الذي يجيد السباحة لايهمه أن تغرق السفينة

جان كورد، ‏ 21 كانون الأول‏، 2011

 يبدو أن كلاً من العراق وسوريا، البلدين اللذين استبد بحكمهما حزب البعث العربي الاشتراكي عقوداً من الزمن، سيدفعان فترة طويلة أخرى، ثمن ذلك الحكم الدكتاتوري الإرهابي غاليا، إذ على الرغم من أن العراقيين قد وضعوا منذ سنوات عديدة بالتعاون مع “العامل الخارجي” حداً لنظام الاجرام الكبير، إلا أن ما يجري اليوم على أرض “العراق الحر” لا يقل تخلفاً سياسياً عما كان عليه في عهد الطاغية البائد صدام حسين، الهارب من القتال، وهو أعلى قائدٍ عسكري، إلى جحر ضب، فالعقلية هي ذاتها لاتزال متحكمة بأذهان وألباب أجيال تربت ونشأت في ظل أفكار وعقيدة البعث وعاصرت تلك الفئة الباغية التي كانت تنفي الآخر المختلف وكانت تسيطرة على الكل ولاتقبل بأن تكون جزءاً من المجموع أبداً… وهذا ما نراه جلياً في التركيبة الحاضرة للنظام السياسي العراقي أيضاً، حكومة ومعارضة، على حدٍ سواء… والعراق لم يتحرر ولن يتحرر في المدى القريب من تلك العقلية وقد تنتكس مسيرة الديموقراطية والحرية انتكاسة مقيتة، رغم كل التضحيات الجسيمة للشعب العراقي في سبيلهما. وهنا سيفكر البعض في احتمالات غرق السفينة العراقية أو إغراقها، وبخاصة أولئك الذين لايأملون في متابعة المسيرة المخضبة بالدماء

هناك بوادر وسمات واضحة لترسيخ التجزئة والتقسيم، طائفياً وقومياً، ويعود الناس إلى التحدث كما في عصورٍ قديمة عن “العراق العربي” و”العراق العجمي”، والمقصود اليوم بالعراق الاول مناطق السنة بينما المقصود بالعراق الثاني ما تبقى من العراق، في الجنوب حيث الشيعة وفي الشمال حيث الكورد، فزعماء الشيعة متهمون بتبعيتهم التامة للنظام الايراني الطائفي علناً وصراحة بحكم دستوره، بل إن بعضهم متهمون بأنهم “عجم وفرس” لا علاقة لهم بعروبة العراق أصلاً، على الرغم من أنهم يتحدثون بالعربية ويعبدون بها ويحكم رجالهم العراق بها

الشرخ أو الصدع في العراق ظاهر ومدمر، في القريب العاجل، إن لم يجد العراقيون حلاً وسطاً وواقعياً في أزمتهم المستديمة، على أساس الاعتراف بالآخر المختلف ومنحه حقوقه المشروعة على أساس التكافؤ والتكافل، وعلى أساس المساواة والعدل، وإلا فإن القادرين على السباحة سيقفزون من السفينة قبل أن تغرق بهم

الأوضاع في سوريا تقترب من المسرحية العراقية من وجوه عديدة، فالنظام الأسدي – البعثي لايزال يحكم بالحديد والنار، بالإرهاب والإجرام المنظم، ولايستطيع الاعتراف بمن لايرضى عنه ولايخضع لسياساته الغبية والمدمرة للبلاد والجيش والثروات والوحدة الوطنية، فيدفع بالسفينة السورية إلى مضائق صخرية هائجة الأمواج، لانجاة لها ولمن على متنها إلا بالتخلص من ربانها، الذين يبدو أنهم مرضى نفسياً، يجب أن يحشروا في مشفى للأمراض العقلية، لا أن يديروا بلاداً ويقودوا شعباً بأسره، فيتصرفون بحياة مواطنيه كما يتصرف الجزار بأعناق الدجاج والخراف التي بين يديه

وإذا ما استمر الوضع هكذا، وتقدمت إلى واجهة المعارضة قوى تشربت تاريخياً ذات العقلية البعثية الاقصائية للآخر المخالف، ونمط تفكيرها قائم على أساس سيطرة الأكثرية على الأقلية، وإملاء المستقبل الدستوري والقانوني والسياسي للبلاد حسب نزعاتها الآيديولوجية أو الحزبية الضيقة، فعلى سوريا السلام

وفي سوريا أيضاً سيفكر البعض في مغادرة السفينة قبل أن تغرق، وبخاصة من يجيد من هذا البعض السباحة

ربما كان القوميون والشيوعيون الصرب أيضاً في حالة تفكير كهذه التي عليها بعض السوريين من ذوي المشارب العنصرية أو الآيديولوجيات “ما فوق الوطني”، ولكن تفكير الصرب المتعصبين لم يمنع تفتيت يوغسلافيا إلى عدة أجزاء، حتى أن منطفة صغيرة تدعى مونتى نيغرو “الجبل الأسود” صارت دولة مستقلة مثل أجزاء أخرى أكبر منها، ولم ينفع غلاة الصربيين وقوع “يوغسلافيا” في قلب القارة الأوروبية المعروفة باتحادها الكبير القائم على أسس الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان

إني لأشم رأئحة البارود الذي يحترق في قاع السفينتين، العراقية والسورية، مالم يفهم ربانهما المستقبليون خطورة المياه التي يبحرون فيها، وإن عليهم قبل سواهم التصرف بحكمة ودراية، لا أن يكونوا مراوغين ومتحزبين لمكونٍ أكبر ضد مكون أصغر في المعارضة التي من المفترض فيها أن تقود البلاد غداً

ويبقى سؤال يبحث عن جواب

“هل قياداتنا الكوردية تجيد السباحة، فيما إذا انفجر البارود في قاع السفينتين لسببٍ من الاسباب؟ أو هل فكرت زعاماتنا السياسية ملياً عما قد يرتسم في آفاق المستقبل القريب من صورٍ وخرائط جديدة ووضعوا خططاً للمرحلة القادمة؟ إذ أن الذين يريدون لسفينتي العراق وسوريا الغرق أكبر عدداً مما نتصور حقيقةً وواقعاً… حسب مراقبتي المتواضعة للأوضاع… وآمل أن لاتغرق أي سفينة في العالم لأن ذلك يعني مزيداً من دموع ودماء الشعوب

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s