محاولة تحييد الكورد سورياً

 جان كورد، ‏14‏ تشرين الثاني‏، 2011

 تجري محاولات غير منتجة وفاشلة لاظهار الشعب الكوردي وكأنه خارج الدائرة السورية الملتهبة، أو أنه بعيد كل البعد عما يجري حوله من صراعات وطنية واقليمية ودولية، في سوريا وفي المنطقة، كما جرت هذه المحاولات في عهودٍ سابقة، وبخاصة أثناء الصراع بين الإسلاميين السوريين ونظام حافظ الأسد منذ النصف الثاني لسبعينيات القرن الماضي، حيث انتهت بمذائح مروعة وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبها النظام الأسدي ضد شرائح واسعة من الشعب السوري في أجواء من الصمت الداخلي والخارجي… وأنا أخجل لصمتنا نحن الكورد أيضاً آنذاك. وهناك مع الاسف أقلام كوردية تحاول باستمرار لوي عنق الحراك السياسي الكوردي السوري، وتحويل الأنظار عن الجريمة الكبرى ضد الإنسانية، التي تحدث من جديد على الأرض السورية، فتقول للشعب الكوردي بأن الخطر عليه يأتي من أنقره وليس من دمشق، وما “على القيادات الكوردستانية إلا تثقيف الكورد السوريين على أيدي فلاسفة يؤمنون بأن مصير الكورد السوريين على كتف عفريت، إن هم لم ينخرطوا في الكفاح الثوري ضد حزب العدالة والتنمية التركي، العامل على نسف أي محاولة لتعميق التآخي الكوردي مع النظام الأسدي

 هذه الأقلام لا ولن تهاجم النظام الأسدي لأسباب عديدة معروفة للقاصي والداني، ومع ذلك تعمل على إظهار من تتبعه تنظيمياً أو سياسياًً كالظل وكأنه غيفارا الطليعي الذي سيحرر الكورد السوريين، بل سيحرر الكورد وكوردستان، وسيقيم الدولة الشرق أوسطية الكونفدرالية العالمية… وكأن هؤلاء على قناعة بأن الشعب الكوردي “ساذج” إلى هذه الدرجة، وأن مثقفيه “أغبياء” يحتاجون إلى دروس في الثورة والوطنية من قبل من هم بحاجة إلى فهم التغيرات الكبرى في تاريخ البشرية، ومن هم لايزالون أسرى آيديولوجية عصر “الحرب الباردة

 هذه الأقلام التي من الممكن عدها وإحصاؤها على رؤوس الاصابع، وإن اختفت وراء “حيادية” زائفة كحديثهم عن الصراع بين الصوفية الأردوغانية وشيعية حزب الله، في معظم ما يكتبونه من مقالات، معروفون بأنهم أشد طائفية وتقوقعاً وتحزباً من سواهم، وهم الذين يحتاجون إلى عملية تنوير ووعي وإدراك لما يجري سورياً واقليمياً وعالمياً

 كلنا يعلم بأن النظام السوري، الغارق في الإجرام السياسي من ناحية، والمهيمن أمنياً من ناحية أخرى، لايسمح ب”معارضة” داخلية دون إخضاعها لرقابة مستديمة، وأنه لايتوانى عن قتل من يقف في وجهه من السياسيين، ودعاة الحق، وتجربتنا نحن الكورد معه أليمة، حيث فقدنا عمالقة مثل المناضل الثائر كمال شاهين وشيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي والمعلم الكبير مشعل التمو، الذين قضي عليهم مباشرة أو عن طريق عملاء مأجورين للنظام، فكيف يظهر أحد زعماء حزب من الأحزاب “الكوردية!” ليقول بكل صراحة:”السبب في عدم اعتقالي هو أن النظام يخاف من حزبي الذي سيحرق سوريا!” (أو كلاماً كهذا)، ثم ينتقل من دمشق التي لاتزال تحت رقابة المخابرات السورية إلى القاهرة ليظهر هناك كمعارض “داخلي” للنظام، وهو المعروف بزعمه أنه دخل سورياً سراً من ناحية الشرق أو الشمال مع مجموعة من مقاتليه، دون أن يقبض عليه من قبل بيشمركة جنوب كوردستان أو العسكر الترك، ويتجول ليل نهار في المدن السورية الشمالية وأريافها عاملاً على نشر مبادىء حزبه ونشاطه من أجل “فتح مدارس كوردية رغماً عن أنف النظام!” … فعلى من تضحكون يا مثقفي التحييد الكوردي في هذا الصراع السوري الدموي؟

 ماذا لو نجح السوريون بدون مشاركة كوردية في تصفية النظام السوري الذي أنتم ساكتون عن إيغاله في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، وتحاولون تحييد الكورد في الصراع من أجل اسقاطه؟  وماذا لو دخلت البلاد السورية في حرب أهلية – لاسمح الله -؟

هل ستتمكنون من الحفاظ على “تحييد الكورد” أو إدارة غرب كوردستان بأنفسكم ولوحدكم؟ أم أنكم ستطلبون من كل الأحزاب الكوردية انضمامها تحت لوائكم المطالب ب”إدارة ذاتية ديموقراطية غير قومية” تطفىء ظمأها الفكري بالمدائح الكبيرة عن “ديموقراطية آتاتورك!”؟

 شاء الكورد أم أبوا، فإنهم وسط بحر متلاطم الأمواج، تهب عليهم الزوابع والعواصف العاتية من كل حدب وصوب، فمن الجنوب قد تهاجمهم أنصار القاعدة وسواهم من المتطرفين، إن صدقنا النظام الأسدي عن وجودهم الكثيف في البلاد، ومن الشمال طورانيو آتاتورك، وعملاء آتاتورك وجنرالاته من بني الكورد، ومن الشرق قد تهب عليهم الرغبة في الانضمام إلى إخوتهم في جنوب كوردستان، ليحتموا ويستقووا بهم، ومن الغرب قد تقتحم البلاد قوى عسكرية أجنبية قادمة عن طريق البحر، فماذا ستفعلون حينذاك لوحدكم؟ وماذا إن لم يقبل الأحرار الكورد بالدخول تحت عباءتكم الآيديولوجية المهترئة عالمياً؟ هل سنشهد مرحلة بول بوتية في غرب كوردستان؟ أم ستعلوننها “منطقة كوردية محررة ذات سيادة ونظام ديموقراطي” يسمح بنقدكم والبحث عن بديل سياسي لكم!!!؟

هذه ليست سيناريوهات رعب، وانما كل شيء متوقع، فالذين ضحكوا لما سمعوه من القذافي أثناء جلسة شهيرة للقمة العربية في دمشق عن أن الدور آتٍ على جميع رؤساء العرب، قبل سنوات يعلمون الآن بأن كل شيء متوقع، والذين سمعوا الزعيم العمالي السيد عبد الله أوجلان وهو يؤكد بأن سوريا لن تتخلى عنه يدركون اليوم أنهم كانوا مخطئين فكل شيء متوقع… فلا يغرنكم غمض الطرف عن جولاتكم القهرمانية في سوريا التي يحتاج النظام فيها إليكم، فقد يتخلى عن موقفه هذا في أقرب فرصة سانحة أو في مساومة غير متوقعة مع تركيا “السنية” كما تحبون وصفها بازدراء

أنا لا أطالبكم بالكف عن محاولاتكم هذه لتحييد الكورد ووضعهم على طبق من ذهب للنظام الأسدي الذي تخافون كما يبدو من اختفائه من مسرح السياسة السورية، ولكني أقول لكم بأن هذه المحاولات من قبلكم فاشلة، فالشعب الكوردي يجد نفسه وسط المعركة الحامية الوطيس، لا خارجها، بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الحرية والاستبداد، بين الديموقراطية والأتاتوركية والأسدية والحزب – اللهية، بين المساهمة الفعالة في الحياة السياسية السورية والانزوائية

 أهو قدرنا نحن الكورد أن نجد أنفسنا وسط كل زوابع التاريخ في المنطقة؟ أم أنه الواقع السياسي – الاقتصادي – الثقافي للمنطقة التي نحن جزء أصيل منها؟

 حاولوا اقناعنا بما يمكن قبوله عقلياً يا فطاحل “الثورة التحييدية” بعد عقودٍ من النضالات “الثورة الأممية” لكم، تلك التي فشلتم في تسويقها وستفشلون في هذه أيضاً لأن شعبنا واعٍ ويعلم أين يضع قدمه في هذا العالم المتلاطم الأمواج

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s