الحراك السياسي الكوردي في بقعة ضوء 4-4

جان كورد، ‏03 ‏كانون الأول ‏، 2011

باختطاف الشيخ الكوردي، الدكتور محمد معشوق الخزنوي، بتاريخ 10.05.2005 من مكتبه في دمشق، ومن ثم تعذيبه بصورة بشعة وتقطيع أوصاله واغتياله، ظهرت حقيقة النظام السوري للملأ، وخاصة فإن هذا العالم الجليل معروف عالمياُ بمناصرته المستضعفين ضد الظلم والجور، وبدعوته الدينية السمحة التي كانت تجذب قلوب المؤمنين من سائر الملل والنحل، كما أنها كانت تعتبر معتدلة ومتوازنة لدى العلمانيين، كما كان معروفاً لدى أبناء شعبه بقوة إيمانه وثباته على الحق وتصديه للباطل، ووقفته العظيمة في القامشلي الباسلة على أثر الانتفاضة في عام 2004 مشهورة، حيث ألقى خطاباُ حماسياً أكد فيه أن الحقوق لاتعطى وإنما تؤخذ بالقوة، فملأ قلوب الشباب الكوردي في أن زعيماً جريئاً وبريئاً في صورة شهيد مخضب بدمائه قد ظهر وما عليهم إلا أن يتبعوه، فجاء استشهاده مضرب المثل في الثورة على الظالمين، أعداء الإنسانية، وسيبقى رمزاً كوردياً خالداً من رموزنا العظيمة في تاريخنا الحافل بتضحيات الرجال الكبار… لقد تحول شيخ الشهداء إلى منافس لكل القيادات السياسية الكوردية، على الرغم من أنه لم يكن ساعياً لزعامة سياسية وانما يقوم بواجبه الديني والقومي والوطني كعالم يدرك ما يجب عليه القيام به 

وبذلك الحدث البارز في المرحلة الجديدة التي أعقبت الانتفاضة المجيدة لعام 2004، إزداد الشعور لدى الشباب الكوردي بأنهم بحاجة إلى قيادة جديدة، تتصف بمزيد من الجرأة والتضحية والاستعداد للنزول إلى الشارع لمقارعة النظام المستبد برقابهم. فالتصقوا أكثر بمن يسير في اتجاه النشاط العملي وابتعدوا عمن يريد ابقاءهم في دائرة تحرير البيانات الباهتة فقط، دون القيام بأي عمل حقيقي في الساحة المناهضة لأعداء الكورد والسوريين من حكام وناهبين وقتلة مجرمين في مؤسسات الدولة المختلفة وأجهزتها القمعية الكثيرة

واستمرت حالة الانفكاك أو”الانفلات السياسي التنظيمي”، كما يحلو للبعض وصفه، بسبب امتصاص افكار العصرنة والتجديد التي هبت بقوة من العالم الحر الديموقراطي على بلادنا واجتذبت ملايين الشباب السوريين الطامحين للحرية ولبناء مستقبلهم بأيديهم وبشكل أفضل، بعيداً عن سيطرة الأجيال الأكبر عمراً، وخارج سيطرة النظام التوتاليتاري المتخلف بأساليبه القمعية عن روح العصر الحديث، فازداد عدد التنظيمات الجديدة وتشعبت في برامجها وتعالت في طموحاتها، حتى وصل الأمر إلى درجة حركات وجيوش وأحزاب انترنتية في السنوات الأخيرة، لا حصر لها على الساحة السورية، وهذا أثر بعمق في هيكيلة التنظيم السياسي الكوردي السوري، رغم كل العقبات والعراقيل التي حاولت الحركة السياسية الكلاسيكية وضعها أمام مؤيديها من الشباب، ورغم كل العنف السياسي الشديد للنظام الذي يستخدم مختلف الامكانات الحديثة لمنع الشباب من الوصول إلى المنابع الفكرية للحريات العامة ووضع الحواجز الكبيرة بينهم لتقليل “الاتصال الاجتماعي” فيما بينهم، منذ فترة طويلة، وبخاصة بعد اندلاع ثورة “الربيع العربي” في تونس وتحركها شرقاً، على الرغم من أنه كان واثقاً أشد الثقة بأن “سوريا ليست تونس او اليمن أو مصر أو ليبيا

إن تزايد عدد الأحزاب والحركات الحديثة، صغيرة كانت أم كبيرة، ليس محصوراً في النطاق الكوردي السوري فحسب، بل إنه واضح في سائر البلدان الشرق – أوسطية، وفي عالم الحريات العريق، مثل دول أوروبا الغربية، فهذه –كما يبدو- سمة من سمات عصر العولمة الذي تغيرت فيه مفاهيم التنظيم السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي 

ما مهد للثورة السورية الكبرى التي تأثرت تأثراً صارخاً بما سبقها من ثورات “الربيع العربي” وبالإعلام العربي الفاضح للأنظمة الاستبدادية الحاكمة، وبتعاظم التواصل الاجتماعي بين الداخل السوري والعالم الخارجي من خلال الانترنيت، هو استمرار النظام الأسدي – البعثي في ارهابه السياسي، وانكشاف خداعه وكذبه أمام شعبنا، وعدم سماعه نداءات الشعب المطالب بالحرية والديموقراطية وصون حقوق الإنسان، أما ما مهد للتغيير والتجديد في الحراك السياسي – الثقافي بشكل خاص، فإنها الظروف العامة الوطنية والكوردستانية والدولية، إضافة إلى ذات العوامل المؤثرة في الشارع السوري المعارض، مع حدوث تطورات في البنى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الكوردي، بحيث لم تعد الأفكار السياسية الكلاسيكية للزعماء العجائز تتلاءم مع هذه التطورات التي جرفت معها الشباب الكوردي صوب عالم مختلف عن عالمهم القديم، وهذا أصعب من أن نحيط به في مقالٍ

وحيث أن التنظيمات السياسية الكوردية في حالة “ولادات” جديدة باستمرار للأسباب التي ذكرنا بعضها، فإننا لانستيطع الالمام ببرامجها واسمائها وتفرعاتها، ولكننا نتمكن من تحديد التيارات الرئيسية التي انجذبت إليها الحركة السياسية – الثقافية الكوردية بشكل عام. ويجدر هنا التأكيد قبل كل شيء على عدم تأثر هذه الحركة سابقاً أو اليوم بأفكار الفاشيين والنازيين والعنصريين الآخرين، كما أن الإرهابيين الدوليين والمحليين لم يتمكنوا من إيجاد موطأ قدم لهم في المجتمع الكوردي السوري حتى الآن، وذلك بسبب أن الحركة السياسية الكوردية العريقة تاريخياً كانت على الدوام بالمرصاد لمثل هذه الاتجاهات الضارة بوحدة شعبها وبالتآخي الوطني بين سائر المكونات الاثنية والدينية في سوريا، رغم كل سياسات التمييز التي عانها الشعب الكوردي على أيدي العنصريين البعثيين ومن على أشكالهم. الحراك السياسي الكوردي المنظم ومعه كل أشكال تجمعات الشباب الثائر وتنسيقياتهم العاملة على الساحة، وكذلك ما يدعمهم من حراك ثقافي نشيط، يترفع عن النزعات الطائفية والتقوقع القومي وهو حراك منفتح على السوري العام بمختلف تياراته الفكرية وتكتلاته السياسية، سوى العنصرية والطائفية العمياء منها، كما أنه حراك مؤمن بالتعددية وحرية الاختيار، على الرغم من وجود عناصر في فصائله تعود إلى عصر هيمنة الحزب الواحد وبقاء الرئيس في منصبه طوال الحياة، ولكن هذه العناصر أعجز من أن تعيد عجلة التطورالتاريخي نحو الوراء.    

هناك تيارات فكرية مختلفة في الحركة السياسية – الثقافية الكوردية في غرب كوردستان، بحكم الاختلافات الفكرية العميقة في المجتمع، وهي 

– التيار الديموقراطي الوطني (ويضم مختلف التشكيلات الحديثة أيضاً رغم اختلافها عن الأحزاب الكلاسيكية في النهج والممارسة والبنية التنظيمية والمطالب المطروحة

– التيار اليساري (ويضم كل الفصائل المنشقة عن بعضها من حزب اليسار الكوردي العريق

– التيار الإسلامي

أما التياران الأول والثاني فهما عريقان في الحراك السياسي – الثقافي، ولكن التيار الثالث ضعيف حتى الآن، بسبب الأخطاء الجسيمة للتيار الإسلامي العربي تجاه قضية الشعب الكوردي تاريخياً. وإن ما تشكل أخيراً، قبل سنوات قلائل من وحدات إسلامية سياسية ضئيلة الحجم في المجتمع الكوردي السوري فإنها تابعة لحركة “الإخوان المسلمين” سياسة وفكراً ولا نجد لها استقلالية واضحة في بياناتها ومواقفها، ولاحظنا في الفترة الأخيرة أن أفكار العلامة محمد صالح كابوري (مؤسس الحزب الإسلامي الكوردستاني في عام 1980) والتضحية العظيمة التي قدمها شيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي قد أثرتا في عددٍ لابأس به من علماء الدين الكورد وفي بعض الحلقات الدينية القريبة من التيار الوطني الديموقراطي للحركة السياسية الكوردية، ولكن لايمكن حتى الآن الحديث عن “إتجاه سياسي منظم مستقل” يمثل التيار الإسلامي في غرب كوردستان

وما بين اندلاع الثورة السورية في 15 آذار 2011 وانعقاد اجتماع القيادات الكوردية السورية بالسيد رئيس اقليم كوردستان العراق في هولير (أربيل) في شهر نوفمبر الماضي، تجاذبات محورية قوية بين فصائل التيارين الأول والثاني وبين المجموعات الخارجة عن نطاق سيطرة التنظيم الكلاسيكي المحافظ بأشكال نضالاته وتفاعلاته السورية والدولية، حول كيف يجب أن يكون عليه مستقبل “التضامن الكوردي” في غرب كوردستان، وكيف يمكن التعامل مع المعارضة السورية والمساهمة في الثورة الشعبية، وإلى أي مدى يجب السير وراء السياسات الخاصة بقيادات أقاليم كوردستان الأخرى، وبخاصة جنوبها وشمالها، حيث هناك في التيارين الاساسيين من هو مختلف معه سواه من ضمن التيارين بصدد العديد من المسائل الهامة والأساسية في بناء أي مجلس وطني كوردي أو تحالف جديد، سورياً وكوردستانياً على حد سواء 

إن نجاح القيادات الشابة في المجتمع الكوردي السوري مرهون بنجاح الثورة السورية قبل نجاحها في المؤتمرات الكوردية، كما أن قدرتها على الاتصال بمختلف شرائح المعارضة السورية العاملة على اسقاط نظام الأسد وبدورها الفعال في تدويل القضيتين السورية بشكل عام والكوردية بشكل خاص ورفعها إلى مستوى قضايا شعوبٍ أخرى تمكنت من إعلاء صوتها على الصعيد العالمي لدرجة اضطرار المجتمع الدولي على الجلوس للتباحث معها حول قضيتها، وكذلك فإنها لن تستفيد من نزاعاتها التي قد تحدث مع الشرائح الكلاسيكية الكوردية بقدر ما تستفيد من مساهماتها في الثورة السورية وتطوير حوارها الكوردي – الكوردي إلى ما يخدم أفكارها وتطلعاتها ونظرتها التنظيمية وممارساتها على أرض الواقع السوري

أما ذلك التيار الذي يجسم شخصية “القائد المعصوم” ويحلم بعودة “الغائب” الذي سيأتي ليحرر الأمة الكوردية ويؤسس الكونفدرالية العالمية، الديموقراطية العادلة، ويمالىء في الوقت ذاته هذا النظام الدموي المتخلف في سوريا، ويرتدي أثواباً مزركشة، حداثوية ديموقراطية وقومية، فإنه لن يستطيع كبح قوى شبابنا الثائر الرافض للخضوع لأي قيادة تؤمن بأنها خالدة وبديلة عن التعددية وحرية الاختيار

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s