سوريا … والمستقبل الغامض

جان كورد، ‏24‏ تشرين الثاني‏، 2011

إن مسلسل التقتيل والتعذيب والتدمير والإرهاب في سوريا مستمر حتى بعد 8 شهورٍ من عمر الثورة الشعبية العارمة التي ساهم فيها الشعب السوري بمختلف مكوناته القومية والدينية، وإن قطبي الصراع، الشعب والنظام، لا يتراجعان خطوة إلى الوراء، القطب الأول مصر على إزاحة الآخر من الساحة السياسية، ولا يقبل بأي حوارٍ معه، لأنه مقتنع بأن حواراً كهذا لن يؤدي إلى نتيجة. والقطب الثاني يرفض أن يعتبر حكمه أمراً عابراً وإنما هو حكم أبدي وراثي سيبقى في العائلة كحكم الفراعنة المصريين. والأحداث الدموية الفظيعة تثبت بأن النظام مستعد لابادة الشعب كله، ولكنه غير مستعد للتنازل عن السلطة، والتلويح من قبله بالاستعداد للتنازل عن بعض الصلاحيات السلطوية هو من باب “اتخاذ الخطوة الضرورية مرحلياً”، لا من باب الاقتناع بوجود القطب الآخر وحقه في ممارسة تبادل السلطة ديموقراطياً 

وهذان موقفان متناقضان لايمكن التوفيق بينهما بأي شكلٍ من الاشكال، إذ أن الهدف لكلٍ من القطبين مختلف تماماً عن الآخر، فلا المبادرات الوطنية السورية، ولا محاولات الجامعة العربية ولا المساعي الدولية قادرة على ردم الشرخ الحاصل في الحقل السوري السياسي، وعودة البيت السوري إلى ما كان عليه في سابق الأوان. ولذا فإن التفاؤل الذي لايزال عليه السيدان وزير خارجية العراق هوشيار زيباري ووزير خارجية روسيا سيرغي لافروف يبدو وكأنه حلم لاعلاقة له بالواقع السوري الذي يبدو أشد قتامة ودموية مما يتصوره هذان السياسيان العريقان ومن على نمط تفكيرهما الحالي

لاشك أن أعتى وأظلم قوى الطغيان في العالم، لم تستطع عبر التاريخ البشري إيقاف مسيرة الشعوب، رغم فظاعة ودموية جيوشها وأجهزتها القمعية من كل نوعٍ ولون. ومنذ انبثاق أول براعم “الربيع العربي” في شمال أفريقيا ثبت لنا جميعاً بأن جنود الظلام وجيوش القهر هي التي تخسر في النهاية وليس طلاب الحرية وأنصارالحياة. إلا أن التاريخ يقول لنا:”حتى أعظم الثورات تتعرض لانتكاسات، والثورات تفترس أبناءها“… فما حدث بعد الثورتين الفرنسية والسوفيتية في الماضي، وما حدث بعد الثورة العظيمة في وادي النيل يثبت صحة هذه المقولة. وهذه الانتكاسات تحدث لعدة أسباب ذاتية وموضوعية، وظروف اقليمية ودولية معقدة ومتشابكة قاهرة

وعليه، فإنني متفاؤل جداً بمستقبل ثورتنا السورية الكبرى، إلا أنني أجد علامات وتصرفات غير إيجابية لبعض أطراف وأشخاص المعارضة الوطنية والديموقراطية، تفسح المجال للغدر بالثورة أو تحريفها عن مسارها الطبيعي، بل وتساهم بشكل مباشر في عرقلة نموها الصحي. وهناك سيل من التناقضات في اتخاذ المواقف وإطلاق التصريحات وإفزاع الثوار بكل ما يمكن اعتباره مسيئاً للعمل والحركة صوب الأمام. وما يزيد الطين بلة هو أن ضم المعارضين للمؤتمرات والمجالس السورية لايخضع لاعتبارات واقعية من ناحية التوزيع الجغرافي للتمثيل السياسي، وانما لنزوات شخصية لبعض من فرضوا أنفسهم كقادة تحرير للشعب السوري، ومنهم من يفكر بأن معياره في ذلك يجب أن يصبح معياراً وطنياً مقبولاً من الجميع

هذه الهفوات، وهي عديدة ومتتالية، إضافة إلى عدم وجود مشاريع بديلة في حالات الفشل في مشاريع معينة، وكذلك عدم وجود خطة عمل محددة للمدى القصير والمدى الطويل، لاتضر بوحدة المعارضة السورية فحسب، وانما تقلق الثوارالشباب وتنسيقياتهم في ساحات الكفاح الوطني، وتزيدهم هماً، في حين أن المطلوب باستمرار هو التقليل من هموهم وأحزانهم، ووضع خارطة طريق واضحة لنضال المعارضة أمامهم، وتعزيز التنسيق معهم ومع الجيس السوري الحر ومع كل الذين نأمل فيهم الانشقاق عن هذا النظام المتعجرف الفاسد

النظام يدفع بالبلاد صوب مستقبل غامضٍ وأشد دموية، فهولا يتوانى عن ارتكاب أفظع المجازر لوقف مسيرة الشعب السوري، والتردد العربي الرسمي حيال دعم الثورة السورية، كذلك العناد الروسي وموقفه اللامبالي من تضحيات السوريين، يمنح النظام فرصة أطول عمراً لادامة جرائمه ضد الإنسانية ولتعزيز محاولاته في سبيل بلبلة صفوف المعارضة بشتى أشكال الخداع والمناورة والدجل الإعلامي

وحتى يفشل النظام ومن معه في سعيهم لجر بلادنا صوب مستقبلٍ غامض ومجهول، علينا جميعاً، في أي فصيلٍ كان من فصائل المعارضة الوطنية والديموقراطية، ان نقلل من مساحات الجفاء بين مختلف المعارضين، وعدم البخل بالمساعدة في تقريب الصفوف وتوحيدها، وجمع الكلمة السورية، والتقليل من التصريحات المتناقضة، وعدم أدلجة سياسات المعارضة، وسماع كل الآراء باحترامٍ تام، رغم ضحالة تأثيرها وطنياً، ومراعاة القواعد والأصول العامة في تحقيق التمثيل السياسي في المجالس والمؤتمرات، لا جعلها غنيمة حزبية أو شخصية لأفراد أو جماعات بحد ذاتها دون غيرها، والعمل بتنسيق تام ومستمر مع تنسيقيات الشباب والجيش السوري الحر وكل المناهضين للدكتاتورية والاستبداد في بلادنا بشكل خاص 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s