إزدواجية الأردوغانية تخدم الطورانية التركية

جان كورد، ‏ 1‏ كانون الثاني‏،  2012 ‏

يدرك العالم أن في تركيا نزعتان سياسيتان أشبه بعقيدتين تتجاذبان هذا البلد الكبير، ذي الموقع الاستراتيجي بين قارتين (آسيا وأوروبا) وبين بحرين (الأبيض المتوسط والأسود)، وهاتان النزعتان تظهران بوضوح انقسام المجتمع التركي – الكوردي في هذه البلاد التي تبحث عن مكان لها بين الدول الهامة في العالم. فمن ناحية تعتبر شرائح واسعة من المثقفين الترك والكورد أنفسها على طريق الاندماج بالثقافة الأوروبية اندماجا ًشبه تام، من خلال العمل المتواصل لانخراط تركيا في (النادي الصليبي)، أي الاتحاد الأوروبي، في حين تعارضها شرائح أخرى تصر على أن يحتفظ الشعبان التركي والكوردي بأصالتهما الشرقية وعقيدتهما الإسلامية وعدم الانجرار وراء تلك الدعوات التي تمسخ الثقافة القومية والتراث الوطني ونمط الحياة الاجتماعية العريق في تاريخهما، وذلك من خلال اعادة تعميق الأواصر مع المجتمعات الشرقية المجاورة، وبناء سوق مشتركة بين تركيا وبلدان الشرق الأوسط، وترميم ما أفسدته الأتاتوركية من علاقات بين شعوب المنطقة عقوداً طويلة من الزمن… وكل من الطرفين يشد الحبل إلى طرفه… وشتان ما بين هاتين النظرتين للمستقبل والماضي والحاضر

السيد رجب طيب أردوغان هو أحد السياسيين الذين مزقت صدره هاتان النزعتان المتناقضتان منذ أيام دراسته، وبحكم كونه رئيس وزراء في دولة مثل تركيا، التي لاتزال الطورانية تجري كالدماء في عروقها، فإنه كما يقال “لاعب ماهر على الحبلين” ويدرك جيداً أن استمرار نجاحه الانتخابي مرتبط تماماً بكلا التيارين أو الاتجاهين “الأوروبي والإسلامي”، ولذلك فإن إزدواجيته السياسية والاعلامية والديبلوماسية لا تغيب عن البال عندما نتتبع مسيرة هذا الرجل الذي بدا ظهوره وكأنه معجزة في تركيا، إلا أن الأحداث التي جرت في عهده أثبتت عدم اختلافه في كثير عن سواه من خدم النظام الطوراني، وبخاصة ما حدث في كوردستان من إجرام وإرهاب، كان آخرها هذا التقتيل اللا أخلاقي واللامجدي لقافلة من المواطنين العزل في منطقة حدودية معروفة بانتقال القرويين الكورد فيها يومياً بين جبلين أو منطقتين في وطنهم كوردستان، غير آبهين بالحدود المصطنعة التي فرضها المستعمرون عليهم لأنها أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين. كما بينت مجريات الأمور بأن البطاقة التي طبعت له ولحزبه، على أنهما يخدمان الإسلام والمسلمين ولايفرقان بين المواطنين، وبخاصة في كوردستان، كانت بطاقة رخيصة حقاً، فأردوغان وحزبه لايختلفان إلا في بعض الملامح والمكياج الاعلامي عن الأحزاب الكلاسيكية التركية الأخرى بصدد القضية الكوردية على الأقل. ويبدو – على ضوء الوقائع –  أن ما نشره وقاله أردوغان للصحافة وأثناء القائه خطبه أمام جماهير الناخبين الكورد كان مجرد تكتيكات لابد منها لكسب الأصوات، أما في الواقع العملي فإن جرافاته السياسية تدمرالبيت الكوردي من الأساس، ولاتقل هديراً وزمجرة عن تلك التي كانت في أيدي السيدة تانسو جيللر وبولند أجاويد وسليمان ديميريل وسائر الذئاب الطورانية الأخرى، وأياديه ملطخة بالدماء الكوردية، مثل أيادي جنرالات جيشه، حيث هو بالذات كان من المصرين على توجيه اتهام شبيه بهذا إلى السياسيين اليهود على أثر قتل الجيش الاسرائيلي ل 9 متطوعين من تركيا كانوا متجهين إلى قطاع غزة لأداء مهمة مساعدات إنسانية، وصعد من لهجته ضدهم إلى ذروة لامثيل لها في تاريخ العلاقات بين بلاده واسرائيل
السيد أردوغان يتحدث كثيراً عن تآخي الشعوب الإسلامية ووحدة عقيدتها وضرورة تشاركها في المصالح على أساس العدل والمساواة، تماماً مثل أولئك السياسيين الكلاسيكيين من قبله، الذين كانوا يملؤون الآفاق بالحديث عن ديموقراطية آتاتورك والحريات السياسية وحقوق الإنسان، ولكنهم ظلوا في الصميم وفي حقيقة الأمر مجرد أدوات تنفيذية لسياسات آتاتورك العنصرية تجاه شعبنا الكوردي في مختلف العهود، عسكريين كانوا أم مدنيين، وتاريخهم حافل بما ارتكبوه من جرائم ضد الكورد وكوردستان، تماماً مثلما ارتكب آباؤهم الإبادة الشاملة بحق الشعب الأرمني الجار من قبل. إلا أن المشكلة هنا تختلف في أن السيد أردوغان يراوغ ويحتال، فهو يتباكى على “العقيدة المشتركة” و”الأمة الواحدة” ويظهر نفسه ك”مجاهد” في سبيل “نصرة المستضعفين في الأرض”، إلا أنه يتبع ذات الأساليب التي مارسها من قبله في حكم البلاد تجاه طموحات الشعب الكوردي، المسلم في غالبيته العظمى، هذا الشعب الذي لن يصل أردوغان أو سواه إلى الحكم دون الحصول على صوته الانتخابي
وهذه الصورة المزدوجة للأردوغانية صارت واضحة للسوريين أيضاً، منذ بدء محاولاتها حشر نفسها في قضايا المعارضة السورية، ومن خلال التصريحات التي لاتنفذها عملياً بصدد القيام بعملٍ ما ضد نظام الأسد الإرهابي، كما أن الأردوغانية تبعث بمعلباتها الغذائية وأعلامها الحمراء لنصرة الشعب الفلسطيني، ولكنها في الوقت ذاته لاتتخلى عن الاتفاقيات العسكرية مع الدولة العبرية… أليس في هذا تناقض صارخ؟
المشكلة الأخرى في هذه المرحلة هي التمزق الكبير في الذهن السياسي الكوردي، وهذا يصب الماء في طاحونة أعداء الكورد وكوردستان. فالكورد لايزالون في خيالاتهم التي نسجوها لأنفسهم أثناء مرحلة “الحرب الباردة”، من مختلف النواحي، وهذا موضوع واسع يتطلب مداخلة أطول، ولكن أقول باختصار:”إن مرحلة القتال من جبلٍ إلى جبل ومن وادٍ إلى واد قد ولت، كأيام كاسترو وغيفارا الذاهبة إلى أعماق التاريخ الحديث، فالطائرات التركية الحديثة قادرة على قصف أي وادٍ أو كهف كان، بالغازات السامة والنابالم والفوسفور، في عمق كوردستان وما حولها، وهي تفعل ذلك في ظل حكومة هجينة “إسلامية – أوروبية!” … ولكن تركيا بكل قواها العسكرية والأمنية والاعلامية والمادية لاتستطيع، بحكم تغير الظروف الدولية، سحق انتفاضات شعبية كالتي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية سابقاً وشهدتها عدة بلدان في شمال أفريقيا والشرق الأوسط منذ انطلاقة ما يسمى ب”الربيع العربي”، فلو انتقلت السياسة الكوردية منذ حين إلى هذا النمط الناجح في الثورة لما سقط كل هؤلاء المدنيين الكورد، العاملين من أجل تأمين لقمة عيشهم عن طريق نقل البضائع عبر الطرق الجبلية التي تتعرض للقصف التركي باستمرار
إن “ربيع كوردستان” لايبدأ من نوروز وانما من إعادة برمجة ثورتها من أجل الحرية والاستقلال

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s