المخاوف الأمريكية الجديدة حيال سوريا

جان كورد  ‏  أيار ، 2012

منذ تولي قائد أركان الجيوش الأمريكية الشهير كولن باول وزارة الخارجية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش في عام 2001، والعلاقات بين سوريا والوريات المتحدة تمر بمرحلة طويلة من التوتر والاحتقانات المتتالية، وقد زار كولن باول الذي استقال من منصبه ذاك في عام 2004 دمشق عدة مرات، مهدداً النظام السوري مباشرة وقائلاً لرئيسه الأسد بأن بلاده غير راضية عنه، ووصف الوجود السوري في لبنان آنذاك بأنه “احتلال”، إلا أن الولايات المتحدة، على الرغم من انتقال السلطة فيها من أيادي الجمهوريين المتشددين (النيوكون) إلى الديموقراطيين، كانت تجد في علاقاتها مع نظام الأسد بعض الإيجابيات وأسساً لتعاون مثمر في مجالات مختلفة، وفي مقدمتها الاستمرار في عدم المساس بالأمن الاسرائيلي من جهة الجبهة الشمالية لها (الجولان)، ومحاربة إرهاب “القاعدة”، وعدم دعم “حماس” إلا بهدف احتوائها وتليين مواقفها، والمساهمة في ترتيب الأوضاع في العراق، من خلال ضبط حدودها بهدف منع تسلل “المقاتلين العرب” عبر سوريا، والكف عن التخريبات السياسية وعمليات الاغتيال والتدخل في الشؤون الداخلية للبنان بعد الإنسحاب منه عسكرياً، والابتعاد عن السياسة الايرانية وعن لعب دور جسرٍ لايران لدعم حزب الله 

إلا أن نظام الأسد الذي كان يفهم جيداً مخاطر أي مواجهة مع أمريكا الغاضبة منذ اعتداءات القاعدة الإرهابية عليها في 9 /11 من عام 2001 لم يلتزم تماماً بمعظم البنود التي وضعها كولن باول كإطار للعلاقات السليمة بين البلدين، سوى الإنسحاب الفوري من لبنان، والسبب في ذلك هو أن النظام السوري كان ولايزال يعلم بأن العدو الأول المعلن عنه للولايات المتحدة هي المنظمات الإسلامية المتطرفة، وفي مقدمتها القاعدة، ولذلك فإن إعلان الحرب عليه، من قبل أمريكا أو اسرائيل، بعيد الاحتمال، وبخاصة فإنه يعمل كعنصر أمن للسي آي ي والإيف بي آي، في موضوع “القاعدة”، ومن ثم بسبب ما حدث للأمريكان في أفغانستان والعراق من انتكاسات سياسية وعسكرية، وما كلفته الحرب من مئات المليارات من الدولارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني والشعب الأمريكي، فشعر رأس النظام السوري بأنه لن يتلقى صفعات قوية كالتي تلقاها جاره صدام حسين في عام 2003، واستمر في مناوراته الطائشة بهدف إظهار نفسه داخلياً كنظام قوي وقادر على مواجهة التحديات الخارجية، بل كنظام “ممانعة” يواجه “الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية!”، في حين أنه اضعف من مواجهة أحد، حيث نعلم كيف كان رد فعله عندما هدد رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد بغزو سوريا في حال عدم طردها لزعيم حزب العمال الكوردستاني من دمشق، وكيف نفذ النظام أمر كولن باول – دون اعتراض –  بشأن الإنسحاب من لبنان مذموماً مدحوراً 

اليوم، بعد أن أوغل النظام الأسدي في سياسة القمع الوحشي في مختلف صوره وأشكاله ضد الشعب السوري، ووصل عدد ضحايا إرهابه الدموي إلى ما يزيد عن ال12000 مواطن سوري، معظمهم من المدنيين، وارتفع عدد المعتقلين واللاجئين السوريين إلى خارج البلاد، وبخاصة إلى تركيا ولبنان والأردن وكوردستان العراق، وتزايدت الإنشقاقات في صفوف الجيش السوري النظامي، كان لابد للأمريكان من إعادة النظر في “الملف السوري” نتيجة الضغوط المتزايدة من المنظمات الإنسانية والدولية على الإدارة الأمريكية والفظائع التي تعرضها وكالات الإعلام العالمية، وبخاصة فإن تفاقم هذه الإنشقاقات ستفتح الباب ل”حرب أهلية” في سوريا، أي على حدود اسرائيل التي يعتبر أمنها واستقرارها من أهم مرتكزات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وإن تزايد أعداد اللاجئين السوريين إلى لبنان سيؤثر في التركيبة الديموغرافية الطائفية في شرق لبنان وشمالها، وقد تنجم عن ذلك مشاكل كبيرة، منها مشكلة “التطرف” التي نجمت عن تواجد أعداد ضخمة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من قبل، واللبنانيون لايستطيعون إعادة السوريين في الظروف الحالية إلى بلادهم 

إلا أن أهم ما تحسب له الإدارة الأمريكية حساباً هو تحمس كلٍ من قطر والعربية السعودية لفكرة تسليح قوات الجيش السوري الحر الذي يعتبر نفسه من فصائل المعارضة السورية، ويجد نفسه ملزماً بالدفاع عن الشعب السوري في مواجهة إرهاب النظام، وذلك بعد أن امتنع المجتمع الدولي عن تقديم المساعدة اللازمة للسوريين بهدف وقف آلة التدمير الأسدية، وبعد أن وقف الروس والصينيون والايرانيون موقفاً داعماً من كل الوجوه لهذه الآلة الإجرامية التي تحصد أرواح المدنيين السوريين. والأمريكان يبدون قلقهم من تفاقم الأوضاع في سورية باتجاه “الحرب الأهلية” التي قد تجذب أعداداً كبيرة من أنصار “القاعدة” و”الجهاديين” من شتى الأصقاع، وأن تصل الأسلحة التي في أيدي السوريين إليهم، فيستخدمونها ضد الأمريكان وحلفائهم، كما فعلوا في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003 

من البدهي أن الإدارة الأمريكية، بعد نجاح رئيسها باراك أوباما في القضاء على رأس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، التي لاتزال عدوها الأول، تجد نفسها في موقف أقوى من قبل، وبخاصة بعد أن تمكنت من اعادة الآلاف من جنودها إلى الوطن من العراق ومن أفغانستان، إلا أنها تجد نفسها عاجزة تماماً عن القيام بأي عمل جاد من خلال مجلس الأمن الدولي، الذي يستخدم فيه الروس والصينيون حق الفيتو لاحباط أي محاولة أمريكية – أوروبية على غرار ما حدث تجاه نظام معمر القذافي في ليبيا قبل الآن، ولذلك فإنها مضطرة للبحث عن بدائل أخرى، كدفع تركيا، حليفتها في حلف الناتو، للقيام بعملٍ عسكري ما ضد نظام الأسد، إلا أن تركيا لن تقوم بأي مهام للناتو، بهدف إحداث مناطق آمنة للسوريين، طالما لاتستفيد منها استفادة قصوى، ومن ذلك ضرورة ممارسة الولايات المتحدة لمزيد من الضغوط على الإتحاد الأوروبي ليفتح الباب الموصود حتى الآن لانضمام تركيا إليه، وتقديم مختلف أنواع الدعم المالي واللوجستي لها في حال اقدامها على عمل عسكري، والسماح لها بالتصرف بحرية أكبر حيال تقزيم “الملف الكوردي”، والضغط على الأوربيين بصدد مساعيهم في موضوع “المذابح الأرمنية” التي حدثت في أواخر العهد العثماني 

وحيث أن مطالب تركيا كثيرة ومكلفة مالياً وسياسياً، وقد يجر الغزو التركي لشمال سوريا الايرانيين وحزب الله وحزب العمال الكوردستاني واسرائيل إلى الحرب، فإن الإدارة الأمريكية ليست قلقة فحسب، وإنما مضطرة للقيام بما يمكن اعتباره بديلاً عن حربها المباشرة ضد نظام الأسد، الفاقد للمصداقية والمعزول داخلياً وخارجياً والآيل إلى الزوال، رغم كل الفرص التي اقتناها ولم يستفد منها لتحقيق الأمن والاستقرار الوطني، وبخاصة فرصة تواجد مبعوثي الجامعة العربية وتواجد بعثة الأمم المتحدة حالياً تحت أمرة كوفي عنان. كما أن اقتراب موعد الإنتخابات الأمريكية في الشهور القليلة القادمة يفرض على الإدارة الأمريكية ابعاد تهمة “الفشل” عن نفسها في معالجة الملف السوري، وبخاصة فإن الجمهوريين لايقبلون بأن تهين روسيا والصين بلادهم إلى هذه الدرجة في مجلس الأمن الدولي باستخدامهما الفيتو لأكثر من مرة في وجه مشاريعها أو المشاريع التي تؤيدها بصدد الموضوع السوري، ففي نظرها لايمكن لبوتين لعب ذات الدور الذي لعبه خروتشوف أثناء الأزمة الصاروخية الكوبية، ولن تسمح له بأن تحتل روسيا مكانتها العالمية التي كانت عليها أثناء الحرب الباردة وخسرتها سياسياً وآيديولوجياً واقتصادياً وعسكرياً 

وبقدر ما تزداد المخاوف الأمريكية يزداد خوف نظام الأسد من مغبة نفاذ الصبر لدى الإدارة الأمريكية، ولذا فإن فشل خطة كوفي عنان ذات النقاط الست قد تدفع بالأمور في عكس الاتجاه الذي يأمله نظام الأسد، فتكون نهايته بنهاية هذه المهلة الممنوحة له عن طريق خطة عنان التي يجدها الكثيرون من السوريين والمهتمين بالقضية السورية في العالم مؤامرة دولية على الشعب السوري وثورته من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. كما لايدري الأسد السوري كيف ستتصرف إدارة أمريكية غير إدارة  باراك أوباما حياله 

نعم، مخاوف الولايات المتحدة مما وصل إليه الوضع السوري حتى الآن كبيرة، ولكن – كما يبدو – فإن الأزمات لاتنفرج إلا عندما تصل إلى ذروة تأزمها، حيث يضطر العالم إلى إيجاد مخرج ما لها، حتى ولو أدى ذلك إلى سقوط أنظمة سياسية ورحيل عملاء وانتهاء عقود أجراء 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s