وماذا بعد….أيها الاسديون؟ ‏

 جان كورد، ‏21‏ كانون الثاني‏، 2012

دأب النظام الأسدي، منذ اندلاع ثورة الشعوب العربية في تونس الخضراء، على انتهاج سياسة “الإنكار” الشاملة، سياسياً وإعلامياً، وعلى كافة المستويات الرسمية والديبلوماسية، لاحتمالات أن يمتد لهيب هذه الثورة إلى سوريا، وهذا الانكار بحد ذاته كان نابعاً عن قناعة لدى مؤسسات النظام الأمنية بأنها قوية، يهاب السوريون من الخروج عليها، أو تحديها، وهي قادرة على سحق أشد الاحتجاجات إن حدثت، ولخوف المواطنين  من وحشيتها وسعة انتشارها في البلاد، ونتذكر كيف أكد الذي لا يزال – مع الأسف – رئيساً لسوريا، رغم كل الدماء التي أريقت في عهده “الازدهاري الإصلاحي!”، على أن “سوريا ليست تونس أو سواها!” دون أن يبين لماذا سوريا ليست مثل تونس، إلا أن الشعب السوري كان مدركاً للأسباب التي يعتمد عليها هذا الذي يحكمها دون انتخاب وإنما عن طريق وراثي، ومن أهمها امتلاكه لأسباب القوة الأمنية الإرهابية والقوى العسكرية والمالية والإعلامية كلها
ولكن على الرغم من ذلك، فقد ثار الشعب السوري، في البداية هنا وهناك، في أيام الجمعة، ومن ثم في سائر الأيام، وشعر النظام بأن سياسة “الانكار” قد أخفقت، فشرع في ممارسة سياسة “الاتهام”، وأمر مرتزقته الاعلاميين ومندسيه في صفوف المعارضة وجواسيسه في الشارع السوري، إلى تبرير العنف الواسع والشنيع الذي يقوم به ب”إرهاب السلفيين وأنصار القاعدة” وسواها من الأسماء الممقوتة دولياً، والتأكيد على أن عنف النظام هو مجرد “رد فعل نظام وطني” على تخريب وارهاب مدعوم من الخارج لتحريفه عن “سياسته العربية المعادية للامبريالية والرجعية والصهيونية”، وبأن هؤلاء المنفلتين المتظاهرين يحاولون “ضرب الوحدة الوطنية والتآلف الطائفي في سوريا
ولكن الشعب كان لسياسة “الاتهام والتشويه” هذه بالمرصاد، فانطلقت الحناجر القاشوشية في سائر أنحاء البلاد مرددة “ثورة حرية وديموقراطية… ثورة سلمية” فرددت الجماهير وراء تلك الاصوات الصداحة “واحد…واحد… الشعب السوري واحد” بمعنى أن لامكان للطائفيين فيها، كما أكدت الجماهير على أن الذي “باع الجولان” هو النظام ذاته، وأنه حول المعركة السورية الحقيقية إلى معركة مع الشعب في درعا وحمص وحماه ودير الزور واللاذقية وكل المدن السورية وأريافها… وبلك فشل النظام في انتهاج سياسة “الاتهام والتشويه” رغم استمراره حتى الآن فيها لعدم امتلاكه بديلاً عنها
زج النظام الجيش السوري في الشارع لقمع المدنيين المتظاهرينن فجلب له هذا مشكلة أخرى هي “انشقاقات الجيش”، وانقسام الجيش السوري فيما بعد إلى جيشين، أحدهما يسمى ب”الجيش السوري الحر” الذي فضح منتسبوه، الواحد تلو الآخر، بشجاعةٍ نادرة، ما يرتكبه النظام من فظائع، لايستطيع تنفيذها من أقسم اليمين على حماية الشعب السوري وليس على ابادته، كما أدت هذه الخطوة إلى التهاب الرأي العام العالمي وتشكل ما يمكن تسميته بالجبهة المعارضة لوحشية النظام، في حين اتضح للعالم كله أن ايران وحزب الله يدعمانه لأسباب طائفية بحتة، والدليل على ذلك أنهما كانا يعتبران الثورات العربية صدىً لأفكارهما الخمينية، في حين أنهما يتهمان الثورة السورية بأسوأ التهم التي تكيلها طهران لأعداء الخمينية… وتبين بذلك للشعب السوري أنه يواجه عصابات طائفية مزودة بدعم ايراني وليس نظاماً سياسياً يمكن تغييره عن طريق التظاهر السلمي وحده، فشرعت فصائل عديدة في المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية في التفكير في إزالة هذا النظام عن طريق القوة، لأنه مستمر بفظاعةٍ لامثيل لها في تدمير البلاد وسفك الدماء وفي ممارسة شتى وسائل التعذيب والجرائم ضد الإنسانية
أضطر النظام إلى توسيع دائرة “الالتفاف على الثورة” وتنشيط سياسة “المراوغة”، فأظهر نفسه راضياً عن أي مبادرة عربية تصون “سيادة البلاد السورية” وتكون على “اتصال” مع النظام، مالك البيت ومديره. فوجد – مع الاسف- من تجار السياسة العربية من يقبل بالتعاون مع هكذا نظام مجرم للتأكد من خلال ارسال موظفين للجامعة العربية و للحكومات العربية مما يجري في سوريا، وكأن سياسة الذبح والتعذيب والتقتيل وقصف المدن التي يعرضها الإعلام العربي صباح مساء لايكفي لاقتناع هؤلاء بأن ما يجري في سوريا مناقض لميثاق الجامعة وميثاق الأمم المتحدة ودستور سوريا وكذلك لائحة حقوق الإنسان، وقبل كل شيئ مخالف للشرع الرباني الذي يزعم هؤلاء السادة العرب إيمانهم به وممارسة طقوسه العبادية في قصورهم الفارهة كل يوم
ومن ناحية أخرى، فإن النظام راوغ بشكل جيد بإظهاراستعداده ل”الحوار مع المعارضة” التي رفضها منذ وجوده، ومارس بحقها القمع والاعتقال والاقصاء ولم يصغ يوماً لنداءاتها الوطنية المستمرة بضرورة الانفتاح السياسي كمخرج من أزمات البلاد. فجند آلاف العملاء والمرتزقة والجحوش، تحت إشراف الأجهزة الأمنية لاظهاره وكأنه هو الذي يسعى للحوار، والرافضون هم في المعارضة. وأراد بذلك شق صفوف المعارضة العاملة على التغيير الجذري، وكسب بعض النفوس الضعيفة إلى صفه، وايهام العالم الخارجي بأنه ليس معانداً كما يتصور البعض، وحاول كسب مزيدٍ من الأصدقاء بذلك، وأعطى بمرونة حبائله وطولها سلاحاً قوياً لحلفائه الروس الذين لايهمهم سفك الدماء السورية وانما وجود نظامٍ يحفظ لهم مصالحهم على ساحل البحر الأبيض المتوسط ويشتري منهم السلاح باستمرار، ولايهمهم من يقتل النظام بتلك الاسلحة. فوقف الروس حتى اليوم وقوفاً مخزياً وعائقاً أمام ممارسة مجلس الأمن الدولي صلاحياته الدولية في مواجهة هذا الارهاب الأسدي الذي لم يعد الأمين العام للأمم المتحدة يطيقه
ربما استفاد النظام من انتهاج هذه السياسات “الانكارية، التشويهية، الاحتيالية” وبخاصة استفادته من “المبادرة العربية”، إلا أن الشارع السوري وانتفاضة الأحرار في الجيش السوري، واتساع رقعة العمل السياسي والتنظيمي المعارض، داخلياً عن طريق تنسيقيات الشباب، وخارجياً عن طريق الاحتجاجات المتتالية، في سائر بلدان العالم، ونشوء معارضة منظمة وواسعة ومتعددة المكونات، من أبرزها المؤتمرات التي نجم عنها المجلس الوطني السوري، قد فرض قواعد جديدة على لعبة النظام الدموية مع الشعب السوري، اضطرته إلى تقديم تنازلات عديدة لدول الجيران، واتباع لهجة أشد مرونة مع اسرائيل بالذات، لدرجة أن بعض السوريين صاروا يتندرون على التناقض التام في السياسة الاعلامية للنظام، البادي استعداده من جهة للالتزام بكل ما تمليه اسرائيل من شروط لانقاذه دولياً والمؤكد من جهة على مواقفه الحاسمة المعادية لها
لم يتمكن النظام من دحر المعارضة رغم التلون والتقلب الدائم في ممارساته وسياساته، التي يبدو أنها فاشلة تماماً في النهاية لاعادة المياه إلى مجاريها، فالتوازن السياسي أو توازن القوى في سوريا لم يعد كما كانت عليه الأوضاع قبل بدء الثورة في آذار عام 2011، وامكانات المعارضة الإعلامية والديبلوماسية والعسكرية والشعبية ترغم النظام على سلوك أحد الأمرين هذين الأمرين:
– الحرب الشاملة على الشعب، بالاستعانة الفاضحة بقوات حزب الله وحركة أمل اللبنانية وبمليشيات الصدر العراقية والدعم العلني للباسداران الايرانية، بعد الفشل الذريع للنظام في القضاء على الثورة في مدن استخدم فيها كل وسائل القمع والارهاب والتجويع والتعذيب، بل والقصف العشوائي وقطع الماء والكهرباء ومنع المواد الغذائية والتداوي في المستشفيات، كما في درعا وحمص وحماه وادلب خاصة، وهذا يعني التمهيد لجر سوريا إلى حربٍ طائفية لايعرف أحد عقباها، وستكون لها تأثيرات سلبية لكل المنطقة، في لبنان والأردن والعراق واسرائيل
– اللجوء إلى حل أسهل من ذلك، ألا وهو هروب النظام بكامل عتاده العسكري وأمواله وأزلامه وشبيحته الدموية إلى مناطق جبال العلويين، وتأسيس دويلة علوية كانت على الدوام حلماً لبعض شيوخها، والتفاوض من أجل بقائها على الصعيد العربي والدولي، وحتى طرح مشروع ضم تلك المناطق السورية إلى لبنان، تماماً مثلما ورد ذلك في الأيام الأخيرة لعهد الاستعمار الفرنسي على سوريا في أربعينيات القرن الماضي، وبذلك سيتحقق حلم حزب الله وزعيمه حسن نصر الله في جعل أهل السنة اللبنانيين بين فكي كماشة شيعية – علوية. وهذا يعني عملياً تقسيم سوريا. وهذا يذكرنا بهروب صدام حسين تحت ضغط الهجمات العسكرية الأمريكية إلى منطقة الفلوجة السنية التي جاء منها
لم يبق أمام النظام سوى أحد هذين الأمرين لأن ايغاله في القمع وممارسة الارهاب واعلان الحرب على مناطق واسعة من البلاد، ورفضه مطالب الشارع السوري العادلة، جعلته يضيع كل الفرص المتاحة له عربياً ودولياً، واغلاق سائر السبل المعقولة والواقعية وحشر نفسه في مأزق لاخروج له منه إلا بموته أواستسلامه، بعد أن ضاق المجتمع الدولي ذرعاً بهكذا نظام، وبعد كل ما رأيناه من تصميم وعزم في الشارع السوري على التخلص من هذا الجور الشامل
ولكن يبق هناك مجال ضيق لانقاذ رقاب بعض رجالات النظام من مقصلة التاريخ العادلة، ألا وهو حدوث تغير مفاجىء في استراتيجية الزمرة الحاكمة، حيث هي استراتيجية الحفظ على المصالح الشخصية والعائلية والطائفية، كالقيام بانقلاب عسكري يطيح ببشار الأسد ويخفف من وطأة قبضة أمه المستبدة به على مقاليد الأمور، ووضع حدٍ  لاجرام ماهر الأسد وفرقته الرابعة التي لها باع طويل في الاجرام ضد الشعب السوري، وبالتالي استعداد الانقلابيين لتسليم السلطة في فترة زمنية متفق عليها، تحت اشراف دولي أو عربي، لممثلي الشعب المنتخبين واعادة برمجة النظام السياسي السوري بالكامل وتسليم مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب إلى القضاء السوري أو الدولي. ولكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاُ لأن القادة العلويين الذين يدعمون النظام لايزالون غير متفقين على القيام بهكذا عملية جراحية ذاتية، وهم خائفون من القيام بمغامرة إنقلابية ربما لن تنجح
أما بالنسبة للكورد، الذين حاول النظام ولا يزال يحاول تحييدهم سياسياً، بطرق مباشرة وملتوية، فإن عليهم عدم الانخداع بمحاولات النظام تسليم المناطق الحدودية مع تركيا (ما يقارب الألف كيلومتر طولاً) لبعض أحزابهم المتحالفة مع الأجهزة الأمنية للنظام منذ عهد حافظ الأسد، بهدف عرقلة انتشار وحدات الجيش السوري الحر، وعلى أحزابهم الوطنية كلها يقع واجب الانخراط في صفوف الثورة السورية الكبرى، وذلك على أسس من الاتفاق القومي الراسخ على نقاط تتعلق بالحق القومي الكوردي العادل في سوريا المستقبل، يمكن عرضها على مختلف فصائل الثورة والمعارضة السورية، والتوصل معها إلى عهد سياسي جديد، يضمن “الإدارة السياسية اللامركزية” في البلاد، وحق الشعب الكوردي في “فيدرالية قومية” باعتباره شعب لا يمكن استثناءه من حق تقرير المصير، المعترف به دولياً لكل الشعوب، ويعيش على أرضه التاريخية، وليس مجرد جاليات اثنية منتشرة في البلاد كبعض الأقليات الأخرى التي يجب ضمان حقوقها كاملة أيضاً
إن مؤامرات الزمرة الحاكمة وتكتيكاتها تنفضح كل يوم، وسياستها تفشل واحدة بعد الأخرى، وكما قالت الغارديان البريطانية مؤخراً فإن هذا النظام زائل لامحالة، ومشاريع هذه الزمرة وتحريكات بيادقها على رقعة الشطرنج الدامية باتت مفضوحة، لذلك فليس عجيباً أن يطلق الفرنسيون على هذا الوضع السوري اسم “الفضيحة السورية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s