الحراك السياسي الكوردي في بقعة ضوء 3-4

جان كورد، ‏01 ‏كانون الأول ‏، 2011

بدأ قرن جديد من الزمان وجاء معه رئيس جديد لسوريا التي عانت عقوداً طويلة من الكبت السياسي والإرهاب الفكري وسيطرة اقطاعية أمنية – عسكرية على مقدرات البلاد وثرواتها في ظل زعيمها حافظ الأسد الذي كان يجيد لعبة التوازنات الداخلية ويفهم ما يجري حوله من تفاعلات ومنازعات اقليمية ودولية 

ومع وصول السيد بشار الأسد (34 عاماً) إلى رئاسة البلاد عن طريق تعديل دستوري شائن، حيث كان الدستور ينص على أن لايقل عمرالرئيس السوري عن الأربعين عاماًُ، شرع النظام بأكمله في إيجاد خطاب سياسي باطني مراوغ، فكثرت وعلت الزقزقة من أعلى المستويات الرسمية للدولة ولحزب البعث العربي الاشتراكي المتفرد بالسلطة عن “الإصلاح والتجديد والازدهار”، ومع الأسف صدق البسطاء من شعبنا السوري عامة، ومن ضمنهم سياسيون بارزون نلك الخدع السحرية التي ينتهجها كل الحكام المستبدين لدى وصولهم إلى السلطة، فينثرون بعض الحلويات ويجرون شيئاً من التعديلات البسيطة على بعض أركان نظمهم حتى يظهروا كإصلاحيين ومجددين، ثم يتابعون مسيرة سلفهم في القمع والاضطهاد والإرهاب السياسي 

وكانت أسطورة “المنتديات الثقافية والسياسية” من تلك الرشوات الرخيصة التي تلقفها الشارع السوري السياسي والثقافي، ولكننا لم نصدق ذلك البتة، وكنا قد حذرنا الإخوة في الحراك السياسي الكوردي عبر نشر مقالات عديدة آنذاك من الانخداع بها، ومنهم الإخوة في “منتدى بدرخان الثقافي” الذي أسسه الأستاذ الشهيد مشعل التمو. وكنا نفكر في أن العصابة المسيطرة عسكرياً وأمنياً وسياسياً ودستورياً على مقدرات البلاد ستجد في أي انفتاح للنظام حتفها الأكيد، حتى ولو ترأسها طبيب عيون درس في عالم الحرية والديموقراطية

وأتذكر أن بعض أقطاب المعارضة الوطنية السورية من عربٍ وكوردٍ وسريان وآشوريين، ومن مسلمين وغير مسلمين، كانوا يتحدثون عن “ربيع دمشق” الذي كتبنا عنه بأنه ذابل بسرعة وبأنه أقصر ربيع في تاريخ البلاد

وتفاءل الكورد بأن “الحرس الجديد” الذي سيضمه الرئيس الجديد لنظامه الموروث عن أبيه سيكون أفضل بكثير من “الحرس القديم” وأن الخطاب السياسي لهذا الجديد المتعلم في جامعة بريطانية شهيرة منفتح بشكل أفضل من خطاب أبيه المتخرج من كلية حربية، وبالتأكيد فإن أعوانه وأشياعه سيكونون أحسن صنعاً وذوي مرونة ومطابقة للعصر الحديث الذي يشهده العالم منذ انهيار المعسكر الشيوعي

لم ننخدع في خارج البلاد بخداع وادعاء النظام بأنه عازم على الانفتاح والتجديد، فبادرنا في عام 2003 إلى إطلاق مبادرة في “بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا” لبناء تحالف سوري ديموقراطي، فلقيت المبادرة تجاوباً من الإخوة في “حزب الحداثة والديموقراطية في سوريا” فأسسنا معاً “التحالف من أجل سوريا ديموقراطية” الذي أكد على ضرورة انتقال السلطة من الاستبداد إلى الديموقراطية وضرورة منح الشعب الكوردي حقه القومي دستورياً وفعلياً، ثم انضمت إليه “الحركة السريانية” وبعدها “حزب الإصلاح السوري” الذي كان له دور هام في عقد اجتماعنا المشترك في نوفمبر 2003 في واشنطن باعتبارها أهم مركز من مراكز القرار الدولي، وكنا عازمين على تدويل القضية السورية كقضية نضال شعب من أجل الحرية والديموقراطية ضد نظام مستبد وغير قادر على إصلاح ذاته، وخرجنا من ذلك الاجتماع لنعرض لمختلف وكالات الأنباء الأمريكية والعالمية اتفاقنا المتضمن دعوتنا العالم الحر الديموقراطي للوقوف إلى جانب الشعب السوري في كفاحه العادل، وتضمن ميثاق “التحالف الديموقراطي السوري” برئاسة السيد فريد الغادري مايلي

أولا –  تغيير النظام البعثي الشمولي: استبدال النظام الدكتاتوري الوراثي بإرادة الشعب السوري، وتصفية مخلفاته وإلغاء كافة القوانين الجائرة الصادرة عنه.

ثانيا – الدعوة لتشكيل حكومة جديدة مؤقتة: الانتقال بالبلاد إلى الأوضاع الدستورية عن طريق إجراء انتخابات حرة ومباشرة تحت رقابة دولية، وبالتصويت السري لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع الدستورالدائم، وإجراء إحصاء شامل وذلك خلال فترة زمنية محدودة بعد إسقاط النظام الحاكم. وتشمل ممثلي جميع فئات الشعب السوري بكل قواه السياسية الساعية لجعل سوريا الجديدة حرة وديمقراطية، وتتولى إنجاز المهام الواردة في هذه الوثيقة.

كما جاء في الميثاق مايلي:”باعتبار سوريا بلد متعدد القوميات، يتعايش فيه إلى جانب القوميتين الأساسيتين العربية والكردية العديد من الأقليات القومية والدينية ، تصان كافة الحقوق القومية للشعبين العربي والكردي وسائرالأقليات الأخرى في إطارالوحدة الوطنية السورية وتثبيتها في دستور البلاد

يبدو أن هذه البداية الجديدة في الحراك السياسي السوري قد أخاف النظام وأربك الحراك السياسي الكوردي على حدٍ سواء، فإذا بالحركة تسارع في اقامة تحالف سوري واسع “كوردي – عربي – أقلياتي” باسم “إعلان دمشق” يؤكد في بيانه التأسيسي على أنه “لايعول على العامل الخارجي” مطلقاً. وتوجه إلينا أتباع وأشياع الأحزاب الكوردية بمختلف التهم الشائنة وقللوا من شأن التحالف الديموقراطي السوري، وسعى بعضهم إلى إجهاضه عن طريق دفع بعض أعوانه من الحزبيين والمؤيدين لحزبه ليقولوا لحلفائنا السوريين من غير الكورد بأنهم أقدر على تمثيل الكورد من بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا، فيما إذا دفع الغادري أو الأمريكان لهم أموالاً يحركون بها الشارع الكوردي في الداخل، ولدينا ما يكفي من الاثباتات والقرائن الدالة على ما نقوله في هذا الصدد

لا أريد التفصيل في تجربة ذلك التحالف الأول من نوعه في تاريخ الحراك السياسي السوري، والذي لو لقي الدعم والتأييد من الحراك الكوردي على الأقل لنجح نجاحاً باهراً عوضاً عن محاولات محاصرته والقضاء عليه، ولكني أعترف بأن القائمين على التحالف، كانوا منشغلين بالنزاع الشخصي، وبعضهم لم تكن لديه تجارب سياسية، والظروف الموضوعية لم تكن مهيأة بعد لخوض معركة مكشوفة كتلك مع نظام له شبكة عنكبوتية واسعة من العملاء والجواسيس خارج البلاد أيضاً. والقول بأن السبب في انهيار المشروع التحالفي ذاك هو نشوؤه خارج البلاد ليس صحيحاً لأن المؤتمر السوري للتغيير والمجلس الوطني السوري أيضاً تأسسا خارج البلاد. والتحالف الديموقراطي السوري لم يكن إلا إنطلاقة متعثرة، أحبطها النظام بأساليب وأدوات مختلفة

واليوم نرى مختلف التحالفات والجبهات السورية “الوطنية” تطلب “تدخل العامل الخارجي”، سياسياً وعملياً، في صورٍ وأشكال مختلفة، ومنهم من يدعو إلى ابعد من ذلك، كما أن منهم من كان في السابق يتهمنا بالتهور والمغامرة وعدم الواقعية السياسية، بل ب”الخيانة الوطنية

إن الوحشية التي قمع بها النظام انتفاضة الشعب الكوردي في آذار عام 2004 أظهرت حقيقته الإجرامية للعالم الخارجي وللشعب السوري على حدٍ سواء. وما كانت تلك الانتفاضة تحدث لو لم تكن هناك أسباب قوية لها، فالشعب الكوردي كان قد سئم سياسة انكار وجوده القومي ولم يعد بامكانه الخضوع والخنوع لنظام يسلبه ثرواته ويقمع الحريات ويزداد عدواناً على حقوقه الإنسانية، ولذلك فقد هب “هبة” رجل واحد ليرمي بتمثال الطاغية حافظ الأسد أرضاً ويفتح خرقاً في جدار الرعب الذي أقامه النظام عبر عقودٍ طويلة من الإرهاب السياسي، وأسقط الفكرة السائدة التي كانت تقول بأن لا أحد يتمكن من التحدي للسلطة الحاكمة بأيادي فارغة

فزع النظام فزعاً شديداً وخاف من انتقال عدوى “الانتفاضة” الكوردية إلى سائر المدن السورية، فتبدأ نهايته، ولذلك شرع في انتهاج سياستين معاً، ممارسة شتى أشكال التقتيل والتعذيب والتدمير ضد المنتفضين الشباب، والتودد في الوقت ذاته إلى الحركة السياسية الكوردية التي لم تكن عملياً جاهزة للقيام بمسؤولياتها التاريخية في مواجهة طغيان النظام وقيادة شعبها الثائر. ومع الأسف انخدع زعماء الكورد في معظمهم بوعود الأسد الكاذبة عن الغاء السياسات التمييزية والاضطهادية ضد الشعب الكوردي، وكرر بعضهم باستمرار تصريحه الإعلامي عن أن “الشعب الكوردي جزء من النسيج الوطني السوري” دون القيام بأي شيء ينهي وطأة المعاناة الكوردية، وحرص بعض الحزبيين الكبار على التقليل من أهمية تلك الانتفاضة العارمة التي شملت كل مناطق الكورد في شمال البلاد، بل وامتدت إلى نواحٍ من مدينتي حلب ودمشق، حيث تسكن جاليات كوردية كبيرة، فراحوا يطلقون عليها اسم “الفتنة” مع الأسف

قتل النظام عدداً كبيراً من شبابنا وعذب الكثيرين منهم ونهب أعوانه وأشياعه ممتلكات المواطنين، وذلك دون أن يطلق المنتفضون رصاصة واحدة، في حين أن أوامر محافظ الحسكة آنذاك، المدعو سليم كبول، كانت صريحة في قتل الكورد. ورغم ذلك فإن المعارضة الوطنية السورية لم تقم بأي فعل تنشيطي للشارع السوري للاستفادة من تلك “الهبة!” الكوردية وتسخيرها لبلبلة صفوف النظام في المدن السورية التي كانت تزعم المعارضة أنها قوية بين ساكنيها، بل نظرت بعض فصائل المعارضة إلى الانتفاضة الكوردية نظرة لاتختلف كثيراً عن نظرة النظام لها، بل منهم من اتخذ وضعية العداء ضد الكورد عامةً بسبب ما حدث في المناطق الكوردية

لقد انطلق الشباب الكوردي خارج البلاد، في لبنان وأوروبا والقارة الأمريكية ودول الاتحاد السوفييتي المنحل في مظاهرات عارمة واحتجاجات متتالية، واقتحموا بعض السفارات السورية، رافضين إطاعة زعماء الأحزاب الذين بدوا مذعورين من تلك التظاهرات أشد من النظام الأسدي – البعثي، فراحوا يتبرأون منها ويطالبون الشباب بالهدوء وكف السخط على النظام، بل دعوهم إلى اعتبار المنتفضين مؤذين للشعب الكوردي وخارجين عن إطار الحركة الوطنية الكوردية. ومع الأسف هذه المواقف حقيقة مسجلة للتاريخ ببيانات حزبية، على انفراد وبشكل جماعي بين الأحزاب الكوردية، وعلى الديسكات في غرف البالتوك التي كانت تعتبر “أجهزة إعلام” كوردية لقلة ما في أيدي الكورد من امكانات إعلامية أخرى

إلا أن هذه الانتفاضة قد أثرت بعمق في فكر معظم الشباب الملتزم بالأحزاب والمؤيد لبعضها، فازداد الشرخ بين القيادات الهرمة وبين المؤمنين بضرورة النزول إلى الشارع وعدم الاكتفاء بالتوسلات للنظام وعقد الأمل على إنجازه لاصلاحات سياسية من تلقاء نفسه، وزاد في تعميق الهوة بين القيادات والقواعد الحزبية، أو بين الكادر القديم والجديد، اقتحام العولمة لسوريا عبر أسلاك الانترنيت بمواقعه الصوتية والصورية وبشبكات الاتصال الاجتماعي وفي مقدمتها الفيس بووك الذي فتح آفاقاً واسعة أمام الشباب السوري عامة، المحروم من حرياته السياسية والثقافية، والكوردي خاصة، المحروم من كل أشكال التمتع بحقوقه القومية، فتغيرت الخارطة السياسية بصورة واضحة

ولايخفى أن لانهيار نظام البعث العراقي ودولة الرعب لصدام حسين في عام 2003 على أيدي القوات المتحالفة قد ألقى بظلاله على هذه المرحلة من تاريخ المنطقة عموماً وعلى سوريا وشعبنا الكوردي خصوصاً، حيث ازدادت النزعة إلى الحرية صلابة في الاقليم الكوردي العراقي وتحولت الآمال في “الإدارة الفيدرالية للاقليم” واقعاً ملموساً معترفاً به في دستور العراق الجديد. إضافة إلى تسنم الكورد مناصب عليا في الدولة على قدم المساوة مع شركائهم الآخرين في العراق

ونجد أنفسنا مضطرين للحديث في حلقة أخرى غير مخططة من قبل عن “المرحلة الجديدة” التي أعقبت انتفاضة الشعب الكوردي في عام 2004 ولاتزال مستمرة حتى الآن

(يتبع 4-4)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s