هل الرأسمالية والديموقراطية صنوان لاينفصمان

جان كورد، ‏03‏ كانون الثاني‏، 2012

في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الاعتقاد سائداً بأن الرأسمالية والديموقراطية توأمان لاينفصمان بجسدٍ واحد كالطفلين السياميين، في حين أن أساس كل منهما مختلف عن الآخر، حيث أساس الرأسمالية “المنافسة” وأساس الديموقراطية “العدالة”، وفي حين كانت بداية الرأسمالية مستندة على القهر والاستعباد، كما جرى على أيدي الأوروبيين الغزاة في أفريقيا لجني المزيد من الأرباح من استعباد الأفارقة وتشغيلهم حتى الموت في الحصول على الكاوتشوك والبن ومعاملتهم معاملة أدنى من الحيوانات التي يمتطونها ومعاقبتهم ببتر أعضائهم أو قلع عيونهم، فإن الحركة الديموقراطية في أوروبا سعت لانصاف البشر من أي عرقٍ أو لونٍ كانوا، وتحقيق المساواة فيما بينهم على أساس منحهم حق “المواطنة” دون استثناء أو تمييز
نمت وتعاظمت الرأسمالية في نظامين مختلفين جداً، هما ألمانيا القيصرية والولايات المتحدة الأمريكية التي لم تعرف قيصرية أو امبراطورية، سوى الامبراطورية الانجليزية التي حاربها الأمريكيون بالسلاح وطردوها من بلادهم ذليلة مهزومة. كما أن الرأسمالية متواجدة الآن في دول متقدمة بنظامها السياسي الحر الديموقراطي وفي دول ذات ديموقراطية سيئة بسماتٍ عديدة كما في روسيا البوتينية وأوكرايينا، مثلما كان حالها في عهد النازية الألمانية، وفي ظل الامبراطورية البريطانية العريقة، أو الجمهورية الفرنسية ذات التاريخ الثوري الرائد في التجربة الديموقراطية، بل هي منهمكة في جني الأرباح في بعض البلدان التي ليست ديموقراطية مثل الفييتنام وفي دوائر واسعة من الصين الشيوعية أيضاً…فالرأسمالية كالنبات الوحشي الذي ينمو في مختلف أنواع التربة ترمي ببذرتها في كل الاتجاهات وهدفها لم يكن في يومٍ من الأيام بناء أنظمة إنسانية صالحة أوعادلة، ناهيك عن تقبل أفكار”العدالة الاجتماعية” أو “بناء النقابات القوية للعمال” أو وجود “إعلام رقيب” أو تحقيق “سلطة الشعب” التي تعتبرها مشوشة ومعرقلة وضارة بمصالحها. في حين أن وجود أعمدة الحضارة هذه، وفي مقدمتها “القضاء المستقل” من ضرورات المجتمع الديموقراطي
تحتاج الرأسمالية إلى “القضاء العادل” ليكون حكماً بين الرأسماليين لفض نزاعاتهم على الثروة والملكية ولكن بدون التنازل عن حرياتهم في النهب وتضييق الحريات، وكان الملوك والقياصرة خير مساعدين للرأسماليين في هذا المجال، بل إنهم يحتاجون للدولة لتصون لهم حرياتهم الانتاجية والتجارية وملكياتهم التي لايستطيعون بأنفسهم حراستها وحمايتها، فالدولة لديهم مجرد حارس ولايحق لها أن تخضعهم لسلطانها… ومن البدهي أن يتنازلوا لها عن بعض الحقوق البسيطة ويسددوا لها قليلاً من الضرائب. ومن أجل ترتيب الأمور في هذه الحالة أسس الرأسماليون عن طريق خدمهم من السياسيين المغامرين أحزاباً “ليبرالية” هدفها الأكبر على الدوام تخفيض الضرائب عن كاهل الرأسماليين بذريعة أنهم يعطون العمال فرصاً للعمل. في حين أن الدولة هي بالنسبة للديموقراطيين إطار لضمان الحريات الفردية لكل المواطنين وعليها تقع مسؤولية إدارة صراع الطبقات الفقيرة ضد “الرأسمالية المفترسة” ورفع مستوى العدل الاجتماعي وتأمين الأمن والاستقرار والحرية للجميع، وما إلى هناك من ضرورات لتعزيز التشارك الاجتماعي في الثروة والحياة العامة
لاتحتاج الرأسمالية إلى السلام باستمرار، فقطاعات واسعة منها تستفيد من الحروب استفادة عظيمة، مثلما استفاد الصناعيون الألمان من نزعة الحرب لدى أدولف هتلر، فبنوا له السفن الحربية والغواصات والدبابات والطائرات والمدافع والشاحنات العسكرية والمخابىء الاسمنتية والطرقات، وأنتجوا الاسلحة المتوسطة والخفيفة المختلفة ومالا يعد ولايحصى من الذخائر والخيام والثياب، وسخروا المواطنين بأدنى الاسعار للعمل الشاق في مصانعهم وفي شق الطرق، بذريعة أن على الشعب الألماني دعم الانتاج الصناعي الحربي والتضحية من أجله لأنه يدعم القائد المنقذ، ولذلك فإن بعض قادة النازية حوكموا في محكمة نورنبرغ بعد هزيمة النازية في عام 1945 على قيامهم ب”استعباد” الأقليات اليهودية والغجرية وإهلاكهم من خلال العمل حتى الموت. بمعنى أن الرأسمالية تستخدم “العبودية” و”الحرب” لأغراضها المادية، وتستغل لذلك “السياسة” التي قد تتعارض تماماً مع الديموقراطية وأهدافها
هادنت الرأسمالية الديموقراطية مضطرة بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة على خط التماس مع المعسكر الشيوعي، وفي ألمانيا الغربية بالذات، وذلك لأنها شعرت بخطر الشيوعية يقترب من مناطق ارتكازها الأساسية، كما أنها خافت من دوام اتهامها بمساندة النازية المنهارة والتي لايزال لها جمرات نارٍ متقدة تحت رماد المدن المدمرة من قبل قوات الحلفاء (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا)… كما هادنت الرأسمالية اليابانية المحتل الأمريكي في بلادها خوفاً من مزيد من الدمارالذي سيلحق بمصالحها نتيجة القصف الأمريكي المرعب، ومنه تدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين. وهكذا كانت الحال مع الرأسمالية في جنوب أفريقيا على أثر انهيار النظام العنصري هناك. إلا أن هذا لايعني أبداً معانقة دائمة بين كل من الرأسمالية والديموقراطية، فقد كانت الرأسمالية قبل ذلك حليفة كبرى للعنصرية في جنوب أفريقيا بكل أشكال وصور العداء للديموقراطية والإنسانية والحرية.  ولقد أضطرت شركات رأسمالية كبيرة وشهيرة لدفع غرامات مالية ضخمة بسبب تعاونها التام مع النظام النازي المعادي للديموقراطية كلياً وجنيها ثروات هامة من ذلك التعاون
اليوم، انتقلت الرأسمالية من طورها الصناعي – التجاري إلى طور السيادة المالية العالمية عن طريق سيطرة البنوك العملاقة على المال العام في شتى الدول الديموقراطية وغيرالديموقراطية المضطرة للاستدانة من هذه البنوك بفوائد باهظة، ولدى لجوء هذه المؤسسات المالية في أوقات الازمات الشديدة، كما هو الحال الآن في أوروبا وأمريكا، إلى مزيدٍ من الأموال تضغط على حكوماتها لتمارس سياسات أشد تضييقاً لحقوق المواطنين وأكثر نهباً لأموالهم، فتلعب الحكومات دور الوسيط بين المبتزين وبين الأصحاب الشرعيين للمال العام، حتى دون العودة إلى برلمانات دولها، أو تصر المؤسسات المالية على تقليل تأثيرها وتقليم أظافر الديموقراطيين، وهي برلمانات منتخبة من قبل شعوبها ديموقراطياً. وبذلك تنتقل مراكز القرارات المصيرية والهامة من البرلمانات التي تعتبر أهم أعمدة النظم الديموقراطية إلى إدارات البنوك العملاقة، بمعنى أن الرأسمالية ذات المخالب الجارحة والتي لايهمها ماذا يحدث في المجتمعات الديموقراطية من اضطرابات وما يعتريها من مشاعر القلق، تسير في الاتجاه المعاكس حالياً للديموقراطيات الراسخة، وقد يؤدي هذا إلى حركات جماهيرية قوية معارضة على غرار”احتلوا وول ستريت” الأمريكية، تستهدف وضع حدٍ للهيمنة المطلقة للمؤسسات المالية على مقدرات الشعوب ومحاولة تعطيلها المؤسسات الديموقراطية من برلمانات ونقابات عن أداء واجباتها تجاه المواطنين في بلدانها
وعليه يمكن القول بأن الرأسمالية والديموقراطية ليستا صنوان لاينفصمان، وإنما تتصادمان بقوة أحياناً، كما جرى في التاريخ في فترات مختلفة… ولايحق لأحد أن يتهم الديموقراطية بأنها وليدة الرأسمالية وربيبتها او أنها شقيقتها أو ابنتها، كما نسمع من بعض أعدائها في بلادنا… ومنهم مع الأسف من يعتبر نفسه جزءاً من المعارضين للدكتاتورية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s