المعارضة السورية بين اسقاط النظام واسقاط الثورة

جان كورد، ‏05‏ كانون الثاني‏، 2012

يعلم القاصي والداني بأن في سوريا فصائل معارضة مختلفة في المبادىء ومتفاوتة من حيث الشدة في مواقفها المناوئة للنظام، ومن الطبيعي أن تبقى الفوارق موجودة وتستمر تلاوين اللوحة السورية هذه بعد اسقاط نظام الأسد، وهذا دليل صحة سياسية وليس العكس. وستبقى هناك دائماً أصوات نشاز، تغرد على أطراف كل الأسراب ولها رؤى قد تكون صحيحة إلا أنها لا تؤثر بشكل فعال في مجمل المسيرة التي تتقاسمها التيارات الأساسية في المعارضة
هناك اختلاف ظاهر وواضح بين سياسات المجلس الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطني، وشريحة واسعة من المعارضين السوريين الآخرين، الذين لهم نظرات أخرى، في نواحٍ عديدة، كالموقف من موضوع “الجيش السوري الحر” مثلاً، ولكن في الوقت ذاته دوائر هذه السياسات متداخلة في مساحات واسعة، وليس بينها اختلاف في بعض النقاط الأساسية من الأهداف المعلنة لها. ويحاول النظام استغلال هذه الاختلافات وتسخيرها من خلال إعلامٍ تابع وكاذب من أجل إظهار المعارضة السورية وكأنها غير متفقة على التخلص منه، على الرغم من أن هذه النقطة بالذات مشتركة بين جميع فصائل الثورة السورية التي هي المانحة للشرعية لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل المعارضة
يحاول النظام بشتى الحيل والخداع إظهار المعارضة الساعية لاسقاطه والعاملة لتأسيس نظام حديث في البلاد يتسم بالتعددية والانتخابية وتبادل السلطة سلمياً ويراعي حقوق الإنسان والمكونات المختلفة دينياُ واثنياً، وكأنها في معظمها معارضة دينية متطرفة يجد نفسه مضطراُ لممارسة شتى أصناف العنف الدموي تجاهها، لأنها عاملة – حسب مزاعمه – على استئصال مكونٍ يعتمد عليه النظام في الأساس، على الرغم من أن شرائح كبيرة من هذا المكون “العلوي” تتبرأ يوماً بعد يوم من صلفه وكبريائه ودمويته وتفرده بالحكم. وفي الحقيقة ليس لدى النظام من سلاحٍ آخر سوى ارتكاب جريمة “الارهاب” الدموية كما حدث يوم قدوم طلائع اللجنة العربية إلى دمشق، وكما جرى اليوم، عن طريق تفجيرات مجرمة كما في بغداد، على الرغم من أحداً في الرأي العام العالمي لايصدق بأن هناك فعلاً تنظيمات إرهابية متطرفة “دينياً” تمارس هذه الأفعال الشنيعة لتطيل من أمد نظامٍ معروف بأنه ضد الإسلام. والنظام لم يعد قادراً على زج الجيش السوري على مساحاتٍ واسعة، خشية الانشقاقات المتتالية في صفوف القوات المسلحة وقوات الأمن أيضاً
إذاً، فإن النظام في مأزق سياسي، وأزماته كبيرة، وثقته بجيشه وأمنه تضعف باستمرار، وإعلامه معروف بالكذب، فلا يصدقه أحد، وهو متنازل عن سيادة الدولة السورية لأن هناك لجان غير سورية تفتش وتراقب في مدن البلاد، رغماً عن أنفه، كما أنه عاجز عن تحرير جزء محتل من سوريا وهناك قاعدة أجنبية على سواحل سوريا، وهو ساكت عن جزء سليبٍ من الأرض السورية…إضافة إلى الرعب الذي تلقيه الجماهير في صدور أزلامه وهي تهتف كل يوم، مطالبة بإعدام الرئيس واسقاط النظام وبالحماية الدولية وإحداث المناطق الآمنة وتعلن بصراحة أنها مؤيدة للمجلس الوطني السوري رغم تخبطاته وداعمة للجيش السوري الحر رغم ضعفه وقاة امكاناته
هنا، لايحق لأحد من المعارضين السوريين التهاون أو التراجع أو التشكيك بما تراه الجماهير السورية حقاً وعدلاً ومطالبةً ضرورية، ورمانع من طرح الأفضل للمعارضة ككل أو تحسين الموجود أو تقديم الأنسب للثورة السورية، ولكن التحايل على الجماهير أو التأخر عن تلبية نداءاتها أو تمييع المرحلة أو القيام بمساومات من خلف ظهر الجماهير لايخدم مشروع “إسقاط النظام” وإنما يرمي إلى “اسقاط الثورة” ويعني ذلك تجاوز ما قدمه الشعب السوري من تضحيات جسام، والتنكر للحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك المساهمة مباشرة أو عن طريق غير مباشر في تفكيك أوصال الثورة السورية ونسف أحلام الشباب الثائر في مستقبل أفضل، والدخول في مشروع التخلي عن الشعب والعودة إلى أحضان النظام بمزاعم مختلفة
فأي نقاش أو جدال، بهدف التشكيك فيما إذا كان الشعب السوري محقاً في طلب التدخل الدولي لحمايته ولقطع أصابع المجرمين الذين يسفكون كل يومٍ دماء الشباب السوري، هو ابتزاز للثورة، إرهاق للجهود الوطنية، تمزيق للصفوف، بعثرة للقوى الناشطة، وسير في اتجاه “اسقاط الثورة”… حتى ولو كان الناطقون بمثل هذه الترهات عظماء يحملون على رؤوسهم تيجان “المعارضة الوطنية!”… فكيف يمكن تبرير الانقسامات والجدال اللامجدي والترنيمات التي يحبها النظام، وفي كل يوم يسقط عشرات السوريين برصاص النظام؟ كيف يمكن اعتبار التدخل الدولي لحماية شعب من التقتيل والتعذيب والارهاب السياسي عملاً “لاوطنياً”؟ وكيف يستطيع هؤلاء المشاغبون الذين يشكون في صحة مطالب شعبهم غمض أجفانهم ليلاً، وهم يعلمون تماماً أن اليوم التالي سيأتيهم بخبر قتل عشرات السوريين الآخرين كما في اليوم السابق؟
أفلا يملكون ذرة من ضمير؟  أم أنهم يخدمون مشاريع النظام ومضطرون لخدمته خوفاً مما قد يصيبهم أو عوائلهم من أذى؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s