وماذا عن الدولة الكوردية؟

جان كورد / ‏13‏ نيسان‏، 2012

اليوم أصبحت في الرابعة والستين من عمري، ولازلت أحلم مثل أي كوردي آخر في عالمنا الفسيح هذا (والأحلام ليست من المحرمات كما أعلم) بأن تكون لنا نحن الكورد أيضاً راية ترفرف أمام مبنى الأمم المتحدة، أسوةً بسائر شعوب الأرض في مختلف القارات الخمس. ولكن يبدو أنني لن أرى أو لن أسمع بذلك الخبر السار في حياتي، لبعض الأسباب الأساسية:

–          القيادات الكوردية السياسية، منذ ولادتي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم تخلت لسوء حظي عن الكفاح من أجل استقلال كوردستان للعمل – قدر المستطاع- في سبيل تحقيق برامج اقليمية تتعلق بالاقاليم التي فيها من أجزاء كوردستان المختلفة. وحتى أن بعضها – وإن رفعت شعارات ومطالب استقلالية – فإنها كانت تفكر باستقلال اقليمها دون الأقاليم الكوردية الأخرى، بل كانت مستعدة للتخلي عن كل تفكير كوردستاني شامل وحتى عن وجود الأقاليم الأخرى في تحالفاتها مع الدول والأحزاب غير الكوردية في المنطقة، وبسبب تناحراتها الحزبية السياسية والدموية في بعض الأحيان، ولنا في هذا المجال أمثلة يمكن العودة إليها حين الحاجة إليها.

–          الدول التي تقتسم أرض كوردستان بنظمها السياسية وبحكومانها وجيوشها وحتى بالغالبية من شعوبها كانت ولا تزال بدوافع عنصرية ضد تحقيق أي خطوة كوردية في اتجاه اقامة الدولة الكوردية المستقلة، حتى في جزءٍ من كوردستان غير خاضعٍ لها أيضا، أو حتى على سطح المريخ.

–          المصالح الدولية الشائكة والمتطورة مع الدول التي تقتسم كوردستان، وهي المصالح التي خطت ورسمت اتفاقية سايكس – بيكو الاستعمارية في عام 1916 من أجل تحقيقها، وكما نعلم فإن الأمة الكوردية هي الضحية الكبرى لتلك الاتفاقية التي يزعم كثيرون من مثقفي الشرق الأوسط أنهم ضدها، ولكن عندما يتعلق الأمر بتحرير الكورد وتوحيد كوردستان فإنهم يتشبثون بها ويدافعون عن تقسيماتها ويعتبرون نتائجها السلبية للأمة الكوردية أمراً واقعاً، يجب على الكورد قبوله. وقد يستغرب البعض هنا من أن عدداً هائلاً من مثقفي الأقليات التي تجد لدى الكورد الحماية في أيام الاضطهاد والقمع حيالهم هم – مع الأسف – من أشد أعداء أمتنا التي تأويهم وتؤازرهم وتمنحهم حقوقهم الإنسانية والدينية، كما هو الوضع في جنوب كوردستان اليوم، ولكن التاريخ يذكر لنا بوضوح أن أباءهم وأجدادهم الذين كانوا يعتبرون منافحين عن الحريات والديموقراطيات والسلام بين الشعوب، كانوا في صف داعمي مؤامرة سايكس – بيكو ضد إرادة الأمة الكوردية، فلا غرابة أن يتخذ الأحفاد مواقف الأجداد في يومنا هذا أيضاً.

–          الظروف الذاتية والموضوعية لنشوء الوعي السياسي الكوردستاني، وتكرار الهزائم الكوردية التي رافقتها المجازر الدموية الكبرى وتعرض كوردستان بسببها إلى ما لا يوصف من الويلات والمصائب، وانحدار المجتمع الكوردي نتيجة سياسات الاضطهاد والاقصاء والتمييز من مختلف النواحي إلى مهالك الجهل والفقر والتخلف، وبالتالي النمو الضعيف وغير المتماسك للمجتمع السياسي الكوردستاني بحكم المعوقات العشائرية والصوفية والتفاوت الطبقي، إضافة إلى المحاولات المستمرة من قبل أعداء الكورد وكوردستان لابعاد الشباب الكوردي عن تكوين ذاته كوردستانياً، بنشر المفاهيم الخاطئة عن الدين والشيوعية والليبرالية، والعمل المستميت لاظهار أي نزعة قومية كوردية تحريرية على أنها في “خدمة أعداء الله من امبرياليين وصهاينة ورجعيين”. فالمسلم المتين الايمان كان يجب أن يكون ضد الدولة الكوردية في الوقت الذي يستميت في الدفاع عن الدولة العربية أو التركية أو الفارسية، والشيوعي الصحيح كان يترفع عن المطالبة بالحق القومي للشعب الكوردي، ولكنه كان مدافعاً لامثيل عن حق الاستقلال للشعوب الأخرى، والديموقراطي الكبير كان هو الذي يضمحل ويندثر في المجتمع العربي او التركي أو الفارسي وينسى آلام شعبه وحقه.

طبعاً، قد تكون هناك أسباب أخرى أدت مع هذه التي أوردناها إلى تشتت وتجزئة الكفاح الوطني والقومي للأمة الكوردية، وانحرفت الحركة السياسية الكوردية بحكم التطورات العالمية وفي ظروف التقسيم التي تعرضت لها كوردستان وتحت وطأة سياسات الغصب والعدوان، عن الطريق التي كانت تسير عليها قبل الحرب العالمية الثانية، بل حاول بعض الزعماء والقادة تبرير الانحراف بأساليب وفلسفات وسياسات لم تزد الأمة الكوردية إلا تجزئة وتقسيماً وتفرقة مع دوام النمو الاقليمي لهذه الحركة نتيجة ارتماء القيادات في أحضان النظم التي تستبد بالأمة الكوردية.

بدأ القادة الكورد اليوم يشعرون بضعفهم وفرقتهم أمام قوة ووحدة أعداء الكورد وكوردستان، رغم كل نزاعاتهم على الماء والبترول والأرض والمصالح الاستراتيجية. كما بدأ هؤلاء القادة الذين لانشك في سعيهم لخلاص أمتهم من العبودية يتنادون من أجل مزيدٍ من التلاحم الكوردستاني والتضامن والتقارب والتلاقي، بعد أن كانوا يقاتلون ضد بعضهم بعضاً ويتنازعون على مناطق وجبهات وآيديولوجيات وسياسات، وكان أعداء الكورد يهيجون ويثيرون تلك النزاعات بين التنظيمات والزعامات الكوردية بما استطاعوا من قوى مادية واعلامية وعسكرية واستخباراتية. وصارت الحركة السياسية الكوردية ترفع من سقف مطالبها القومية في اقاليم كوردستان المختلفة، بعد أن كانت ترضى بأقل من ذلك بكثير، وبعضهم يبرر هذا التحول بتطورات القضية الكوردية والتطورات الدولية والاقليمية، والسقف الحقيقي الذي يستحقه الكورد كأمة بين أمم الشرق الأوسط لمطالبهم القومية، هو الاستقلال – اليوم- حسب نظرة بعض الذين كانوا يعتبرون مجرد التفكير في هذا الاتجاه مغامرة خطيرة للحركة السياسية الكوردية. وفي الحقيقة فإن أحداً من أعداء الكورد وكوردستان لم يصدق أبداً تلك المطالب المتواضعة للشعب الكوردي في هذا الاقليم أو ذاك، فكانوا ولا زالوا يعلمون بأن أي أمة من أمم الأرض تسعى من أجل وحدتها واستقلالها وحريتها، وفي نهاية المطاف سيطالب الكورد باقامة دولتهم الشاملة لهم على أرض وطنهم كوردستان، فهذا حق دولي لايمكن استثناءهم منه، ولذلك فإن الخلافات بين القيادات الكوردية وحكومات البلدان المستبدة بالأمة الكوردية لم تنته في يومٍ من الأيام، والثقة لم تبنى بين الطرفين بشكلٍ صحيح والشكوك كانت تحوم على كل ما يقومون به معاً، وفي النهاية كانت تتفجر الحروب من جديد بين الكورد وأعداء الحرية الغاصبين لأرضهم.

لقد أعلن مؤخراً رئيس اقليم جنوب كوردستان الأخ مسعود البارزاني بان الحكومة المركزية في بغداد لاتنفذ مواد الدستور المتعلقة بالمناطق المحتلة من كوردستان، ومنها كركوك خاصة، وبالبيشمركه (القوات الكوردية) وبعقود البترول الموقعة بين الشركات البترولية وحكومة اقليم كوردستان، وتتنصل الحكومة من وعودها وتجهز نفسها لفرض املاءاتها بالقوة على الشعب الكوردي وقيادته، وهذا مرفوض كلياً وقد يجبر الكورد إلى “إعلان استقلالهم!”… وهذا الاستقلال سيكون للاقليم الكوردي في العراق وحده كما نفهم من الصياغات السياسية والقانونية للموضوع. ويعتمد الأخ مسعود البارزاني في موقفه هذا على قوى الشعب الكوردي المتنامية وعلى نتيجة استفتاء سابق تم القيام به في الاقليم، حيث طالبت أكثرية ساحقة من الشعب الكوردي باستقلال الاقليم آنذاك إلا أن القيادة السياسية آثرت الانتظار لأسباب عدة، كما أنه يراهن على علاقات الاقليم المتنامية مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. ولكن ماذا عن ردود أفعال الدول المعنية (تركيا، ايران، العراق وسوريا)؟ فهل يمكن للكورد الصمود في وجه عدوان عسكري – سياسي مشترك دون تكون لديهم استراتيجية كوردستانية مشتركة وقيادة موحدة؟

الموضوع خطير، والدول لاتبنى بالأحلام والمشاعر، إذ ليس هناك مصارع ذكي يستخدم جزءاً صغيراً من طاقته في صراعه مع منافسه، الذي لن يطيح به فحسب، بل سيخنقه أيضاً إن تمكن منه، ولذلك فإن البحث عن أسباب القوة الكوردية وتوظيفها يتطلبان استراتيجية تحرير كوردستانية مشتركة، ذات برنامج وخطط عمل تستند إلى دراسات عميقة وعديدة لكل جوانب الموضوع. وهذا يستدعي عقد العديد من المؤتمرات بصدده، وتطوير القوى السياسية وتوحيد صفوفها وتفعيل مختلف الطاقات القومية لزجها في معركة الحرية والاستقلال، إن كان الكورد يريدون حريتهم واستقلالهم فعلاً، ولكن بعض المتشائمين يقولون بأن هذه التكتيكات والخطوات التي يقوم بها بعض قادة الكورد الآن ما هي إلا للضغط على حكومة السيد نوري المالكي لارغامها على تحقيق مطالب الاقليم الكوردي (الفيدرالي) وصده عن القيام بمحاولات طائشة ضد الشعب الكوردي والخروج من قوقعته القاسية التي بناها حول نفسه في العراق الديموقراطي، بحيث يتهمه العراقيون بأنه دكتاتوري النزعة والسلوك.

برأيي، إن الدعوة إلى المؤتمر الوطني الكوردستاني الموعود من قبل السيد البارزاني لسائر القوى والتنظيمات والشخصيات الوطنية المناضلة في كوردستان لاتكفي لوضع أساس لقيام دولة كوردية شاملة، وليس الهدف من هكذا مؤتمر نشر المزاعم في هذا الاتجاه أصلاً، فالعمل من أجل دولة كوردية شاملة يتطلب تغييرات جذرية في سلوك وسياسات وبرامج الأحزاب الرئيسية في عموم كوردستان، ولكن لو نظرنا إلى وضع الأحزاب الكوردية لرأيناها في تحالفات اقليمية مع قوى وتنظيمات غير كوردية، وتتفق معها على النضال من أجل توسيع نطاق ممارسة الكورد لحقوقهم القومية ضمن حدود الدول التي تقتسمهم، وأعلى ما يطرحه الكورد في الاقاليم المتجاورة هو مطلب “الفيدرالية” الذي يتعثرون في نيله، لجملة من الأسباب، وفي مقدمتها النزعة العنصرية للعديد من “الحلفاء”، وبعض هذه الأحزاب تريدها مجرد “إداراة ذاتية ديموقراطية غير قومية”، وإن نواب الكورد في برلمانات الدول الغاصبة لحق الكورد في الاستقلال يقسمون اليمين الدستورية على العمل من أجل حدود وسيادة ووحدة تلك الدول، أما ما تحقق من الفيدرالية دستورياً في جنوب كوردستان فلايزال موضع الخلاف في التفسير والتنفيذ بين المركز الحاكم في بغداد والاقليم الكوردي حتى اليوم.

ولذا، فإن على سياسيي الكورد وضع الاستراتيجية الصحيحة أمام شبابهم، والسير وفقها مع بعضهم بعضاً ومع حلفائهم في المنطقة وعلى الصعيد الدولي، فإما أن يتحولوا إلى استراتيجية “نحرير وتوحيد كوردستان” كما فعل الآباء والأجداد وقدموا أعتاقهم ثمناً لذلك، ويجعلوا من هذا الشعار هدفاً مشتركاً وملزماً لكل أحزابهم وتنظيماتهم السياسية – الثقافية، وإما أن يجعلوا من هذا “الحلم القومي” هدفاً بعيداً للأجيال القادمة، أو بعيد المنال على حد قول عدة زعماء من زعماء الكورد، ويعملوا مع حلفائهم و”شركائهم” في الأوطان التي يعيشون فيها على أساس تحقيق فيدراليات قومية لهم أو ما دون ذلك، ضمن حدود تلك الأوطان، وأن يعملوا على زرع الثقة وبنائها بينهم وبين هؤلاء الشركاء، لا ترك الموضوع هلامياً غير قابل للفهم وتفوح منه روائح مختلفة في الوقت ذاته فيتيه الحلفاء في الضباب السياسي الذي يثيره الكورد حولهم

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s