المساهمة في الثورة بين الالزام السياسي والالتزام الخلقي

جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com           https://www.facebook.com/madmiro1

     17 حزيران/ يونيو 2012

قال مقاتل كوردي بارز منذ أيامٍ قلائل في مقابلة له مع موقع انترنتي كوردي بأن المهمة القتالية لحزبه الثوري ضد نظام الأسد السوري تبدأ مع بدء هجوم هذا النظام على الشعب الكوردي، وهذا يعني – حسب ما نفهم من كلامه – أن النظام الأسدي لم يهاجم شعبنا الكوردي حتى الآن (والحمد لله)، ولم تقع ضحايا مدنية في الصف الكوردي بعد، وأن شعبنا لايزال يعيش في أمان وسلام، ولذا فإن معركة الكورد مع النظام لم تبدأ..!!!

 هذا الثائر الكوردستاني يقول هكذا كلام، على الرغم من أن الشعب الكوردي قدم منذ انتفاضة عام 2004 وحتى الآن الكثيرين من الشهداء، من خيرة الشباب المساهم في المظاهرات المناوئة للنظام، ومن العسكريين الذين رفضوا اطلاق النار على الشعب المنتفض في شتى أنحاء البلاد، ومنهم من قضى نحبه تحت التعذيب، وسلم جثمانه لأهله في حالة مؤلمة. وهذا الثائر لايجد هجوماً للنظام على الشعب الكوردي، رغم أنه بنفسه يذكر التضحيات الجسام التي قدمها رفاقه بالذات على أيدي هذا النظام المجرم. فهل يعتبر إطلاق الجيش السوري لاسلحته المختلفة على الأحياء والقرى وارتكاب المجازر في منطقة معينة ومحددة في البلاد سبباً مباشراً لمقاومته بالسلاح والتصدي له، أم أن الجسد السوري كله يجب أن يتداعى بالسهر والحمى عندما تصيب رصاصات جيش النظام أطفالاً سوريين في أي منطقة كانت من مناطق البلاد؟  فأين الأممية الثورية التي كنتم عليها ولاتزالون ترفعون راياتها فوق مقراتكم ومرتمراتكم؟ وأين الوطنية السورية من هكذا موقفٍ لم يأت إلا للتغطية على قصورٍ في الدفاع الحقيقي عن الشعب السوري وثورته العارمة من أجل الحرية والاستقلال الحقيقي؟

 في الحقيقة لايستطيع أحد ارغام شخصٍ من الأشخاص أو حزبٍ من الأحزاب على ممارسة “الثورة”، أو إلزامه سياسياً بذلك، لأن الانخراط في ثورة ما، عملياً أو عن طريق تأييدها بمختلف الوسائل، ومنها الوسيلة الاعلامية، أو بمجرد عدم الوقوف على النقيض منها، يعني الايمان بالثورة وبضرورة إنجاحها، والالزام السياسي يكون لمتحالف أو مساهم في جبهة أو لخاضع مسلوب الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار بذاته.

 لاينكر أن في صف هذه الثورة المباركة العظيمة، من ينكر على الشعب الكوردي، حتى في القرن الحادي والعشرين، حقه في إدارة نفسه بنفسه في إطار “حكمٍ ذاتي” أو في “فيدرالية”، وهناك نماذج يضرب بها المثل في التصريح العلني بهذا الانكار، من رؤساء احزاب وزعماء مجالس سياسية وشيوخ عشائر ومثقفين كبار علمانيين ودعاة دين، ومنهم السادة برهان غليون وجورج صبرا وهيثم المالح وحسن عبد العظيم…و…والسيد رياض الشقفة الذي قد يترشح لرئاسة سوريا كمنافس إسلامي لمرشحين علمانيين… مثلما حدث في مصر ما بعد الثورة، بين محمد مرسي وأحمد شفيق… والمضحك المبكي في سلسلة الانكارات المتعلقة بحق الشعب الكوردي في إدارة نفسه ضمن سوريا موحدة واتحادية، هو أن بعضهم لايجد حرجاً في تفتيت قوى البلاد على أساس عشائري أو قبلي، في حين يعارض تحديث نظامها السياسي على أساس فيدرالي لامركزي، والفيدرالية مطبقة كأداة توحيد واتحاد في العديد من بلدان العالم، بينما العشائرية والقبلية دمرتا الصومال واليمن المتخلفتين…

 أحد المثقفين الديمو- يساريين الكبار علق على مقالٍ لي كنت قد أرسلته له بأنه يمكن الحديث عن”الفيدرالية” إن ظلت قضايا “الدفاع والسياسة الخارجية والأمن والقضاء” في أيدي الحكومة المركزية، ولكن الا يعلم هذا المثقف الذي يتخذ مقعده في وسط معظم حلقات الذكر السياسية الوطنية، في استانبول وتونس وباريس، ماذا تعني الفيدرالية حقيقةً؟ لا وبالتأكيد لا… لأنه حسب علمي يعيش منذ سنوات عديدة في دولة أوروبية فيدرالية، وهو غزير المعلومات عن السياسة بشكل عام وعن القضية الكوردية أيضاً، وله مواقف صديقة وإيجابية منها في الماضي…

طبعاً هكذا مواقف مثيرة للتساؤلات، وسلسلة طويلة من “الانكارات” المتتالية على ألسنة أهل المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، وبخاصة تلك التي تخاطب الرأي العام العالمي من استانبول بالذات، تمنح “الثوريين!” الكورد فرصة للتملص من واجبهم الكفاحي ضمن صفوف الثورة السورية، التي يرونها مجرد صراع بين نظام فئوي يعارضونه في نقاط محددة وبين من يخافون استيلاءهم على الحكم وهم يخالفونهم آيديولوجياً، وكأن القضية في سوريا اليوم ليست بين شعبٍ يريد الحرية ونظام غارق في الطغيان والاستبداد وموغل في سفك الدماء ومستمر في إعلان حربٍ شرسة على شعبه.

 ومهما يكن فإن هؤلاء الثوريين القادرين على عقد مؤتمرات سياسية – حزبية كبيرة لل”معارضة الكوردية الثورية” في وضح النهار على مرمى طلقات النظام في داخل البلاد، ويضعون حواجز على الطرقات، بديلةً عن نقاط التفتيش الحكومية، بهدف منع تسلل “العصابات المسلحة!” إلى المناطق الكوردية، لايستطيعون إقناعنا بأنهم جزء من الثورة السورية، مهما امتلكوا من وسائل إعلامية قوية وأقلام كبيرة، ومهما اجتذبوا لمؤتمراتهم “الفصائل والشخصيات الوطنية الكوردية”، فالثورة شيء نرى موقف النظام منه جلياً في درعا وبابا عمرو وادلب والحولة وأرياف حلب ودمشق والرقة ودير الزور وجبل الأكراد بالقرب من اللاذقية، والاعتراض على سياسات معينة ومحددة للنظام شيء آخر. فلماذا يأيها الثوري الكوردستاني تسقط قذاف النظام كل يوم على النقاط التي يظن بأنها تأوي مقاتلي “الجيش السوري الحر” وتمر دوريات المخابرات والأمن والجيش والشبيحة السورية على نقاط التفتيش الثورية العائدة لكم دون اعتراضات أو مناوشات؟ ما السر في ذلك؟ أم أنكم ستكررون مقولة أحد رفاقكم العظام بأن النظام يخاف منكم.

 أما الزعم بأن مهمة الثوري الكوردستاني هي الدفاع عن المساحة الكوردية من الصراع فقط، فهذا مثير للضحك، لأن هكذا زعم يتعارض تماماً مع برنامج هؤلاء الثوار، الذي هو برنامج وطني سوري بامتياز، قبل أن يكون كوردستانياً، كما يتعارض مع برنامج التحالف السوري الذي يشارك فيه هؤلاء الثوار في شكل كتلة كوردية…

 قد يقول قائل بأن أحزاب المجلس الوطني الكوردي، والتي لاتزال خارجه أيضاً، تعقد أيضاً مؤتمرات علنية للحديث عن المعارضة والثورة واتخاذ القرارات بصددهما، وللمجلس مقر علني، كما لبعض الأحزاب صالات ومراكز لايهاجمها النظام، في حين زعماء هذه الأحزاب وهذا المجلس يطيرون كالنسور من دولة إلى أخرى، يحملون معهم ملف المعارضة والثورة، فأقول بأن الوضع يختلف تماماً، فليس هنا حزب واحد يرى نفسه “ثورياُ” وله نقاط  تفتيش “وطنية” لحماية الكورد وكوردستان أو له مقاتلون “غريلا” في جبال تورا بورا، أو يقدم الناس لمحاكمات علنية وسط مدينة عربية مثل حلب، ليربطوا بعدها النساء والشباب بأعمدة الكهرباء على غرار ما يفعله الطالبان في جلال آباد، أو له قيادة معصومة عن الخطأ، فهذه أحزاب – رضي الله عن قادتها – على قد الحال، ومنهم من يكتفي بمقارنة تبسيطية بين “اسقاط الأسد” و”اسقاط أوباما” أو”ساركوزي”… دون إظهار علائم هكذا نخوة ثورية “إذا هاجم النظام الأسدي الشعب الكوردي تندلع الثورة في كوردستان المحررة!” وليس بين كل هذه الزعامات من يفكر بإحداث “جمهورية كورداخ”  أو “حكومة كوباني”، رغم اقناع مندوبيهم السيدة هيلاري كلينتون في آخر زيارتهم لها في واشنطن بأنهم قادرون على تحريك الشارع الكوردي متى شاؤوا… ولذا  نتحدث هنا فقط عن الثوار الحقيقيين، الذين يختلفون عن سائر المعارضات السورية بخوف النظام والمعارضة والكورد منهم على حدٍ سواء، ويعتبرون أنفسهم  طلائع بناء “الديموقراطية الشعبية الثورية” وقد أسسوا لهم مجلساً للشعب رغم أنف النظام وكل من في الساحة.

 في الحقيقة كما أوردنا سابقاً لايمكن فرض مواقف نؤمن بها على من له سياسة أخرى كسياسة هذا القائد الثوري المندفع، الذي لاندري لمن يتوجه حقاً بهكذا كلام عن مساهمة حزبه في الثورة السورية حال هجوم النظام على الشعب الكوردي، فنحن لسنا مع الالزام السياسي، لأنه يتعارض والايمان بالحرية والديموقراطية والتعددية، ولكننا نهمس في أذنيه كونه يجد نفسه في موقع المسؤولية القومية لشعبنا الكوردي بأن هناك “الالتزام الخلقي” الذي يفرض نفسه على الثوار، وعلى من يعتبر نفسه ثورياً أممياً بشكل خاص، وبالتأكيد في حال ارتكاب نظامٍ من الأنظمة جرائم ضد الإنسانية، كما يجري الآن في سوريا، حيث هذه الجرائم تحدث يومياً منذ انطلاقة الثورة المباركة قبل أكثر من عام، وليس المهم أن تكون في هذه الحال كوردياً أو حجازياً أو أرناؤوطياً، وإنما إنساناً يرفض الحدود بين المواطنين، وهم يذبحون بالجملة وتدمر بيوتهم على رؤوسهم ويشردون من ديارهم وهم يستغيثون ويناشدون ويطلبون العون من بني البشر…

 فهل ننتظر – حقاً – ليرتكب هذا النظام الارهابي مجازر بحق الكورد أيضاً لنأخذ مكاننا في صف الثورة؟

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s