المستضعفون في الأرض…والعولمة

جان كورد، ‏2011‏-12‏-28

بعد أربعة أيام من اقامتي الأخيرة تحت رقابة مشددة في مستشفى لمعالجة النوبات القلبية العنيفة، سمح لي الأطباء بقليل من الحركة ومنها رؤية العالم الخارجي عن طريق التلفاز، وكان أول ما رأيته نقلاً حياً على شاشة (سي إن إن) عن مراسيم تشييع الدكتاتور الكوري الشمالي (69 عاماً
كان المنظر مهيباً ومأساوياً في الوقت ذاته، فالشعب الكوري الشمالي كان في حالة حزنٍ شامل وبكاء حاد، وهو يصطف في يومٍ مثلج شديد البرودة على طرفي طريقٍ واسعٍ تنقل عليه الجنازة المغطاة باللون الأحمر وسط باقات كبيرة من ورودٍ حمراء. وكان يسير على الأقدام إلى جانب العربة الحاملة للنعش نجله الشاب، في حين كان يسير القائد الأعلى للجيش على الطرف الآخر، ووراءهما رجال الدولة والكثير من جنرالات الجيش والأمن في ترتيب وانتظام، وكأنهم أرادوا بذلك التأكيد للعالم بأن نظامهم الشيوعي المتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية الحالي باقٍ وراسخ، وأن هذه العائلة الدكتاتورية الفاسدة ستحكم البلاد إلى الأبد، مدعومة بكل أسباب القوة العسكرية والأمنية
السؤال الذي تبادر إلى ذهني وأنا أتابع تلك المشاهد التي تذكرنا بالاستعراضات العسكرية الضخمة أمام الكرملين إبان الحكم السوفييتي، هو: هل هذه الجموع الغفيرة من النساء والشباب والجنود التي تذرف الدموع الغزيرة تبكي لرحيل الدكتاتور أم لاستمرار الحكم الدكتاتوري في عائلته، جداً وأباً ونجلاً، رغم كل التغيرات العظمى في التاريخ الحديث؟
تعبر رواية “التابع” الشهيرة (عام 1914) للكاتب الألماني هاينريش مان عن حقيقة التفكير السياسي لشرائح واسعة جداً من المجتمعات الأوروبية منذ القرون الوسطى وإلى ما بعد الثورة الصناعية، حيث التبعية المطلقة للنظم الملكية الموغلة في الاستبداد، والقائمة على أساس الولاء الشديد والطاعة التامة من قبل الأتباع لمن فوقهم من السادة المستحكمين بالسلطان والثروات. حيث يجد بطل الرواية ديدريش هيسلينغ، نجل صاحب معملٍ لانتاج الورق، في القيصر الالماني فيلهلم الثاني قدوته التي يحتذي بها في حياته، حتى أنه يقلده في طريقة ترتيب شواربه، ويمارس ذات الأساليب المعهودة لدى النظم العسكرية في القضاء على منافسيه الصناعيين
بطل الراوية “أونته تان – التابع” التي صارت فيلماً سينمائياً في عام 1951 هو أنموذج للشخصية الأوروبية الكلاسيكية الطامحة في الصعود سياسياً ومادياً إلى أعلى الهرم المستحكم في المجتمع، دون التعرض للحاكمين المستبدين، بل بتقليدهم في الارتقاء والتحكم بمن دونهم من “الأتباع”، حيث للامبراطور ملوك خاضعون له، وللاستقراطيين من دونهم من أصحاب المزارع والأملاك، وهؤلاء بدورهم مستحكمون بمن دونهم من الفلاحين وصغار المنتجين… وهؤلاء يستحكمون بالعمال والمستاجرين للعمل الشاق في المزارع، دون أن يختلفوا في وضعهم الاجتماعي عن وضع العبيد وسواهم من المستضعفين في الارض
منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، اي مع بداية الفصل الثالث للثورة الصناعية في أوروبا، ظهرت تشكيلات اجتماعية – قيادية جديدة في العالم المتقدم، كان ديدنها جمع المزيد من الأموال وتطويرالبني السياسية والاقتصادية بما ويتلاءم مع مصالحها… وعلى الرغم من أن العمود الفقري للأنظمة الكلاسيكية قد ظل على حاله، إلا أن التراتب اصبح يضم رؤساء الدول ومن دونهم السياسيين وأدنى منهم بقليل مدراء المعامل والمصانع العاملين على توسيع رقعة نفوذهم في المجتمع.  وبدأ المثقفون الكبار من أمثال الفيلسوف عمانوئل كانت بالمطالبة بأن يعدل الناس المستنيرون عن فلسفة الطاعة العمياء للاستقراطية إلى الحكمة في تعاملهم مع ما حولهم من تطورات. وهنا يمكن القول بأن المجتمع الصناعي قد أسس لشرائح طبقية على غرار الارستقراطيات العسكرية التي شرعت في افساح المجال رغماً عنها لمدراء وأصحاب الشركات
حدثت تطورات عظمى في الولايات المتحد وفرنسا قبل ألمانيا وسواها، فظهرت دساتير واقتيد نبلاء إلى المقصلة، وبدأ الحديث عن “المواطن” وحق “المواطنة” وكذلك المطالبة بمشاركة “المواطن الحر” في الحكم والقرار. إلا أن الأوضاع في ألمانيا اختلفت بسبب التربية البرويسية القاسية للأطفال وتلاميذ المدارس وطلاب الكليات الحربية، هذه التربية التي كانت أسسها الطاعة العمياء للقيصرية، تعظيم أفكار الإخلاص للوطن والجيش والنظام والولاء المدني والعسكري المنضبط والمخلص للدولة وزعيمها، بحيث نعت المفكر الاجتماعي الشهير ماكس فيبر المواطن الألماني بأنه “تابع” بامتياز. وليس لدي حقيقة كلمة أقرب معنىً من “بن ده ست” الكوردية للفظة “أونته تان – التابع” هذه
ساهمت هذه الأفكار التربوية الألمانية التي تطرقت إليها مختلف النشريات والكتب السياسية منذ عهد الامبراطور فيلهلم الأول في التمهيد لقيام النازية الألمانية بزعامة أدولف هتلر على أنقاض قيصرية فيلهلم الثاني وبعد دفن “جمهورية فايمار” التي لم تدم طويلاً. ومن أهم سمات تلك المرحلة المتسمة بعنف الشرائح الحاكمة الذي أعتبر شيئاً طبيعياً هو الاعتقاد بان الجلد أو الضرب المبرح والمستمر يخلق لدى “التابعين” فكرة القبول التام بسيطرة المسيطرين واعتبارها شرعية وضرورية، لابد منها لحفظ الأمن والنظام ودوام الدولة. والخوف المستمر من العقاب يؤدي إلى التنازل عن الحق في الحرية لدى التابعين، وتحويلهم إلى عبيد يعتقدون بأن زوال النظام المستبد بهم يؤدي بالتأكيد إلى فقدانهم أسباب حياتهم وأمنهم واستقرارهم
وبفهمنا لهذه النقطة بالذات نفهم الأسباب التي دفعت بالشعب الكوري الشمالي إلى البكاء الجماعي على دكتاتورية هرمة تترك الساحة لدكتاتورية شابة من صلبها
وبسبب العولمة التي غيرت معالم المجتمعات المتقدمة وأثرت بعمق في ما يتبعها من عالمٍ ثالث ورابع، انتقلت السلطة من أيدي الحاكمين باسم السياسة والديموقراطية والحريات إلى ما هو أخطر من حكم الارستقراطيين العسكريين في الماضي وحكم الحزب الواحد والزعيم الأبدي كما في عهد النازية الألمانية والفاشية، حيث الذي يتخذ القرار الأهم في حياة “التابعين” لم يعد البرلمان المنتخب من قبل الشعب، وانما اجتماع مدراء الشركات، التي صارت معظمها في قبضة مالكين منتمين لمجموعات مالية دولية، والعامل المستضعف في الأرض لم يعد يدري من هو سيده الحقيقي، وهل ستبقى هذه الشركة التي يعمل لديها غداً أم ستزول بقرار مدير من المدراء اجتمع لتوه مع مدير بنك من البنوك العالمية، وهل سيتمكن من التمتع بحقوقه التعاقدية في حال خروجه من العمل لدى الشيخوخة؟
ولذلك فإن العالم الاجتماعي أولريش بيك يصف هذه المرحلة بانها مرحلة انتقال النظام السلطوي من الدولة إلى السيطرة الكونية للمؤسسات المالية والصناعية، مما يثير المخاوف والقلق لدى المستضعفين في الأرض ويتسبب في إحداث القلائل السياسية والاجتماعية بشكل عام
إن الخوف على مكان العمل وعلى المال الشخصي المودع لدى البنوك وعلى المستقبل التقاعدي للمستضعفين في الأرض في وقت يتقاضى فيه مدير ما راتباً يضاهي رواتب الالاف منهم وتعويضات تفوق مجموع الرواتب التقاعدية لكل عمال المصنع أو المؤسسة التي يخدم فيها، لاتجعل من مواطن الدولة الحر مجرد “المواطن الغاضب” وإنما قد ينتكس الأمر وتدفع به المشاكل والمخاوف للبحث عن زاوية يركن فيها إلى المستبدين والدكتاتوريين والسارقين قوت أولاده، في حين ان الأسياد يعتبرون ملايين البشر المرتبطين بهم بشكل أو بآخر “رأسمالاً بشرياً” وجيوشاً من التابعين، وهنا يكمن الخطر الكبير على ما نعتبره توازناً إجتماعياً
في ظل العولمة المثيرة والمرعبة هذه، يحاول بعضهم من أقزام السياسة وعشاق السلطة استغلال نزعة الانتكاس لدى المستضعفين في الأرض وإظهار أنفسهم لهم عن طريق تجميع السلطات والثروات في أيديهم كمنقذين إياهم من البطالة وضامنين لوظائفهم وقادرين على تأمين الركن الذي يركنون إليه، طالما بقي هؤلاء قائمين على السلطة في القمم. وهذا ما نراه في بلادنا مع الأسف، حيث الطغاة الذين جمعوا أسباب القوة وامتلكوا الثروات يتمتعون رغم كل وحشيتهم في التعامل مع المواطنين بكثير من الشعبية ولهم طوابير من العملاء والاعلاميين المستعدين للدفاع عنهم بأكاذيبهم وتحريفاتهم للحقائق دون حياء، فهم القادة المعصومون والوحيدون القادرون على منح الحريات أو انتزاعها، وهم الذين يرتشون الإعلام ويشترون أصحاب القلم كما كان الاستقراطيون يشترون العبيد ويبيعونهم في الماضي، وهم مفاتيح الأمان والاستقرار، كما أنهم منارات الهدى للشعوب “العمياء
وهذا يوضح لنا حقيقة ما رأيناه عن طريق “حي مباشر” في بيونغ يانغ الكورية الشمالية منذ أيام قلائل، وما نراه في سوريا الحزينة الجريحة صباح مساء وفي غيرها من بلداننا التي تتبع نظام العولمة ككواكب صغيرة للغاية في الفلك الكبير مع الأسف، ومع ذلك تطبل وتزمر باستمرار للسيادة الوطنية والاستقلالية في القرار الوطني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s