الكورد والنزاع السوري – التركي

جان كورد / 26  حزيران/ يونيو 2012

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

للمرة الثانية، تتأزم العلاقات السورية – التركية، أثناء حكم العائلة الأسدية، هذه العائلة التي انتزعت حكم سوريا كلياً وسخرت طاقات البلاد لمصالح فئوية، منذ عام 1970 وإلى الان. المرة الأولى كان في عهد الاسد الاب لايوائه منظمات سياسية معارضة للحكومات التركية المتلاحقة، ومن ثم قيامه بدعم حزب العمال الكوردستاني وحركة آجيجيلرالتي كان يقودها يساريون علويون، وهذه المرة أثناء عهد الأسد الابن، حيث تغيرت اللعبة السياسية عكسياً وأوت تركيا التي رئيس الوزراء فيها السيد رجب طيب أردوغان فصائل من المعارضة السورية وعدداً لايستهان به من الضباط والجنود المنشقين عن جيش النظام السوري وأكثر من 33.000 لاجىء سوري من المدنيين الفارين من لظى القمع الدموي لقوات الاسد وشبيحته المجرمين.

نفذ النظام السوري بجلده وتفادى الوقوع في حفرة خطيرة أعدها الأتراك له في المرة الأولى، لأن الاسد الأب، المتسلق للمناصب العسكرية والقابع على الدوام في إطاره السوري وهمه الوحيد الاحتفاظ بمناصبه العديدة، كان أذكى من ابنه الذي درس طب العيون في بريطانيا وتعرف على الحضارة الأوروبية عن كثب ورأى ماذا تعني الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

تخلص الأسد الأب من زعيم حزب العمال الكوردستاني، السيد عبد أوجالان بمطالبته بمغادرة سوريا حتى لاينفذ السيد بولنت أجاويد، رئيس الوزراء التركي آنذاك، في نهاية القرن الماضي، تهديده بغزو شمال البلاد، في حال استمرار سوريا في دعم هذا الحزب. أما الأسد الابن فإنه أوصل عربته المرهقة بالمشاكل، التي أحدثها بنفسه والمثقلة بأجساد آلاف الشهداء الذين قتلهم، إلى شفا هاوية باستفزازاته المتتالية للحكومة التركية الداعمة للمعارضة السورية، باقدام قواته على عدة خروقات عسكرية على الحدود مع تركيا، ومنها اسقاط دفاعاته الجوية لطائرة استطلاع سورية، دافعاً بذلك الأزمة إلى حافة الحرب، ثم توسله لايران لأن تلعب دورالوسيط بين نظامه وحكومة أردوغان التركية. وها هي الحكومة التركية تعلن بأن حادثة اسقاط طائرتها لن تمر دون عقاب، وتهدد بأنها سترد بحزم على أي عدوان مثيل، كما أنها تعتبر منذ الآن تحرك أي وحدة سورية عسكرية بالقرب من حدود بلادها هدفاً حربياً معادياً، وترسل بقواتٍ كبيرة إلى مناطق الحدود.

كان الكورد في المرة الأولى جزءاً من المشكلة بين سوريا وتركيا، إضافة إلى موضوع مياه نهر الفرات التي كانت مستفحلة، وموضوع تحريك النزعة الطائفية للعلويين في تركيا من قبل النظام، وهم الآن أيضاً جزء من مشكلة اليوم، فالغضب التركي ليس ناجماً عن استفزازات نظام الأسد له واسقاط طائرة فحسب، وإنما لأن النظام يدعم من جديد حزب العمال الكوردستاني في شمال كوردستان (داخل تركيا)، وهو الحزب الذي يدفع بأحد قادته العسكريين من الكورد السوريين (باهوز أردال) لشن حملات على القوات التركية وقتل أفرادها، ويفسح نظام الاسد المجال للفرع السوري من هذا الحزب، الذي يسمى بحزب الاتحاد الديموقراطي أن يقيم الحواجز الأمنية على الطرقات في المناطق الكوردية (جبل الأكراد، كوباني والجزيرة) وحتى في بعض حارات مدينة حلب، ويبني من مؤيديه مجلساً باسم “مجلس غرب كوردستان” ينتخب أعضاؤه في خيامٍ زاهية الألوان علانية، ويقيم المحاكم الشعبية العلنية للمواطنين، وينضم إلى هيئات سورية “معارضة!”، بل ويعتقل المنافسين من الكورد الناشطين، وهو حزب صريح بولائه لقائد حزب العمال الكوردستاني.

هذا يعني أن النظام السوري والحكومة التركية في نزاعٍ، قد يتطور إلى قتال، أحد أسبابه وجود الكورد على مساحةٍ كبيرة من الأرض، تمتد من الحدود العراقية شرقاً إلى خليج الاسكندرونة غرباً. وهذا الوجود الكوردي الطامح في أن يعترف به طرفا النزاع، مستعد للتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل هذا الاعتراف، مما يزيد الأزمة تعقيداً، ويدفع بكلا الطرفين المتنازعين إلى استخدام هذا الوجود الكوردي بشتى أساليب المكر والخداع كبيدق على رقعة الشطرنج، يمكن المساومة عليه الآن، مثلما تمت المساومة عليه في المرة الأولى لدى احتدام النزاع بين الدولتين. فلا النظام السوري صديق للشعب الكوردي ولا الحكومة التركية ترغب في تمتع الكورد السوريين بحقهم القومي ضمن سوريا، لأن ذلك يؤثر مباشرة في وضع إخوتهم الذين يعيشون على الطرف الآخر من الحدود بين البلدين.

الأسد الابن يحاول تكرار استخدام الورقة الكوردية، منذ اندلاع الثورة الشعبية السورية ضد نظامه، ويبدو أن لقيادة حزب العمال الكوردستاني رأي أساسي في اقامة حزب الاتحاد الديموقراطي ل”سلطة المجالس الشعبية” ووضع الحواجز لتفتيش المواطنين ومساءلتهم، واستحداث “مجلس شعب غرب كوردستان” واقامة المحاكم الصورية، والتصرف بحق المتهمين الذين تصدر بحقهم عقوبات تصرف جماعات “الطالبان”، لأن كل هذا سيعيق تحركات الجيش السوري الحر عبر المناطق الكوردية في شمال سوريا، وهي مناطق متاخمة لحدود تركيا، وقد يكون هذا نابعاً عن استراتيجية معينة، إلا أن السؤال هنا يتلخص هكذا:

–         لماذا يقصف الظام الأسدي سائر مقرات ونقاط السيطرة العائدة للمعارضة السورية ولثورة الشعب السوري ويستثني نقاط  تفتيش حزب الاتحاد الديموقراطي وحده من ذلك القصف؟

طبعاً، لايمكن لأحد يملك ذرةً من وعي سياسي إلا وأن يتهم هذا الحزب، رغم كل مساعيه من أجل القضية الكوردية، بأنه يخفي حقيقة علاقته بالنظام، بل يشك بعض الكورد في أنه متفق مع النظام وحليف له، بسبب تصورات معينة وتوقعات قد لاتكون واقعية…

من جهة أخرى، فإن مجرد مساهمة ناشطين كورد سوريين في مؤتمرات المعارضة الوطنية السورية في تركيا، يفسر من طرف هذا الحزب ومن قبل حزب العمال الكوردستاني أيضاً، بأنه تعاون كوردي مع الحكومة التركية، ضمن إطار المعارضة السورية، في حين أن مختلف الأحزاب الكوردستانية في سائر أنحاء كوردستان لاتشارك الابوجيين رأيهم هذا.

الفارق بين الوضعين واضح لأن معظم الناشطين الكورد المشاركين في مؤتمرات بتركيا، مصرون على أن لاتخضع المعارضة السورية للاملاءات التركية بصدد القضية والحقوق القومية الكوردية في سوريا، كما أنهم يتمتعون بعلاقات وطيدة مع الأحزاب الكوردية في شمال كوردستان، وليست لديهم قوات مسلحة يضعونها في خدمة الأهداف الاستراتيجية التركية، ويطمحون إلى اقامة علاقات جيدة مع “الجيش السوري الحر” في إطار التعاون القائم على أساس احترام إرادة الشعب الكوردي مع مختلف قوى المعارضة السورية التي تدعم هذا الجيش بشكل أو بآخر.

في مثل هذه المحن والأزمات، يجدر التفكير قبل كل شيء بالمصلحة القومية للشعب الكوردي وليس إلى حجم الفوائد التي يجنيها حزب من الأحزاب، وهذا يعني توقع احتمال توصل الطرفين المتنازعين إلى لونٍ من الأوان الاتفاق، في كل لحظة، سواء بوجود الأسد على رأس نظامه الذي ورثه عن أبيه أو بعدم وجوده، وهذا يعني التفكير في الاضرارالتي ستلحق بالشعب الكوردي وقضيته العادلة في حال قيام النظام السوري، الذي يسعى بشتى الوسائل لانقاذ نفسه من الانهيار الفجائي الشامل، بالمساومة على الكورد، وبالتحديد على حزب الاتحاد الديموقراطي، فيحاول تسديد ضربة موجعة له إرضاءً لتركيا وتمهيداً لاقامة علاقات معها. وطبيعي أن أياً من الطرفين اللذين لايعترفان دستورياً بالشعب الكوردي وتشكيلاته السياسية لن يستشير الكورد في حال عقده صفقة مع خصمه، أي أن الكورد سيجنون الخسائر وليس الأرباح، عندما يفقدون المساند الاقليمية التي قد يستند بعض رجالاتهم عليها، والوضع شبيه إلى حدٍ ما بوضع الثورة الكوردية التي قادها الحزب الديموقراطي الكوردستاني بين عامي 1961 و 1975، حيث اتفق الشاه الايراني مع صدام حسين العراقي على كل ما اعتبره الكورد سلبياً لهم وضاراً بهم.

وهنا تطرح أسئلة نفسها على الناشطين الكورد:

– إذا ما نجحت الثورة السورية (وهي ناجحة بإذن الله)، فإن الجيش السوري الحر سيعمل من أجل إعادة تركيب وهيكلة الجيش السوري الوطني، فماذا سيكون موقف الذين يقفون ضده الآن، هل سيحاربون جيش الدولة التي يريدون فيها الحصول على حقوقهم القومية؟ وإذا ما حاربوا في تلك الحال، فما هي استراتيجية تلك المرحلة وأهدافها؟ وإلى أين سيقودهم القتال؟ هل هناك هدف إعلان دولة كوردية في شمال البلاد؟

– ما يجب أن يكون عليه موقف الحركة السياسية الكوردية (السورية) في حال اقدام تركيا على غزو شمال سوريا، ومن ضمنه المناطق الكوردية؟ هل من مصلحة شعبنا في غرب كوردستان الآن أو في المستقبل القريب أو هل في قدرته محاربة ثاني دولة من حيث القوة العسكرية في حلف النيتو؟ وهل هو وضع صحيح أن نرى فيه شبابنا الثائرين من أجل حريتهم ضد نظام الأسد الدموي يقفون كتفاً إلى كتف مع شبيحة النظام وقتلته الارهابيين ضد جيش تركيا المدعوم من النيتو بالتأكيد؟ وهل يقتضي الدفاع عن الوطن (وهذه قد تكون ذريعة الموالين للأسد وفكرة بقاء الكورد خارج الصراع بين الثورة والنظام) أن نلقي بشعبنا إلى التهلكة، لمجرد أن هناك من يحاول حشرنا في صراعٍ مع دولة خارجية (تركيا) عوضاً عن السعي لانتزاع حقوقنا القومية مع الدولة التي أنهكت شعبنا (سوريا) ولم تعترف رغم تاريخنا الطويل في الدفاع عن الوطن بوجودنا وبحقوقنا، حتى في أصعب المراحل السياسية التي يمر فيها؟

برأيي أن مساهمة المثقفين الكورد والناشطين السياسيين في الإجابة عن هذه الاسئلة قد يساعد في أن يفكر البعض من زعماء الكورد بجدية في موضوع (الكورد والنزاع السوري – التركي) الذي قد يتحول فجأة إلى حرب اقليمية شرسة، أو يأخذ منحى آخر بعقد صفقة ما على حساب الشعب الكوردي، قبل أن يكون على حساب أي فئة أخرى في المنطقة.

وبالمناسبة، فإن بعض مثقفينا – مع الأسف- لايكتبون إلا عن سلبيات هذا الشعب، ولاينظرون إلا من قمرٍ في الفلك المشحون بالخيالات الفلسفية إلى الإنسان الكوردي، وهذا ما أجده هروباً واضحاً من معركة هذا الشعب وهذا الإنسان للتحررعبرالثورة والجدال السياسي والتنظيم (البدائي في نظر البعض) من ربقة الاستبداد، فليس كل المناضلين من أجل الحرية فلاسفة واستراتيجيين ومحللين نفسانيين، من سكان الأبراج الذهبية وحاملي الدرجات العلمية الرفيعة، بل هو الشعب… وقد قال شاعر عالمي شهير: “ضع رأسك على صدرالشعب ولاتخف” ولم يقل “احضر دروس الفلسفة عوضاً عن المساهمة في الثورة”… فالجبهة معروفة والاتجاه معروف، والقضية واضحة كالشمس فوق رؤوسنا…فلنقم ولنشارك في هذه الثورة، كل حسب طاقته… مثلما شاركنا في الثورات التونسية والمصرية واليمينية والليبية بقلوبنا وألسنتنا…ولندع هذا الكوردي المسكين فلا نطفىء في صدره الآمال ولانقول له باستمرار: أنت مكروه، أنت ضعيف…أنت غير منتج سياسياً… أنت عديم الوعي… وأنت بحاجة إلى دروسٍ في الفلسفة، في حين أننا نسكت عن قرقعة جنازيرالدبابات وهي تكسر أضلاع الثائرين من هذا الشعب، و لا نعترضها إلا بالقليل من الكلام المبحوح.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s