الكورد في خضم الثورة السورية

جان كورد، ‏15‏ كانون الأول‏، 2011

كان الكورد أثناء الثورة السورية الأولى ضد المستعمرين الفرنسيين (1920- 1946) منقسمين على أنفسهم عشائرياً، وفي ظل الاقطاعيين (الآغاوات) وشيوخ الصوفية، حيث كان التركيب الطبقي للمجتمع الكوردي آنذاك مساعداً على بقاء وسيطرة تلك القوى الاجتماعية – الدينية، ولكن مع ذلك فقد اتسم المجتمع الكوردي في عمومه بالمساهمة في الثورة السورية، وسجل قادة كبار منهم، في شتى أنحاء البلاد، سجلاً رائعاً من سجلات الثورة، فأسماء وزير الدفاع السوري، الشهيد يوسف العظمة والقائد الكبير إبراهيم هنانو وسواهما من رجالات الكورد في دمشق والجزيرة وكوباني وجبل الأكراد تلتمع حتى الآن وتعبر عن الموقف الوطني الكوردي الصحيح تجاه المستعمرين والغزاة، الطامعين لجعل سوريا مزرعة لهم يستغلون خيراتها كما يشاؤون.

وظل الكورد منقسمين في سياساتهم ومواقفهم طوال كل العهود التي مرت بها سوريا، منذ الاستقلال وإلى حين اندلاع الثورة السورية الثانية على النظام الأسدي – البعثي، في 15.03.2011، ولكنهم تحولوا عبر المراحل من أتباع وأشياع للاقطاعيين وشيوخ الصوفية إلى منتظمين في صفوف الأحزاب المختلفة، الكوردية والسورية، ومؤيدين لها، ومنهم، مع الأسف، من لا هم لهم سوى تحسين ظروف معيشتهم، ولايعارضون النظم السياسية في شيء، كما أن منهم طائفة تخدم الأنظمة السائدة، كيفما كانت سياساتها تجاه شعبهم المظلوم، بل يعملون لدوام حكمها واستمرار طغيانها، طالما يستفيدون هم من تلك العلاقة، شخصياً أو عائلياً… إلا أن غالبية الشعب الكوردي، تعتبر هؤلاء “مرتزقة” ويسمونهم ب(الجاش)، وهي تحريف لكلمة (الجحوش)، حيث كان عملاء النظام العراقي من الكورد في زمن الثورة البارزانية الكبرى يسمون بذلك.     

صار الولاء الحزبي بين الكورد السوريين أهم ما يميزهم عن بعضهم بعضاً، فالعشيرة لم تعد قوية الأواصر بينهم، سوى في بعض الأنحاء من مناطق تواجدهم السكاني، والتيارالديني في البلاد لم يعد جاذباً لهم لعدة أسباب تتعلق بالظروف التاريخية وانقلابات العصر الفكرية ولجملة من الأخطاء الكبيرة للقوى الدينية في الدول التي تقتسم بلاد الكورد، تجاه قضيتنا القومية العادلة، ولتوافر كل أشكال المساندة من قبل النظم السياسية السورية والقوى المؤثرة فكرياً بعكس الاتجاه الديني في المجتمع الكوردي من العالم الخارجي، وكذلك فإن الزعماء الاقطاعيين قد وجدوا أنفسهم مجرد مواطنين لا حول ولا قوة لهم في ظل نظام سياسي بدا وكأنه يسير سيراً حثيثاً صوب الاشتراكية. ولكن الأحزاب من يسارية وديموقراطية رغم أخذها مكان القوى الكلاسيكية في المجتمع الكوردي فقد ظلت على الدوام أضعف من أن تقوم بمسؤولية القيادة الحقيقية للمجتمع والشعب، والاسباب كثيرة، منها ذاتية ومنها موضوعية، فصار الحزب الواحد يرتبط باسم أمينه العام أو رئيسه حتى يتم التعرف عليه، لكثرة انشقاقاتها وتعدد أسمائها المتقاربة. ومن هؤلاء الزعماء من تصرف مع حزبه تصرف البارونات مع أتباعهم، فلا ينازعه أحد على الرئاسة وهو معصوم لايخطىء وسياسته مهما كانت جوفاء أو منحرفة عن خط المصلحة القومية سياسة “صحيحة!” تباركها مؤتمرات حزبه التي تبدو نتائجها معدة سلفاً كلما عقدت 

بررت الأحزاب الكوردية موقفها غير المساهم في انتفاضة الشعب الكوردي على نظام الأسد في آذار 2004 بأن عموم الشعب السوري لاينتفض، والكورد وحدهم غير قادرين على تغيير موازين القوى في سوريا، ولذلك ساهمت بقوة وبالتعاون مع النظام في إخماد “الفتنة!”، ولكن موقف معظم تياراتها وفصائلها لايزال على حاله في خضم الثورة السورية الثانية التي تشهدها البلاد الآن 

ومن جهة أخرى، فإن الأحزاب الكوردية لم تعد كما كانت عليه في عام 2004، حيث أثرت تلك الانتفاضة المجيدة في عمق التفكير السياسي للشعب الكوردي إجمالاً وفي تفكير الشباب الكوردي خاصةً، ودفع “الربيع العربي” بالسفينة الكوردية أيضاً لتشق البحار الهائجة في ظلمات الليل السوري، وترغم مع تقدمها الزعامات الكوردية الكلاسيكية إلى التفكير ملياً في مستقبلها، بل في بقائها ووجودها كقوى سياسية، وبخاصة فإن بعض القادة المتذمرين من السياسات الكلاسيكية يتعرضون للاعتقالات، وبعضهم للاغتيالات، منذ فترة، وفي مقدمتهم الأستاذ الكبير الشهيد مشعل التمو، ومن قبله الكادر الثوري الشهير كمال شاهين، والجنرال حفتارو

ويبدو أن الأحزاب الكوردية تعلمت درسها الآن، فإذا بها تسارع إلى تبني أفكارٍ ومواقف لم تعهدها من قبل، بل إنها تسعى حثيثاً إلى تعزيز تلاحمها وتقوية عملها المشترك، في صيغة مؤتمر أو مجلس وطني، ولو لم يكن إلى الآن بالمستوى المأمول من قبل الشعب الكوردي. وهذه بداية جيدة وتحول كبير، وخطوة أعلى من خطوات التحالفات أو الجبهات الأدنى علواً من فكرة “المجلس الوطني”، على الرغم من الشكوك التي تحيط ببعض الممارسات اللاديموقراطية لبعض محاور هذا العمل المشترك الأساسية ومخاوف البعض من المراقبين من أن هذا التقارب الكبير ليس إلا نتيجة إملاءات من خارج الحركة الوطنية الكوردية السورية، هدفها “تحييد الكورد سورياً” في خضم هذه الثورة المجيدة للشعب السوري 

ومهما يكن، فإن ضغط الشباب الكوردي بتنسيقياته الثائرة في الشارع واستعداده الكبير للتضحية والبذل، ونشوء تنظيمات كوردية متمردة على الخط الكلاسيكي العام، وبخاصة منذ اغتيال شيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي في عام 2005، واستعداد الشعب الكوردي للسير في ظل شعاراتها الثورية، لايرغم الحركة السياسية الكوردية برمتها على السير في الاتجاه المؤدي إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه الثورة فحسب، وإنما سيرغمها على التخلص من كثيرٍ من أساليبها النضالية وتراكيبها الكلاسيكية والتخلي عن بعض قياداتها التي بدت وكأنها لم تعد تلائم العصر الحاضر، وأنما تعود إلى عصر “الحرب الباردة” الأول 

وهكذا هي حركة التاريخ في تغير وتبدل وتطور، فالانتفاضة الكوردية في عام 2004 كانت “فتنة!” في عيون بعض قياداتنا الكوردية، ولكن التطور الهائل الذي عليه كفاح الشعب السوري اليوم يجعل من المستحيل وصفه بالفتنة، وليس لهذه القيادات من مهرب بعد الآن، ولابد لها من المشاركة في هذه المسيرة العظيمة للشعب السوري الذي أثبت للعالم بأنه مستعد للتضحيات الكبرى من أجل حريته 

وأملنا في أن يتم عقد مؤتمر أشمل وأوسع للحراك السياسي – الثقافي الكوردي في غرب كوردستان يستوعب حركة العصر وتحولاته العظمى، ويتلاءم مع الأفكار والشعارات المطروحة من قبل الفئات اليافعة من شعبنا الكوردي، حتى لانسير في عكس تيار الثورة ولانصبح أداة للتعكير عليها أو لعرقلة مسيرتها المظفرة حتى الآن. وبامكان الإخوة الكوردستانيين في أجزاء كوردستان الأخرى أن يكونوا عوناً كبيراً لشعبنا وحركته في غرب كوردستان على هذا الطريق المليء بالأشواك والعقبات

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s