تركيا وغرب كوردستان

جان كورد     26.07.2012

kurdistanicom@yahoo.de     https://cankurd.wordpress.com    https://www.facebook.com/akhbarulkurd

تحدثنا  في مقالنا السابق عن أن ما يجري في سوريا، منذ اندلاع ثورة الشعب السوري على نظام العائلة الأسدية، إنما يجري في ظل الصراع العريق بين الدولتين ايران وتركيا،  رغم التطورات التاريخية المذهلة، التي جرت سواءً في كل من ايران الصفوية وتركيا العثمانية، أو في عموم العالم، وهذا الصراع الشرس قد اتخذ أشكالاً وصوراً مختلفة عبر العصور، ولكنه يظل كما هو بين محورين أساسيين يتجاذبان مختلف الكتل والكيانات الأخرى في المنطقة، لأن العرب رغم طاقاتهم البشرية والمالية الضخمة لم يتمكنوا حتى الآن من عرض أنقسهم كقوة سياسية ثالثة متماسكة وذات قدرات عسكرية  ضخمة لتفرض نفسها على ساحة الصراع السني – الشيعي الخطير في المنطقة، بدليل أن تأثيرات الدولتين الايرانية والتركية في كل من العراق وسوريا أكبر بكثير من تأثيرات الدول العربية مجتمعة. ولكل من ايران وتركيا حلفاء يقفون وراءهما من الدول العظمى، وهذا مما يزيد  في المشاكل تعقيداً 

منذ بداية الثورة السورية، وفي المناطق الكوردية الشمالية دبيب حراكٍ سياسي علني واسع لحزب الاتحاد الديموقراطي، مستند إلى أفكار زعيمه التاريخي السيد عبد الله أوجالان، هذا الحزب الذي نشأ كتنظيم  خاص بسوريا لحزب العمال الكوردستاني ضمن منظومة واسعة النطاق من الأحزاب والتشكيلات المتعددة الأسماء، في أجزاء كوردستان المختلفة في أوضاعها وظروفها، والحديث عن كون هذا الحزب مستقلاً ولا علاقة له بحزب العمال الكوردستاني حديث يمكن خداع البسطاء به، فالناشطون الكورد يعلمون عن نشوئه وبدايات ظهوره وكوادره وسياساته وخلفيته الفكرية ما لايمكن شطبه بتصريحات أو بيانات هزيلة، إضافة إلى أن الوثائق والصور والتظاهرات وكل ما يجري في الساحة العملية تحت يافطة هذا الحزب يدل دلالة قاطعة على أنه ترس من الأتراس التي يستخدمها حزب العمال الكوردستاني لنفسه منذ اعتقال واختطاف زعيمه السيد عبد الله أوجالان في بداية القرن الحادي والعشرين، الذي دعا من معتقله في تركيا إلى انتهاج سياسة مختلفة عما كانت عليه سياسة الحزب قبل ذلك 

هذه الحقيقة يعلمها الأتراك مثلما يعلمها الكورد والسوريون، لذا فإن التصريحات والبيانات الصادرة عن قيادة هذا الحزب لاتتلاءم مع حجم المشكلة الكبيرة والتي ستكون لها انعكاسات اقليمية، وكأن قيادته مرتعدة من الافصاح عن حقيقة ارتباط حزبها بالحزب الأم، ولن يتمكن حزب الاتحاد الديموقراطي من التصرف بصدد هذه  المشكلة وكأنها مجرد “أزمة داخلية سورية”. والأتراك يدركون بأن المشكلة الكوردية، سواءً في غرب كوردستان أو شمالها أو شرقها أو جنوبها لم تعد خاصة بدولة واحدة من الدول التي تقتسم بلاد الكورد. ومن البدهي أن تشعر بالقلق الكبير حيال سيطرة هذا الحزب على مراكز ومؤسسات ومسالك في مناطق تعتبرها سوريا بنفسها  “مناطق حدودية”، حيث منع النظام الأسدي بيع وشراء العقارات والمباني فيها دون الحصول على ترخيص من الأمن السياسي، وذلك بموجب المرسوم التشريعي (49) الصادر من قبل رئيس الجمهورية. وتركيا تعتبر حزب العمال الكوردستاني تنظيماً إرهابياً وعدوها الأول، وهو الحزب الذي خرج حزب الاتحاد الديموقراطي من أكمام معطفه. وبالتأكيد فإن الحكومة التركية تراقب الأوضاع عن كثب، ولها جواسيس وعيون في داخل سوريا، وتشاهد كيف يتحرك أنصار السيد أوجالان وهم يحملون السلاح في المناطق التي اتهم الدكتور عبد الحكيم بشار، الأمين العام للحزب الديموقراطي الكوردي في سوريا (البارتي) النظام الأسدي بتسليمها إلى حزب الاتحاد الديموقراطي / العمالي الكوردستاني في مقابلة صحافية مع الاعلام التركي، كما ابدى الدكتور عبد الباسط سيدا ، الرئيس الحالي للمجلس الوطني السوري (وهو من القوم الكوردي) امتعاضه من هذا التصرف  لدى التقائه بالسيد أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية التركية مؤخراً 

تسعى تركيا لملء كل فراغٍ ينجم عن انسحابٍ لما يمكن اعتباره بالمعسكر الايراني، وقد شاهدنا هجمتها الاقتصادية الواسعة على اقليم جنوب كوردستان، منذ سقوط نظام الطاغية صدام حسين، وهي تتأهب للقيام بدور شبيه في سوريا عامةً وفي المناطق الشمالية التي تقع على امتداد حدودها الدولية، ولن تتمكن من تحقيق هدفها الاقتصادي – السياسي – الثقافي هذا في حال وقوع هذه المناطق الواسعة، الثرية بالنفط والمخزون المائي والمنتوجات الزراعية الهامة كالقطن والقمح وكذلك الثروة الحيوانية، وفيها أيادي عاملة رخيصة تحتاج إليها، في  قبضة حزبٍ لها معه مشاكل كبيرة في بلادها وفي جنوب كوردستان أيضاً 

هنا، نجد حزب الاتحاد الديموقراطي في ورطة كبيرة: فقد يلجأ تحت الضغط الاعلامي الهستيري الذي تمارسه الحكومة التركية إلى الاعلان عن أنه جزء لايتجزأ من حزب العمال الكوردستاني ويبدي استعداده للقتال ضد “الغزاة” المحتلين، وبالتالي الوقوع في هذه الحال بين نارين (الجيش التركي) و (الجيش السوري الحر)، ويضطر للاستعانة بفلول القوات النظامية لبشار الأسد، وهذا يتطلب شجاعة فائقة لحراجة الموقف العسكري له في مواجهة غير متكافئة مع أحد أكبر جيوش حلف النيتو، كما ستكون له نتائج سلبية من الناحية النفسية والسياسية على الحزب بين الشعب الكوردي الذي يقف بشدة ضد النظام الأسدي ويتعاطف مع الجيش السوري الحر 

تركيا تسعى الآن إلى “توحيش العدو” من خلال حملة إعلامية واسعة تستهدف حزب الاتحاد الديموقراطي، من خلال مهاجمتها الاعلامية المستمرة على “تواجد “مقاتلي حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان 

إن أي غزوٍ تركي لغرب كوردستان سيأتي بكوارث مادية ونفسية على الشعب الكوردي، وهذا لابد وأن يكون واضحاً لقيادة حزب الاتحاد الديموقراطي. ولا يعني أن الصدام المسلح مع تركيا سيكون أتوماتيكياً في مصلحة الحزب ومن يقف وراءه، فإن حزب العمال الكوردستاني الأقوى منه من مختلف النواحي، لم ينجح خلال أكثر من عقدين من الزمن من تحرير قرية واحدة تحريراً نهائياً في شمال كوردستان حتى الآن. لذا من المتوقع أن يلجأ هذا الحزب إلى سلوك مسلك آخر، لايسمح لتركيا بالهجوم عليه، وهذا يعني البحث عن حلفاء سوريين من كورد وغير كورد. ولكن من المؤكد أن تواجده في هيئة التنسيق الوطني السورية لن يساعده بقدر مساعدة أبناء قومه الكورد له، وعليه فإنه يسعى منذ فترة قصيرة إلى اقامة علاقات جيدة مع المجلس الوطني الكوردي الذي عمق سياسي كوردستاني، يتمثل في تأييد عموم الحركة السياسية الكوردية له، وفي مقدمتها قيادة اقليم جنوب كوردستان، ولكن هذه القيادة القادرة على التأثير المباشر في المجلس الوطني الكوردي وما حوله من قوى كوردية سورية غير مستعدٍ لاحداث شرخٍ كبير في علاقاتها مع الدولة التركية، وإنما تؤمن بالحوار والتلاقي والتعاون معها، وهذا ما لايختلف فيه الساسة الكورد السوريون أيضاً معها 

إن عيون تركيا على شمال سوريا، وهي بحاجة إلى البترول  الذي يخرج من المنطقة الكوردية في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، وسد الفرات كما هو سد ميدانكي  يسيلان لعابها ويدغدغان أحلامها في توسيع نفوذها في سوريا، وبخاصة فإن الظروف الحالية للمنطقة تساعد على ذلك. وهذا ما يدفعها للاتصال بجنوب كوردستان بهدف اقناع القيادة هناك أنها إنما تقوم بما شرعت به تجاه سوريا لتقليم آظافر حزب العمال الكوردستاني وتحقيق أهداف اقتصادية مشتركة في غرب كوردستان في حال وقوف قيادة جنوب كوردستان إلى جانب تحركٍ تركي عسكري محتمل، أو الانخراط في حربٍ بالوكالة لها 

برأيي، أن يزداد التحالف الكوردي / الكوردستاني عمقاً بتنازل حزب الاتحاد الديموقراطي عن عدة أمور، منها إنهاء السيطرة المنفردة على الطرقات والحواجز، تخفيف حدة لهجته الآيديولوجية، تأكيد استقلاليته التنظيمية التامة عن حزب العمال الكوردستاني عملياً، وحل مجلس شعب غرب كوردستان، ليصبح بالفعل حزباً كورديا سورياً مستعداً للدخول التام في النسق الديموقراطي الكوردستاني الذي تقوده قيادة جنوب كوردستان، جنباً إلى جنب مع الأحزاب الكوردية الأخرى في المجلس الوطني الكوردي ومن خارجه أيضاً. وإلا فإن هذا الحزب سيخسر الكثير ومعه سيخسر شعبنا أكثر 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s