الحراك السياسي الكوردي في بقعة ضوء

جان كورد، ‏28‏ تشرين الثاني‏، 2011

1-4

تخفيفاً للصعوبة التي يعاني منها المراقب السوري أو العربي بصدد الإحاطة بما يجري في الأوساط الكوردية “السورية” بشكل عام، نكتب هذا المقال ونقول في بدايته بأن الحراك السياسي الكوردي مختلف بحكم ظروفه الذاتية والموضوعية عن سواه من الفصائل السياسية السورية من حيث أولوياته، ومتفق معها في العديد من اهتماماته الوطنية وأساليبه ودوافعه واتجاهاته الفكرية

وعليه يمكن القول باختصار: الحراك السياسي الكوردي، المنظم، تأسس أصلاً في بداياته التي تعود إلى صيف عام 1958 بالتحديد، كرد فعل طبيعي على السياسات الشوفينية للشرائح الحاكمة في البلاد السورية تجاه الشعب الكوردي، الذي يعتبر مكوناً قومياً أساسياً من مكونات الشعب السوري. واتخذ هذا الحراك مساراً سياسياً وطنياً متميزاً، من حيث دعوته لانصاف الشعب الكوردي وعدم تعريضه للاضطهاد القومي الذي لم تكن تشعر به المكونات السورية الأخرى، كمنع اللغة الأم على الطفل الكوردي، وانتزاع الجنسية السورية من مئات الألوف من المواطنين السوريين لمجرد أنهم من الكورد، ومنعهم من تسنم الوظائف المهمة في أجهزة الدولة المختلفة، وطرد العسكريين منهم من قيادات الجيش الوطني، وعدم الاعتراف بوجودهم القومي، وما إلى هنالك من معاملات سيئة لايقبلها الإنسان الحر، في أي مكان آخر من هذا العالم. في حين أن القوى أو الشخصيات السياسية غير الكوردية في البلاد لعدم تعرضها إلى ذات التفرقة القومية لم تكن مهتمة فعلياً بما يجري في المناطق الشمالية من البلاد، وكان اهتمامها السياسي منصباً على المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب وسواهما، وازدادت “القضية الكوردية” إهمالاً من جانب الوطنيين السوريين في ظل تعاظم النضالات من اجل الوحدة العربية وتحرير فلسطين

وبحكم استمرار النهج الشوفيني الذي سلكته النظم السياسية الحاكمة في البلاد ضد الوجود القومي الكوردي، وتخويفه المواطنين العرب من قيام كيان “اسرائيل ثانية!”، وبخاصة نظام حزب البعث العربي الاستراكي الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لصهر الكورد في بوتقة القومية العربية ومارس شتى أشكال المنع والاقصاء ضدهم، فإن أولويات الحراك السياسي – الثقافي الكوردي لم تكن منذ البداية في خمسنيات القرن الماضي وحتى قبل اندلاع الانتفاضة المجيدة في عام 2004 سوى انتزاع الاعتراف الدستوري بحق الشعب الكوردي في العيش إلى جانب المكونات السورية الأخرى متمتعاً بحقوقه الديموقراطية الثقافية من لغة وثقافة وما تتضمنه لائحة حقوق الإنسان من بنود حول التعددية والديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية

ومن الطبيعي أن تتأثر أي حركةٍ سياسية كانت في منطقة استراتيجية مثل سوريا تقع في وسط العالم وتطل على البحر الأبيض المتوسط، بالآيديولوجيات والافكار العالمية المختلفة، ومنها الشيوعية التي نجحت في ثوراتها ووصولها إلى حكم بلدان هامة وكبيرة منذ ثورة أوكتوبر عام 1917، وهكذا فقد تأثرت الحركة السياسية الكوردية في سوريا بالأفكار الشيوعية والاشتراكية واليسارية مثل سواها من الحركات السياسية في المنطقة، وذلك لجملة من الأسباب، منها ادعاء الشيوعيين بأنهم جاؤوا لرفع الضيم عن كاهل مختلف الشعوب والقوميات والعمل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية وانقاذ المستضعفين من براثن الرأسماليين والبورجوازيين والعنصريين والقوميين الشوفينيين. وهذا ما أدى إلى تفتق هذه الأفكار في مناهج وبرامج الأحزاب السياسية الكوردية دون أن تصبح شيوعية أو تنضم إلى الحزب الشيوعي السوري، بل على العكس فإن عدداً من الكوادر المؤسسة للحركة القومية الكوردية في البداية كانوا قد تركوا صفوف الحزب الشيوعي وشاركوا في بناء التنظيم السياسي الكوردي الأول، الحزب الديموقراطي الكوردستاني – سوريا، كما منهم من التحق به أو فيما بعد بالتنظيمات التي ظهرت على الساحة الكوردية، وبخاصة بعد انهيار النظام الشيوعي فيما سمي بدول المنظومة الاشتراكية 

وعلى الرغم من أن الإسلام أعرق تاريخاً في المنطقة بقرون عديدة من الشيوعية، وأقرب إلى الكوردي من الناحية العقيدية حيث أنه دين الغالبية العظمى من الأمة الكوردية، إلا أن الحركة السياسية الكوردية “السورية” لم تتأثر في شيء ببرامج التيار الديني الإسلامي في البلاد، لأنه لم يتلمس لدى هذا التيار أية مواقف إيجابية صريحة ومعلنة له بصدد الحق القومي الكوردي في الحياة كشعب متميز، وكان هذا التيار الديني الذي ضم سابقاً كلاً من حركة “الإخوان المسلمين” و”حزب التحرير الإسلامي” وجماعات الصوفية الكلاسيكية، مهملاً تماماً لطموحات الشعب الكوردي، بل كان لايرى أي اشكال في تعريب الكورد وصهرهم في بوتقة القومية العربية التي مزجوا بينها وبين الإسلام، بحيث صارت “العروبة” و”الإسلام” صنوان لاينفصمان، فالذي يجعل العربية وحدها لغة أهل الجنة، دون لغات البشر قاطبة، لايجد أمامه قوميات ولغات، بل “مؤمنين” و”غير مؤمنين” فقط، على الرغم من صراحة القرآن الكريم في موضوع التعددية القومية واللغوية والعرقية واللونية ورفضه المطلق للتمييز العنصري. ولايخفى أن بعض الإسلاميين من حزب التحرير كان يرى في تعريب الكورد حلاً إسلامياً لمشكلة التمييز القومي التي يعانون منها “صيروا عرباً فتنتهي مشكلتكم

اتخذ التيار الإسلامي السوري من “الأخوة الإيمانية” أساساً له، إلا أن الحقيقة على أرض الواقع كانت تتمثل في الانكار الشديد للمطالب القومية للشعب الكوردي، مقابل التأييد التام لذات المطالب القومية لأي شعب إسلامي آخر في البلدان غير العربية، وكان هذا الانكار يأتي في صيغة “دعوها فإنها نتنة” أي دعوا مطالبكم القومية أيها الكورد فهذه “عصبية قومية” مردودة شرعاً. ولكن نرى اليوم اتجاهاً آخر في تفكير هذا التيار، فها هو يدعم بنفسه نشوء تيار إسلامي كوردي في سوريا كما في دعمه في العراق سابقاً، فهل يعني أنه يسير في مسارٍ خاطىء ومنحرف عقيدياً أم أنه كان مخطئاً تاريخياً بتركه الساحة الكوردية “القومية” للشيوعيين و”جمعية المرتضى” وسائر التكتلات اليسارية الأخرى المعادية للإسلام؟

من ناحية أخرى، طالبت الحركة الكوردية باستمرار بالانفتاح على عالم الحريات والديموقراطية، وامتلأت برامج ومناهج الأحزاب الكوردية بعبارات عن “حق تقرير المصير” للشعوب المضطهدة وعن ضرورة الالتزام باللائحة العالمية لحقوق الإنسان، وبرز الدعم المطلق في الخطاب السياسي الكوردي لحق الشعب الفلسطيني في الحرية واقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني وكذلك لحق الشعوب الأخرى كانعكاس للرغبة الكامنة في النفس الكوردية حيال الحق الذاتي في تقرير المصير وكتعبير عما يختلج في صدور الكورد أيضاً من نزعة للحرية وصون الذات القومية من الصهر والاضمحلال. إلا أن المطالبة بالحرية والديموقراطية كانت على الدوام مشوشة، فمنهم من طالب ب”الديموقراطية الشعبية” المبهمة التي كان يروجها الشيوعيون واليساريون، ومنهم من كان مثل النظام المستبد بهم يعتبر الديموقراطية مجرد سلاحٍ في أيدي البورجوازية الكومبرادورية لقمع الشعوب ونهب ثرواتها ولاستعباد الطبقات الكادحة، ومنهم من كان يرى في المطالبة بالحرية والديموقراطية خصومة صارخة للنظام السياسي القائم على القمع وإذلال الناس، وهذا سيؤدي بهم إلى المهالك، لذا لم يخلو الحديث بصدد هذه المطالبة عن مدح الأفكار الثورية والتقدمية والاشتراكية للنظام المعادي للحرية والديموقراطية، وضرورة إيجاد جسرٍ بين الاندفاع الواضح في البلاد صوب “التحول الاشتراكي” وبين الدعوة لإصلاحات سياسية في مجال الحريات السياسية والاعلامية والدينية والفكرية

وفي الحقيقة فإن هذا النهج كان يشوش على الشباب الكوردي أكثر مما ينعش فيه أسباب النضال من أجل حياة في الحرية والديموقراطية. بل إن البعض كان يرى التوسع والتعمق في المطالبة بهذا “الترف السياسي” مغامرة مهلكة للحركة السياسية الكوردية، ولذا كان يسكت عن القمع المنظم للشعب السوري بذريعة أن النظام يلاقي تحديات رجعية خطيرة، مثلما حدث أثناء انتفاضة الشعب في مدينة حماه في عام 1980، حيث ارتكب النظام العربي الاستراكي للبعث الحاكم في ظل القيادة الأسدية جريمة كبرى ضد الإنسانية فالتزمت الحركة الكوردية الصمت خوفاً من أن تتعرض هي أيضاً إلى ذات المصير المأساوي الذي تعرضت له المدينة، فكاد الحديث عن الحرية والديموقراطية يتضاءل بشكل ملموس في بيانات الحركة الوطنية الكوردية آنذاك

قبل وصول بشار الأسد إلى حكم البلاد عن طريق وراثي، الذي ساهمت في نقل السلطة إليه دون وجه حق مصالح حزبية وطائفية وشراكات في النهب المالي،  كان النظام الأسدي – البعثي يزج بالمناضلين الكورد في السجون ويعرضهم للتعذيب ويتهمهم ب”إثارة النعرات الطائفية” و”العمل من أجل اقتطاع جزء من الأراضي السورية لدولة أجنبية” دون ذكر إسم أي جهة لعدم وجودها حقيقةً، ولكنه لم يكن يعتقلهم لمطالبتهم بالحرية والديموقراطية، لأنه كان على علم بأن مطالبتهم تلك لاتشكل أي خطر على وجوده كنظام سياسي، وأن الأهم لدى الكورد ليس الحكم في دمشق وانما انتزاع حقوقهم القومية. وفي الحقيقة فإن أي حزبٍ لم يكن مطالباً بتغيير النظام القائم، وهذا بحد ذاته يبين مدى اختلاف أولويات الحركة السياسية الكوردية تاريخياً، في حين أن هدف الحركات الوطنية والديموقراطية السورية كان الوصول إلى السلطة واحداث التغيير المنشود

كانت الحركة السياسية الكوردية منذ تأسيسها إلى ما بعد رحيل الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، أي لمدة أربعة عقودٍ من الزمن، مؤلفة من أحزاب متقاربة من حيث البنى التنظيمية، لاتختلف في كثير من حيث أسلوب النضال السياسي، ومن حيث النزعات الفكرية، وكذلك المطالب، بل وعديد من هذه الأحزاب كان يحمل ذات الإسم بسبب الانشقاقات العديدة ضمنها والصراع على الشرعية التنظيمية فيما بينها، والقاسم المشترك بينها كانت المطالبة برفع الظلم والسياسات الاضطهادية عن كاهل الشعب الكوردي وضرورة تمتع الشعب الكوردي بحقه القومي، والعمل مع القوى الوطنية “التقدمية” و”الاشتراكية” و”الديموقراطية” في سبيل سوريا مزدهرة وديموقراطية وقوية، فكان منها “التقدمي الديموقراطي” و”الديموقراطي السوري” و”اليساري الديموقراطي” و”الاشتراكي” والمطالب ب”المساواة” و”الوطني” وغير ذلك من التسميات التي كانت تشهدها الساحة السياسية السورية، ولكن لم يكن هناك أي تأثير فعلي لما يمكن تسميته ب”الشيوعي الكوردي” أو “الإسلامي الكوردي”… في حين أن حزب العمال الكوردستاني دخل الساحة الكوردية السورية منذ أن التجأ إلى سوريا زعيمه السيد عبد ألله أوج آلان على أثر انقلاب العسكر بقيادة الجنرال كنعان ايفرين في تركيا في عام 1980 وقيامهم بممارسات وحشية فظيعة في سائر أنحاء كوردستان الخاضعة للحكم التركي

تمكن حزب العمال هذا من استغلال الفرص المتاحة له من قبل النظام السوري للعمل بين الجماهير الكوردية، ولجملة من الأسباب المتعلقة بتطور الوعي القومي لدى الشباب الكوردي وتوسع دائرة انتشار القيم اليسارية في المنطقة والضعف والتشتت اللذين كانت عليهما الحركة السياسية الكوردية السورية آنذاك. وفي الحقيقة لم تجذب الأفكار الأممية الماركسية للحزب الجديد (تأسس في سبعينيات القرن الماضي) شبابنا الكوردي إلى صفوفه، فهذه الأفكار كانت منتشرة في البلاد السورية أكثر من تركيا، والظروف في سوريا كانت مساعدة لاعتناقها وتشربها، وإنما كانت تضحيات الثوار الكبار من أمثال مظلوم دوغان وكمال بير والأغاني الثورية للمطرب شفان برور التي أثرت بعمق في نفوس الشباب لما كان فيها من نفسٍ ثوري وطموحٍ قوي في الاستقلال والحرية، لأن هذا المغني الشهير جعل أشعار الشاعر الكوردي الكبير جيكر خوين مادة ثورية لأغانيه وأناشيده، إضافةً إلى أن الحزب قد قدم نفسه كبديلٍ للأحزاب الكوردستانية الكلاسيكية المتحاربة على الدوام وكمطالب ب”استقلال كوردستان الكبرى” على الرغم من أن مطلب “استقلال كوردستان” في برنامجه السياسي – حسب علمنا- كان مقتصراً على شمال كوردستان التابع للدولة التركية فقط، وكان زعيم الحزب حريصاًً للغاية على الولاء المطلق للرئيس السوري حافظ الأسد ولم تكن في نيته المساس بذلك الولاء خوفاً من الاضرار بتواجده وبعض كوادر حزبه على الأرض السورية.   (يتبع…. –

Image

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s