مطلوب قرار كوردي سوري في المعارضة السورية

جان كورد/ ‏10‏ نيسان‏، 2012

اعتباراً من صباح هذا اليوم وخلال ال48 ساعة القادمة يفترض أن تنسحب الدبابات والأسلحة النظامية السورية من المدن والبلدات التزاماً عملياً بمبادرة المبعوث الدولي – العربي السيد كوفي عنان، الأمين السابق للأمم المتحدة، ولكن بحكم أن لا أحد يأخذ كلام الأسد السوري مأخذ الجد، بل لايصدقه إلا بعض أشياعه وأتباعه، لذا لن أكتب عن هذا اليوم، سوى أنه جاء تأكيداً للمقولة بأنه يوم شاهد على “مهلة القتل” التي منحها المجتمع الدولي لهذا النظام الدموي، الذي وصل به الاستخفاف بالعقول إلى درجة مطالبته بضمانات خطية بوقف المقاومة ضد عدوانه من مواطني بلاده الذين اتهمهم باستمرار ب”العصابات المسلحة” التي عليه محاربتها وابادتها… وانتقل مباشرة دون تفصيلات أخرى إلى الحقل الكوردي من هذه المزرعة السورية المروية بدماء آلاف الشهداء ودموع الثكالى.

لايختلف إثنان من الكورد على أن لكل اقليم كوردي من أقاليم كوردستان المجزأة، الخاضعة لايران وتركيا والعراق وسوريا، ظروفه الذاتية الناجمة عن استمرار بقاء هذه الاقاليم تحت سيطراتٍ سياسية وعسكرية، وضمن مناطق نفوذ اقتصادية وتأثيرات ثقافية مختلفة، إضافة إلى النمو غير المتوازي وغير المتناسق لحركة التحرر الوطني الكوردية في هذه الاقاليم. حيث وصل الأمر إلى درجة ترسيخ “الاغتصاب” للأرض الكوردية تاريخياً وعرضه حتى من قبل العديد من السياسيين والمثقفين الكورد على أنه “شراكة شعوب”، والفارق بين “الغصب” و”الشراكة” معروف لديهم بالتأكيد، كما أنه لم تعد هناك مطالبة – سوى في نطاق سياسي محدود –  بأن تقوم هناك دولة لهذا الشعب المجزأ رغم أنه لا تفصل بين أوصاله شعوب أخرى (لاننسى محاولات الدول المحتلة لكوردستان إحداث أحزمة حدودية عنصرية – كالحزام العربي في سوريا – بهدف تغيير الديموغرافيا الكوردية)، ورغم أن تعداده السكاني أكبر من تعداد سكان أكثر من 10 دول أعضاء في هيئة الأمم المتحدة مجتمعة.

هذا الاختلاف في النمو السياسي، الاقتصادي، الثقافي والاجتماعي، لكل جزء من كوردستان على حدة، رغم التأثير المتبادل والمستمر فيما بين هذه الأجزاء، كان يفترض نشوء قيادات سياسية خاصة بها، تمتلك قراراتها السياسية الخاصة. ولكن كما يبدو فإن ضعف الحركة الوطنية الكوردية في الجزء الكوردي من سوريا قد أدى إلى عدم ظهور قيادة سياسية كوردية سورية تمتلك قرارها السياسي، وهذا مؤكد – حسب اقتناعي الشخصي من خلال مراقبتي لهذه الحركة -، وإن وجدت قيادة ما تمتلك قرارها السياسي حقاً، فهي أضعف من أن تقود الشعب الكوردي به، أو تفرضه على عموم الحركة الوطنية لشعبها.

من الناحية النظرية، الكورد السوريون مواطنون سوريون، ولكنهم قبل انطلاق الثورة السورية الكبرى قبل عام، كانوا من الناحية النفسية والشعورية على الدوام مواطنين كوردستانيين، قلوبهم مع إخوتهم وأخواتهم في أربيل والسليمانية ودهوك وكركوك ومهاباد وكرمانشاه وأورميا ووان وآمد وماردين ونصيبين، فيسمعون ويشاهدون برامج الأقنية الكوردية العديدة ويتابعون ما يقوله زعماء الكورد من أجزاء كوردستان الأخرى، ويحملون راية كوردستان ذات الألوان القشيبة التي تسطع في وسطها الشمس، ويحتفلون بالعيد القومي لهم في اليوم ذاته، وينشدون نشيدهم الوطني “أي رقيب”، ويبعثون بفتيانهم وفتياتهم للقتال من أجل تحرير الكورد وتوحيد كوردستان، ومعظمهم لم يكن يأبه لمن يحكم في دمشق أو بغداد أو أنقره أو طهران أو ما يحدث في حماه وحمص و طرطوس، بقدر ما يهتم بما يجري في عاصمة اقليم جنوب كوردستان أو في انتخابات بلديات شمال كوردستان، وكثيرون منهم لايعرفون بيتين من النشيد السوري مثلاً، كما أنهم كانوا يجهلون ألوان العلم السوري… ولكن بعد أن تناول المعارضون السوريون، الديموقراطيون والوطنيون، موضوع الكورد في بياناتهم وحواراتهم ومؤتمراتهم، التفت الكورد إلى “شركائهم في الوطن” واندمجوا بحرارة في كفاحهم من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، التي هي ذات المبادىء والقيم لهم والتي ضحوا بالغالي والنفيس من أجلها في تاريخهم. ولذا لاتستطيع أي معارضة سورية، من أي اتجاه كانت، كسب الشعب الكوردي وأحزابه دون فهم القضية الكوردستانية ككل، ومدى تأثيرها في الوعي السياسي الكوردي السوري.

إذ بسبب تعلق الكورد السوريين بقضيتهم القومية الكبرى، فإنهم لم يتمكنوا من تكوين قرار كوردي سوري خاص بهم، وانقسموا مع الأيام في ولائهم الكوردستاني لعدم وجود مركز قرار كوردستاني واحد حتى اليوم، بل هناك مراكز أساسية مختلفة، ومحاور لايمكن تجاهلها، وأهمها:

–          محور أربيل: الذي أسسه وطوره ورعاه رئيس اقليم جنوب كوردستان، السيد مسعود البارزاني وحزبه الديموقراطي الكوردستاني

–          محور السليمانية: الذي يقوده رئيس العراق الحالي، السيد جلال الطالباني وحزبه الاتحاد الوطني الكوردستاني

–          محور قنديل: الذي يقوده رئيس حزب العمال الكوردستاني، السيد عبد الله أوجلان المعتقل في السجن التركي عمرانلي.

فالمحور الأول والثاني يتنازعان أو يسيطران على “المجلس الوطني السوري” الذي يضم غالبية أحزاب الاقليم الكوردي السوري، ولغالبية أحزاب هذا المجلس ممثليات في اقليم جنوب كوردستان، كما أن للمجلس مكتب في العاصمة هه ولير (أربيل)، في حين أن أقدم عضو فيه، وهو الاستاذ عبد الحميد حاج درويش، مقيم حالياً في مدينة السليمانية عرين الاتحاد الوطني  الكوردستاني، بينما يتردد رئيس حزب البارتي، الدكتور عبد الحكيم بشار، على العاصمة أربيل ويلتقي بقيادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني للتزود ب”النصائح الأخوية” في كل شأن.

أما المحور الثالث فيضم حزباً واحداً، ألا وهو حزب الاتحاد الديموقراطي، الذي يحمل رايةً شبيهة براية دولتي غويانا وليتوانيا من حيث ترتيب الألوان، ويجد نفسه ملتزماً بالأفكار “الخالدة” لزعيمه السيد عبد الله أوجلان، ولكنه يعلن باستمرار “استقلاليته التنظيمية – السياسية” كحزب سوري، وهذا ما لا يصدقه أحد حتى من أقرب مؤيديه وأصدقائه، بحكم علاقاته الوشيجة مع قيادة حزب العمال الكوردستاني، المتمترسة في جبل قنديل في جنوب كوردستان، كما أن حزب الاتحاد الديموقراطي غير منضم حتى الآن للمجلس الوطني الكوردي، في حين أنه منضم لهيئة التنسيق الوطني السورية. 

هناك محاولات حثيثة لبناء المنظمة الكوردية السورية ذات القرار السوري، إلا أن هذه المحاولات لقيت التجاهل والاقصاء، بل المحاربة العلنية من لدن أطراف عديدة في الحركة السياسية الكوردية، مرة بذريعة أنها لاتعول على “العامل الخارجي” لمجرد أن بعض هذه المحاولات الجادة انطلقت من خارج سوريا، ومرة بأن المطالبة ب”الفيدرالية” غير مناسب “الآن”، ومرة بأن المطالبة ب”اسقاط النظام” ليس أولوية كوردية، إلا أن الحراك السياسي الكوردي السوري في غالبيته قد تجاوز هذه الذرائع الباهتة الآن، ولكن الطريق لايزال شاقاً وطويلاً أمام بناء منظمة كوردية سورية تمتلك قرارها السياسي، فتعقيدات القضية الكوردية وتهرب فصائل وشخصيات الحراك السياسي – الثقافي السوري من طرح معالجة حقيقية للقضية الكوردية السورية تلقي بظلالها على الشارع الكوردي وتؤثر فيه سلباً، وتفرض على أي طرف كوردي سوري كان قيوداً تعرقله عن السير صوب اتخاذ القرار السياسي المستقل بعيداً عن تأثيرات الإخوة الكوردستانيين، الذين يتصرفون مع الكورد السوريين تصرف الأخ الكبير الذي حل محل الأب الراحل في البيت المشترك، ولذا يقول الكورد: “كن الفريسة في أفواه الذئاب، ولاتكن صغير الإخوة!”. 

طبعاً، لايمكن إنكار دور الإخوة الكوردستانيين في دعم وتقوية الحركة الوطنية الكوردية في سوريا، كما لايمكن نكران التأثير السلبي لنزاعاتهم على هذه الحركة، ومن خلال التجارب التاريخية يمكن قراءة الآثار الإيجابية والسلبية للعلاقات الكوردستانية لحركتنا الكوردية السورية، إلا أن المطلوب هو وجود قرار كوردي سوري يراعي الظروف الذاتية والموضوعية للاقليم الكوردي السوري، ضمن حدود الدولة السورية، كما يأخذ بالاعتبار المصالح العليا للأمة الكوردية المجزأة ويضع نصب عينيه أهمية العلاقات الكوردستانية وضرورتها في الاقتراب من تلك المصالح، وفي خدمة القضية الكوردستانية عموماً.

والسبب في أن هكذا قرار كوردي سوري مهم للحركة الوطنية الكوردية وللشعب الكوردي في سوريا، هو أن الإخوة الكوردستانيين مهما كانوا مهتمين بالشأن الكوردي السوري فإنهم لايستطيعون اتخاذ القرار الأنجع لمشاكلنا، ولديهم مشاكل كبيرة خاصة بهم، وجهودهم منصبة على تحقيق مصالح اقاليمهم، وليس لديهم الوقت الكافي لمعالجة مشاكلنا، ومن ناحية أخرى لهم مصالح مع دول الجوار علينا أخذها بعين الاعتبار، كما أن المعارضة السورية تريد منا قرارا كوردياً سورياً، تبني عليه علاقاتها مع حركتنا الوطنية وليس على ما نتفق بصدده مع إخوتنا الكوردستانيين، وإهمال هذه النقطة من الموضوع سيقودنا إلى مواقف خاطئة في سياستنا الكوردية السورية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s