الحراك السياسي الكوردي : في بقعة ضوء 2-3

جان كورد، ‏28‏ تشرين الثاني‏، 2011

2-3

في البداية يحزنني أن أقرأ لبعض الزاعمين بأنهم مدافعون عن حق “الرأي الآخر” اتهام كل من يخالفهم في ولائهم لهذا الزعيم أو ذاك، لهذا الحزب أو غيره، بالخيانة الوطنية والعمالة لأعداء الكورد وكوردستان، وبأنهم يقبضون الأموال ويحترفون الارتزاق، وبأنهم أغبياء لايجيدون الخطاب السياسي ولايحبون وحدة الكورد، وأقول بأن مثل هذه الاتهامات الشنيعة تزيد هؤلاء عزلة بين عقلاء الشعب الكوردي، ولاينفعهم الضرب باستمرار على وتر القوة الحزبية أو التراث الثوري أو الزعامة المعصومة التي لاتقع في أخطاء… وأرجو الله تعالى أن يصوننا من شر هؤلاء وأذى ألسنتهم وأيديهم، ويرد كيدهم إلى نحورهم… وغير الله غير معصوم

على أثر الهزيمة الماحقة التي ألحقتها قوات التحالف الدولي في عام 1991 بالجيش العراقي المحتل للكويت، وتقدم هذه القوات بسرعة ملحوظة عبر الجنوب العراقي صوب العاصمة العراقية بغداد، تخوفت الإدارة الأمريكية في ظل الرئيس الأسبق جورج بوش (الأب) من أن يفقد الرئيس العراقي المذعور صدام حسين سيطرته على البلاد، فتستغل ايران الفرصة وتنهش العراق، وهذا ما لم تستسغه أمريكا ولاتستسيغه حتى اليوم، فسمحت القوات الأمريكية للمروحيات الصدامية المتواجدة في مناطق الجنوب بالتحليق أمام عيونها الراصدة صوب الشمال لقصف الشعب الكوردي الذي ثار على النظام في انتفاضة عارمة شملت سائر المدن الكوردية آنذاك، وشرعت هذه المروحيات تقصف الثوار والمدنيين على حدٍ سواء، واعتقد بعض المنتفضين بأن قوات صدام حسين ستستخدم الغازات الكيميائية مرة أخرى مثلما قصفت بها مدينة حلبجة ومناطق أخرى في السنوات السابقة لتلك الانتفاضة، مما أثار الرعب والفزع بين المدنيين، ونجمت عن ذلك “هجرة مليونية” في شتاءٍ بارد عبر الجبال والوديان صوب تركيا، كان من نتائجها موت الآلاف من الأطفال والمسنين والمرضى في أجواء قاسية للغاية

أضطر رئيس تركيا آنذاك، تورغوت أوزال (الكوردي) إلى المطالبة بإحداث منطقة “تابونية” عازلة في الاقليم الكوردي من العراق من قبل المجتمع الدولي، لأسباب إنسانية وسياسية معاً تتعلق بالتواجد الكبير لملايين الأكراد في تركيا… فلاقي نداؤه ترحيباً من الحكومة البريطانية وبالتالي من قبل دولٍ أوروبية أخرى وكذلك من الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت نفسها في ورطة كبيرة نتيجة تساهلها مع صدام حسين ومحاولاتها ابقاءه في الحكم. وباقامة منطقة الحظر الجوي والحماية الدولية على جزء هام من كوردستان الجنوبي تغيرت موازين القوى لصالح الحركة السياسية الكوردية في اقليم جنوب كوردستان، التي كانت في وضع ميؤوس حقاً بسبب تلك الهجرة المليونية لشعبها، وأضطر صدام حسين لسحب يديه من كوردستان التي أصبحت في فترة قصيرة جداً محررة، وجرت فيها انتخابات ديموقراطية وتأسس برلمان كوردي سيطر عليه الحزبان الكبيران، الحزب الديموقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بنسبة 51% و 49% لعلو الحد الأدنى المحدد لدخول الكتل السياسية في البرلمان، ومنها الحركة الاسلامية في كوردستان العراق بقيادة الشيخ عثمان عبد العزيز آنذاك. ووقع الحزبان في خطأ “مناصفة السلطة” عوضاً عن تطبيق مبدأ “حكومة ومعارضة”، وهذا ما جلب لهما وللشعب الكوردي أضراراً عظيمة

تأثرت الحركة الكوردية السورية إيجابياً بما جرى في جنوب كوردستان من أحداث جسام وتطورات هامة آنذاك، لم تشهدها بلاد الكورد منذ قيام وانهيار الجمهورية الديموقراطية (1946-1947) في شرق كوردستان في ظل رئاسة العالم المجاهد الشهيد قاضي محمد، كما تأثرت سلبياً بتلك الصراعات الدموية غير المجدية والمؤذية للكورد

إضافة إلى ذلك، فإن تعاظم الثورة المسلحة بقيادة حزب العمال الكوردستاني على النظام الطوراني التركي في المرحلة ذاتها، قد زاد أمل الحرية قوة في صدر الشعب الكوردي في غرب كوردستان أيضاً، إلا أن النظم التي تقتسم كوردستان، رغم خلافاتها ونزاعاتها على (الحدود والمياه والتحالفات الدولية)، كانت للكورد، وهي دائماً، بالمرصاد. فإن بقاء زعيم حزب العمال الكوردستاني في لبنان وتنقله بين دمشق وبعلبك، بعيداً عن الأراضي التي يكافح فيها حزبه بالسلاح في شمال كوردستان، والصراع الدموي الكبير والمؤسف بين الحزبين الرئيسيين في جنوب كوردستان على السلطة، قد ساعد في استغلال نقطتي الضعف هاتين في الصف الكوردي، فشرع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد ملاحظته تعمق العلاقات بين قيادات الاقليم الكوردي والحكومتين الايرانية والتركية في إطلاق تصريحات غريبة منها أن “يداه طويلتان في شمال العراق!”، على الرغم من أن علاقات كل من الديموقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مع نظامه لم تتعكر في يومٍ من الأيام، وتحول السيد عبد ألله أوج آلان بوحي من الرئيس السوري أو بدافع الرغبة في السيطرة على كامل كوردستان في تلك الظروف بالذات من فكرة توسيع وترسيخ “جمهورية بوتان!” في شمال كوردستان إلى محاولة اقامة “جمهورية الزاب!” في جنوب كوردستان

وهنا بدأت انتكاسة جديدة في الحياة السياسية الكوردية في كوردستان كلها، وفي غرب كوردستان بشكل خاص، لأن نفوذ حزب العمال الكوردستاني كان في تزايد شعبي، لمشاركة الالاف من شباب الكورد السوريين في الثورة التي كان يقودها هذا الحزب. وبخاصة فإن الكورد السوريين ذوي مشاعر كوردستانية عالية وهم مستعدون لبذل الثمين والرخيص في سبيل إخوتهم وأخواتهم في أجزاء كوردستان الأخرى، ويضعون المصلحة الكوردستانية فوق مصلحتهم داخل سوريا. وحدث شرخ كبير في علاقة هذا الحزب بالحركة السياسية الكوردية “السورية” على أثر اقحامه نفسه في الصراع بين الحزبين الكبيرين في جنوب كوردستان ومحاولته إنتزاع السلطة من أيديهما بالقوتين العسكرية والإعلامية، بتصفية أحدهما أولاً ثم تصفية الآخر بعد ذلك

قال لي البارحة والد الشهيد “فرهاد” (من منطقة جبل الأكراد) أثناء زيارتي له على فراش مرضه العضال بأن الزعيم العمالي السيد عبد الله أوج آلان كان قد سأله عن رأيه، باعتباره كادر سياسي عريق في غرب كوردستان، بصدد عزمه على توجيه قواته ل”تحرير جنوب كوردستان من الطغمتين الرجعيتين والفاسدتين!” هناك، فأجابه بأن هذا أكبر خطأ يقترفه حزب العمال الكوردستاني من الناحية الاستراتيجية، وهذا ما أغضب السيد أوج آلان مما دفعه لاعادة طرح السؤال مجدداً عليه ليلقى ذات الإجابة بشيء من توضيح الأسباب، ثم إن الزعيم أطرق رأسه ملياً وصامتاً بعد أن زال غضبه لدقائق معدودة، وبعد ذلك بأيام سمع والد الشهيد “فرهاد” بأن ما حذر منه قد وقع وأن حزب العمال الكوردستاني في حالة حرب فعلية في جنوب كوردستان

ومن البدهي أن لايقبل بهذه الحرب الكورد السوريون المؤيدون منذ عقودٍ من الزمن لإخوتهم وأخواتهم في جنوب كوردستان، والعاقدين آمالهم على إنجاز الخطوات الأولى على طريق الحرية في ذلك الاقليم، رغم الصراعات الدموية بين أطراف ذلك الحراك (بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحركة الإسلامية في كوردستان العراق) و (بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديموقراطي الكوردستاني)، وكان كل من تناقشه – سوى أتباع حزب العمال – من الكورد السوريين يقول شيئاً كهذا “لماذا يحشر حزب العمال نفسه في مشاكل جنوب كوردستان؟” أو “حزب العمال دخل الاقليم الجنوبي بدفع من حافظ الأسد”، بل منهم من كان يتهم هذا الحزب بتنفيذه مخطط الضغط التركي العسكري على قيادات الاقليم لمنعها من تحقيق “الفيدرالية” وغير ذلك من الآراء التي كانت تثير غضب الموالين ل”حرب تحرير واستقلال كوردستان!” التي أعلنها حزب العمال، وتدفع بهم إلى انتهاج سلوكٍ غير ودي تجاه مختلف فصائل الحركة الكوردية السياسية في سوريا وتجاه الشخصيات الوطنية، في داخل البلاد وخارجها، فازدادت بذلك الحركة تأزماً وتفرقاً، كما هدرت طاقات وامكانات دون سببٍ معقول، كما دفع بالكثيرين من مقاتلي حزب العمال من الكورد السوريين إلى ترك صفوفه والفرار إلى مناطق سيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني أو الحزب الديموقراطي الكوردستاني، وتعريض أنفسهم لمخاطر التصفية الجسدية على أيدي قادة حزب العمال، وبخاصة (جميل بايق) الذي وصفه بعض المنشقين في ما كتبوه عن تجربتهم الثورية بعد ذلك ب”جلاد كورد سوريا”، وقد يأتي ذلك اليوم الذي يفتح فيه “ملف الكورد السوريين” لدى حزب العمال من قبل محاكم خاصة بذلك، كما يحلم بعض المنشقين عنه

استمرت هذه المرحلة المخضبة بالدماء والدموع إلى حين تدخل السيدة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، بدوافع المصلحة الوطنية العليا لبلادها في المنطقة، بين الزعيمين الكورديين الأخ مسعود البارزاني والمام جلال الطالباني، ومساعدتها لهما في التوصل إلى اتفاق وطني يضمن مشاركة الطرفين في السلطة ووقف النزاعات المسلحة وحل المشاكل سلمياً وعدم افساح المجال لأي منهما للاستعانة بحزب العمال الكوردستاني ضد الآخر

وقد قالت هذه السيدة في مقابلة لها مع مجلة “فانيتي فير” الشهيرة (النسخة الألمانية) بعد سنواتٍ عديدة من تلك المرحلة بأنها سعت فعلياً لضم حزب العمال الكوردستاني أيضاً إلى مساعيها لرأب الصدع الكوردي، ولكنها اكتشفت بأن حزب العمال في واد وحلمها التوحيدي للكورد في وادٍ آخر

ومع فشل حزب العمال في فرض سيطرته على اقليم جنوب كوردستان و لجوء قواته المقاتلة إلى جبل “قنديل”، ومن ثم خروج السيد أوج آلان من القبضة السورية، واختطافه بعد ذلك من قبل مخابرات دولية لتسليمه إلى تركيا، وما نجم عن ذلك من تغيرات صارخة في سياسة الحزب كدعوة الزعيم العمالي إلى تسليم كوادر هامة أنفسهم للحكومة التركية، وهذا ما نفذه بعضهم فعلاً، واعتباره قتلى الجنود الترك المحاربين ضد حزبه شهداء للوطن المشترك، وتأكيده على ولائه للدولة التركية ورفضه لفكرة “الدولة القومية للشعب الكوردي” ومطالبته حزبه بتغيير اسمه ومنهجه ليتلاءم مع مرحلة ما بعد اعتقاله، ودعوته لحل القضية الكوردية على أساس “الإدارة الديموقراطية”، بدأت الأوضاع في غرب كوردستان تسير نحو أجواء جديدة من التفاعلات والتجاذبات السياسية

وبموت الرئيس السوري حافظ الأسد، وتنصيب نجله بشار الأسد وريثاً للجمهور- ملكية السورية بتعديل دستوري مشين، من قبل الحرس القديم للنظام الشمولي، رغم التحولات الكبرى في عالم العولمة ونشوء ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وتغير موازين القوى الاقليمية نتيجة الضعف الذي أصاب نظام صدام حسين آنذاك، دخلت الحركة الكوردية السورية، ومن ضمنها الحركة الأوجلانية في سوريا، مرحلة مختلفة عما كانت عليها من قبل، تميزت بمزيدٍ من تفاؤل الكورد بأن عهد نزاعاتهم وانشقاقاتهم وخلافاتهم المستديمة قد ولى، وأنهم يشعرون بالضرورة الملحة لتوحيد صفوفهم وخطابهم وهدفهم وآليات عملهم في سبيل تحقيق أهدافهم القومية العادلة في كوردستان سوريا

فهل كان هذا التفاؤل سراباً بقيعة؟

نتابع في الحلقة الثالثة إن شاء الله…   

 (يتبع….3-3)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s