من يسلب الكورد السوريين قلوبهم؟

جان كورد / ‏15‏ نيسان‏، 2012

في البداية يمكن القول بأن المهاتما غاندي، قائد المعارضة الهندية ضد الاحتلال البريطاني، استطاع كسب قلوب كل المواطنين الهنود، ليس بسبب مبدأ اللاعنف الذي نادى به وآمن به وعمل له، أو بسبب تضحياته الجسيمة وتحمله الشدائد في قيادة المعارضة السلمية ومقارعة البريطانيين، أو بسبب تواضعه وبساطة الحياة التي اختارها فحسب، وإنما لأنه لم يهمل أي مكونٍ ديني أو قومي أو اجتماعي في الهند العظيمة مهما كان صغيراً، واعتبر نفسه ممثلاً لطموحات ذلك المكون، وكأنها ممثلها الشخصي المباشر، حتى طائفة “المنبوذين” الذين ذهب المهاتما غاندي لغسل عتبات منازلهم، في حين لم يكن يتنازل أي سياسي آخر لزيارتهم في أزقتهم القذرة. 

يعج الشارع الكوردي السوري بكثيرين من الزعماء الحزبيين وآخرين من حملة الآراء والمفاهيم السياسية، وبامكان المرء سماع مواقفهم كل آنٍ بوضوح تام، إلا أن أحداً منهم لم يسلب الكورد السوريين قلوبهم حتى الآن كما يبدو. والحمد لله لانسمع بينهم الأفكار العنصرية أوالمتطرفة من فاشية و نازية وإرهابية، حيث يكاد يخلو منها المجتمع الكوردي، وهذه نعمة يجب الحفاظ عليها، فالحياة المشتركة لسائر المكونات الدينية والاثنية في سلامٍ ووئام تصبح شاقة ومتدهورة في حال نشوء أفكار التطرف والتعصب والعمى الفكري، وفي حال سعي البعض تحويل تلك الأفكار السيئة إلى أفعال وممارسات،.

لقد كسب القادة والزعماء الكوردستانيون وأحزابهم وثوراتهم بتفاوتٍ ملحوظ قلوب الشعب الكوردي في سوريا، وذلك لأنهم ضحوا بالغالي والنفيس من أجل أمتهم المجزأة والمضطهدة، ومنهم من قدم عنقه أو قاتل كمحاربٍ في الصف الأول معظم سنوات عمره في سبيل هذه القضية القومية العادلة، ومن أبرزهم العلامة الجليل، الشهيد قاضي محمد والقائد الخالد مصطفى بارزاني، إلا أن أحداً من الزعماء السوريين، كورداً (مثل الرئيس حسني الزعيم أو محسن البرازي) أوعرباً (مثل شكري القوتلي أو ناظم القدسي) أو من الأقليات (مثل فارس الخوري) أو من الإسلاميين (مثل مصطفى السباعي)، لم يتمكن من كسب قلوب الكورد السوريين، لأنهم لم يكترثوا بوجود الشعب الكوردي ومطالبه القومية، ولكن بعضهم انتهج سياسات أثارت انتباههم كما أثار بينهم النقاشات العديدة، ومنهم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، الذي أوى الزعيم العمالي السيد عبد الله أوجالان وبعض رفاقه الهاربين من شمال كوردستان تحت وطأة الانقلابيين الطورانيين، ودعمهم بالسلاح للقتال ضد تركيا، كما فتح أبواب دمشق للزعيم الشهير مام جلال طالباني (الرئيس العراقي الحالي) وفيما بعد للأخ مسعود بارزاني من جنوب كوردستان، ولكن حافظ الأسد لم يتمكن مع كل هذا الود تجاه القيادات الكوردستانية من خارج سوريا من كسب قلوب الكورد السوريين لأنه كان مضطراً لانتهاج تلك السياسة الودية بسبب مشكلة المياه مع تركيا، وبسبب علاقاته المتدهورة مع نظام صدام حسين، مقابل انتعاش علاقاته مع ايران المعادية للعراق آنذاك. ومن ناحية أخرى، فإن الكورد السوريين كانوا يرون بأعينهم كيف ينفذ الأسد الأب مختلف المخططات الشوفينية الإجرامية ضد الوجود القومي لهم في سوريا، ولذلك فإن الشعب الكوردي “السوري” لم ينخدع في يومٍ من الأيام بالسياسة ذات الوجهين لحافظ الأسد ونظامه، على الرغم من أن أخاه جميل الأسد تمتع بشعبية واسعة بين البسطاء من الكورد، الذين انضموا بالآلاف إلى جمعيته الشهيرة “جمعية المرتضى”، حيث كان أعضاء الجمعية يجدون في العلاقة مع شقيق الرئيس درعاً لهم ضد ابتزاز واستغلال مختلف الأجهزة القمعية والأمنية في مناطقهم.

لم يجد الكورد السوريون لهم سنداً في أي نظامٍ سياسي سوري، منذ الاستقلال الذي وصلت إليه سوريا بنضالات جميع المكونات الوطنية، ومنهم الكورد أنفسهم، فلا الوطنيون الديموقراطيون، ولا الأحرار الليبراليون، ولا الانقلابيون العسكريون، ولا العروبيون البعثيون، ولا الإسلاميون أو الشيوعيون، فإن أحداً لم يكترث لوجود شعبٍ كوردي متميز في سوريا، وما كان الشيوعيون السوريون ينشرونه بالكوردية والعربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلا محاولة منهم لوقف نمو الوعي القومي لدى الجماهير الكوردية آنذاك، بدليل أنهم لم يستمروا في نشر أدبياتهم بالكوردية رغم تزايد عدد الأعضاء الحزبيين منهم، وازدياد عدد القراء بالكوردية أيضاً في البلاد، بل لم يضر أحد بالقضية القومية الكوردية مثل الحزب الشيوعي السوري الذي كان قائده الشهير خالد بكداش نفسه كوردياً، والتزم آلاف الكورد إلى حزبه أملاً منهم بأنه سينصفهم عندما يصبح حزبه قوةً سياسية فاعلة في سوريا، بل على العكس فإن وثائق الخلافات بينه وبين منافسه الشيوعي الشهير، المعارض السوري رياض الترك، على أثر انضمام الحزب الشيوعي لما يسمى ب”الجبهة الوطنية التقدمية”بعد انقلاب “الحركة التصحيحية” لحافظ الأسد في عام 1970 أظهرت للملأ مدى ابتعاد الحزب الشيوعي السوري عن جوهر القضية القومية الكوردية، فخسر السيد خالد بكداش قلوب الكورد، وانحسر تنظيمه بينهم مع الأيام لأنهم فقدوا الثقة به وبحزبه، وبعد خروج السيد رياض الترك من سجنه بعد سنواتٍ طويلة من الاعتقال التعسفي، اعتبره بعض الكورد رمزاً من رموز الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، فراحوا يستقبلونه ويقبلونه ويتفاخرون بصداقته والتحالف معه، ولكنه مع الأسف لم يتمكن أيضاً من سلب قلوب الكورد لأنه أظهر حقيقة مواقفه المعادية لمنح الكورد أي حقوق قومية سوى القشور، في أكثر من مناسبة، مما أضطر أحباؤه الكورد إلى لفظه والتبرؤ منه أمام شعبهم الذي كان يشك به منذ البداية.

عندما ترجم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الملحمة الشعرية الكلاسيكية الكوردية (مه م و زين)، وكتب في مقدمة الترجمة كلاماً جميلاً ومسهباً عن الأمة الكوردية وكفاحها من أجل الحرية، ارتفعت أسهمه بين الشعب الكوردي بشكل ملحوظ، وازداد عدد مريديه وأتباعه بين الكورد، ولكنه عندما حذف تلك الفقرات الجميلة من مقدمة الطبعة الثانية من ترجمته وغير مولد الشاعر الكوردي الكبير أحمدى خاني مئات الأعوام ليجعله من مواليد 1953، انفض الكورد من حوله وتبرأوا منه واعتبروه منحرفاً عن الخط الوطني الكوردي لوالده الشيخ رمضان البوطاني (نسبة إلى أيالة بوطان في شمال كوردستان وليس البوط)، ومما زاد في الطين بلة هو أن هذا العالم الشهير، الذي يعتبر من العارفين بحقائق الإسلام، تبرأ بنفسه من أصوله الكوردية بكلمات تافهة حقاً وصار خادماً مطيعاً للدولة الأسدية وبعيداً جداً عما يحدث للشعب السوري عامةً وشعبه الكوردي خاصةً من جرائم يرتكبها النظام الأسدي التابع لملالي الشيعة في ايران، ففقد الإسلاميون بذلك وبالمواقف الشوفينية لبعض تنظيماتهم تأثيرهم على الشعب الكوردي وغابوا عن الساحة الكوردية عقوداً طويلة من الزمن. إنهم غابوا عن الشارع الكوردي بسبب تجاهلهم لمطالب الشعب الكوردي العادلة، تلك التي لايعقل أن يكون الدين العظيم ضدها حسب ما تعلمناه من شيوخ الكورد الكبار في تاريخنا التحرري الطويل، ويحاول بعض الإسلاميين – اليوم – الاقتراب من القضية الكوردية، من خلال تأسيس منظمات تابعة لهم وتحمل أسماء كوردية ولكنها تتبنى سياساتهم حيال مختلف القضايا، ومنها المسألة الكوردية، ولكن من دون الاعتراف بأنهم أخطأوا تاريخياً في مواقفهم تجاه هذه القضية العادلة شرعاً، وبهذا الأسلوب الخجول الذي يتطرقون به إلى القضية الكوردية بشكل عام سيبقون ردحاً طويلاً من الزمن خارج قلوب الكورد وبعيدين عن الشارع الكوردي النضالي، إلى أن يظهر منهم من يقوم الاعوجاج ويمتلك نظرة ثاقبة ويتفهم آلام الأمة الكوردية المجزأة مثل تفهمه لكفاح الشعب الفلسطيني أو الشعب الكشميري مثلاً.

واليوم، نرى هذا الشارع بمنأى عن الاعتراف بأي شخصية في النظام أو المعارضة، وبالتالي فإن أحداً لم يسلب الكورد قلوبهم، سوى شهدائهم وشهداء الحرية في سوريا، وفي مقدمتهم المجاهد الكبير الشهيد محمد معشوق الخزنوي، الذي وقف في وجه العدوان الأسدي وقفة تاريخية لن تنساها الأجيال القادمة، وكذلك سلسلة من كوادر الحركة الوطنية الكوردية المتقدمين كالأستاذين المناضلين مشعل التمو ونصر الدين برهك وسواهما من الذين كانوا كالأشواك في حلوق النظام وعملائه  فتم اغتيالهم بوحشية.

لقد كتب بعض الأحرار السوريين، سواءً كمواطنين مستقلين أو كمساهمين في المعارضة السورية، مقالات وسجلوا مواقفاً إيجابية، بأسمائهم الشخصية أو بأسماء تنظيماتهم الحزبية، تجاه الحق القومي للشعب الكوردي ووجوده في البلاد، وهذا واجب وطني يقع على عواتقهم، وليس منةً من أحد على هذا الشعب الذي يجب إنصافه في سوريا المستقبل، بعد طول إضطهادٍ قومي متخلف مارسه العروبيون البعثيون وأتباعهم ضده، في سائر المجالات، ولكن حتى اليوم لانرى زعيماً سورياً، كوردياً أو عربياً أو من الأقليات، يحظى بمحبة الشعب الكوردي ويسلبهم قلوبهم الباحثة بحرارة عمن يعتبر نفسه مسؤولاً مباشراً عن حل قضيتهم الإنسانية والقومية، وينظرإليهم نظرة الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي لسائر مكونات مجتمعه الهندي الكبير. والشعوب تفتح صدورها لكل من يلتفت إلى مآسيها ومشاكلها، ولكنها لاتمنح قلوبها إلا لمن يرى نفسه أحد أبنائها ورجالها المكافحين من أجل وجودها وحقوقها. وهذا يجب أن يأخذه زعماء الكورد مأخذ الجد قبل غيرهم من الزعماء السوريين من غير الكورد 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s