النقد والنقد الذاتي في الحركة السياسية الكوردية

جان كورد، ‏04‏ كانون الثاني‏، 2012
سمعت مؤخراً حواراً هادئاً بين أخوين كورديين على السكايب، حيث قال الأول :”- حزب العمال الكوردستاني طار بشبابنا إلى قلعة شقيف في جنول لبنان ليضحي بهم من أجل الفلسطينيين، في حين أننا كنا أحوج إلى هؤلاء الشباب من الفلسطينيين
فقال الآخر الذي كان ولايزال مسؤولاً في الحركة السياسية الكوردية:”- والله يا أخي نحن في الحزب الكوردي السوري “الفلاني” سبقناهم في ارتكاب ذلك الخطأ الجسيم. لقد ضحينا ب 170 شاباً كوردياً في الحرب الأهلية اللبنانية التي لا ناقة لنا فيها ولابعير
هذه المحادثة ربما تكون اعتيادية بين ناشطين كورديين في جلسة مباشرة أو عن طريق السكايب أو في إحدى غرف البالتوك، ولكنها قد تكون صعبة للغاية في اجتماع قيادي أو في مؤتمر، لأنها ليست مجرد محادثة وانما “نقد ذاتي” صريح و”اعتراف أكيد” بأخطاء تاريخية فظيعة من قبل قيادات كوردية
وأتساءل عما إذا كانت ستستمر هكذا محادثة في هدوئها وبدون انفعالات وتهديدات وتخوين، لو كان هناك قيادي كوردي ثوري أو كاتب مؤدلج الفكر حاضراً في هذا التخاطب
جعل الشيوعيون من “النقد والنقد الذاتي” مادةً أساسية في برنامجهم السياسي اليومي، على مختلف المستويات في عام 1920، حيث تم فرض قاعدة صارمة على مختلف كوادر الحزب البولشفي الحاكم، وهي أن يقف أمام زملائه في مكان العمل أو في الحزب أو في المزرعة وينتقد نفسه انتقاداً لاذعاً، ثم يتم كتابة تقرير بذلك يرفع إلى مستويات حزبية أعلى، وتوضع نسخة في ملفه الحزبي… ويقول المؤرخ الألماني فولفغانغ ليونهارد في كتابه القيم “الثورة تسرح أولادها”(1) بأن النقد والنقد الذاتي لم يدع شيئاً من تفاصيل الحياة العامة والخاصة للكادر الحزبي، دون جعلها مادة لتحطيم الإنسان وتحقيره وتحويله إلى أداة طيعة بلا شخصية في أيدي الحزب الذي لم تكن تهمه كرامة الإنسان ونفسيته، وانما يهمه الولاء الحزبي المطلق. وبخاصة بين 1928- 1937، ودام ذلك في الحزب الشيوعي السوفييتي بأشكال فظة حتى نهاية عهد الستالينية الرهيبة في أواسط عام 1950، واستخدمت الماوية الشيوعية في الصين “النقد والنقد الذاتي” في البدء بتطهير جماعي ودموي مستمر ضمن الحزب، وعلى وجه الخصوص من خلال “الثورة الثقافية” بمراحلها الثلاث (مايو 1966 إلى 1968)، مرحلة لين بياو (1968 حتى آب 1971) ومرحلة تشو اين لاي (من آب 1971 وحتى أوكتوبر 1976). حيث نلاحظ أن المرحلة الثانية كانت أطول زمناً من الأولى والثالثة أطول زمناً من الثانية
حقيقةً فإن كل الأحزاب الكوردية “الثورية” منها و”الأقل ثورية” منها تكتب فقرة أو مادة “النقد والنقد الذاتي” في جداول اجتماعاتها التنظيمية كل مرة، وفي أنظمتها الداخلية، ولكن هذه المادة تمر مرور الكرام في أغلب الأحيان، والمقصود من ممارسة مضمونها ليس الوقوف على أخطاء القيادات وانما “تعليم الأنصار والأعضاء الجدد!” بأن يمارسوا نقد أنفسهم أمام رؤسائهم شفاهية وخطياً، مع التلطف الزائد في توجيه الأسئلة أو رفع الشكاوى أو ممارسة النقد تجاه المسؤولين، إذ يفترض في الأبناء أن يكونوا “مؤدبين” و”لطيفين” و”متفهمين” للمصاعب التي يناضل في أجوائها الآباء، ويفترض في الآباء ألا يكونوا “رقيقي المشاعر جداً” في معالجة ما يحدث بين الأبناء… وهذه النظرة غير المثمرة هي من تربيتنا الشرقية العريقة… أما لدى الأوربيين فالابن والابنة يوجهان النقد الشديد للأب والأم بصراحة، وتشجع الأسرة ذلك لأنها تعلم بأن بناء شخصية الأطفال لن يكتمل دون ترسيخ هذه المادة “النقد والنقد الذاتي” في نفوسهم، وهذه المادة ضرورية للغاية عندما يكبرون ويعملون في المصانع والقوات المسلحة والجامعات والمستشفيات… وفي السياسة أيضاً. بمعنى أن “النقد والنقد الذاتي” من صلب التربية الديموقراطية في العائلة والمدرسة والثكنة والشركة وسواها من مناحي الحياة العامة والخاصة
أما نقد الحزب وسياسته، سواءً من الداخل أو الخارج، فمسألة غير مقبولة قد تعرض الناقدين لعواقب سيئة للغاية. وهذا يعرفه مختلف الكتاب الكورد الذين تعرضوا في كتبهم ومقالاتهم إلى نواحٍ معينة في مسيرات حزبٍ من الأحزاب الكوردية، الناجحة والفاشلة، على حدٍ سواء. فكيف يمكن لكاتب لايملك شروى نقير ولاتتبعه حتى مجموعة صغيرة من المقاتلين أن ينتقد ما كتبه أو ما قاله زعيم حزبٍ أو قائد ثورة؟ ألا يستحق مثل هؤلاء الناقدين من خارج الثورة والحزب كل التحقير والتقزيم والتخوين…؟ وإن ما قد ظهر حتى الآن من دراسات نقدية للحركة السياسية الكوردية أو لحزبٍ من الأحزاب أو لزعيم من الزعماء الكورد بقي على الأغلب ضمن حلقة من الأصدقاء، خوفاً من العواقب الخطيرة. أتذكر هنا دراسةً جادة وموضوعية، لم تر النور حتى اليوم، كتبها بعد انتكاسة الثورة الكوردية الكبرى (1961- 1975) تحت اسم مستعار (المهندس سعيد عبد الوهاب!) أحد الكوادر المتقدمين في الحزب الديموقراطي الكوردستاني تحت عنوان “لماذا تبقى الحقائق مكتومة عن الشعب الكوردي؟
كتب الكاتب الكوردي القدير حسين جلبي من غرب كوردستان مقالاتٍ جيدة باستمرار ووضع اصبعه على بعض الجراح المثخنة بأسلوب جميل، ولكن ها نحن نرى الهجوم الكاسح عليه من قبل كتابٍ موالين لحزب من الأحزاب  بسبب مقالٍ كتبه أخيراً عن “أكراد تركيا”. والوحيد الذي تطرق نقدياً للمقالة بصبرٍ ولطف هو كاتبنا الكوردستاني وصديقنا الكريم مير ئاكريه ي، في حين أن الآخرين حاولوا تجريد الأخ حسين جلبي حتى من كورديته، وهذا ليس بنقد وانما “إهانة” للنقد والنقد الذاتي. فلربما لم يوفق الأخ الكاتب في اختيار عبارة “أكراد تركيا” ولكن هؤلاء اعتبروه أعمى البصيرة وحاقداً وسيئاً…و… وداسوا عل كل نتاجاته ونشاطاته وكتاباته المتتابعة بصدق وإخلاص للقصية الكوردستانية… لأنه أبدى رأياً ربما يكون صائباً أو غير صائب\ن فالإنسان غير معصوم عن ارتكاب الخطأ… والعجيب أن أحداً منهم لم يظهر امتعاضه عندما أنكر زعيمهم الأكبر وجود جزء من كوردستان في سوريا، واعتبر الكورد هناك لاجئين…بل أتراكاً… وحقيقة فإن الأخ حسين جلبي ليس أول وليس آخر من تنتزع منه الهوية الكوردية من قبل هؤلاء، وأنا أيضاً أحد المغضوبين عليهم  بسبب ما كتبته من سلسلة مقالات عن “تناقضات الأوجلانية” من خلال مراجعة كتب ودراسات زعيمهم الذي يقدسونه كالأنبياء أو أشد. وأعلم عن مثقفين كورد تم تصفيتهم جسدياً أو سياسياً بسبب مواقفهم المعارضة للسياسات الاوجلانية، ومنهم من ضرب على من وجهه وسط معرض للكتب في مدينة كولن الألمانية قبل سنوات حتى أريق الدم من فمه على أيدي “كوادر حزبية، ذكورية وأنثوية!”… فإن نقد الأحزاب الكوردية وزعمائها قد يجلب للمرء مضرة شخصية أو عائلية، ناهيك عن الأضرار السياسية والاجتماعية
منذ أيام قلائل، زارني بعض الإخوة في البيت على أثر خروجي من المستشفى، فدار بيننا حدث تطرقنا فيه إلى موضوع النقد والنقد الذاتي، فسألت أحدهم – كان من المقربين للزعيم العمالي عبد الله أوجلان – عما إذا كان حزب العمال الكوردستاني قد أطلق حملة نقد ذاتي لاعادة سائر المنشقين عنه أو الذين تم تطهيرهم من صفوفه، فقال:”أنا شخصياً طلبت هذا من السيد أوجلان، أثناء اقامته القصيرة الأمد في روما، فقبل الفكرة وأكد على أنه مع طرحها، ولكن في اليوم التالي صدر عنه بيان يذكر فيه بأن “يعفو” عن سائر الرفاق الذين تركوا الحزب أو طردوا منه… والعفو يكون للمجرمين أو المذنبين…أي أن هناك خلط بين مفهومي “النقد الذاتي” وتبرير الخطأ المرتكب بصورة من الصور… أو أنه الخوف من ممارسة ذلك ذاتياً
عندما تمارس النقد الأدبي لنصٍ من النصوص الأدبية، شعراً كان أم نثراً، فأنت أمام شخص أو تيار ثقافي معين، قد يرد أحدهم عليك ويبدد أمام الناس ما رأيته أنت من عيوبٍ ونواقص في ذلك النص المدون أو المسموع أو المرئي، بذات الأسلوب أو المستوى الذي مارست به نقدك، ولكن عندما تنتقد زعيماً سياسياً فأنت تواجه جنوده وحراسه ومريديه وأنصاره، في الاعلام وفي الشارع، وقد تجد نفسك محاصراً بقواته أو تخاف من العودة إلى الوطن بسبب ما قد تعانيه من اضطهاد في حال وقوعك في أيدي زبانيته… وهذا ليس بين الكورد وأحزابهم “المعصومة عن الخطأ” وحدها، وإنما في سائر أنحاء العالم الذي لم يتلق تربية ديموقراطية صحيحة في البيت والمدرسة والثكنة والفرقة الحزبية…ولذا يفضل بعض الكتاب الشرقيين عدم الخوض أصلاً في القضايا السياسية أو أنهم يلجؤون إلى الاستخدام المفرط للرمز والحكايات والأساطير لاخفاء حقيقة نظراتهم، وبذلك يتفادون الكوارث التي قد تحدق بهم في حال ممارستهم النقد. ومنهم من يفضل السكوت تماماً ويلهي نفسه بمعزوفات فكرية وفلسفية ودينية ورياضية وبرسومات سوريالية لاتمت بصلة للواقع المأساوي الذي نعيشه نحن الكورد، ليحفظ بذلك نفسه من شرور النقد المعاكس
إلا أن المسؤولية الملقاة على الكاتب الكوردي – في نظري – هي أكبر من أن يبرر سكوته عما تقوم به أحزابنا وزعماؤنا من أعمال تؤدي إلى تعميق مأساتنا القومية، أو أن يلوذ بالفرار، بذريعة أن النقد لايجدي وأن على المرء عدم القيام بعملٍ لايثمر إلا مزيداً من الأضرار له ولعائلته
فلو تدارك القادة في الاتحاد الوطني الكوردستاني المشاكل في صلب تنظيمهم سابقاً لما ولدت حركة “التغيير” من رحم الاتحاد، ولو انتبه الإخوة في الحزب الديموقراطي الكوردستاني إلى النار المتقدة في محافظة دهوك وسعوا إلى وأد الفتنة بعقلانية وواقعية، لما حدثت كارثة القلاقل في تلك المناطق… وقد لاينفع النقد بعد كل ما حدث
ولكن لكلٍ منا وجهة نظر… وهذا حق مشروع في الحياة لكل الناس
—————————————————–
(1)    Die Revolution entlässt ihre Kinder. Frankfurt a.M./Berlin/Wien 1974 [Org. 1955], S. 184.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s