(I) الدين والثورة

  جان كورد

kurdistanicom@yahoo.de            https://cankurd.wordpress.com    https://www.facebook.com/madmiro1

21   أيار‏، 2012

. الدين والثورة الفرنسية

. الدين والثورات الشيوعية

. الدين وثورات الشعب الكوردي

. الدين وثورة الشعوب الايرانية

. الدين وثورات الربيع العربي

 

سنتطرق في هذا المقال إلى مواقف الأديان من الثورات، ومنها الثورتان الفرنسية والبولشفية، وكذلك ثورة الشعوب الايرانية ضد الشاه المخلوع وثورات الشعب الكوردي المتتالية وثورات ما يطلق عليه اسم “الربيع العربي”. وحتى لايمل القارىء من طول المقال، فقد جعلناه قسمين ولربما ثلاثة.

بدايةً، علينا التوضيح بأن الأديان ليست ثورات، كما أن الثورات ليست أدياناً. فالأديان دعوات يبدأ بها نبي أو رسول، قد يكون من سادة القوم أو من عامة الناس، وهي دعوات لعبادة آلهة متعددة أو الله سبحانه تعالى ولإصلاح الذات الإنسانية ، أفراداً وجماعات، بين قومٍ من الأقوام، أو بين كل البشرية، وهي غير مخصصة بطبقة من الطبقات، كما أنها تربية شاملة ذات أهدافٍ نبيلة، لها حزمة من المبادىء والقيم، ومراسيم عبادية محددة وملزمة لجميع معتنقيها، ملوكاً كانوا أم من فقراء الشعب.

أما الثورات، فإنها قد تنطلق كفكرة وممارسة من شخص أو مجموعة بشرية، تتحول إلى حراك ثوري شعبي، وأهدافها إحداث التغيير الاجتماعي – السياسي في المجتمع، وقد تكون ثوراتٍ طبقية أو قومية أو أممية، دموية أو سلمية، إلا أن الحديث عن “ثورات من فوق!”، فهذا ليس إلا محاولة يائسة لابحار النظم الاستبدادية بعكس اتجاه رياح الثورات، وهو في أغلب الأحيان تزوير للحقائق وخداع للشعوب.

ظهر مصطلح الثورة “ريفوليوشن” في القرن الخامس عشر من خلال استخدام الكلمة اللاتينية المتأخرة “ريفولوتسيو” التي تعني “التدوير” و”الارجاع” وتستخدم في علم الفلك كصفة لدوران الكواكب، وتطورت “الثورة” لتعني “التحول” و”التغيير المفاجىء” و”التجديد” أيضاً، ولكن “الثورة” بمعناها الحديث “اسقاط الأنظمة حتى ولو عن طريق العنف” قد بدأ في القرن الثامن عشر، وذلك تحت تأثير “الثورة الفرنسية” التي كانت دموية واستمرت من عام 1789 إلى 1799، وفي مقابل الثورة نجد “الإيفولوتسيون” التي تعني “التطور”، وتستخدم في مختلف العلوم، والمختصة منها بالطبيعة بشكل واضح، كما تعلمنا من داروين، ولايتم استخدامهما بنفس المعنى.

لذلك يجب النظر إلى العلاقة بين الدين، أي دينٍ كان، والثورة، عبر إدراك الفارق بين الإصلاح الذي يسعى إليه الدين، والتغيير السياسي – الاجتماعي، القسري في غالب الأحيان، الذي يكون عادةً من نتائج الثورة، وكذلك بين الثورة التي قد تحدث فجأة وعنيفة والتطور الذي هو تدريجي وبطيء بشكل عام.

قد يقف رجال الدين موقفاً معادياً للثورة، كما فعلت الكنيسة الروسية الارثوذوكسية ضد الثورة البلشفية في أوكتوبر عام 1917، وقد يقفون موقفاً داعماً ومحركاً للثورة، كما حدث أثناء قيام الحركة العمالية سوليدارنوش في بولونيا ضد النظام الشيوعي  في عام 1980 وإطاحتها به في عام 1989. ولكن لايمكن القول بأن الدين والثورة متناقضان، أو أنهما متفقان كلياً، على الرغم من أن هدف الاثنين هو “أنسنة المجتمع” في نهاية الأمر.

لعب الكليروس الكنسي في أوروباً دوراً سلبياً تجاه الحراك الثقافي – الاجتماعي الذي أثار الرياح باتجاه اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789، تلك الثورة التي حققت انتصارها التام خلال 10 سنوات مليئة بالمشاكل والتقلبات، وتعتبر رغم ما رافقها من عنفٍ شديد، إنعطافاً عظيماً في تاريخ البشرية، وتحالفت الكنيسة مع التيجان الملكية الأوروبية، على الرغم من فظاعة أساليبها في قمع شعوبها المطالبة بالأمن والاستقرار والعمل والحياة في السلام عوضاً عن زج الملايين من البشر في الحروب المدمرة. إن الحلف غير المقدس بين المذبح الكنسي والتاج الملكي أصبح بسبب معاداتهما لاحداث الإصلاحات الضرورية في المجتمع هدفاً رئيسياً لهجمات الروابط الثقافية والحلقات الفلسفية، الداعية للثورة الاجتماعية في أوروبا، وبخاصة في ألمانيا وفرنسا قبل الثورة، بل إنه بموازاة العمل من أجل تحقيق الديموقراطية ونيل الحريات، فإن هناك من طالب بإجراء الاصلاح الديموقراطي ضمن أسوار الكنيسة الكاثوليكية نفسها، في مجال انتخاب رجالها، وبذلك بدأ الحديث عن التناغم بين القيم الثورية والقيم الكنيسة بين المثقفين، وبخاصة في ما كان يسمى ب”الحلقة الاجتماعية” التي أسسها نيكولاس دى بونه فيل وفاوخت، وتم حلها في عام 1791م. ونيكولاس دي بونه فيل هو من أطلق في باريس عام 1792 من خلال مؤلفه “بصدد روح الأديان” مقولته الشهيرة:”صوت الشعب هو صوت الله!” حيث اتهم آنذاك كل الشعوب الأوروبية بأنها “مستعبدة من قبل الكليروس الكنسي، وأنها بحاجة ماسة إلى (دين كوني وإنساني!)، ودعا إلى أن يحكم الإنسان عقله وعينيه، حتي يتوصل المرء بذلك إلى تعظيم الإله الذي خلق كل البشر، أحراراً ومتساوين.”

 أما فاوخت الذي كان قسيساً متأثراً بعمق بالفيلسوف الكبير جان جاك روسو، وشارك في الهجوم على سجن الباستيل بباريس، وألقى في الجموع المحتشدة يومئذٍ موعظة دينية مؤثرة، فقد كان شريك نيكولاس دي بونه فيل في إصدار جريدة “الفم الحديدية” وداعياً إلى “وحدة الكنيسة والثورة!”، إلا أن مقاومة الكليروس الكنسي الكاثوليكي لأفكارهما كان قوياً لدرجة حدوث “القطيعة” بين الكنيسة وبين الداعين إلى الديموقراطية والحرية والمساواة، ليس في فرنسا وألمانيا فحسب، وإنما في كل أوروبا، وشرعت الكنيسة تتهم كل الناقدين لمواقفها السلبية تجاه التنوير والتحديث والثورة بانتمائهم للحركة السرية المعروفة باسم “المعماريين”، وشنت عليهم حرباً لسانية شرسة، في حين اتهم هؤلاء المثقفون الكنيسة بأنها تخدم سلطان التيجان الملكية، وبالتالي فإنها تقف موقفاً رجعياً وعدائياً من الشعب المتعطش للحرية والديموقراطية.

لقد أدت الفظائع التي ارتكبها الكنسيون في سبتمبر 1792 إلى أن يقول الناشر جاك رينيه هيبرت، المعادي للكنيسة – على سبيل المثال – “الثوري الحقيقي عيسى – عليه السلام – تعرض إلى نهاية مؤسفة على أيدي القساوسة”، وهذا ما أدى إلى ردة فعل قوية من قبل اليعقوبيين، فكتبت صحيفة ألمانية “رجعية” بأن “المسيح – عليه السلام – لم يكن ثائراً، ولم تكن لديه (مقصلة) ليقنع بها الناس برسالته.” إشارةً إلى الاستخدام الشائع للمقصلة لقطع أعناق الأعداء، من قبل الذين قاموا بالثورة الفرنسية، ومن أشهرهم استخداماً لها روبسبيير الذي قاد إليها العديد من رفاقه الكبار في الثورة، وفي مقدمتهم جورج جاك دانتون.

زاد الانفراج بين الكنيسة التي كان بعض أنصارها التقليديين يرفعون شعارات كهذا (عقيدة واحدة، قانون واحد، ملك واحد)، وبين الجمهوريين الأوروبيين الداعين إلى الديموقراطية والتغيير الاجتماعي الكبير، بحيث اشتدت لهجة “العلمانية”، لدرجة أن غراكوس بابيوف كان يذكر الناس بأن “المسيحي المؤمن يسعى إلى تحقيق الروحانية المطلقة في الجنة، في حين أن سواهم يبحثون عن جنتهم الأرضية، فليحقق كل هدفه حسب قناعته.”

دافع أنصار الكنيسة دفاعاً مستميتاً عن قيمهم الدينية، أو التي نشروها وفرضوها باسم الدين، في مواجهة التنويريين العاملين على تقزيم دور الكليروس الكاثوليكي في الحياة السياسية، التي كانت راكدة بسبب التعاون الوثيق بين الكنيسة والتاج. وكان من بين هؤلاء التنويريين البارزين فرانس خافير فون فيللر، الذي أظهر وجهة النظر الدينية على أساس أن “أشد المعارف أصالةً هي معرفة السيادة الربانية، رب العالمين، البادىء والنهاية لكل شيء لديه.” وكذلك يونغ ستيللنغ الذي كان يخرج على الناس بهذا المنطق الحاد:”إذا كان العقل أسمى من الوحي، فحينئذٍ ما كانت هناك حاجة للوحي أصلاً، أما إذا كان الوحي أسمى من العقل، فإنه يجب منح علماء الدين الفرصة الكافية للتحديث من خلال الاصلاح الداخلي في الكنيسة، عوضاً عن محاربتهم بهذه الشدة.” وكان متأثراً جداً بالفيلسوف عمانوئيل كانت، الذي كان يطالب باصرار ب”تعريض الكنيسة مثل الدولة إلى النقد العقلاني.” إلا أنه لم يكن موافقاً على النقد المدمر للكنيسة، مما دفع أنصارها إلى اعتبار عمانوئيل كانت “أنموذجاً صالحاً للناقدين العقلانيين“، تصلح أفكاره لبناء أساس متين لحوار بين المتخاصمين، المدافعين عن الكنيسة والمعادين لها.

وكان عمانوئيل كانت مدرسة لبناء اسس حياة مشتركة بين المثقفين المتمردين والكنسيين، في حال رغبتهم في الحوار، وبخاصة فإنه كان يرى “العقلانية الإنسانية جاهلة تماماً بما هو خارج عالم الحواس.” وبذلك حاول جعل الهجوم الكاسح على الدين في حالةٍ أضعف، وتقوية الحوار العقلي ما أمكن، في حين رأى الكنسيون من أعداء التنويرية وأعداء حركة أو جمعيات “المعماريين” العاملين على الفصل بين الدين والدولة، في مقولاته فرصة ذهبية لهم لاعتبارهم الطموح الفلسفي الفرنسي والألماني من أجل التحرر، غير ذات قيمة أو أنه محاولة لفرض “دكتاتورية المنطق الجديد“، حسب البروفيسور اليسوعي بينيدكت شتاتلله ر، و”هذه الدكتاتورية العارمة والفتية ستعصف بكل أسس الإيمان المسيحي بالله في الكون.”

وهكذا نجد أنصار الدين والكنيسة في الخندق المعادي والمواجه لأنصار العلمانية والدولة المتحررة من قيود الحلف الكنسي – الملكي، قبل وأثناء الثورة الفرنسية. ولم تنفع معقولية وواقعية الفيلسوف الكبير عمانوئيل كانت في اقناع الطرفين بوضع السلاح الثقافي جانباً والتلاقي لحوار طويل الأمد، على الرغم من أن مؤلفه الشهير”نقد العقلانية الخالصة”، الذي تناول فيه الكثير مما كان يدور حوله النزاع، يعتبر علامة طريق بارزة في تاريخ الفلسفة العالمية.

هذه الحرب بين المؤمنين بدور الكنيسة وتحالفها مع التاج والعرش توضحت بشكل أشد جلاءً بين الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية في روسيا القيصرية وأنصار الشيوعية والثورة الطبقية، حيت الشيوعية تعتبر”الدين أفيون الشعوب!”، تلك الثورةالتي قادها الحزب الشيوعي بقيادة فلاديمير ايليتش لينين، وتمكن من إحراز النصر على التاج القيصري والمذبح الكنسي في فترة وجيزة من الزمن، على الرغم من أن ذلك ما كان ليتحقق بدون دعم القيصرية الألمانية التي كانت في حالة حرب مع روسيا آنذاك، وبدون ارتكاب جرائم عديدة بحق الإنسانية، ومنها القتل الجماعي بأوامر من لينين ذاته – كما تقول المصادر التاريخية – لكل أفراد عائلة القيصر الروسي حتى الآطفال. وارتكاب تلك الجرائم الجماعية لم يكن سمة مرحلة قصيرة في تاريخ الثورات الشيوعية، وإنما في مختلف مراحل التاريخ السوفييتي، وبخاصة في عهد المجرم الكبير جوزيف ستالين، كما يجدر التذكير هنا بمذابح ماوتسي تونغ في الصين الشيوعية وبول بوت في جنوب شرقي آسيا، وكذلك أثتاء حكم ميلوزوفيتش الصربي في يوغسلافيا، تلك الجرائم الكبرى التي راح ضحيتها الملايين من البشر، ومن ضمنهم أعداد كبيرة المثقفين ورجال الدين، ومنهم عدد هام من القساوسة البوذيين في بلاد التيبت المحتلة من قبل الصين. ولقد فقد رجال الدين بمختلف عقائدهم، بعد نجاح الثورات الشيوعية، تأثيرهم في مجتمعاتهم إلى حين انهيار المنظومة الشيوعية السوفييتية. وبالنسبة إلى زعيم البوذيين الدلاي لاما فإنه لم يجد مجالاً للعيش في بلاده، وأضطر إلى الخروج من التيبت، حيث لم يعد حتى الآن، ولربما لن يدخل معابده وقصوره مرة أخرى في حياته. إن الثورة الشيوعية في الصين قد اعتبرت عقائد الكونفوشية والبوذية والإسلام أعداءً لها، وعملت على اجتثاثها، إلا أنها فشلت في ذلك، رغم وحشية الممارسات والاستخدام المفرط للقوة بحق المؤمنين. ولكن الممارسات القمعية بحق أتباع هذه الأديان لاتزال مستمرة وتتحدث عنها تقارير لجان حقوق الإنسان.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s