خارطة طريق لاقامة نظام ديموقراطي حديث في سوريا

  ‏27‏ تشرين الأول‏، 2011

يتساءل الأصدقاء في العالم الحر الديموقراطي عما إذا كانت لدى المعارضة الوطنية السورية، والقوى الديموقراطية منها على وجه الخصوص، “خارطة طريق” واضحة المعالم بصدد التغيير المنشود والخطوات الضرورية لاقامة نظام سوري جديد، عوضاً عن هذا النظام الفاسد والمتخلف، الذي أوشك على الرحيل، مما يستدعي الأمر إملاء الفراغات الناجمة عن ذلك، تفادياً للانزلاق نحو حربٍ أهلية مدمرة لآمال وطموحات الشعب السوري بمكوناته الاثنية والدينية المختلفة

وهذه محاولةً متواضعة مني للاجابة عن هكذا سؤال هام، ولا أدري هل أصبت كبد الحقيقة أم أنني لازلت بعيداً عن فهم آلية ومسار الثورة السورية التي ترسم خريطتها للطريق بشكل عفوي، يصعب التكهن بدقائقها وتفاصيلها في عصر تسارع الأحداث الجسام هذا

قبل كل شيء، يجب طرح سؤال كهذا والاجابة عنه، لفهم ما يجري في سوريا اليوم

 ماذا يريد الشعب السوري ولماذا هذا الأسلوب في الثورة دون غيره؟

الشعب السوري الذي مل سماع الوعود الكاذبة للنظام القائم عن “الإصلاح والازدهار” في البلاد، لم يعد يجد أمامه سبيلاً سوى الانتفاضة وانتهاج العصيان المدني لرفع هذا الحيف الطويل الأمد عن نفسه، فالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في سوريا باتت لاتطاق في ظل هذا النظام الذي أعلن شعبه عدواً له وانتزع منه كل أسباب القوة الحضارية وسلبه المال والسلطة وكم أفواه الناقدين وجعل البلاد سجناً كبيراً لكل معارض، مهما كان رقيق الخطاب ولطيف العبارة في مطالبه. وشرع الشعب السوري في مسيرة سلمية بدأت بمطالب ديموقراطية عادلة وإصلاحات لابد منها، إلا أن رد النظام كان مرعباً ودموياً للغاية خوفاً من أن ينهار بالسرعة التي انهار بهما كل من نظام “زين الهاربين” في تونس و”الفرعون الأخير مبارك” في مصر قبل شهورٍ قلائل. ورأى الشعب السوري أنه سيتمكن من “اسقاط نظام الأسد” دون اللجوء إلى أساليب أخرى في الكفاح الوطني، وقد فرض هذا الشعار نفسه عبر مسيرة الانتفاضة السورية ومع دوام وتعاظم سياسة التعذيب والتقتيل والاعتقال وسياسة رفض المطالب الشعبية بشكل سافر.

مضى الآن ما يقارب ثمانية شهورٍ على بدء الأنتفاضة السورية الكبرى، والمعارضة السياسية، التي تبدو وكأنها فوجئت بامكانات الشعب وقدرته على الصمود في وجه الآلة القمعية الرهيبة لهذا النظام القاتل لمواطنيه، لم تقدم حتى الآن خارطة طريق واضحة المعالم لما يجب القيام به من خطوات بهدف تحقيق أهداف الشعب، وإنما تركز عمل المعارضة على وضع الأطروحات والبرامج لمرحلة ما بعد سقوط النظام بشكل أساسي، وتحضير الذات من خلال مؤتمرات متتالية لاستلام الحكم بعد رحيل العائلة الاسدية، أما المهام الضرورية على أرض الواقع السوري فقد تركتها للمواطنين الذين يتصدون للعنف والارهاب الأسدي بصدورٍ عارية، إذ ليس لدى قيادات المعارضة سوى القليل مما يمكن تقديمه عملياً، حتى على مستوى الاهتمام باللاجئين الفارين من سطوة النظام. والاحتجاجات التي تقوم بها المعارضة بفصائلها المختلفة لايمكن أن تكون بديلاً عن الفعل الثوري الحقيقي ضد قمع النظام ودمويته في الشارع السوري الذي لاتستطيع المعارضة حتى الآن من السيطرة على مفاصله وتسييره بالشكل الذي تريده. ومعظم فصائلها لاتملك البديل العملي لفكرة “حماية الشعب” عن طريق اللجوء إلى العامل الخارجي، وظهور بعض قادة المعارضة بتصريحات متناقضة بهذا الصدد أمام الرأي العام

هنا يجب القول بأن العنصر الوحيد الذي يبدو فاعلاً في الساحة، سوى تنسيقيات الشباب الثائر، هوالجيش السوري الحر، الحديث النشأة، والذي يحتاج إلى مختلف أنواع الدعم في مجال خوض صراع مسلح مع النظام الذي انشق عنه أفراده وضباطه، فخبراته قليلة وضئيلة في هذا المجال لأنه لم يتدرب أصلاً على خوض حرب عصابات أو حرب مدن بالشكل الكافي وانما هو وليد جيش كلاسيكي ضعيف من مختلف النواحي

من أجل وضع رسم خارطة طريق للمرحلة التي نحن فيها الآن، وللمرحلة الانتقالية، لابد من القيام بأعمال ومهام، وليس مجرد رسم أحلامٍ مستقبلية عن نظام عادل وديموقراطي وحديث، فالأحلام وحدها لاتدعم الثورة، وإنما الخطوات العملية التي لابد منها، على الساحتين الداخلية والخارجية. وبدون توضيح الهدف الأساسي والأهداف المدرجة تحته، لايمكن تلمس الخطوط الهامة لهكذا خارطة طريق ضرورية

هنا يقفز سؤال إلى الساحة

– ماذا لو قبل النظام القائم لأسباب ذاتية وموضوعية، أو لمجرد التاكتيك لشق صفوف المعارضة بالمبادرة العربية المطروحة عليه فجأة؟

– كيف ستتصرف المعارضة الوطنية والديموقراطية؟ هل هناك خطة ما للانتقال إلى استراتيجية أخرى في مقارعة سياسة النظام؟

ومن البديهي أن ترسم خارطة الطريق على مرتكزات وتضم مفاصل أساسية بصدد مختلف المهام التي يجب الشروع في تنفيذها وتحديد مراحلها، ووضع الصورة الواضحة عنها في واجهة حانوت المعارضة ليراها ويناقشها ويساهم فيها كل مواطن سوري سائر في الاتجاه الصحيح لحركة مجتمعه ولانتفاضة مواطني وطنه، وفي الوقت ذاته يجب أن تكون هذه الخارطة واضحة المعالم للقاصي والداني في العالم الخارجي، ويجب أن تمتلك إجابات دقيقة لتساؤلات كبيرة في مختلف الأمور

منها مثلاً

  وماذا عن المعاهدة الفرنسية – التركية لعام 1937 حول لواء الاسكندرون؟

أو ماذا عن أسلوب استعادة الجولان المحتل، والسلام الدائم مع اسرائيل، أم أن المعارضة تحضر نفسها لانتهاج سبيل الحرب معها؟

أو: هل هناك شعب كوردي في سوريا، وإن وجد – وهو الواقع الحقيقي – فما هي حقوقه كشعب؟ مجرد حقوق مواطنة لمواطنين دون الاعتراف بهم كقومية متميزة أم الاعتراف بحقهم كشعب في تقرير المصير حسب اللوائح الدولية الخاصة بحقوق الامم والقوميات؟ وما الخطوات العملية أو خارطة الطريق لتنفيذ الاعتراف بهذا الحق الدولي للشعوب؟

أو: ماذا عن مخاوف وهواجس الأقلية العلوية التي ينتمي إليها رجال النظام الدموي الذي لايزال يتاجر باسمها، وكذلك الأقليات الدينية الأخرى؟ هل تكفي التصريحات الباهتة لبعض زعماء المعارضة أم أن هناك أعمال وأفعال في هذا الاتجاه المطمئن لها؟

وماذا عن الدور التركي في المنطقة؟ فهل المعارضة تعمل لانهاء النفوذ الايراني وحملة التشييع في سوريا وتترك الحبل على الغارب بصدد التوسع الاقتصادي التركي المدعوم إعلامياً وثقافيا،ً وفتح الثغور والنوافذ لانتشار الصوفية العثمانية التي كانت سلاح السيطرة التركية لقرون طويلة على العالم  العربي بذريعة “الدين المشترك”؟ ماذا في جعبة المعارضة حيال هذه المسألة، وبماذا تقوم به؟ أو: هل لها خطة في هذا المجال؟

طبعاً هذه الأسئلة وسواها بحاجة إلى إجابات، يجب أن لاتكون ارتجالية وانما مقرونة بأفعال وبانتهاج سياسات معينة، ولايمكن انتهاج سياسة دون خطة وبرنامج، أو دون ضمها إلى خارطة طريق، تبدأ من النقطة (آ) إلى (ب) ومن (ب) إلى ما بعدها وهكذا

وأخيراً، ما خطة المعارضة لمعالجة التقصير الذي حدث لدى تأسيس مجلسها الوطني الانتقالي؟ ما الأفعال المنجزة في هذا الصدد، أم أن غرور البعض من قادة المجلس سيحوله مع الأيام إلى تنظيم سياسي جامع للكثير من المتناقضات وقابل للانفجار كل لحظة، والاعتماد فقط على بعض إنجازات المجلس الدبلوماسية واقتراب التنسيقيات الثائرة منه لعدم وجود بديل حالي له، كما يبدو، دون القيام بأي أعمال وأفعال حقيقية بذاته على أرض الواقع السوري؟

إن خارطة الطريق التي رسمها لنفسه “المجلس الديموقراطي السوري”، غير المنشورة حتى الآن، رغم احتياجها إلى تنقيحات أخرى وتطوير، تبدو لي جيدة ووليدة هذه المرحلة وملائمة لعمل مستقبلي كبير، إلا أن التطبيق والتنفيذ والتحقيق في أنها تنفذ بشكل واقعي وموضوعي ودقيق يجعل منها “خارطة طريق لمعارضة سورية جديرة”، وهذا يستدعي من الإخوة في المجلس الديموقراطي السوري تحويل النظري إلى العملي، وعدم الاكتفاء بنسج الأحلام الوردية عن المستقبل السوري فقط، كما فعل ويفعل البعض حتى الآن مع الأسف

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s