الكورد السوريون والورطة السياسية

جان كورد، 4 نيسان ‏، 2012

سئل الشاعر الشهير أبو نواس يوماً فيما إذا كان الواجب لدى السير مع جنازة الميت أن تسير وراء التابوت أم أمامه أم بجانبه، فأجاب:”المهم أن لاتكون بداخل التابوت.” والتابوت الذي نحن بصدده اليوم هو ما تحاول الحركة السياسية الكوردية عدم الدخول فيه. 

هناك حلفان اقليميان، هما الحلف السني والحلف الشيعي، وهما في صراعٍ تاريخي كلاسيكي، إلا أنه أصبح الآن صراعاً متطوراً في الأدوات والامكانات والوسائل والأسلحة، وبخاصة على مستوى الحرب الاعلامية، والكورد كأمة بين الأمم العربية والفارسية والتركية، الاساسية في المنطقة، يمكن وصفها بأنها في غالبيتها العظمى سنية، مع وجود “طائفةً” منها على المذهب الشيعي بمختلف تشعباته، ومنها الطائفة العلوية، إضافة إلى الطائفة اليزيدية التي بعض شيوخها يحاول إظهار الطائفة كقومٍ مستقلٍ بذاته، إلا أن الكورد كأحزاب سياسية وقوى منظمة اجتماعياً تفكر تفكيراً ليبرالياً متجاوزاً التفكير الديني أو المذهبي أو الطائفي، على الرغم من أن العديد من سياسيي الكورد خاضعون لقيود هذين الحلفين المتنازعين في المنطقة، دون الاعتراف بذلك علناً، مع وجود بعض التنظيمات الكوردية الصغيرة الحجم والمحدودة التأثير، تعلن عن نفسها بأنها إسلامية على عقيدة أهل السنة، وهي متمركزة في جنوب كوردستان، ولاننسى وجود تأثيرات صوفية سنية قوية على شرائح هامة من المجتمع الكوردي في شمال وشرق كوردستان.

 يقف الكورد محتارين في هذه الحرب الكلامية العنيفة، وفي بعض أشكال الحرب الفعلية بين هذين الحلفين في المنطقة، كما شهدناه في البحرين من قبل، ومنذ عامٍ كامل في سوريا، يذكرنا بالحرب الأهلية اللبنانية سابقاً، تلك التي تسببت بتدمير لبنان الثري الجميل، وبما شهده العراق الجديد من عنفٍ طائفي رهيب، بعد اسقاط نظام صدام حسين في عام 2003م، وبالتأكيد فإن السياسة الكوردية تحاول الابقاء على كوردستان في منأى من هذه المعمعة، كما تسعى القوى الكوردية المنظمة، بحكم التجارب التاريخية المريرة لامتها المجزأة رغماً عنها، إلى ابعاد شبح الحروب عن هذه الأمة، ولكن كيف يمكن المضي في هذه السياسة والكورد اضعف من أن يتمكنوا من إنقاذ انفسهم من أتون الحرب الطاحنة التي ربما تنفجر في المنطقة كلها، وعناصر تفجيرها متوافرة ومرتبطة بجملة من المؤثرات الدولية والاقليمية العالية التوتر؟

كلا الحليفين يعلمان تماماً مدى قوة الكورد إن توحدوا، ولذلك يتنازعان في كل شيء إلا في موضوع منع الكورد من التوحد ورص صفوفهم وتشكيل قوتهم الذاتية بحرية، حيث الحلفان متفقان في هذه النقطة تماماً، وكلا الحليفين يريدان للمكون الكوردي أن يبقى تابعاً لهما، سواء في التحالفات الوطنية كالمجلس الوطني السوري – على سبيل المثال – وكما هو في موضوع العلاقة الكوردية مع الحكومة المركزية في بغداد، أو في التحالفات الاقليمية والدولية، فتركيا تسعى باستمرار لأن تكون علاقات زعماء الكورد الكبار بحلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية عن طريقها أو بعلمها وحسب التطابق مع استراتيجيتها، وايران تعمل لفرض سياساتها على كل الأحزاب الكوردستانية الكبرى، بهدف الحفاظ على توازنها الاستراتيجي مقابل تركيا والمجموعة النفطية العربية.

في ظل هذا التناحر الكبير على مستوى المنطقة، كانت تسير الحركة الوطنية الكوردية السورية بحذر، كي لايتم اجتذابها بقوة لهذا الحلف أو ذاك، بشكل مباشر أو عن طريق غير مباشر (مؤثرات كوردستانية!)، إلا أن الموقف السلبي الذي اتخذه رموز المعارضة السورية في مؤتمر اسطنبول الأخير من القضية الكوردية، دفع بالمكون الكوردي إلى الانسحاب من المؤتمر، بصورة بدى للبعض من المراقبين وكأنه كان مخططاً ومدبراً من قبل الحضور إلى المؤتمر، في حين يرى البعض ان ذلك الموقف السلبي من قبل الإخوة العرب حيال الكورد وقضيتهم الأساسية كان بهدف ابعاد المكون الكوردي تحت تأثير حكومة أردوغان التركية التي لاتحبذ الظهور بمظهر الداعم للقومية الكوردية في البلد الجار سوريا، فهذا يخالف الاتفاقات السرية بصدد الموضوع ذاته بين الدولتين.

بانسحاب المكون الكوردي من المجلس الوطني السوري أدخل المجلس الوطني الكوردي نفسه في ورطة، على الرغم من أن الانسحاب نال تأييد كبيراً في الشارع الكوردي، ومنا من اعتبره ضرورياً للتأكيد على جدية السياسة الكوردية بصدد قضيتنا القومية التي تعتبر بالنسبة إلينا مركزية وأساسية وفوق كل القضايا الوطنية الأخرى. والورطة كبيرة حقاً، فالمجلس الكوردي لايستطيع الادعاء بأنه حراك وطني سوري معارض، ويرفض العمل في الوقت ذاته ضمن معارضة وطنية سورية واسعة نالت اعتراف الكثير من الأطراف الدولية وفي أياديها امكانات مالية وقدرات متنوعة هامة، كما أن المجلس لايستطيع الارتماء في أحضان هيئة التنسيق الوطني التي هيثمها ليس بأفضل موقفاً تجاه الكورد من هيثم المجلس الوطني السوري، وبخاصة فإن حزب الاتحاد الديموقراطي، العنصر الأقوى شعبياً وتنظيمياً من جميع مكونات الهيئة سيستغل ذلك لصالحه بحيث سيجد المجلس الوطني الكوردي نفسه في ظل ذلك الحزب “الكوردي”.

فما العمل لانقاذ المجلس الوطني الكوردي من ورطته التي هي ورطتنا نحن جميعاً؟

هل يعود إلى المجلس الوطني السوري ويرضى بما يعرض عليه من “حقوق كوردية!”؟

هل يتحالف مع حزب الاتحاد الديموقراطي وينضم إلى هيئة التنسيق الوطني ويقبل بما هو أقل مما ورد في ميثاق مؤتمر تونس للمعارضة السورية؟

هل يبقى خارج الإطارات السورية المعارضة ويعمل على تقوية ذاته وترتيب شؤونه الكوردية وينتظر ما يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، سورياً واقليمياً؟ وبخاصة فإن السماء متلبدة بغيوم داكنة، قد تمطر صواريخاً على ايران وتوابعها في المنطقة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s