسعت من خنادق مجابهاتها الدموية في سائر أنحاء سوريا، وقد أثرت إلى حدٍ ما في الحراك السياسي الكوردي، من خلال ارتباط فصائله طوعاً أو كرهاً بالقوى الكوردستانية الفاعلة في الأجزاء الأخرى من كوردستان، وهي قوى داخلة في حلبة ذلك الصراع الايراني – التركي – العربي لأسباب تتعلق بظروفها الذاتية وبالظروف الموضوعية في عموم المنطقة. وترفض قوى هذا الصراع أن يتمتع الشعب الكوردي بأي لون من استقلالية قراره السياسي حتى تخضعه إلى نفوذها، ولذلك يرى المجلس الوطني الكوردستاني – سوريا “الفيدرالية” أفضل الدروع لشعبه في وجه هذه المحاولات التمسيخية للشخصية الكوردية الرافضة للانجرار وراء النعرات الطائفية المتخلفة والمتشنجة في المنطقة، وكذلك في وجه النهب المنظم لثرواته البترولية والزراعية كالقطن والقمح والزيتون والثروة الحيوانية، إضافة إلى مخزونه الكبير من الأيادي العاملة الشابة التي تسعى أطراف الصراع الطائفي زجها في حروبها ومعاركها التي ليس للشعب الكوردي فيها أي مصلحة. وفي حال انتصار أي طرفٍ متطرفٍ في هذا الصراع الكبير، فإن خطر ذلك لن يكون على الشعب الكوردي فحسب، وإنما سيعم المنطقة وسيقضي على سائر المحاولات الوطنية والعالمية الساعية لبناء مجتمعات حرة ديموقراطية، وكذلك سيؤدي إلى ضربات ماحقة ببعض الدول التي تعتبر نفسها ديموقراطية في المنطقة، كما سيكون انتكاساً تاريخياً لثورات “ربيع الشعوب”، بحيث تذهب تضحياتها أدراج الرياح.

إذن، فالمسألة من وجهة نظر المجلس الوطني الكوردستاني – سوريا ليست مسألة تكريس فكرة “انفصالية” على حد زعم بعض شيوخ المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية من أمثال برهان غليون وهيثم المالح، وليس نشر ديانة “الكردايتي” كما يظن شيخ الديموقراطيين اليساريين هيثم المناع، وإنما حماية شعبنا الكوردي من إقحامه في الممرات المظلمة للصراع الطائفي الذي عانى السوريون من نتائج إنتصارات أحد فرقائه خلال عهد العائلة الأسدية بشكل صارخ.

وهنا لابد من تحذير الحراك السياسي – الثقافي الكوردي إجمالاً من مغبة الوقوع في حبائل القوى المتنازعة طائفياً والانخداع بتمويلها المالي أو دعمها الإعلامي أو مساعداتها العسكرية، والتحرك وفق مصلحة الشعب الكوردي العليا لأنها مسؤولة عن هذه المصلحة وعن هذا الشعب. وبقدر ابتعادها عن لهب هذه الصراعات المتشنجة والمتخلفة تنقذ شعبها ونفسها من صدمات التاريخ القاتلة. والوحدة وحدها لاتكفي وإنما النظر إلى المستقبل باستقلالية تامة في التفكير والتخطيط والممارسة ورسم الأهداف المرحلية، ولنكن واثقين من أن أحداً لن يمد يده لمساعدة شعبنا أو حراكه السياسي – الثقافي دون أن تكون له مصلحة في ذلك، ولذا فإن التعامل الاقليمي إن لم يكن واعياً لما ينشب فيه من صراع ضرب من الجهالة السياسية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s